والحديث ضعيف، فيه أبو حمزة الثمالي، وهو ثابت بن أبي صفية، قال الحافظ ابن حجر: "ضعيف رافضي"(1).
والجواب عنها جميعًا: أن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه ابن حجر من إثبات نبوة إبراهيم ابن نبينا صلى الله عليه وسلم، بل غاية ما تدل عليه أنه لو عاش لكان نبيًّا لكنه لم يعش فلم تثبت له النبوة(2)، ومما يؤيده ما أخرجه البخاري -وهو أصح شيء في الباب- عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أنه قال: "لو قضى الله أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده"(3).
4 - لقمان:
يرى ابن حجر رحمه الله عدم نبوة لقمان، حيث قال: "والخضر نبي دون لقمان … "(4)، وأورد كلام السيوطي في عدم نبوته ولم يتعقبه بشيء(5).
التقويم:
ذكر الله تعالى لقمان في كتابه، وبين أنه آتاه الحكمة، وقص من خبره ما يدل على حكمته.
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} [لقمان: 12].
وقد اختلف أهل العلم فيه هل كان نبيًّا أم حكيمًا؟
فذهب الجمهور إلى أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا(6)، وحكى بعضهم--------------------------------------------
(1) التقريب (ص 185)، وانظر: تهذيب الكمال (4/ 357)، ميزان الاعتدال (1/ 363)، تهذيب التهذيب (2/ 7 - 8).
(2) انظر: الإصابة (1/ 321)، سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 388).
(3) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من سمى بأسماء الأنبياء (4/ 1949) برقم (6194).
(4) التعرف (ص 123).
(5) تنبيه الأخيار (ل 17/ أ).
(6) انظر: تفسير ابن جرير (10/ 209)، تفسير البغوي (6/ 286)، تفسير السمعاني (4/ 229)، تفسير القرطبي (14/ 59)، شرح صحيح مسلم (2/ 144)، تفسير ابن كثير (3/ 488) البداية والنهاية (2/ 125)، فتح الباري (6/ 46)، روح المعاني (21/ 83)، تفسير السعدي (ص 596).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
اتفاق أهل العلم على ذلك، فلم يعتد بخلاف من خالف(1).
وذهب عكرمة(2) إلى أنه كان نبيًّا، وعد هذا غير واحد من تفرده(3)، إلا أنه قد نقل عن الشعبي والليث(4) ما يوافقه(5)، ولم أجد قوليهما -بعد البحث- مسندين.
وقال بعض أهل العلم: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة(6)، ورد بأن في هذا بُعدًا بيّنًا، وذلك أن الحكمة تنحط عن أدنى درجات الأنبياء بما لا يُقدَّر قدره، وليس من الحكمة اختيار الحكمة المجردة على النبوة(7).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "اختلف السلف في لقمان هل كان نبيًّا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني …
والآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مسه الرق ينافي كونه نبيًّا، لأن الرسل كانت تُبعث في أحساب قومها؛ ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما ينقل كونه نبيًّا عن عكرمة إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير(8) وابن أبي حاتم(9) من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم"(10).--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير البغوي (6/ 286)، شرح صحيح مسلم (2/ 144).
(2) هو عكرمة القرشي الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله، مولى لابن عباس، من أعلام التابعين ومفسريهم، توفي: سنة 107 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (5/ 12)، شذرات الذهب (1/ 130).
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (2/ 144)، فتح الباري (6/ 46).
(4) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن، مولى خالد بن ثابت، إمام حافظ مفسر، توفي سنة 175 هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (8/ 136)، شذرات الذهب (1/ 285).
(5) انظر: تفسير بن أبي حاتم (9/ 3098)، تفسير السمعاني (4/ 229)، تفسير القرطبي (14/ 59).
(6) انظر: تفسير السمعاني (4/ 229)، تفسير البغوي (6/ 286)، تفسير القرطبي (14/ 59).
(7) انظر: الانتصاف على الكشاف لابن المنير (2/ 194).
(8) انظر: التفسير له (10/ 210).
(9) انظر: التفسير له (9/ 3098).
(10) تفسير ابن كثير (3/ 488).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من عدم نبوة لقمان موافق لما عليه جمهور أهل العلم.
5 - ذو القرنين:
يرى ابن حجر عدم نبوة ذي القرنين، حيث قال: "والخضر نبي دون لقمان وذي القرنين"(1).
التقويم:
ذكر الله تعالى ذا القرنين في كتابه، وبين تمكينه له في الأرض، وإعانته إياه.
قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83)} [الكهف: 83].
وقد اختلف أهل العلم فيه اختلافًا كثيرًا من جهة تعيينه، واسمه، وعصره، ونبوته -وهي محل البحث هنا-.
وجملة أقوال أهل العلم فيها ثلاثة:
الأول: القول بأنه ملَكَ من الملائكة، وليس بنبي.
والثاني: القول بأنه نبي من الأنبياء.
