أحمد وأجلاء مذهبه مبرؤون عن هذه الوصمة القبيحة، كيف وهو كفر عند كثيرين"(1).
التقويم:
مادة "العين، واللام، والحرف المعتل، ياءً كان أو واوًا أو ألفًا … تدل على السمو والارتفاع"(2).
والعلو يطلق في اللغة على معان هي: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر(3).
وقد أجمع أهل القبلة على إثبات علو القهر وعلو القدر لله تعالى، واختلفوا في علو الذات(4).
والذي عليه سلف الأمة وأئمتها إثبات علو الذات لله تعالى(5)، وهو قول عامة الصفاتية الأوائل، والكرامية، ومتقدمي الشيعة الإمامية(6).
والقول بذلك هو مقتضى دلالة السمع، والفطرة، والعقل.
فأما دلالة السمع: فقد تواترت نصوص الكتاب والسنة تواترًا لفظيًا ومعنويًا على إثبات العلو الذاتي لله تعالى، حتى ذكر بعض أهل العلم أن أدلة ذلك تزيد على ألف دليل(7).--------------------------------------------
(1) أشرف الوسائل (ص 173)، وانظر: در الغمامة في در الطيلسان والعذبة والعمامة (ل 17/ أ).
(2) معجم مقاييس اللغة (ص 690).
(3) انظر: تهذيب اللغة (3/ 2536)، معجم مقاييس اللغة (ص 690)، لسان العرب (15/ 83)، القاموس المحيط (ص 1694).
(4) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (1/ 275).
(5) انظر: العرش لابن أبي شيبة (ص 276)، إثبات صفة العلو لابن قدامة (ص 41)، العرشية لشيخ الإسلام ضمن الفتاوى (6/ 545)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 95)، العلو للذهبي (2/ 863)، الكلام على مسألة الاستواء على العرش لابن عبد الهادي (ص 25)، إثبات علو الله للتويجري (ص 10)، علو الله على خلقه للدويش (ص 141).
(6) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 297)، بيان تلبيس الجهمية (1/ 127) (2/ 14).
(7) انظر: مجموع الفتاوى (5/ 121)، الصواعق المرسلة (4/ 1279)، اجتماع الجيوش (ص 331).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله أنواع الأدلة النقلية الدالة على علو الله فعد منها عشرين نوعًا، ذكر منها: التصريح بالاستواء، والفوقية بمن وبدونها، والعروج إليه، والصعود إليه، ورفع بعض المخلوقات إليه، والعلو المطلق، وتنزيل الكتاب منه، واختصاص بعض المخلوقات بكونها عنده، وأنه في السماء، ورفع الأيدي إليه، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والإشارة إليه حسًا(1).
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء … وأنه فوق السماء … ثم عن السلف في ذلك من الأقوال، ما لو جمع لبلغ مئين وألوفًا، ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من سلف الأمة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا"(2).
وأما دلالة الفطرة: فإن بني آدم كلهم مفطرون على الإقرار بعلو الله الذاتي، لا يستطيع أحد منهم أن ينفك عن ذلك، فإن الخلق كلهم باختلاف طوائفهم وتعدد مذاهبهم -عدا من اجتالته الشياطين منهم- إذا نابهم شيء اتجهوا بقلوبهم وأيديهم إلى جهة العلو اضطرارًا وليس اختيارًا بحيث لا يستطيع أحد دفع ذلك(3).
وأما دلالة العقل: فإن من المعلوم ببداهة العقول أن الله تعالى كان ولا شيء معه، ثم خلق الخلق، فلما خلقهم فلا يخلو أن يكون خلقهم في--------------------------------------------
(1) انظر: مختصر الصواعق (2/ 205)، النونية مع شرحها لهراس (1/ 184 - 251)، وانظر: شرح الطحاوية (2/ 380 - 386).
(2) الحموية (ص 216 - 232).
(3) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص 20 - 21)، التوحيد لابن خزيمة (1/ 254)، التمهيد لابن عبد البر (7/ 134 - 135)، درء التعارض (6/ 12)، مجموع الفتاوى (5/ 259 - 260)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 328 - 331).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
نفسه، أو خلقهم خارج نفسه، والأول باطل قطعًا بالاتفاق؛ لأن الله تعالى منزه عن النقائص وأن يكون محلًا للقاذورات -تعالى الله عن ذلك- فلزم أن يكون بائنًا من خلقه، وأن يكونوا هم بائنين عنه.
وإذا لزمت المباينة فلا يخلو إما أن يكون فوقهم، أو تحتهم، أو عن يمينهم، أو عن شمالهم، والفوقية هي أشرف الجهات، وهي صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فوجب اختصاصه بذلك(1).
وعليه فما قرره ابن حجر من نفي علو الله الذاتي مخالف لدلالة السمع، والفطرة، والعقل.
