وهي ضربان:
الأول: خصائص تشريعية: وهي ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم من التشريعات الإلهية.
والثاني: خصائص تفضيلية: وهي الفضائل والتشريفات التي كرم الله بها نبينا صلى الله عليه وسلم دون غيره(1).
2 - ما ذكره من خصائصه صلى الله عليه وسلم-:
أورد ابن حجر جملة من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم، ويمكن تقسيم ما أورده إلى قسمين:
الأول: ما عده من خصائصه صلى الله عليه وسلم وهو ثابت.
الثاني: ما عده من خصائصه صلى الله عليه وسلم وهو غير ثابت.
وفيما يلي سياق ما ذكره وفقًا لذلك.
القسم الأول: ما عده من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم وهو ثابت:
قال في سياقه لجملة منها: "رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيد الأولين والآخرين، والملائكة المقربين، والخلائق أجمعين، وحبيب رب العالمين، أكمل رسل الله، وأفضل خلق الله، المخصوص بـ:
الشفاعة العظمى يوم الدين(2).
والمنصوص على عموم رسالته إلى العالمين من الإنس، والجن، والملائكة السابقين واللاحقين(3).
صاحب اللواء المعقود.
والمقام المحمود(4).--------------------------------------------
(1) انظر: خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء للصادق محمد (ص 23 - 25).
(2) انظر: الدر المنضود (ص 169)، الجوهر المنظم (ص 59)، المنح المكية (3/ 1345)، الفتاوى الحديثية (ص 172).
(3) انظر: تحفة المحتاج (1/ 14)، فتح المبين (ص 12، 126)، الدر المنضود (ص 36)، المنح المكية (1/ 141، 158، 435)، الفتاوى الحديثية (ص 88، 94، 168، 206، 283، 285) التعرف (ص 115).
(4) انظر: تحفة المحتاج (1/ 171)، فتح الجواد (1/ 105)، الدر المنضود (ص 168)، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
والحوض المورود …
فهو الذي اصطفاه بالمحبة والخلة.
والقرب والدنو المنزه عن الإحاطة والجهة(1).
والمعراج.
والصلاة بالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.
والشهادة عليهم وعلى أممهم.
ولواء الحمد.
والوسيلة.
والبشارة والنذارة.
والهداية والإمامة.
والرحمة للعالمين.
وبالكوثر.
وأنه يعطيه حتى يرضى.
وبإتمام النعمة.
وبشرح الصدر.
ورفع الذكر فلا يذكر تعالى إلا ويذكر معه.
وبغرة النصر.
والتأييد بالملائكة عليهم السلام.
وبنزول السكينة.
والسبع المثاني.
وإجابة الدعوة.
وبالقسم بحياته …--------------------------------------------
= الجوهر المنظم (ص 59 - 60)، المنح المكية (3/ 1465)، الفتاوى الحديثية (ص 204، 254)، التعرف (ص 120)، غرر المواعظ (ص 131).
(1) انظر: ما سبق (ص 308).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
ودوام الصلاة عليه من الله وجميع ملائكته الذين لا يحصيهم إلا الله تعالى ومن أمته في سائر الأزمنة والأمكنة(1) … إلى غير ذلك مما لا يطمع في حصره ولا غاية لاستقصائه"(2).
وذكر في مواضع أخرى من كتبه اختصاصه بختم النبوة(3)، وجوامع الكلم(4)، وإسلام قرينه من الجن(5)، وإحلال الحرم له يوم الفتح(6).
التقويم:
الخصائص الثابتة لنبينا صلى الله عليه وسلم كثيرة، وما ذكره ابن حجر طرف منها، والكلام عليها وبيان أدلتها يطول، وقد أفردها غير واحد من أهل العلم بمصنفات خاصة(7)؛ ولهذا سأطوي الكلام عليها مكتفيًا بالإحالة على مصنفات أهل العلم فيها(8).
القسم الثاني: ما عده من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم وهو غير ثابت:
يرى ابن حجر رحمه الله أن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون بما ثبت له، وأذن به، دون مجاوزة ذلك، حيث يقول: "يتعين على كل أحد أن لا يعظمه إلا بما أذن الله لأمته في جنسه مما يليق بالبشر، فإن مجاوزة ذلك تفضي إلى الكفر والعياذ بالله، بل مجاوزة الوارد من حيث هو ربما تؤدي إلى محذور؛ فليقتصر على الوارد … "(9).--------------------------------------------
(1) انظر: الدر المنضود.
(2) المولد الشريف (ص 25)، وانظر: مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 28).