والثالث: القول بأنه عبد صالح مكنه الله تعالى حتى ملك الأرض(2).
والناظر في سياق أهل العلم لهذه الأقوال يجد اضطرابًا كثيرًا في نسبتها لأصحابها، حتى إن الرجل الواحد ربما نسبت له الأقوال الثلاثة.
وبكل حال فإن القول بعدم نبوته هو ما عليه جمهور أهل العلم، وهو--------------------------------------------
(1) التعرف (ص 123).
(2) انظر: تفسير ابن جرير (8/ 270)، تفسير البغوي (6/ 198)، تفسير ابن عطية (3/ 538)، تفسير القرطبي (11/ 46)، تفسير الرازي (21/ 165)، تفسير ابن كثير (3/ 112)، البداية والنهاية (2/ 95 - 100)، فتح الباري (6/ 382 - 383)، روح المعاني (16/ 30)، تفسير السعدي (ص 435)، وللاستزادة: ذو القرنين وسد الصين لمحمد راغب الطباخ (ص 99)، وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
الصحيح -إن شاء الله- وظاهر سياق قصته في كتاب الله عز وجل يدل على ذلك(1).
وبتقرير ما سبق فإن ما قرره ابن حجر موافق لما عليه الجمهور.
رابعًا: عصمة الأنبياء:
يعرف ابن حجر رحمه الله العصمة بقوله: "العصمة: الحفظ عن الوقوع في المخالفات … "(2)، "حفظ يستحيل عليه شرعًا وقوع خلافه من سائر الذنوب"(3).
ويرى أن الأنبياء معصومون عن الوقوع في المعاصي كلها، قبل النبوة وبعدها، حيث يقول: "الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون عن الذنوب كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها، قبل النبوة وبعدها على الصحيح المختار في الأصول … "(4).
كما يرى أن قصص الأنبياء الواردة في القرآن والسنة التي يوهم ظاهرها وقوع الذنوب منهم مؤولة، وأن القصص التي يذكرها بعض المفسرين مما يخالف القول بعصمتهم لا يعتمد عليها ولا يلتفت إليها، يقول في ذلك: "ما وقع في قصص يذكرها المفسرون وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك لا يعتمد عليه ولا يلتفت إليه وإن جلَّ ناقلوه … وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها فإنما هو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير البغوي (6/ 198)، تفسير ابن عطية (3/ 538)، روح المعاني (16/ 30).
(2) فتح المبين. (ص 40).
(3) المنح المكية (2/ 599).
(4) الزواجر (1/ 13)، وانظر: فتح المبين (ص 71)، الفتاوى الحديثية (ص 101)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص 221)، التعرف (ص 65، 117).
(5) فتح المبين (ص 71)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص 101، 292، 332)، أشرف الوسائل (ص 92)، الزواجر (1/ 13) (2/ 100)، فتح الإله (ص 135)، أسنى المطالب (ص 267)، المنح المكية (2/ 535).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
التقويم:
مسألة عصمة الأنبياء مسألة طويلة الذيل، متشعبة المسالك، والخلاف جار في كثير من فروعها، وبسطها هنا خروج عن المقصود(1)؛ ولهذا سأكتفي بعرض مذهب أهل السنة والجماعة فيها بإيجاز، ثم تقويم رأي ابن حجر وفقًا له، وفيما يلي بيان ذلك:
العصمة عند أهل السنة والجماعة هي -كما سبق-(2): "حفظ الله تعالى للمعصوم من النقائص والعيوب، وتخصيصه بالكمالات النفسية، مع قدرته على الخير وضده".
فقولهم: "حفظ الله تعالى للمعصوم، احتراز من قول القدرية(3) القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن العصمة إنما هي فعل النبي لا فعل الله، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها ألطاف صارفة للنبي عن المعاصي، وهي ما يخطر بباله من ذكر الوعد والوعيد ومن ذكر كونه نبيًّا ونحو ذلك(4).
وقولهم: "مع قدرته على الخير والشر" احتراز من قول الجبرية(5)--------------------------------------------
(1) انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (ص 402 - 406)، الشفا (2/ 745)، الفصل (4/ 5)، عصمة الأنبياء للرازي (ص 26 - 36)، شرح صحيح مسلم (5/ 53 - 55)، مجموع الفتاوى (4/ 319 - 320) (10/ 289 - 293) (15/ 148)، منهاج السنة (1/ 470)، لوامع الأنوار البهية (2/ 303 - 305)، أضواء البيان (4/ 522 - 523، 538)، إعلام المسلمين بعصمة النبيين لعزوز المكي (ص 15 - 29)، وللاستزادة: عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام د. يوسف السعيد، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة لمنصور التميمي، حقوق النبي صلى الله عليه وسلم د. محمد التميمي (1/ 126 - 160).
(2) انظر: (ص 379).