وقول ابن حجر بذلك مما تابع فيه متأخري الأشاعرة(2) الذين قالوا بقولهم هذا حتى يسلم لهم دليل إثبات حدوث العالم الذي استدلوا به على وجود الله، حيث صاغوه بعقولهم، وعارضوا به دلائل الفطرة، ثم التزموا عليه لوازم كثيرة خالفوا بها الكتاب والسنة - وقد سبق بيانه والرد عليه بما يغني عن إعادته هنا(3).
حيث زعموا أن إثبات العلو الذاتي لله تعالى يلزم منه أن يكون الله في جهة، ولو كان في جهة لافتقر إلى محل، وللزم أن يكون المحل قديمًا لأنه تعالى قديم، أو يكون سبحانه حادثًا لأن المحل حادث. وكلاهما ممتنع(4).--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على الجهمية للإمام أحمد (ص 139)، درء التعارض (6/ 143 - 146) (7/ 3 - 10)، مجموع الفتاوى (5/ 152)، مختصر الصواعق المرسلة (1/ 279 - 280)، شرح الطحاوية (2/ 389 - 390)، جلاء العينين (ص 337).
(2) انظر: الإرشاد للجويني (ص 58)، الشامل في أصول الدين له أيضًا (ص 299 - 300)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص 29 - 30)، قواعد العقائد له أيضًا (ص 162 - 165)، المواقف للإيجي (ص 271)، الأربعين للرازي (ص 152)، المسائل الخمسون له أيضًا (ص 26 - 40)، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين له أيضًا (ص 157 - 158)، غاية المرام للآمدي (ص 180 - 181).
(3) انظر: (ص 121).
(4) انظر: الإرشاد للجويني (ص 58)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص 34)، المواقف الإيجي (ص 171)، غاية المرام للآمدي (ص 180 - 181).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
وهذا ما عبر عنه ابن حجر بقوله السابق: "إن الله خالق الجهات والأمكنة ومحدثها بعد أن لم تكن فهي لحدوثها مستحيلة على الله تعالى".
والجواب عن ذلك من وجوه:
1 - أن هذا الاعتراض ناتج عن قولهم: إن إثبات الصفات -ومنها العلو- يقتضي التجسيم، وهذا باطل، وقد سبق الجواب عنه(1).
2 - "أن الجهة … من الأمور التي فيها إضافة ونسبة، فإنه يقال: هذه جهة هذا … والجهة أصلها الوجهة التي يتوجه إليها الشيء كما يقال: عِدَة ووعد، وزِنَة ووزن … وإذا كان كذلك فالجهة تضاف تارة إلى المتوجِّه إليها، كما يقال في الإنسان له ست جهات لأنه يمكنه التوجه إلى النواحي الست المختصة به التي يقال إنها جهاته، والمصلي يصلي إلى جهة من الجهات لأنه يتوجه إليها.
وهنا تكون الجهة ما يتوجه إليه المضاف.
وتارة تكون الجهة ما يتوجه منها المضاف كما يقول القائل إذا استقبل الكعبة: هذه جهة الكعبة …
وإذا كان هذا هو المعروف من لفظ الجهة … في الموجودات المخلوقة، فإنه إذا قيل: إن الخالق سبحانه في جهة، فإما أن يراد في جهة له، أو في جهة لخلقه.
فإن قيل: في جهة له، فأما أن تكون جهة يتوجه منها، أو جهة يتوجه إليها.
وعلى التقديرين فليس فوق العالم شيء غير نفسه، فهو جهة نفسه لا يتوجه منها إلى شيء موجود خارج العالم، ولا يتوجه إليها من شيء موجود خارج العالم، وليس هناك شيء موجود غير نفسه يتوجه منه ولا يتوجه إليه.
ومن قال: إن العالم هناك في جهة بهذا الاعتبار فقد صدق.
ومن قال: إنه جهة نفسه بهذا الاعتبار فقد قال معنى صحيحًا.--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 293).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
ومن قال: إنه فوق المخلوقات كلها في جهة موجودة يتوجه إليها، أو يتوجه منها خارجة عن نفسه فقد كذب …
وعلى كل تقدير فمن قال: إنه فوق العالم لم يقل إنه … في جهة موجودة خارجة عن نفسه"(1).
3 - أن لفظ الجهة إما أن يراد بها جهة مخلوقة أو جهة عدمية.
فإن أريد بها جهة مخلوقة فلا شك في بطلان ذلك، فإن الله ليس في جهة بهذا المعنى؛ لأن الله تعالى ليس في مخلوق ولا المخلوق في الله تعالى، بل الله تعالى بائن عن المخلوقات كلها.
وإن أريد بها جهة عدمية غير مخلوقة، وهي أن الله تعالى فوق هذا العالم ووراء هذا الكون فهذا المعنى صحيح؛ لأن وراء هذا الكون ليس جهة مخلوقة حتى تكون ظرفًا لله تعالى ولا يكون مظروفًا فيها.