(3) انظر: أشرف الوسائل (ص 57، 80)، المنح المكية (1/ 274)، مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 46)، المولد الشريف (ص 49، 63).
(4) انظر: فتح المبين (ص 24).
(5) انظر: الفتاوى الحديثية (ص 101)، الإفصاح (ص 174).
(6) انظر: فتح الإله (ص 320).
(7) ذكر المنجد في معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة منها (ص 187 - 190).
(8) انظر: غاية السول (ص 223)، اللفظ المكرم (2/ 5)، الخصائص الكبرى (2/ 314)، مرشد المحتار (ص 123)، خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص 31 - 79).
(9) الجوهر المنظم (ص 64).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
ولكن ابن حجر لم يتقيد بما ذكره هنا حيث ادعى للنبي صلى الله عليه وسلم من الخصائص ما لم يثبت له، ولم يأذن به، وفيما يلي بيان ذلك:
1 - اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأنه أول النبيين في الخلق والنبوة:
يقول في ذلك: "اعلم أن الله شرف نبيه صلى الله عليه وسلم بسبق نبوته في سابق أزليته؛ وذلك أن الله تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره … ثم أعلمه بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن …
روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدًا خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته" …
وصح أيضًا: متى كنت نبيًّا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" …
وجاء "أنا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا … "(1).
التقويم:
القول بأن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أول الكائنات خلقًا، وأنه متقدم على سائر الأنبياء بالنبوة قرره غير واحد من غلاة المتصوفة ومن وافقهم(2).
وما ذكره ابن حجر -عفا الله عنه- لا يخرج عما قرروه، وهو باطل من وجوه:
الأول: أن الأدلة النقلية والعقلية والحسية كلها تدل على أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء خلقًا، وخاتمهم نبوة.
الثاني: أن النصوص الشرعية وإن اختلفت في تحديد أول ما خلق الله--------------------------------------------
(1) المولد الشريف (ص 27)، وانظر: أشرف الوسائل (ص 34 - 37)، المنح المكية (1/ 139) (2/ 653)، مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 34).
(2) انظر: الفتوحات المكية لابن عربي (1/ 134)، الخصائص الكبرى للسيوطي (1/ 7)، الإبريز للدباغ (ص 253).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
من الكائنات إلا أنه لم يصح في شيء منها أن أول المخلوقات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو نوره -كما سيأتي-.
الثالث: أن ما استدل به ابن حجر على دعواه لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:
1 - قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدًا خاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته":
الحديث بهذا اللفظ لم يخرجه مسلم -كما ذكر ابن حجر- وإنما خرَّج أوله(1).
وأما آخره ومحل الاستدلال منه وهو قوله: "ومن جملة ما كتب في الذكر … " فقد أخرجه أحمد(2)، والبخاري في التاريخ الكبير(3)، ويعقوب بن سفيان(4)(5)، وابن حبان(6)، والطبراني(7)، والبيهقي(8)، وأبو نعيم(9) من طرق عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الله(10) بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته … ".
وهو بهذا الإسناد لا يصح فيه سعيد بن سويد الكلبي.--------------------------------------------
(1) انظر: الصحيح، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى (4/ 2044) برقم (2653) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
(2) انظر: المسند (28/ 379، 382، 395) بالأرقام التالية: (17150، 17151، 17163).
(3) انظر: (6/ 68 - 69).
(4) هو يعقوب بن سفيان الفارسي الفسوي، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: المعرفة والتاريخ، كتاب السنة، كتاب البر والصلة وغيرها، توفي سنة 277 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (13/ 180)، شذرات الذهب (2/ 171).
(5) انظر: المعرفة والتاريخ (2/ 345).
(6) انظر: الصحيح (14/ 312) برقم (6404).
(7) انظر: المعجم الكبير (18/ 629).
(8) انظر: الدلائل (2/ 130).
(9) انظر: الدلائل (1/ 48، 49).
(10) كذا وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي وهو خطأ، والصواب عبد الأعلى، وقد نبه على ذلك الإمام عبد الله بن أحمد في المسند (28/ 386)، وللاستزادة: انظر: تحقيق المسند (28/ 380).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عنه: "سعيد بن سويد الكلبي الشامي، روى عن العرباض بن سارية، وربما أدخل بينهما عبد الأعلى بن هلال …
ذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: لم يصح حديثه، يعني الذي رواه معاوية عنه مرفوعًا: "إني عبد الله وخاتم النبيين في أم الكتاب، وآدم منجدل في طينته"، وخالفه ابن حبان والحاكم فصححاه … "(1).