(3) القدرية اسم عام يجمع كل من ينفي القدر وهم طائفتان: منهم من ينفي العلم عن الله وهم القدرية الغلاة وقد انقرض هؤلاء، ومنهم من ينفي الإرادة عند الله وهم القدرية غير الغلاة من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والإباضية وكلهم مجمعون على أن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله لا يخلق أفعال العباد. انظر: التنبيه والرد (ص 176)، الفرق بين الفرق (ص 114)، الفصل (3/ 22)، التبصير في الدين للإسفرايني (ص 53).
(4) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 781)، أوائل المقالات (ص 156).
(5) الجبرية اسم عام يجمع كل من ينفي حقيقة الفعل عن العبد ويضيفه إلى الله تعالى، وهم =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
القائلين بأن الله خالق فعل العبد، والعبد لا مشيئة له ولا اختيار، وأن العصمة إنما هي فعل الله عز وجل لا فعل النبي، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها محض فضل الله تعالى، بحيث لا اختيار للعبد فيه، وذلك إما بخلقهم على طبع يخالف غيرهم بحيث لا يميلون إلى المعصية، ولا ينفرون عن الطاعة كطبع الملائكة، وإما بصرف همتهم عن السيئات، وجذبهم إلى الطاعات جبرًا من الله تعالى بعد أن أودع في طبائعهم ما في طبائع البشر ونحو ذلك(1).
ففارقوا بذلك القدرية والجبرية ومن قال بقولهما.
وأما تحقيق زمن العصمة ومتعلقها عندهم:
فقد اختلفوا في زمن العصمة هل هي قبل النبوة وبعدها، أم مختصة بما بعد النبوة؟ والأكثر على الأول(2).
وأما متعلق العصمة: فقد أجمعوا على عصمتهم في التبليغ ودعوى الرسالة(3)، وعصمتهم من كبائر الذنوب(4) وصغائر الخسة التي تزري بصاحبها كسرقة الحبة والحبتين، والتطفيف في الكيل ونحو ذلك(5).
واختلفوا فيما عداها من الصغائر والخطأ والنسيان والسهو، وجمهورهم على جوازها عليهم، مع كونهم لا يقرون على فعلها، ولا يصرون على عملها، بل لا بد أن يتنبهوا لها، ويتوبوا منها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "القول بأن الأنبياء معصومون عن--------------------------------------------
= أصناف متعددة، يدخل فيهم الجهمية، والضرارية، والكلابية الأشعرية ومن وافقهم. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (1/ 85)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 103)، البرهان (ص 42).
(1) شرح كتاب الفقه الأكبر للقاري (ص 93 - 94).
(2) انظر: تفسير البغوي (4/ 132)، الشفا (2/ 793)، تفسير آيات أشكلت لابن تيمية (1/ 181 - 186، 230).
(3) انظر: الشفا (2/ 746)، مجموع الفتاوى (10/ 289، 290)، منهاج السنة (2/ 311).
(4) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرحه (1/ 477)، الشفا (2/ 784)، إرشاد الفحول للشوكاني (ص 673).
(5) انظر: لوامع الأنوار البهية (2/ 303).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي(1) أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول"(2).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في مسألة عصمة الأنبياء فيما يتعلق بتعريفها، وزمنها، ومتعلقها، منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل.
فأما تعريفه لها: فيؤخذ عليه أنه بناه على مذهب الأشعرية في العصمة والذي ينحو منحى الجبر، ولهذا وافق الجبرية في تعريفهم، وجعل العصمة فعل الله عز وجل لا فعل النبي، وسيأتي الرد عليه مفصلًا عند عرض رأيه في أفعال العباد وتقويمه(3).
وأما كلامه عن زمنها، وقوله بأنها قبل النبوة وبعدها: فهو موافق لأحد قولي أهل السنة والجماعة، وهو القول الذي عليه أكثرهم.
وأما كلامه عن متعلقها، وقوله بأنهم معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها، عمدها وسهوها:
فهو مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، بل ومذاهب الطوائف المشهورة، وغايته أنه قول مهجور لبعض الرافضة(4)، والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة(5).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة، ثم عن بعض المعتزلة، ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين.--------------------------------------------
(1) انظر: كلامه في كتابه الإحكام في أصول الأحكام (1/ 170).
(2) مجموع الفتاوى (4/ 319)، وانظر: منهاج السنة (6/ 472)، الجواب الصحيح (6/ 298).
(3) انظر: (ص 588).
(4) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (7/ 8، 21)، الرسائل العشر للطوسي (ص 97 - 106)، تنزيه الأنبياء للمرتضى (ص 15 - 16).
(5) انظر: جمع الجوامع مع شرحه للمحلي (3/ 224).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار عن الصغائر، ولا يقرون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال، وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقًا وأعظمهم قولًا لذلك الرافضة؛ فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل"(1).
ولا شك أن دلائل القرآن والسنة متظاهرة على نقض هذا القول، وبيان بطلانه، وصرف ابن حجر لها ومن قال بقوله بوجوه التأويل، والتهويش عليها بالطعن في صحتها لا يغني شيئًا.