والقول بالجهة بهذا المعنى -أي: المعنى العدمي- هي مراد من أطلق الجهة على الله من السلف.
وإذا تقرر كون المراد بالجهة أمرًا عدميًا لا وجوديًا لم يصح أن يقال: إن إثبات ذلك يستلزم أن يكون الله تعالى محتاجًا إليها(2).
4 - أن لفظ الجهة فيه إجمال وهو لفظ اصطلاحي يُراد به معان متنوعة، ولم يرد في الكتاب والسنة لابنفي ولا إثبات، ولا جاء عن أحد من سلف الأمة وأئمتها فيه نفي ولا إثبات أصلًا، فالمعارضه به ليست معارضة بدلالة شرعية، فاللفظ الذي ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع يجب القول بموجبه سواء فهمنا معناه أو لم نفهمه.
وأما الذي لم يرد به دليل شرعي فلا ينفى ولا يثبت حتى يستفسر من المتكلم بذلك، فإن أثبت حقًّا أثبتناه، وإن أثبت باطلًا رددناه، وإن نفى--------------------------------------------
(1) بيان تلبيس الجهمية (2/ 117 - 119).
(2) انظر: التدمرية (ص 66 - 67)، مجموع الفتاوى (3/ 41 - 42) (4/ 58 - 59) (5/ 262 - 263) (6/ 38 - 40)، درء التعارض (1/ 253 - 254)، التسعينية (1/ 192)، جلاء العينين (ص 359)، غاية الأماني للألوسي (1/ 77، 493).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
باطلًا نفيناه، وإن نفى حقًّا لم ننفه(1).
وأما تأويل ابن حجر -غفر الله له- الآيات والأحاديث الدالة على كون الله تعالى في العلو بعلو القهر والقدر دون علو الذات فمتعقب بما يلي:
1 - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل كما سبق(2).
2 - أن القول بذلك مبني على اعتقاد كون ظاهر النصوص يقتضي التمثيل والتجسيم، وهو باطل كما سبق(3).
3 - أن علو قدر الله وعلو قهره على عباده متقرر في النفوس مركوز في الفطر بما يغني عن تقريره بأنواع الأدلة.
4 - أن تأويل نصوص العلو بعلو القدر والقهر لو صرح به في حق الله كان قبيحًا؛ فإن ذلك إنما يقال في المتقاربين في المنزلة وأحدهما أفضل من الآخر، وأما إذا لم يتقاربا بوجه فلا يصح فيهما ذلك.
5 - أن الآيات والأحاديث تواترت كلها على التصريح بعلو الله المطلق الذي يتضمن علو ذاته وقدره وقهره، ولم يرد فيها على كثرتها ما يفيد تقييد ذلك بعلو القهر والقدر ومنع دخول علو الذات فيها، فتقييدها بذلك وتأويلها به دون غيره تحكم لا دليل عليه.
6 - أن العلو صفة كمال وضده السفل صفة نقص، ولو كان الله غير متصف بالعلو الذاتي الذي هو صفة كمال للزم أن يتصف بالسفل الذاتي وهو صفة نقص؛ إذ القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد العلو السفل وهو مذموم بإطلاق(4).
وأما حكاية ابن حجر الخلاف في كفر من قال الله في السماء فهي من أعجب آرائه وأبطلها، وبيان ذلك من وجهين:--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (5/ 298 - 299).
(2) انظر: (ص 297).
(3) انظر: (ص 293).
(4) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (2/ 205 - 217).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
1 - أن القول بأن الله في السماء هو نص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله سبحانه: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا أمين من في السماء … "(1)، فكيف يكون القول بما هو نص الوحيين كفرًا.
2 - أن القول بذلك منقوض بما ورد عن بعض أئمة السلف من تكفير من أنكر كون الله عز وجل في السماء أو شك في ذلك، ومنهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله فقد سُئل عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال: قد كفر، لأن الله يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5] وعرشه فوق سماواته، فقيل له: إنه يقول: أقول على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر"(2).
وأما تشنيع ابن حجر على الإمامين شيخ الاسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم في قولهما بالعلو الذاتي لله تعالى، وزعمه أن القول بذلك مما ينزه عنه الإمام أحمد وأجلاء مذهبه فمتعقب بما يلي:
1 - أن القول بالعلو الذاتي لله تعالى هو مقتضى دلالة السمع، والإجماع، والفطرة، والعقل، فكيف يشنع على من قال بموجب هذه الأدلة.
2 - أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم لم يكونا بدعًا في أهل السنة والجماعة في قولهما بإثبات العلو الذاتي لله تعالى؛ إذ القول بذلك هو قول عامة أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من أسلاف ابن حجر -أعني متقدمي الصفاتية كالأشعري وأصحابه- كما تقدم.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب في بعث علي بن أبي طالب (3/ 1313) برقم (4351)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (2/ 742) برقم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه به.