2 - قوله صلى الله عليه وسلم جوابًا لمن سأله: متى كنت نبيًّا؟ : "وآدم بين الروح والجسد".
الحديث أخرجه الترمذي(2)، والحاكم(3)، وأبو نعيم(4) من طرق عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه"(5).
والجواب عنهما: أن الحديثين لا يدلان على ما ذهب إليه ابن حجر من تقدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء في الخلق والنبوة، وإنما غاية ما يدلان عليه أنه صلى الله عليه وسلم كتب نبيًّا وآدم لم تنفخ فيه الروح بعد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حينئذ موجودًا، وأن ذاته خلقت قبل الذوات …
والمقصود هنا أن الله - سبحانه الله وتعالى- كتبه نبيًّا بعد خلق آدم وقبل نفخ الروح فيه.
وهو موافق لما أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك … "(6) إلى آخره، بين فيه خلق الجنين، وتنقله--------------------------------------------
(1) تعجيل المنفعة (1/ 583 - 584)، وانظر: التاريخ الكبير (3/ 476)، الجرح والتعديل (4/ 29)، الثقات (6/ 361).
(2) انظر: السنن، كتاب المناقب، باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم (5/ 545)، برقم (3609).
(3) انظر: المستدرك (2/ 609).
(4) انظر: الدلائل (1/ 48).
(5) السنن (5/ 546).
(6) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (2/ 993) برقم (3208)، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي (4/ 2036) برقم (2643).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
من حال إلى حال، فناسب هذا أنه بين خلق آدم ونفخ الروح فيه تكتب أحواله، ومن أعظمها كتابة سيد ولده"(1).
3 - قول صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا":
الجواب عنه: أن الحديث أخرجه ابن أبي حاتم(2)، وأبو نعيم(3) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه به. وهو بهذا الإسناد لا يصح، لما يلي:
أ - عنعنة الحسن البصري، وهو معدود فيمن احتمل الأئمة تدليسه(4)، إلا أن في سماعه من أبي هريرة كلام، والصحيح أنه سمع منه أحاديث معدودة ليس هذا منها(5).
ب - عنعنة قتادة بن دعامة السدوسي، وهو معدود فيمن أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع(6).
جـ - ضعف سعيد بن بشير، خاصة في روايته عن قتادة(7)، والحديث من روايته عنه، ولهذا ذكره الذهبي في ترجمته وعده من غرائبه(8).
وعليه فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة(9).
2 - اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأئه خلق من نور:
يقول في ذلك: "نور نبوته متقدم على جميع المخلوقات، وشاهده:--------------------------------------------
(1) تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 66 - 67).
(2) انظر: التفسير (9/ 3116) رقم: (17594) (17595).
(3) انظر: دلائل النبوة (1/ 42) رقم: (3).
(4) انظر: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفية بالتدليس لابن حجر (ص 102).
(5) انظر: التدليس في الحديث للدميني (ص 291).
(6) انظر: تعريف أهل التقديس (ص 146).
(7) انظر: التاريخ الكبير (3/ 460)، المجروحين لان حبان (1/ 315)، ميزان الاعتدال (2/ 129)، تهذيب التهذيب (4/ 9).
(8) انظر: ميزان الاعتدال (2/ 129).
(9) انظر: الكامل لابن عدي (3/ 1209)، ميزان الاعتدال (2/ 129)، الأسرار المرفوعة للقاري (ص 272)، الفوائد المجموعة (ص 326)، السلسلة الضعيفة (2/ 115).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
حديث عبد الرزاق بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: يا رسول الله أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء، قال: "يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح، ولا قلم، ولا جنة، ولا نار، ولا ملك، ولا سماء، ولا أرض، ولا شمس، ولا قمر، ولا جن، ولا إنس، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء:
فخلق من الجزء الأول: القلم، ومن الثاني، اللوح، ومن الثالث: العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء:
فخلق من الأول: السماوات، ومن الثاني: الأراضين، ومن الثالث: الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء:
فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني: نور قلوبهم وهو المعرفة بالله، ومن الثالث: نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله … " الحديث …
وفي حديث … "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام".
وفي الخبر: "لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور يدور في ظهره، فكان يلمع في جبينه، فيغلب على سائر نوره" الحديث … "(1).