وقد انتقد الإمام ابن قتيبة رحمه الله هذا القول، ورد على أصحابه فقال: "يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة"(2).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض رده عليهم: "نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة.
لكن المنازعين يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية(3) كما فعل من صنف في هذا الباب، وتأويلاتهم تبين لمن تدبرها أنها فاسدة من باب تحريف الكلم عن مواضعه … "(4).
* * *--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (4/ 320).
(2) تأويل مشكل القرآن (ص 402).
(3) الباطنية اسم عام يجمع كل من يدعي أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وهذا الاسم يدخل تحته طوائف كثيرة كغلاة الصوفية، وغلاة الرافضة، وغلاة الفلاسفة.
انظر: التبصير في الدين للإسفراييني (ص 118)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 119)، عقائد الثلاث والسبعين فرقة لليمني (1/ 477).
(4) مجموع الفتاوى (10/ 313 - 314).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
المبحث الثاني آراؤه في الإيمان بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم-
عرض ابن حجر رحمه الله لبعض المسائل المتعلقة بالإيمان بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، فذكر منها: معجزاته، وخصائصه، وحكم سبه صلى الله عليه وسلم، وفصل في كل منها بما يناسبها، ويوضح رأيه فيها.
وفيما يلي عرض آرائه في ذلك، وتقويمها.
أولًا: معجزاته صلى الله عليه وسلم-:
1 - تعريف المعجزة، وشروطها:
عرف ابن حجر رحمه الله المعجزة تعريفًا بين فيه معناها، وشروطها، فقال: "المعجزة لا تطلق حقيقة إلا على الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الدال على صدق الأنبياء عليهم السلام.
فعلم أن لها شروطًا:
أحدها: خرقها للعادة بأن تحيل العادة وقوعها كانشقاق القمر.
ثانيها: اقترانها بالتحدي وهو طلب المعارضة والمقابلة مع أمن معارضتها …
فخرج الخارق من غير تحد وهو كرامة الولي، والخارق المتقدم على التحدي كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل النبوة فهي كرامات لا معجزات وتسمى إرهاصًا أي: تأسيسًا للنبوة.
ولا يقال خرج به أيضًا الخارق المتأخر عن التحدي بما تخرجه عن المقارنة العرفية؛ لأنه يلزم عليه إخراج أكثر آياته صلى الله عليه وسلم كنطق الحصى،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
والجذع، والدواب، ونبع الماء، بل قيل: لعله لم يتحد بغير القرآن، وتمني الموت، وزعم أنه لا معجزة إلا هذان أقرب إلى الكفر منه إلى البدعة.
فالحق أن المراد بالتحدي ليس معناه الأصلي بل المراد به دعوى الرسالة وكل معجزاته مقارنة لذلك …
ثالثها: دلالتها على صدق المتحدي، فخرج الخارق المكذب له، كأن قال: آيتي نطق هذه الدابة، فنطقت بكذبه"(1).
التقويم:
المعجزة في اللغة: مأخوذة من العجز.
قال ابن فارس: "العين والجيم والزاء، أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء.
فالأول: عَجَزَ عن الشيء يَعْجِزُ عجزًا، فهو عاجزٌ، أي: ضعيف … وأما الآخر: فالعجز: مؤخر الشيء، والجمع أعجاز … "(2).
وأما في الاصطلاح: فإن لفظ (المعجزة) لم يرد في الكتاب والسنة، ولم يكن السلف الأوائل يستعملونه بمعناه الاصطلاحي الذي تعارف عليه من بعدهم، وإنما الوارد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والمتعارف عليه عند السلف الأوائل إطلاق لفظ (الآية) و (البينة) و (البرهان).
قال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [الرعد: 38]، وقال عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} [الحديد: 25]، وقال جل وعلا: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [القصص: 32].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هذه الألفاظ إذا سميت بها آيات الأنبياء، كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات، ولهذا لم يكن لفظ--------------------------------------------
(1) المنح المكية (1/ 231 - 232)، وانظر: أشرف الوسائل (ص 244)، فتح المبين (ص 21)، الفتاوى الحديثية (ص 404)، التعرف (ص 116)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص 316)، العمدة شرح البردة (ص 612).
(2) معجم مقاييس اللغة (ص 738 - 739)، وانظر: تهذيب اللغة (3/ 2337)، الصحاح (3/ 883)، لسان العرب (5/ 369)، القاموس المحيط (ص 663).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
المعجزات موجودًا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية، والبينة، والبرهان"(1).
وأما المتأخرون فقد أطلقوا لفظ المعجزة واستعملوه، ولكنهم اختلفوا في تعريفها وشروطها، وجمهورهم على ما ذكره ابن حجر(2).