(2) الفقه الأكبر برواية أبي مطيع (ص 40، 44)، ونقلها عنه ابن قدامة في إثبات العلو (ص 116)، وشيخ الإسلام في الحموية (ص 324) ودرء التعارض (6/ 263)، وابن القيم في اجتماع الجيوش (ص 139)، وابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (2/ 387)، وملا علي القارئ في شرح الفقه الأكبر (ص 171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
3 - أن زعم ابن حجر براءة الإمام أحمد رحمه الله وأجلاء مذهبه من قول الإمامين الجليلين في إثبات العلو الذاتي لله تعالى منقوض بما نقله عنه خاصة أصحابه المؤلفين في مسائله(1)، وبما كتبه بنفسه في رده على الجهمية حيث قال: "وقد أخبرنا أنه في السماء فقال سبحانه: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] … وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، وقال: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ} [الأنبياء: 19] …
فهذا خبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145] … "(2).
والمحاكمة بين شيخي الإسلام وابن حجر -عفا الله عنه- طويلة الذيل، متشعبة المسالك، وقد أفردها غير واحد بالتأليف، وليس هذا الموضع محل تفصيلها(3).
2 - صفة اليمين لله تعالى:
يرى ابن حجر استحالة معنى اليمين على الله، وأن المراد بها في النصوص الكناية عن مزيد الرضا والقبول والمحبة.
يقول في شرحه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها … "(4).
"اليمين هنا: كناية عن مزيد الرضا والقبول، وإعظام الجزاء؛--------------------------------------------
(1) انظر: طبقات الحنابلة (1/ 431)، إثبات العلو لابن قدامة (ص 116)، اجتماع الجيوش (ص 200)، العلو للذهبي (2/ 1111)، وللاستزادة: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد للأحمدي (1/ 318).
(2) الرد على الجهمية والزنادقة (ص 38).
(3) انظر: جلاء العينين للألوسي (ص 384)، وما بعدها (ص 396 - 402)، الكشف المبدي للفقيه (ص 431)، دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 219).
(4) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب (1/ 420) برقم (1410) ومسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (2/ 702) برقم (4014).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
لاستحالة معناها على الله، تعالى عما يقول الظالمودن والجاحدودن علوًا كبيرًا"(1).
وقال أيضًا:
"اليمين: كناية عن مزيد المحبة والرضا(2) المستلزمين بزيادة ثوابها وعظم نفعها"(3).
التقويم:
وصف يد الله عز وجل باليمين ثابت بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله سبحانه: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67].
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة … "(4).
وقوله صلى الله عليه وسلم: " … ويطوي السماء بيمينه … "(5).
واليمين صفة ذاتية لله تعالى، وهي على ما يليق به سبحانه شأنها شأن بقية الصفات الإلهية(6).
وأما تأويل ابن حجر لها بمزيد الرضا والقبول والمحبة فهو تأويل باطل من وجوه، منها:
1 - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق-(7).--------------------------------------------
(1) الإنافة في الصدقة والضيافة (ص 105)، وانظر: غرر المواعظ (ص 12).
(2) في المطبوع (الإخاء)، ولعل الصواب ما أثبته أعلاه لعدم مناسبته السياق، ودلالة كلامه الآخر على ما أثبت.
(3) الإنافة في الصدقة والضيافة (ص 90).
(4) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (2/ 690) برقم (993) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(5) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] (4/ 2313) برقم (7412).
(6) انظر: رد الدارمي على بشر المريسي (2/ 698)، التوحيد لابن خزيمة (1/ 159)، التوحيد لابن مندة (3/ 16)، إبطال التأويلات لأبي يعلى (1/ 176).
(7) انظر: (ص 297).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
2 - أن صرف لفظ اليمين عن ظاهره المتبادر منه الحامل عليه اعتقاد كونه يوجب المماثلة وهو باطل -كما سبق-(1).
3 - أن النصوص الواردة في صفة اليمين كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها؛ إذلم يرد في شيء منها ما يدل على أن المراد بها غير ظاهرها(2).
4 - أن النصوص ورد بعضها بإثبات اليمين لله تعالى وورد في بعضها إثبات الشمال له سبحانه(3)، وتواترت النصوص بإثبات اليدين له، وهذا كله مما ينافي هذا التأويل.
5 - أن تأويل ابن حجر اليمين بالرضا أو القبول أو المحبة يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأوّل اليمين لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الرضا والقبول والمحبة فإنها مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتها لا يقتضي التمثيل فكذلك اليمين، وإن كان إثباتها يقتضي ذلك لزم المحظور(4).