"وكان يكثر الدعاء بأن الله تعالى يجعل كلًّا من حواسه وأعضائه وبدنه نورًا، إظهارًا لوقوع ذلك …
ومما يؤيد أنه صلى الله عليه وسلم صار نورًا، أنه كان إذا مشى في الشمس أو القمر لم يظهر له ظل؛ لأنه لا يظهر إلا لكثيف، وهو صلى الله عليه وسلم قد خصه الله من سائر الكثائف الجسمانية، وصيره نورًا صرفًا لا يظهر له ظل أصلًا خرقًا للعادة، كما خرقت له في شق صدره وقلبه مررًا ولم يتأثر بذلك"(2).--------------------------------------------
(1) المنح المكية (1/ 139).
(2) المصدر السابق (1/ 229)، وانظر: المولد الشريف (ص 30، 34، 37، 38)، مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 39)، العمدة شرح البردة (289).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
التقويم:
ما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من كون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خلق من نور منقول عن جماعة من غلاة الصوفية(1)، وهو قول باطل من وجوه:
1 - أن القول بذلك ينافي بشرية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن البشر مخلوقون من التراب لا من النور، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)} [الروم: 20]. وقال صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"(2).
فهذا خبر عام في جميع البشر، فتخصيص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه خلق من نور يحتاج إلى مخصص، ولا مخصص(3).
2 - أن القول بذلك يفضي إلى بعض العقائد الفاسدة كاعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم مخلوق من نور الله تعالى، وأن العالم كله خلق من نوره، وأنه أول المخلوقات، وأن خلقه متقدم على العرش والقلم، وقد التزم جماعة من القائلين بذلك بهذه العقائد(4)، ومنهم ابن حجر.
3 - أن القول بذلك مأخوذ من بعض الفلسفات القديمة، والنظريات الفاسدة(5).
4 - أن ما استدل به القائلون بذلك - ومنهم ابن حجر- لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:--------------------------------------------
(1) انظر: الفتوحات المكية لابن عربي (1/ 119)، الإنسان الكامل للجيلي (2/ 46)، الإبريز للدباغ (ص 252).
(2) سبق تخريجه (ص 361).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 94 - 95)، فتاوى اللجنة الدائمة (1/ 309)، فتاوى ابن عثيمين (1/ 333).
(4) انظر: الفتوحات المكية (1/ 119)، الإنسان الكامل (2/ 46)، الإبريز (ص 252).
(5) انظر: الجواب الصحيح (3/ 384)، حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ لعبد الرؤوف القاسم (ص 280)، التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق لزكي مبارك (1/ 210، 279، 201)، الانحرافات العقدية عند الصوفية لإدريس محمود إدريس (1/ 393)، خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص 100 - 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
أ- أما حديث جابر رضي الله عنه: "إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره … ".
فهو حديث باطل، ولم يخرجه أحد من أئمة الحديث، ومن القواعد المقررة التي يعرف بها وضع الحديث أن لا يتداوله المحدثون في كتبهم.
وعزو ابن حجر الحديث إلى عبد الرزاق باطل؛ إذ هو ليس في شيء من كتبه(1).
ب - وأما حديث: "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام":
فلم أجد من أخرجه بهذا اللفظ، وقد عزاه العجلوني(2)(3) لابن القطان(4) في أحكامه، وبعد البحث في المطبوع من كتبه لم أجده في شيء منها(5).
وقد أخرج القطيعي(6) في زوائده على فضائل الصحابة لأحمد(7)،--------------------------------------------
(1) انظر: تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور للشنقيطي، النور المحمدي لعداب الحمش (ص 50)، ملحق عن قصيدة البردة لعبد الله الصديق الغماري بذيل كتاب البوصيري مادح الرسول صلى الله عليه وسلم للحمامصي (75).
(2) هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي العجلوني الدمشقي، أبو الفداء، من مؤلفاته: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، شرح الحديث المسلسل بالدمشقيين، الفيض الجاري شرح صحيح البخاري وغيرها، توفي سنة 1162 هـ، انظر: سلك الدرر (1/ 259)، الأعلام (1/ 325).
(3) انظر: كشف الخفاء (1/ 311).
(4) هو علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى الفاسي، أبو الحسن، المشهور بابن القطان، من مؤلفاته: بيان الوهم والإبهام الواقعين في كتب الأحكام، النظر في أحكام النظر، رسالة في حديث عاشوراء، وغيرها، توفي: سنة 628 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (22/ 306)، وشذرات الذهب (5/ 128).
(5) وهي بيان الوهم، والنظر في أحكام النظر.
(6) هو أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القطيعي، من كبار أئمة الحنابلة، سمع من عبد الله بن أحمد كتب أبيه، ورواها عنه، توفي سنة 368 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 210)، شذرات الذهب (3/ 65).