والصواب أن المعجزة اسم يعم كل خارق للعادة، ويفرق بينها بحسب حال من تقع منه أو يدعيها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة، وكذلك الكرامة في عرف الأئمة المتقدمين، كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، ويسمونها الآيات، لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعهما: الأمر الخارق للعادة"(3).
وتعريف جمهور المتكلمين -ومنهم ابن حجر- المعجزة بذلك، واشتراطهم فيها هذه الشروط، ترتب عليه حصرهم دلائل النبوة في المعجزات، وإخراجهم لكثير من دلائل النبوة عن دلالتها، وهذا باطل(4).
ومنشأ الخطأ عندهم اعتقادهم أن دلائل النبوة وكرامات الولاية وخوارق السحر كلها من جنس واحد، ثم اختلفوا فمنهم من أنكر وجودها--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (5/ 412)، النبوات (1/ 215) (2/ 828) قاعدة في المعجزات لابن تيمية (ص 7)، شرح الطحاوية (2/ 746)، لوامع الأنوار البهية (2/ 290).
(2) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (15/ 569 - 571)، شرح الأصول الخمسة (ص 569) البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات للباقلاني (ص 35 - 36، 45 - 46)، أصول الدين للبغدادي (ص 170)، الإرشاد (ص 260)، المواقف (ص 339)، وشرحها للجرجاني. (8/ 222 - 230)، غاية المرام (ص 333)، شرح المقاصد (5/ 11 - 13).
(3) مجموع الفتاوى (11/ 311)، وانظر: شرح الطحاوية (2/ 746).
(4) انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص 37 - 38)، الإنصاف للباقلاني أيضًا (ص 61)، الإرشاد (ص 260)، أعلام النبوة للماوردي (ص 62)، شرح المقاصد (5/ 19)، وانظر: الرد عليهم في الجواب الصحيح (6/ 504)، شرح الأصفهانية (2/ 471 - 491)، درء التعارض (9/ 40)، النبوات (1/ 480، 522 - 523).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
-أعني: الكرامات والسحر- وهم المعتزلة(1)، ومنهم من حاول التفريق بما لا يصح وهم الأشاعرة(2).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأصل خطأ الطائفتين (يعني: المعتزلة، والأشاعرة) أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء وما خصهم الله به، ولم يقدروا النبوة، ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها، بل جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها، فإما أن يكذبوا بوجودها، وإما أن يسووا بينها ويدعوا فرقًا لا حقيقة له"(3).
والحق أن دلائل النبوة وكرامات الولاية وخوارق السحر ليست من جنس واحد، والفرق بينها متقرر(4).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "آيات الأنبياء هي التي تعلم أنها مختصة بالأنبياء، وأنها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بد أن تكون خارقة للعادة، خارجة عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحد أن يعارضها، لكن كونها خارقة للعادة ولا تمكن معارضتها هو من لوازمها ليس هو حدًا مطابقًا لها … "(5).
وأما ما ذكره ابن حجر من شروط المعجزة فقد تعاقب على اشتراطها جمهور المتكلمين(6)، وهي متعقبة بما يلي:--------------------------------------------
(1) انظر: المغني (15/ 189)، أعلام النبوة (ص 62).
(2) انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص 91، 96)، الإرشاد (ص 269)، نهاية الإقدام (ص 434)، المواقف (ص 346)، شرح المقاصد (5/ 11، 72 - 74)، وشرح جوهرة التوحيد للصاوي (ص 98).
(3) النبوات (2/ 1040)، وانظر: (2/ 1064) (1/ 480 - 486)، الجواب الصحيح (6/ 400، 500).
(4) انظر: النبوات (1/ 487 - 523، 606 - 607) (2/ 662 - 664، 1074 - 1090)، شرح الأصفهانية (2/ 472 - 477).
(5) النبوات (2/ 775).
(6) انظر: المغني (15/ 569 - 571)، شرح الأصول الخمسة (ص 569)، البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات (ص 35 - 36، 45 - 46)، أصول الدين للبغدادي =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
أما اشتراط خرق العادة فلا يصح لوجهين:
الأول: أن العادة أمر نسبي لا ينضبط، فقد يكون الأمر عادة عند قوم دون غيرهم.
الثاني: أن هذا لا يختص بالأنبياء، فقد شاركهم فيه غيرهم، كالساحر مثلًا فقد يأتي بما هو خارق لعادة من شاهده ولا يستطيع الحاضرون معارضته، مع أن ما أتى به ليس خارقًا لعادة السحرة أمثاله(1).
وأما اشتراط اقتران التحدي بها فلا يصح لكون التحدي لم يقع في كثير من دلائل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-(2).
وأما تفسيره له بدعوى النبوة وأمن المعارضة فمردود من وجوه:
الأول: أن آيات الأنبياء على قوله هذا لم تتميز بصفة تختص بها، إنما تكون آية إن اقترنت بدعوى النبوة، وإلا فلا، فالدليل والبرهان يكون دليلًا إن استدل به، وإن لم يستدل به فليس دليلًا، وهو باطل(3).
