الفقهية المشهورة(1).
يقول العلامة النووي رحمه الله: "يحرم أن يقول إن فعلت كذا أنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام ونحو ذلك، فإن قاله وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك صار كافرًا في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكن ارتكب محرمًا فيجب عليه التوبة … ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله"(2).
2 - سب الدهر:
يرى ابن حجر رحمه الله النهي عن سب الدهر، وأن حكمه يختلف باختلاف حال الساب، حيث عده من الكبائر فقال في تعداده لها: "سب الدهر من عالم … "(3) يعني بالنهي الوارد عن ذلك.
ثم أورد الأحاديث الدالة على النهي عن سب الدهر، وأعقبها بقوله: "عدّ هذا هو ظاهر الأحاديث ببادئ الرأي لا سيما قوله تعالى: "ويشتمني عبدي"(4)، فعد تعالى سب الدهر شتمًا له أي: يؤدي إليه وهو كفر، وما أدى إلى الكفر أدنى مراتبه أن يكون كبيرة، لكن كلام أئمتنا يأبى ذلك ويصرح بأن ذلك مكروه لا حرام فضلًا عن كونه كبيرة.
والذي يتجه في ذلك التفصيل وهو أن من سب الدهر:
إن أراد به الزمن فلا كلام في الكراهة.--------------------------------------------
(1) انظر: بدائع الصنائع (3/ 8)، حاشية ابن عابدين (3/ 55)، الحاوي الكبير للماوردي (15/ 263)، المقدمات الممهدات (2/ 31)، نهاية المحتاج (8/ 169)، الإنصاف للمرداوي (11/ 31، 33)، زاد المعاد لابن القيم (2/ 470).
(2) الأذكار (ص 319).
(3) الزواجر (1/ 113).
(4) يشير إلى الحديث القدسي: "استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وا دهراه وا دهراه وأنا الدهر".
والحديث أخرجه أحمد (16/ 340) برقم (10578)، وابن خزيمة (4/ 113) برقم (2479)، والحاكم (1/ 418)، من طرق عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي بشيء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
أو الله تعالى فلا كلام في الكفر.
وإن أطلق فهذا محل التردد لاحتماله الكفر وغيره، وظاهر كلام أئمتنا الكراهة هنا أيضًا لأن المتبادر منه الزمن وإطلاقه على الله تعالى بطريق التجوز"(1).
التقويم:
سب الدهر مما جاءت الأحاديث بالنهي عنه، وتكاثرت في التحذير منه، وهو مما ينافي التوحيد ويقدح فيه، لأنه في حقيقته سب لله تعالى إذ هو خالق الدهر والمتصرف فيه بما يشاء(2).
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله مبينًا مفاسد سب الدهر:
"في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:
إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره، مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.
الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء … وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.
الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءَهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه … "(3).
وعليه فسب الدهر إيذاء لله، وشعار لأهل الجاهلية يجب التنزه عنه والتحذير منه.--------------------------------------------
(1) الزواجر (1/ 113)، وانظر: حاشية الإيضاح (ص 5)، وتنبيه الأخيار (ل 15/ أ).
(2) انظر: التمهيد لابن عبد البر (18/ 154 - 157)، شرح السنة للبغوي (12/ 357) شرح صحيح مسلم للنووي (3/ 15)، مجموع الفتاوى (2/ 491 - 495)، فتح الباري (8/ 575)، غذاء الألباب للسفاريني (2/ 559 - 562)، تيسير العزيز الحميد (ص 608 - 609)، فتح المجيد (2/ 706 - 708).
(3) زاد المعاد (2/ 354 - 355).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
وأما حكمه فيختلف باختلاف مقصد قائله:
فإن سب الدهر قاصدًا ما يقصده أهل الجاهلية من تأثيره وفعله من دون الله كما قال تعالى عنهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24]. فهذا شرك أكبر.