(7) انظر: فضائل الصحابة (2/ 662) رقم: (1130).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
وابن عساكر في تاريخه(1) من طريق الحسن بن علي البصري، عن أحمد بن المقدام العجلي، عن الفضيل بن عياض، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن زاذان، عن سلمان الفارسي زحبه حديثًا بنحوه، ولفظه: "كنت أنا وعلي نورًا بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم باربعة عشر ألف عام … ".
وفيه: الحسن بن علي البصري، متهم بالكذب(2)، والحديث معدود في طوامه(3).
قال العلامة محمود شكري الألوسي: "هذا الحديث موضوع قطعًا بإجماع أهل السنة"(4).
جـ - وأما حديث: "لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور يدور في ظهره … ".
فلم أجد بعد البحث من خرَّجه من أهل الحديث، وإنما ذكره بعضهم دون عزو.
وأما ما زعمه ابن حجر من كون دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل كل حواسه نورًا إظهارًا لوقوع ذلك، وأنه لم يكن له ظل لكونه نورًا صرفًا فهو من مجازفاته؛ إذ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لا يعني إظهار وقوعه وإلا لمنعت أمته من الدعاء بمثله، ودعوى كونه صلى الله عليه وسلم نورًا صرفًا لا ظل له لم يشهد لها ما يدل عليها ومثلها مما تتوافر الهمم لنقله.
3 - اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأنه المقصود من الخلق، والممد لها، وخليفة الله فيها:
يقول في ذلك: "اعلم أن الله تعالى شرف نبيه بسبق نبوته في سابق أزليته، وذلك أنه تعالى لما تعلقت إرادته بإيجاد الخلق أبرز الحقيقة المحمدية من محض نوره، قبل وجود ما هو كائن من المخلوقات بعد، ثم سلخ العوالم كلها، ثم أعلمه تعالى بسبق نبوته وبشره بعظيم رسالته، كل--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ دمشق (1/ 137).
(2) انظر: ميزان الاعتدال (1/ 507)، لسان الميزان (2/ 229).
(3) انظر: المصدران السابقان.
(4) مختصر التحفة الاثني عشرية (ص 168).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
ذلك وآدم لم يوجد، ثم انبجست منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح فظهر بالملأ الأعلى أصلًا ممدًا للعوالم كلها"(1).
ويقول في شرحه لقول البوصيري:
"كل فضل في العالمين فمن فضـ … ـل النبي استعاره الفضلاء"(2)
"كل فضل وجد في العالمين الإنس والملائكة والجن فهو كائن من فضل ذلك النبي الأكرم على ربه من سائر الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، .. استعاره … الفضلاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم الممد لهم، إذ هو الوارث للحضرة الإلهية، والمستمد منها بلا واسطة دون غيره، فإنه لا يستمد منها إلا بواسطته صلى الله عليه وسلم، فلا يصل لكامل شيء إلا وهو من بعض مدده، وعلى يديه، فآيات كل نبي إنما هي مقتبسة من نوره؛ لأنه كالشمس وهم كالكواكب، فهي غير مضيئة بذاتها، وإنما هي مستمدة من نور الشمس، فإذا غابت أظهرت أنوارها، فهم قبل وجوده صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يظهرون فضله، وأنوارهم مستمدة من نوره الفائض ومدده الواسع.
ألا ترى أن ظهور خلافة آدم، وإحاطته بالأسماء كلها، إنما هو مستمد من جوامع الكلم المخصوص به نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم توالت الخلائق إلى زمن بروز جسمه الشريف، فلما أبرز كان كالشمس اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء … "(3).
ويقول في معرض ذكره لآداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم: "ينبغي له أن يستحضر حياته المكرمة في قبره المكرم، وأنه يعلم بزائريه على اختلاف درجاتم وأحوالهم وقلوبهم وأعمالهم، وأنه صلى الله عليه وسلم يمد كلًّا منهم بما يناسب ما هو عليه، وأنه خليفة الله الذي جعل خزائن كرمه، وموائد نعمه طوع يديه وتحت إرادته يعطي منهما من يشاء، ويمنع منهما من يشاء، وأنه لا يمكن أحدًا أن يصل إلى الحضرة العلية من غير طريقه … "(4).--------------------------------------------
(1) مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 34 - 36)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص 220).
(2) الهمزية مع شرحها المنح المكية (2/ 653).
(3) المنح المكية (2/ 653).