الثاني: أن هناك من الأشخاص من ادعى النبوة كاذبًا، وجرى على يديه بعض الخوارق، ولم يعارض، ومع ذلك عرف الناس كذبه، ولم يصدقوه كما في مسيلمة الكذاب(4)، والأسود العنسي(5) وغيرهما(6).--------------------------------------------
= (ص 170)، الإرشاد (ص 260)، المواقف (ص 339)، وشرحها (8/ 222 - 230)، شرح المقاصد (5/ 11 - 13).
(1) انظر: النبوات (1/ 173، 164، 165، 170).
(2) انظر: المحلى (1/ 36)، الفصل (5/ 2، 6)، النبوات (1/ 541)، الجواب الصحيح (6/ 308، 408، 496).
(3) انظر: النبوات (1/ 229، 603، 605).
(4) هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، ادعى النبوة، وتلقب بالرحمن، حتى عرف برحمان اليمامة، قتل سنة 12 هـ.
انظر: شذرات الذهب (1/ 23)، الأعلام (7/ 226).
(5) هو عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي، ذو الحمار، أسلم يوم أسلمت اليمن، ثم ارتد عن الإسلام، وادعى النبوة، قتل سنة 11 هـ.
انظر: الأعلام (5/ 111).
(6) انظر: النبوات (1/ 242).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
الثالث: أن قوله هذا يلزم منه أن تكون آية النبي هي صرف الناس عن المعارضة سواء كان فعله خارقًا أو غير خارق(1).
2 - ذكره لبعض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم-:
يرى ابن حجر رحمه الله أن نبينا صلى الله عليه وسلم أعطي مثل معجزات الأنبياء قبله، وفاقهم بما اختص به، يقول في ذلك:
"انطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي مثلها، أو أعظم منها …
ومنه: أن آدم لما أعطي خلق الله تعالى بيده، أعطي نبينا شق صدره، وملأه من ذلك الخلق النبوي …
وإدريس: لما أعطي المكان العلي، أعطي نبينا المعراج الأفخم الأعظم.
ونوح: لما نجى هو وقومه، أعطي نبينا أن الله لم يهلك أمته بعذاب عام …
وإبراهيم: لما نجى من النار، نجى نبينا من نار الحرب، قال الله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64].
ولما أعطي موسى قلب العصا حية، أعطي نبينا حنين الجذع، الذي هو أبهر وأغرب …
وانفراق البحر، أعطي لنبينا انشقاق القمر الذي هو أبهر؛ لأنه تصرف في العالم العلوي …
وتفجر الماء من الحجر، أعطي نبينا تفجيره من بين أصابعه، وهو أبلغ؛ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع منها الماء.
والكلام، أعطي نبينا مثله ليلة الإسراء، وزيادة الدنو …
وهارون: الفصاحة، أعطي نبينا أفصح منها، على أنها في العبرانية، والعربية أفصح منها …--------------------------------------------
(1) انظر: النبوات (1/ 242).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
ويوسف: شطر الحسن، وتأويل الرؤيا، أعطي نبينا الحسن كله، وعبَّر عن المرائي، فوقعت كما عبر ما لا يدخله الحصر، وتعبير يوسف إنما كان في ثلاث مراءٍ كما في سورته.
وتليين الحديد لداود: أعطي نبينا أن العود اليابس اخضرَّ في يديه … وسليمان وداود كلام الطير، أعطي نبينا أنه كلمه الحجر، وسبَّح في كفه الحصى، وكلمه ذراع الشاة المسمومة …
والريح التي غدوها شهر ورواحها شهر، أعطي نبينا البراق، وهو أسرع من الريح …
وأيضًا الريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا صلى الله عليه وسلم زويت له الأرض أي: جمعت، حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض، ومن تسعى له الأرض.
وتسخير الجن: أعطي نبينا أن الله مكنه من شيطان تفلَّت عليه في صلاته، فأراد أن يربطه بسارية، وسخر له الجن حتى أسلموا، ولم يسخروا لسليمان إلا في العمل …
وعيسى: إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، أعطي نبينا رد العين إلى محلها بعد ما سقطت، فعادت أحسن ما كانت … وتسبيح الحصى وحنين الجذع، أبلغ من تكليم الموتى، لأن هذا من جنس من يتكلم.
وبالجملة فقد أوتي صلى الله عليه وسلم مثلهم، وزاد بخصائص لا تحصى"(1).