3 - صفة الأصابع:
يرى ابن حجر أن المراد بالأصبعين في قوله صلى الله عليه وسلم: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه"(5)--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 293).
(2) انظر: رد الدارمي (2/ 698)، التوحيد لابن خزيمة (1/ 159) التوحيد لابن مندة (3/ 16).
(3) وصف يد الله الأخرى بالشمال ورد في بعض الأحاديث واختلف أهل العلم من أهل السنة والجماعة في إطلاقه على الله. انظر: رد الدارمي على بشر (2/ 698)، إبطال التأويلات (1/ 176)، كتاب التوحيد للشيخ محمد عبد الوهاب (ص 191)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (1/ 311)، وللاسثزادة: القول المبين في أن كلتا يدي الرحمن يمين للدكتور علي الشهراني.
(4) انظر: الصواعق المرسلة (1/ 234).
(5) أخرجه ابن ماجه المقدمة (1/ 72) برقم (199)، والنسائي في الكبرى، كتاب النعوت (4/ 414) برقم: (7738)، وأحمد (29/ 178) برقم (17630)، وابن أبي عاصم في السنة (ص 98) برقم (219)، وابن خزيمة في التوحيد (1/ 188) برقم (108)، وابن حبان (3/ 222)، برقم (943)، والآجري في الشريعة (3/ 1162) برقم (734)، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
هما "إرادته إما خيرًا وإما شرًّا"(1).
يقول في توضيح ذلك: "بيانه أن القلب صالح للميل إلى الخير وإلى الشر … ومحال أن يميل إلى أحدهما بدون داعية، بل لا بد في ميله لذلك من حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى فإن كان داعية الكفر فهو الخذلان … وإن كان داعية الإيمان فهو التوفيق …
والمراد بالأصبعين في الحديث … الداعيتان المذكورتان، فتأمل ذلك"(2).
التقويم:
الأصابع من صفات الله الذاتية الخبرية الثابتة في السنة النبوية، ومن أدلتها:
1 - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن … "(3).
2 - حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن حبرًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبعٍ، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبًا مما قال الحبر تصديقًا له، ثم قرأ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)} [الزمر: 67] "(4).--------------------------------------------
= والحاكم في المستدرك (2/ 289) (4/ 421)، والدارقطني في الصفات (ص 55) برقم (43)، وابن مندة في الرد على الجهمية (ص 87) برقم (68)، والبيهقي في الأسماء والصفات (2/ 74) من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن بسر بن عبد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني، عن النواس بن سمعان رضي الله عنه به.
قال الحاكم: "على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في تخريجه للسنة لابن أبي عاصم.
(1) أسنى المطالب (ص 18).
(2) الزواجر (1/ 88).
(3) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (4/ 2045).
(4) أخرجه البخاري، كتاب التفسير تفسير سورة الزمر، باب "وما قدروا الله حق قدره"=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
وقد ساق الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد الأحاديث الدالة على صفة الأصابع لله تعالى، وبَوَّب عليها بقوله: "باب إثبات الأصابع لله عز وجل"(1)، كما ساقها الإمام الآجري في الشريعة، وبَوَّب عليها بقوله: "باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين أصبعين من أصابع الرب عز وجل بلا كيف"(2)، وقوله: "باب الإيمان بأن الله عز وجل يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق كلها على إصبع، والماء والثرى على إصبع"(3).
وسئل سفيان بن عيينة(4) رحمه الله عن هذا الحديث -الذي فيه ذكر الأصابع- في عِدَّة من أحاديث الصفات، فقال: "هي كما جاءت، نُقِرُّ بها، ونُحدثُ بلا كيف"(5).
يقول الإمام البغوي(6) رحمه الله: "والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى كالنفس، والوجه، والعين … فهذه ونظائرها صفات الله تعالى ورد بها السمع ويجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، مُعْرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى:--------------------------------------------
= (3/ 1519) برقم (2786)، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب صفة القيامة (4/ 2147) برقم (2786).
(1) انظر: (1/ 187).
(2) انظر: (3/ 1156).
(3) انظر: (3/ 1164).
(4) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، مولى محمد بن مزاحم، إمام كبير، حافظ عصره، جبل في السنة، حمل العلم عن الكبار، وانتهى إليه علو الإسناد، توفي سنة 198 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (8/ 454)، شذرات الذهب (1/ 354).
(5) أخرجه الدارقطني في الصفات (ص 71)، وابن عبد البر في التمهيد (7/ 148) من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن أحمد بن نصر، عن سفيان بن عيينة به. وإسناده صحيح.
(6) هو الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي، سلفي شافعي، من مؤلفاته: معالم التنزيل، شرح السنة، الأنوار في شمائل النبي المختار، توفي سنة (516 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء (19/ 439)، شذرات الذهب (4/ 48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] "(1).