(4) الجوهر المنظم (ص 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
التقويم:
ما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من كون النبي صلى الله عليه وسلم هو المقصود من الخلق، وهو الممد لها، وخليفة الله فيها، منقول عن جماعة من غلاة المتصوفة(1)، وهو باطل من وجوه:
1 - أن القول بذلك يعارض النصوص الشرعية الدالة على أن المقصود من الخلق ابتلاؤهم بالعبادة كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]. وقوله سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]، وأن الله تعالى هو الممد للمخلوقات والمتصرف فيها كيف يشاء كقوله عز وجل: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 284]. وقوله جلَّ وعلا: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)} [المائدة: 17].
2 - أن القول بذلك ينافي بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم وما أخبر الله به عنه وأخبر هو عن نفسه كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} [الكهف: 110]، وقوله عز وجل: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)} [الأعراف: 188]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا"(2).
3 - أن هذا القول مأخوذ من بعض الفلسفات الفاسدة، والعقائد الباطلة كالفلسفة الهندية، والعقيدة النصرانية(3).--------------------------------------------
(1) انظر: الإبريز للدباغ (ص 252، 260)، حجة الله على العالمين للنبهاني (ص 14، 52).
(2) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] (3/ 1497) برقم (4771) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(3) انظر: الجواب الصحيح (3/ 384)، حقيقة الصوفية للقاسم (ص 280)، مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية (1/ 393).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
4 - أن ابن حجر لم يذكر دليلًا يعتمد عليه في دعواه، والقائلون بقوله غاية ما استدلوا به أحاديث موضوعة لا تقوم بها الحجة.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه: "ما يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كوكبًا، أو أن العالم كله خلق منه، أو أنه كان موجودًا قبل أن يخلق أبواه، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل، وأمثال هذه الأمور، فكل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته.
والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي صلى الله عليه وسلم، بل خلق كل واحد من أبويه، ونفخ الله فيه الروح.
ولا كان كلما يعلم الله لرسله وأنبيائه بوحيه يأخذونه بواسطة سوى جبريل، بل تارة يكلمهم الله وحيًا يوحيه إليهم، وتارة يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى بن عمران، وتارة يبعث ملكًا فيوحي بإذنه ما يشاء، ومن الأنبياء من يكون على شريعة غيره، كما كان أنبياء بني إسرائيل على شريعة التوراة.
وأما كونهم كلهم يأخذون من واحد فهذا يقوله ونحوه أهل الاتحاد من أهل الوحدة والاتحاد كابن عربي صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأمثالهما"(1).
4 - اختصاصه صلى الله عليه وسلم بإحياء أبويه وإيمانهما به:
يقول في ذلك: "اختلف الناس في أبويه هل هما مؤمنان في الجنة أم لا …
واعلم أن الحق الواضح الجلي الذي لا غبار عليه أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ناجيان لا عقاب عليهما، وكذا أهل الفترة جميعهم …
روى الطبراني بسنده عن عائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله عز وجل، ثم رجع مسرورًا، قال: سألت ربي عز وجل، فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردَّها".--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (18/ 367 - 368).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
ورواه ابن شاهين(1) عنها بلفظ: حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ومر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه نزل فقال: "يا حميراء، استمسكي" فاستندت إلى جنب البعير، فمكثت مليًا، ثم عاد إليَّ وهو فرح مبتسم فقال: "ذهبت لقبر أمي، فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمنت بي".
وكذا جاء من حديثيهما أيضًا: أحيا أبويه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهما حتى آمنا به، رواه الخطيب وكذا السهيلي(2)، وقال: في سنده مجاهيل، وابن كثير قال: منكر جدًّا وسنده مجهول، وليس كما قال مطلقًا"(3).
"والأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر، بل نجس كما في الآية: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، … وأيضًا قال تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)} [الشعراء: 219]، على أحد التفاسير فيه أن المراد تنقل نوره من ساجد إلى ساجد … "(4).
التقويم:
القول بحياة أبوي النبي وإيمانهما به بعد وفاتهما قرره غير واحد من المتصوفة(5) وهو قول باطل من وجوه:--------------------------------------------
(1) هو عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد البغدادي، أبو حفص، المشهور بابن شاهين، سلفي ثقة حافظ، من مؤلفاته: شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين، وناسخ الحديث ومنسوخه، وتاريخ أسماء الثقات وغيرها، توفي سنة 385 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 431)، شذرات الذهب (3/ 117).
(2) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي، عالم باللغة والسير، من مؤلفاته: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تفسير سورة يوسف، نتائج الفكر وغيرها، توفي سنة 581 هـ. انظر: وفيات الأعيان (1/ 280)، تذكرة الحفاظ (4/ 137).
(3) المولد الشريف (ص 65)، وانظر: أشرف الوسائل (ص 39)، المنح المكية (1/ 151، 165)، الزواجر (1/ 33)، العمدة شرح البردة (ص 324).