وإن سبه مع خلو قصده مما تقدم كأن يجري سب الدهر على لسانه دون اعتقاد لفاعلية الدهر وتأثيره فهذا شرك أصغر؛ ووجهه أن ألفاظ سب الدهر فيها منازعة لله في ربوبيته فصارت شركًا من هذا لوجه، إضافة إلى كونها ذريعة إلى الشرك الأكبر(1).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من التفصيل في حكم من سب الدهر على الوجه الذي ذكره، وقوله بكراهة ذلك إن أراد به سب الزمن، وتردده في الحكم عليه إن أطلق ولم يعين مراده باطل لوجوه، منها:
1 - أن النهي عن سب الدهر يقتضي التحريم مطلقًا لا الكراهة، إذ الأصل في النهي التحريم، فالعدول عنه إلى الكراهة يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك، فيبقى النهي على أصله.
2 - أن سب الدهر إيذاء لله تعالى وشتم له سبحانه، وقد توعد الله من آذاه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)} [الأحزاب: 57]، وجعل نسبة الولد إليه شتمًا له سبحانه كما في الحديث القدسي: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله: إن لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني"(2).
وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال فيما هو أذية لله وقرين لنسبة الولد إليه في الشتم إنه مكروه أو أن يتردد في حكمه.
3 - أن سب الدهر دائر بين أمرين لا ثالث لهما وهما سب الله تعالى أو الشرك به، وكلاهما موجب للتحريم لا الكراهة.--------------------------------------------
(1) انظر: زاد المعاد (2/ 355)، وتيسير العزيز الحميد (ص 609).
(2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} برقم (3193) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "ساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما، إما سبه لله تعالى أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله فقد سب الله"(1).
3 - الاستسقاء بالأنواء:
يرى ابن حجر رحمه الله أن الاستسقاء بالأنواء وقول القائل: مطرنا بنوء كذا يحرم تارة ويجوز أخرى، وذلك بحسب اعتقاد قائل ذلك، ومراده بقوله، يقول في تقرير ذلك:
"من قال ذلك معتقدًا لتأثير الكوكب وحده أو مع الله تعالى كافر، وهذا مما لا خلاف فيه.
ومن قاله معتقدًا أن الكوكب جعله الله علامة على كذا بحسب ما استقر في العادة فليس بحرام.
وعلى هذا نص الشافعي رضي الله عنه فقال: إذا قال: مطرنا بنوء كذا يريد وقت كذا فهو كقوله: مطرنا في شهر كذا، وهذا لا يكون كفرًا من مسلم ولا حرامًا بخلاف قول أهل الشرك، لأنهم يعتقدون التأثير له … "(2).
التقويم:
الاستسقاء بالأنواء يراد به إضافة المطر لها، ونسبة مجيئه إليها(3).
والأنواء: جمع نوء، والنوء النجم(4).--------------------------------------------
(1) زاد المعاد (2/ 355).
(2) الفتاوى الحديثية (ص 371)، وانظر: الزواجر (1/ 158 - 159)، تنبيه الأخيار (ل 19/ أ).
(3) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (1/ 321)، غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 440)، التمهيد لابن عبد البر (16/ 287)، شرح السنة للبغوي (4/ 420)، النهاية لابن الأثير (5/ 122)، تيسير العزيز الحميد (ص 451)، فتح المجيد (2/ 535).
(4) انظر: تهذيب اللغة (4/ 3472)، معجم مقاييس اللغة (ص 1002)، الصحاح (1/ 79)، لسان العرب، القاموس المحيط (ص 69).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
وقول القائل: مطرنا بنوء كلذا لا يخرج عن حاليق:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل هو النجم وحده، أو أنه شريك لله تعالى في ذلك فهذا كفر أكبر بالاتفاق.
وثانيهما: أن يعتقد أن المنزل هو الله وحده، وأن النجم سبب لذلك، أو علامة جعلها الله عليه، فهذا مما اختلف أهل العلم في حكمه(1).
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "الاستسقاء بالنجوم نوعان:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر؛ إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 63] وليس هذا معنى الحديث(2)، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر، فهو كافر.
الثاني: أن ينسب المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك المنزل له، إلا أنه سبحانه وتعالى أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم، فحكى ابن مفلح(3) خلافًا في مذهب أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه.