وقد أورد ابن حجر رحمه الله كثيرًا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وذكر أدلتها من الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم في بعضها بما يدل على إعجازها، وفيما يلي سياق ما ذكره، حيث قال:
"معجزاته صلى الله عليه وسلم كثيرة … وهي:
ما قبل نبوته:
كقصة الفيل، والنور الذي خرج معه حتى أضاء له قصور الشام--------------------------------------------
(1) المنح المكية (2/ 653)، وانظر: (1/ 119)، الفتاوى الحديثية (ص 237)، التعرف (ص 114)، العمدة (ص 434) (ص 288).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
وأسواقها، وحتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى، ومسح الطائر لفؤاد أمه حتى لم تجد ألمًا لولادته، والطواف به في الآفاق، وغيض ماء بحيرة ساوة، وخمود نار فارس، وسقوط شرفات إيوان كسرى، وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها إلى سائر ما نقل من العجائب في أيام ولادته، وأيام حضانته وبعدها إلى أن أبقاه الله(1)؛ كإظلال الغمام له أي: في السفر، وشق الصدر(2).
وهذا القسم لا يسمى معجزة حقيقية؛ لتقدمه على التحدي جملة وتفصيلًا، وإنما يسمى إرهاصًا، أي: تأسيسًا للنبوة …
وأما بعد موته:
وهو غير محصور؛ إذ كل خارق وقع لخواص أمته، إنما هو في الحقيقة له، إذ هو السبب فيه.
وأما من حين نبوته إلى وفاته:
وهذا هو الذي الكلام فيه.
فمنه: انشقاق القمر(3) …
ومنه: رد الشمس(4) …
ومنه: تسبيح الحصى في كفه …
ومنه: تسليم الحجر عليه(5) …
ومنه: ما صح من كلامه مع أُحد لما صعده هو وأبو بكر وعمر وعثمان …
ومنه: كلام الشجر وسلامه عليه …--------------------------------------------
(1) انظر: المولد الشريف (ص 41 - 62)، مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 37 - 52)، العمدة (ص 337) وما بعدها.
(2) انظر: المنح المكية (1/ 268) (2/ 663)، المولد الشريف (ص 63)، مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 53)، النخب الجليلة (ص 92)، العمدة شرح البردة (ص 392).
(3) انظر: المنح المكية (2/ 663)، العمدة (ص 388).
(4) انظر: المنح المكية (2/ 666).
(5) انظر: الفتاوى الحديثية (ص 237).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
ومنه: حنين الجذع(1) …
ومنه: سجود الجمل له …
ومنه: كلام الذئب …
ومنه: كلام الحمار … وكلام الغزالة …
ومنه: نبع الماء الطهور من بين أصابعه(2) …
ومنه: إحياء الموتى … "(3).
كما عرض ابن حجر لبعض معجزاته صلى الله عليه وسلم في مواضع متفرقة من كتبه كالإسراء والمعراج(4)، وإخباره عن المغيبات(5)، وتسبيح الطعام في يده(6)، وأمَّيته صلى الله عليه وسلم(7).
التقويم:
معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تميزت على معجزات غيره من الأنبياء والرسل بكثرة عددها وظهور إعجازها.
يقول القاضي عياض رحمه الله: "معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين:
أحدهما: كثرتها …
الثاني: وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم … "(8).
ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن معجزاته صلى الله عليه وسلم تبلغ ألفًا(9)، وقال--------------------------------------------
(1) انظر: المنح المكية (1/ 368)، فتح الإله (ص 224).
(2) انظر: المنح المكية (2/ 727).
(3) أشرف الوسائل (ص 244 - 253).
(4) انظر: المنح المكية (1/ 409)، أشرف الوسائل (ص 46 - 47)، النخب الجليلة (ص 91)، الجوهر المنظم (ص 23).
(5) انظر: المنح المكية (1/ 491)، الجوهر المنظم (ص 57).
(6) انظر: المنح المكية (2/ 731).
(7) انظر: الدر المنضود (ص 92).
(8) الشفا (1/ 523 - 525).
(9) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (1/ 10)، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص 300)، الجواب الصحيح (1/ 522).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
آخرون: بأنها تزيد على ألف ومائتين(1)، وقال غيرهم: بأنها تبلغ ثلاثة آلاف(2).
ووازن غير واحد منهم بين معجزاته صلى الله عليه وسلم ومعجزات غيره من الأنبياء وبينوا ما اختصه الله تعالى به من مشاركته لهم في معجزاتهم، وتفوقه عليهم بظهور معجزاته(3)، ومن أوائلهم الإمام الشافعي رحمه الله حيث روي عنه أنه قال: "ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى محمدًا". فقيل له: أعطي عيسى إحياء الموتى؟ فقال: "أعطي محمد صلى الله عليه وسلم حنين الجذع الذي كان يقف يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك"(4).
وعليه فما قرره ابن حجر رحمه الله من كون نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أعطي معجزات الأنبياء قبله، وفاقهم بما اختص به عددًا وإعجازًا موافق لما قرره أهل العلم.
وأما ما ذكره من تقسيم معجزاته صلى الله عليه وسلم بحسب زمن وقوعها قبل النبوة، وبعدها، وبعد وفاته، فهو تقسيم معتبر(5).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل إنبائهم، وما يكون بعد موتهم؛ فإن الآية هي دليل على صدق الخبر بأنه رسول الله، وهذا الدليل لا يختص لا بمكان ولا زمان"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (1/ 2).