(4) المنح المكية (1/ 151).
(5) انظر: الرسائل التسع للسيوطي (ص 139 - 197، 201 - 221). الحاوي له (2/ 202 - 333).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
الأول: أن القول بذلك معارض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع(1).
فمن دلالة الكتاب: قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)} [النساء: 17، 18].
وقوله سبحانه: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)} [غافر: 85].
وقوله عز وجل {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)} [التوبة: 113].
ومن دلالة السنة: قوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن والده: "إن أبي وأباك في النار"(2).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي"(3).
وأما الإجماع: "فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك؛ من غير إظهار خلاف لما هنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق"(4).
الثاني: أن القول بذلك ينافي "القواعد الشرعية الدالة على عدم قبول الإيمان بعد مشاهدة الأحوال الغيبية، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى إثبات بالأدلة القوية.
وأما الاستدلال بالقدرة الإلهية، وقابلية الخصوصية للحضرة النبوية،--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (4/ 324)، رسالة في حق أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم لإبراهيم الحلبي (ص 456)، أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول للقاري (ص 64).
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار (1/ 191) برقم (203) من حديث أنس رضي الله عنه به.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل -في زيارة قبر أمه (2/ 672) برقم (976) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(4) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص 84)، وانظر: رسالة في حق أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم (ص 461).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
فأمر لا ينكره أحد من أهل الملة الحنيفية، وإنما الكلام في إثبات هذا المرام، بالأدلة على وجه النظام، لا بالاحتمال الذي لا يصلح للاستدلال، خصوصًا في معارضة نصوص الأقوال"(1).
الثالث: أن القول بذلك قد جر بعض القائلين به - ومنهم ابن حجر- إلى القول بنجاة كل أصول النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ردّ ذلك العلامة القاري رحمه الله فقال: "وأما ما ذكر ابن حجر المكي … من أن الأحاديث مصرحة لفظًا في أكثره، ومعنى في كله، أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم غير الأنبياء وأمهاته إلى آدم وحواء، ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال في حقه إنه مختار، ولا كريم، ولا طاهر؛ فمردود عليه، إذ ليس في الأحاديث لفظ صريح يشير إليه، وأما المعنى؛ فكأنه أراد به لفظ: (المختار) و (الكريم) و (الأطهار)، وهو لا دلالة فيه على الإيمان أصلًا، وإلا فيلزم منه أن تكون قبيلة قريش كلهم مؤمنين؛ لحديث: "إن الله اصطفى بني كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة"(2). ولم يقل به أحد من المسلمين …
فتأمل؛ فإنه موضع زلل، ومقام خطل، واحذر أن تكون ضالًا مضلًا في الوحل"(3).
الرابع: أن الأدلة التي ساقها ابن حجر في الدلالة على قوله لا تصح وبيان ذلك فيما يلي:
1 - أما استدلاله بكونهم من أهل الفترة على نجاتهم فهو مردود من وجهين:
أ- أن ذلك معارض بقوله بحياتهما بعد وفاتهما وإيمانهما بالنبي صلى الله عليه وسلم؛--------------------------------------------
(1) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص 88 - 89).
(2) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم (4/ 1782) برقم (2276) من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه به.
(3) أدلة معتقد أبي حنيفة (ص 118 - 119)، وانظر: رسالة في حق أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم (ص 463 - 468).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
فإنهما لو كانا من أهل الفترة لما احتاجا إلى الإحياء والإيمان بالنبوة بناء على أنهما من أهل النجاة(1).
ب - أن أهل الفترة القول الصحيح في حقهم أنهم يمتحنون بنار في عرصات القيامة، لا القول بنجاتهم مطلقًا(2).
2 - أن الأحاديث التي أوردها ابن حجر في الدلالة على قوله موضوعة لا تصح.
فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أحيى له أبويه حتى أسلما على يديه، ثم ماتا بعد ذلك؟
فأجاب بقوله: "لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث، بل أهل الحديث متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد رُوي … بإسناد فيه مجاهيل … فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا؛ كما نص عليه أهل العلم؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوفَّر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة … "(3).
وأما تفصيل الكلام على ما أورده منها، فيمكن بيانه فيما يلي:
أ- حديث عائشة رضي الله عنهما في زيارته لقبر أمه صلى الله عليه وسلم بالحجون، وحياتها وإيمانها: أخرجه ابن شاهين(4)، ومن طريقه الخطيب(5)، وعنه الجورقاني(6)(7)، والدارقطني(8)، وابن عساكر(9) من طريق محمد بن الحسن--------------------------------------------
(1) انظر: أدلة معتقد أبي حنيفة (ص 91).