وعليه فالأصابع صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلال الله سبحانه وعظمته، والقول: بذلك هو مذهب عامة أهل السنة والجماعة(2)، وأما صرفها عن ظاهرها المراد، وابتغاء تأويلها، وحملها على أنواع المجازات، فهو مذهب المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية على اختلاف بينهم في تأويلها(3).
وما ذكره ابن حجر -غفر الله له- من تأويل صفة الأصابع لله تعالى بإرادة المخلوق للخير والشر أحد هذه الأوجه، وهو باطل من وجوه، منها:
1 - أن تفسير الأصابع بإرادة المخلوق تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق-(4).
2 - أن صرف لفظ الأصابع عن ظاهره المتبادر منه الحامل عليه اعتقاد كونه يوجب المماثلة وهو باطل -كما سبق-(5).
3 - أن الأحاديث الواردة في صفة الأصابع لله تعالى تنافي هذا التأويل من طريقين:
أ- أن الأحاديث الواردة كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها؛ إذ لم يرد في شيء منها ما يدل على أن المراد بها غير ظاهرها.
ب- أن الأحاديث الواردة في ذلك منها ما لا يمكن حمله على إرادة المخلوق للخير والشر كحديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق(6).--------------------------------------------
(1) انظر: شرح السنة (1/ 168 - 170).
(2) انظر: رد الدارمي على بشر (1/ 168 - 170)، التوحيد لابن خزيمة (1/ 187)، الشريعة للآجري (3/ 1156)، الحجة في بيان المحجة لقوام السنة (2/ 290)، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص 208).
(3) انظر: فتح الباري (8/ 551) (13/ 398) (13/ 477) فقد استوعب الحافظ ابن حجر أقوالهم فيها.
(4) انظر: (ص 297).
(5) انظر: (ص 293).
(6) انظر: رد الدارمي على بشر (1/ 371)، التوحيد لابن خزيمة (1/ 200).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
4 - صفة النور:
يرى ابن حجر أن "النور بكل معانيه مستحيل على الله"(1)، وأن قول الله عز وجل: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] مؤول بـ"منوِّرهما أي: خالق نورهما، أو هادي أهلهما، أو مدبر أمرهما، أو منوّرهما بالنجوم كما أنه منوِّر القلوب بالدلائل"(2).
التقويم:
النور صفة ذاتية لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35].
وقوله سبحانه: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35].
وقوله جل وعلا: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69].
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن … "(3).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأ ضل … "(4).--------------------------------------------
(1) الإيعاب (1/ 24).
(2) المصدر السابق (1/ 24).
(3) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب التهجد بالليل (1/ 335) برقم (1120)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (1/ 532) برقم (769) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة (5/ 26) برقم (2642)، وأحمد (11/ 2219)، برقم (6644)، وابن أبي عاصم في السنة (ص 107) برقم (241)، وعبد الله بن أحمد في السنة (2/ 424) برقم (932)، وابن حبان (14/ 43) برقم (6169) والآجري في الشريعة (2/ 757) برقم (337 - 338)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (4/ 604) برقم (1079)، والحاكم (1/ 30 - 31)، والبيهقي في الأسماء والصفات (1/ 203)، والسنن الكبرى (9/ 4) من طرق عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة، وقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه ولا أعلم له علة، وقال الذهبي: على شرطهما، ولا أعلم له علة.
وأورده الهيثمي في المجمع (7/ 193 - 194) وقال: "رواه أحمد بإسنادين … وأحد =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
وقوله صلى الله عليه وسلم: "حجابه النور … " (1).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أن الله نور، وأخبر أيضًا أنه يحتجب بالنور، فهذه ثلاثة أنوار في النص"(2).
والنور المضاف إليه سبحانه على وجهين:
الأول: إضافة الصفة إلى موصوفها.
والثاني: إضافة المفعول إلى فاعله.
وكلاهما ثابت في حقه سبحانه(3).
وبناء على ما سبق فإن النور صفة ثابتة في حق الله تعالى وهي على ما يليق بجلاله سبحانه شأنها شأن بقية صفاته(4).
وأما زعم ابن حجر أن النور بكل معانيه مستحيل على الله، فهو زعم باطل من وجوه، منها:
1 - أن قوله هذا مبني على ظن فاسد وهو أن النور المراد هو النور الواقع على الجدران المرئي في الشاهد، وليس الأمر كذلك، فإن هذا النور مخلوق منفصل عنه سبحانه وهو مختص بمحل دون آخر بخلاف نوره سبحانه(5).
2 - أن النور جاء في أسمائه وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبته الأئمة في أسمائه سبحانه، ومحال أن يسمي الله نفسه نورًا وليس له--------------------------------------------
= إسنادي أحمد ثقات"، والحديث صححه الألباني في تخريجه للسنة لابن أبي عاصم. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام"، وفي قوله: "حجابه النور" (1/ 161) برقم (293) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2) الفتاوى (6/ 386)، وانظر: مختصر الصواعق (2/ 194).