(2) انظر: فتح الباري (6/ 583).
(3) انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم (ص 587 - 625)، الشفا (1/ 525 - 528)، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام للقرطبي (ص 348)، البداية والنهاية (6/ 291)، الخصائص الكبرى (2/ 304)، المواهب اللدنية للقسطلاني (2/ 584).
(4) أخرجه ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي (ص 83)، وأبو نعيم في الحلية (9/ 116)، من طريق عمرو بن سوَّاد عن الشافعي به.
(5) انظر: النبوات (2/ 794، 852)، الجواب الصحيح (6/ 380)، وقد جرى عليه أبو نعيم والبيهقي في سياقهما لدلائله صلى الله عليه وسلم.
(6) النبوات (2/ 794).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
ولكن يلاحظ على ابن حجر في تقريره لذلك ما يلي:
1 - أنه جعل ما قبل نبوته صلى الله عليه وسلم لا يعد معجزة؛ لتقدمه على التحدي جملة وتفصيلًا بزعمه، وهو باطل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "آيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول وقبل مولده، وبعد مماته، لا تختص بحياته، فضلًا عن أن تختص بحال دعوى النبوة، أو حال التحدي، كما ظنه بعض أهل الكلام"(1).
وقد سبق بيان بطلان اعتبار اشتراط التحدي ومقارنة دعوى النبوة في تعريف المعجزة وشروطها.
2 - أنه حصر دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم في المعجزات، فلم يذكر سواها، وهو باطل؛ فإن معرفة صدق النبي لا تنحصر في المعجزات فقط، بل تكون بها وبغيرها من الطرق مثل: النظر في أحوال الأنبياء وما عرفوا به من الصدق والأمانة، وما تميزوا به من محاسن الأخلاق وجميل الصفات، والنظر في ما جاؤوا به من الشرائع التي تنتظم بها مصالح العباد في دينهم ودنياهم، والنظر في عاقبتهم وتأييد الله لهم وإظهارهم على من خالفهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هذه الطريقة هي من أتم الطرق عند أهل الكلام والنظر حيث يقررون نبوة الأنبياء بالمعجزات، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء لكن كثيرًا من هؤلاء بل كل من بنى إيمانه عليها يظن أن لا تعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات … وللنظار هنا طرق متعددة:
منهم من لا يجعل المعجزة دليلًا بل يجعل الدليل استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض كما يقوله طائفة من النظار.
ومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا.
ومنهم من يجعل المعجزة دليلًا ويجعل أدلة أخرى غير المعجزة،--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (6/ 380).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
وهذا أصح الطرق"(1).
وأما الكلام على ما أورده ابن حجر من المعجزات، وبسط القول فيها بإيراد أدلتها وكلام أهل العلم عليها، فهو مما يطول تسطيره، ويخرجنا عما نحن بصدده، وقد أفرد أهل العلم كتبًا كثيرة في دلائل النبوة وأوسعوها بحثًا رواية ودراية بما يغني عن الإفاضة والإطالة(2).
ثانيًا: خصائصه صلى الله عليه وسلم-:
1 - تعريف الخصائص، وأقسامها:
يرى ابن حجر رحمه الله أن كمالات نبينا صلى الله عليه وسلم لا تحصى، وأن خصائصه لا تستقصى، يقول في ذلك: "مما يتعين على كل مكلف أن يعتقد أن كمالات نبينا صلى الله عليه وسلم لا تحصى، وأن أحواله وصفاته وشمائله لا تستقصى، وأن خصائصه ومعجزاته لم تجتمع قط في مخلوق، وأن حقه على الكُمَّلِ فضلًا عن غيرهم أعظم الحقوق … "(3).
التقويم:
الخصائص: جمع خصِيْصة، يقال: "خصه بالشيء يَخُصُّه خصًّا وخَصُوصِيَّة وخُصُوصِيَّة، والفتح أفصح، واختصه: أي أفرده دون غيره"(4).
وعليه فالخصائص النبوية: هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي صلى الله عليه وسلم وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء، وإما عن سائر البشر.--------------------------------------------
(1) شرح الأصفهانية (ص 88)، وانظر: الجواب الصحيح (6/ 504)، درء التعارض (9/ 40)، النبوات (1/ 480، 522 - 523).
(2) ذكر المنجد في معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ص 62 - 65، 187 - 190)، ما يزيد على سبعين مؤلفًا في دلائل النبوة، ومما هو مطبوع منها: دلائل النبوة للفريابي، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، وأعلام النبوة للماوردي، ودلائل النبوة للبيهقي، ودلائل النبوة لقوام السنة.
(3) المنح المكية (1/ 102)، العمدة شرح البردة (ص 587).
(4) لسان العرب (7/ 24)، وانظر: تهذيب اللغة (1/ 1038)، معجم مقاييس اللغة (ص 303)، الصحاح (3/ 1037)، القاموس المحيط (ص 796).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)