(2) انظر: الجواب الصحيح (1/ 312)، أضواء البيان (3/ 483).
(3) مجموع الفتاوى (4/ 324).
(4) انظر: ناسخ الحديث ومنسوخه (ص 489) رقم: (656).
(5) انظر: السابق واللاحق (ص 377 - 378).
(6) هو الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر الجورقاني الهمداني، أبو عبد الله، سلفي حافظ، من مؤلفاته: الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، توفي سنة 543 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (12/ 184)، شذرات الذهب (4/ 136).
(7) انظر: الأباطيل والمناكير (1/ 222).
(8) انظر: لسان الميزان (4/ 305) فقد عزاه إلى غرائب مالك له.
(9) انظر: المصدر السابق (4/ 305) فقد عزاه إلى غرائب مالك له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
النقاش، عن أحمد بن يحيى الحضرمي، عن محمد بن يحيى الزهراني، عن عبد الوهاب بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنهما به.
قال ابن الجوزي: "موضوع بلا شك: النقاش ليس بثقة، وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان …
وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة، وليست بالحجون"(1).
والحديث ذكره عامة من ألف في الموضوعات والأحاديث المشتهرة(2).
ب - حديث: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما له وآمنابه".
ذكره السهيلي فقال: "ورُوي حديث غريب لعله أن يصح، وجدته بخط جدي … بسند فيه مجهولون، ذكر أنه نقله من كتاب انتسخ من كتاب مُعوِّذ بن داود بن معوذ الزاهد يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة، عن عائشة رضي الله عنهما … "(3) فذكره.
والحديث ظاهر البطلان؛ إذ ليس له إسناد يثبت، فضلًا عما ذكره السهيلي من جهالة بعض رواته.
5 - اختصاصه صلى الله عليه وسلم بجواز رؤيته يقظة بعد وفاته:
سئل ابن حجر رحمه الله هل تمكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة؟
فأجاب بقوله: "أنكر ذلك جماعة، وجوَّزه آخرون وهو الحق … استُدل:
بحديث البخاري: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" أي: بعيني--------------------------------------------
(1) الموضوعات (1/ 283 - 284).
(2) انظر: الموضوعات لابن الجوزي (1/ 283 - 284)، اللآلئ المصنوعة (1/ 266)، تنزيه الشريعة لابن عراق (1/ 332)، كشف الخفاء (1/ 61).
(3) الروض الأنف (1/ 194).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
رأسه، وقيل: بعين قلبه، واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة، على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره في المنام …
والحكايات في ذلك عن أولياء الله كثيرة جدًّا، ولا ينكر ذلك إلا معاند أو محروم.
وأكثر ما تقع رؤيته صلى الله عليه وسلم بالقلب ثم بالبصر لكنها به ليست كالرؤية المتعارفة وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني فلا يدرك حقيقته إلا من باشره كذا قيل، ويحتمل أن المراد الرؤية المتعارفة بأن يرى ذاته طائفة في العالم أو تنكشف الحجب له بينه وبين النبي وهو في قبره فينظره حيًّا فيه رؤية حقيقية إذ لا استحالة، لكن الغالب أن الرؤية إنما هي لمثاله لا لذاته … "(1).
التقويم:
ما ذكره ابن حجر- غفر الله له - من جواز رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة بعد وفاته قرره جماعة من الصوفية(2)، وهو باطل من وجوه:
الأول: أن القول بذلك معارض بالأدلة النقلية والعقلية والحسية الدالة على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرد على ذلك حياته في قبره إذ حياته فيه حياة برزخية(3).
الثاني: أن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة بعد وفاته لو كانت ممكنة، لكان أولى الناس بها أصحابه صلى الله عليه وسلم، ولا سيما مع قيام المقتضي لهذه الرؤية، فإنه قد جرى بين الصحابة من النزاع في كثير من المسائل ما يستدعي ظهوره لهم--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 392 - 394)، وانظر: (ص 382، 391)، أشرف الوسائل (ص 599)، المنح المكية (2/ 693).
(2) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة (4/ 237)، الحاوي (2/ 255)، طبقات الصوفية الكبرى للشعراني (2/ 69).
(3) انظر: حياة الأنبياء بعد وفاتهم (ص 32 - 49). توضيح المقاصد لابن عيسى (2/ 160 - 171)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (98 - 101)، شرح الكافية الشافية لهراس (1/ 402).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)