(3) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 45).
(4) انظر: الفتاوى (6/ 374 - 496)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 44 - 52)، الكافية الشافية مع شرحها لهراس (2/ 105)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 188 - 205)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (3/ 99 - 1 - 2، 116 - 117).
(5) انظر: مختصر الصواعق (2/ 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
نور ولا صفة النور ثابتة له(1).
3 - أن النور صفة كمال وضده صفة نقص؛ ولهذا سمى الله نفسه نورًا وسمى كتابه نورًا وجعل لأوليائه النور ولأعدائه الظلمة فقال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257]، ولو كان الله غير متصف بالنور الذي هو صفة كمال للزم أن يتصف بالظلمة التي هي صفة نقص فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب(2).
4 - أن إثبات النور لله تعالى هو قول الصفاتية كابن كلاب(3) والأشعري وأئمة أصحابهما، والقول بإنكاره إنما هو قول الجهمية والمعتزلة، فقول ابن حجر: إن النور بكل معانيه مستحيل على الله مخالف لقول أئمته الأوائل من الأشاعرة، وإن كان متأخروهم على نفيه! !(4).
أما ما ذكره ابن حجر في قوله سبحانه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] من تفسير النور فيها بالهادي أو المنوّر أو المدبر فهي أقوال مأثورة عن السلف في تفسير الآية(5)، وهي لا تنافي كون الله عز وجل نورًا في نفسه.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "القرآن والحديث وأقوال الصحابة صريح بأنه سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض.
ولكن عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير اللفظة بعض معانيها--------------------------------------------
(1) انظر: مختصر الصواعق (2/ 189).
(2) انظر: المصدر السابق (2/ 202).
(3) هو عبد الله بن سعيد القطان، أبو محمد، المعروف بابن كلاب، رأس الكلابية، وشيخ الأشعري، وافق المعتزلة في بعض أفواله، وأحدث بدعة الكلام النفسي في الإسلام، توفي سنة 240 هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (11/ 174 - 176)، طبقات الشافعية الكبرى (2/ 299).
(4) انظر: الإبانة للأشعري (ص 117)، الفتاوى (6/ 379)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 196).
(5) انظر: "تفسير ابن جرير" (9/ 320 - 321)، تفسير ابن أبي زمنين (3/ 235)، تفسير السمعاني (3/ 529)، تفسير البغوي (6/ 45)، تفسير ابن كثير (3/ 318 - 319).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
ولازمًا من لوازمها أو الغاية المقصودة منها، أو مثالًا ينبه السامع على نظيره، وهذا كثير في كلامهم لمن تأمله.
فكونه سبحانه هاديًا لا ينافي كونه نورًا، وما ذكر … أنه بمعنى منوّر … لا ينافي كونه في نفسه نورًا، وأن يكون النور من أسمائه وصفاته، بل يؤكد ذلك؛ فإن الموجودات النورانية نوعان: منها ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره كالجمرة مثلًا فهذا لا يقال له نور، ومنها ما هو مستنير في نفسه وهو منير لغيره كالشمس والنار، وليس في الموجودات ما هو منور لغيره وهو في نفسه ليس بنور بل إنارته لغيره فرع كونه نورًا في نفسه"(1).
5 - صفة الصورة لله تعالى:
يرى ابن حجر أن الله عز وجل "لا صورة له ترى سبحانه وتعالى، وتنزه جل وعلا"(2)، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورته"(3) وارد على سبب هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يضرب عبده على وجهه فقال له صلى الله عليه وسلم ذلك، أي لا تضربه على وجهه فإن الله خلق وجه آدم على صورة هذا الوجه وآدم أبوك، فكيف تضرب وجهًا يُشْبِه وجه أبيك؟
فالضمير لغير مذكور دلَّ عليه قرينة الحال الخارجة وهو جائز، ويصح أن يكون الضمير لله تعالى كما هو ظاهر السياق وحينئذ يتعين أن المراد بالصورة الصفة، أي: أن الله خلق آدم على أوصافه من العلم والقدرة وغيرهما …
والحاصل: أن الحديث إن أُعيد الضمير فيه لله وجب تأويله على ما هو معروف من مذهب الخلف الذي هو أحكم وأعلم، خلافًا لفرقة ضلُّوا عن الحق وارتكبوا عظائم من الجهة والتجسيم اللذين هما كفر عند كثير من--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق (2/ 199)، وانظر: الفتاوى (6/ 390 - 391)، تفسير سورة النور للشنقيطي (ص 128).
(2) المنح المكية (2/ 693).
(3) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (4/ 1959) برقم (6227)، ومسلم، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (4/ 2183) برقم (2841) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
العلماء أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه"(1).
التقويم:
صفة الصورة من الصفات الذاتية الثابتة لله تعالى بالأحاديث الصحيحة، منها:
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: "فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا … "(2).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ربي في أحسن صورة"(3).
قال الإمام الآجري رحمه الله بعد ذكره لهذه الأحاديث: "هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين"(4).
وقال الإمام ابن قتيبة رحمه الله: "الذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 385)، وانظر: (ص 381).
(2) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (4/ 2055) برقم (6573)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (1/ 163) برقم (299) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) الحديث روي من حديث اثني عشر صحابيًّا، وأصحها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه فقد نقل ابن عدي في الكامل عن الإمام أحمد أنه قال عنه: "هذا أصحها". وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أخرجه الترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص (5/ 343) برقم (3235)، وأحمد (36/ 422) برقم (22109)، وابن خزيمة في التوحيد (1/ 542) برقم (321)، والطبراني في الكبير (20/ 109)، والدارقطني في الرؤية (ص 308 - 315) برقم (227، 228، 229، 230، 231، 232)، وابن عدي في الكامل (6/ 2344) من طرق عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مطولًا.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح … ".
(4) الشريعة (3/ 1153).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد"(1).
وقول ابن حجر -غفر الله له- بأن الله عز وجل لا صورة له تُرى باطل من وجوه:
1 - أن الأحاديث الصحيحة قد جاءت بإثبات الصورة لله عز وجل، ووردت بألفاظ مختلفة كلها تؤكد أن المراد بها حقيقتها.
2 - أن القول بنفي الصورة عن الله يستلزم نفي وجوده؛ إذ "الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج ولفظ (ص، و، ر) يدل على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج … فيمتنع أن يكون قائمًا بنفسه ليس له صورة يكون عليها؛ لأنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به"(2).
3 - أن القول بنفي الصورة عن الله يستلزم نفي رؤيته في الآخرة؛ إذ لا تُعقل رؤية إلا لما له صورة في الخارج تُرى، وابن حجر يثبت رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة -وإن كان إثباته لها على وفق معتقد الأشاعرة كما سيأتي-(3) فقوله بنفي الصورة عن الله وإثباته لرؤيته سبحانه في الآخرة تناقض منه.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خلق الله آدم على صورته" فالذي عليه جمهور السلف رحمهم الله أن الضمير فيه راجع إلى الله تعالى، وخالف في ذلك بعض العلماء من أهل السنة والجماعة فنفوا رجوعه إلى الله واختلفوا في مرجعه(4).--------------------------------------------
(1) تأويل مختلف الحديث (ص 221).
(2) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق اليحيى (2/ 475).
(3) انظر: (ص 562).
(4) انظر: تأويل مختلف الحديث (ص 217)، التوحيد لابن خزيمة (1/ 45، 84)، الشريعة (3/ 1147)، طبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/ 25 - 29)، بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق: اليحيى (2/ 373)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (2/ 3/ 221 - 223)، عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن للتويجري (ص 12)، تعريف=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك، ولكن لَمّا انتشرت الجهمية في المائة الثالثة، جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور(1)، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصبهاني(2)، وغيرهم ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة"(3).
ومما يؤيد القول بان الضمير عائد إلى الله تعالى ما يلي:
1 - أن الحديث ورد بعدة ألفاظ تدل على هذا القول وتؤيده، منها:
أ- رواية: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا … "(4).
ب- رواية: "خلق الله آدم على صورة الرحمن"(5).--------------------------------------------
= أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن للأنصاري، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (2/ 39).
(1) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، أبو ثور البغدادي، ويكنى أيضًا أبا عبد الله، الإمام الحافظ المجتهد، صاحب الإمام الشافعي، وأحد الفقهاء المشهورين، توفي سنة 240 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (12/ 72).
(2) هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيَّان، المعروف بأبي الشيخ، الإمام الحافظ، محدث أصبهان، من مؤلفاته: العظمة، والسنن، والفرائض، وغيرها، توفي سنة 369 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 276)، شذرات الذهب (2/ 93).
(3) بيان تلبيس الجهمية، تحقيق اليحيى (2/ 396 - 399).
(4) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (4/ 1959) برقم (6227)، ومسلم، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم من أفئدة الطير (4/ 2183) برقم (2841) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(5) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (1/ 268) برقم (468)، وابن أبي عاصم في السنة (ص 228) برقم (517)، وابن خزيمة في التوحيد (1/ 85) برقم (41)، والآجري في الشريعة (3/ 1152) برقم (725)، والدارقطني في الصفات (ص 56، 64) برقم (45، 48)، والحاكم في المستدرك (2/ 319)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (3/ 423 - 424) برقم 716)، والبيهقي في الأسماء والصفات (2/ 18) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما به. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)