والصحيح أنه محرم، لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده--------------------------------------------
(1) انظر: الأم للشافعي (1/ 252)، التمهيد (16/ 286)، شرح السنة للبغوي (4/ 421)، المنتقى للباجي (1/ 334 - 335)، شرح صحيح مسلم للنووي (2/ 60)، والأذكار له أيضًا (ص 318)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (17/ 229)، فتح الباري (2/ 608)، تيسير العزيز الحميد (ص 454)، فتح المجيد (2/ 539)، القول المفيد لابن عثيمين (2/ 115).
(2) يشير إلى حديث أبي مالك الأشعري وفيه: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن وذكر منها الاستسقاء بالنجوم"، والحديث أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة (2/ 644) برقم (934).
(3) هو محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الراميني ثم الصالحي، أحد أعلام الحنابلة في وقته، وتلاميذ شيخ الإسلام ابن ثيمية، من مؤلفاته: الفروع، والآداب الشرعية، وأصول الفقه وغيرها، توفي سنة (763 هـ).
انظر: الدرر الكامنة (4/ 161)، شذرات الذهب (6/ 199).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه، وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم، وأيضًا فإن هذا من النبي صلى الله عليه وسلم حماية لجناب التوحيد، وسدٌّ لذرائع الشرك … "(1).
وعليه فما ذهب إليه ابن حجر من تحريم قول مطرنا بنوء كذا في حق من اعتقد تأثير الكواكب والنجوم وكفر قائله موافق لإجماع أهل العلم.
وأما قوله بجواز ذلك في حق من اعتقد تسبب الكواكب أو كونها علامة على ذلك، فهو وإن كان قولًا لبعض الشافعية إلا أن الصحيح خلافه لِمَا سبق.
وقول الشافعي رحمه الله الذي أورده ابن حجر للدلالة على ما ذهب إليه يختص بمن قال مطرنا بنوء كذا وأراد في وقت كذا دون من قال ذلك يريد تسبب النجم في المطر أو كونه علامة عليه، وفرق بين الأمرين. على أنه قد نص غير واحد على تحريم هذا اللفظ مطلقًا سدًا للذريعة وحماية لجناب التوحيد.
4 - إطلاق لفظ: عبدي وأمتي:
يرى ابن حجر رحمه الله كراهة قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي حيث يقول: "روى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي"(2)، وفي رواية لمسلم: "لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي"(3).--------------------------------------------
(1) تيسير العزيز الحميد (ص 454، 455)، وانظر: كلام ابن مفلح الذي أشار إليه في المبدع (2/ 212).
(2) أخرجه البخاري، كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي وأمتي (2/ 768) برقم (2552)، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة والمولى والسيد (4/ 1764) برقم (2249) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة والمولى والسيد (4/ 1764) برقم (2249).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
ويؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم في هذه: "كلكم عبيد الله" الإيماء إلى علة كراهة عبدي وأمتي بأنه موهم وجود حقيقة العبودية والأمتِّية لغير الله، وهو كذب بل كفر صريح فنهى عن ذلك اللفظ الموهم لذلك، وإن كان غير مراد بخلاف الفتاتية والغلامية والجارية، لا يوهم ذلك الإيهام ولا قريبًا منه فلا يكره"(1).
التقويم:
قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي من الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة؛ لِمَا فيها من إيهام العبودية لغير الله، فالنهي عنها جاء تحقيقًا للتوحيد وبعدًا عن الشرك(2).
والنهي عن قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي نهي تنزيه لا تحريم باتفاق أهل العلم.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني شارحًا ترجمة البخاري في صحيحه: "باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي وأمتي، وقول الله تعالى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}(3) [النور: 32].
"قوله: عبدي أو أمتي، أي: وكراهية ذلك من غير تحريم، ولذلك استشهد للجواز بقوله تعالى: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} وبغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الجواز، ثم أردفها بالحديث الوارد في النهي عن ذلك، واتفق العلماء على أن النهي الوارد في ذلك للتنزيه، حتى أهل الظاهر … "(4).
وعليه فما قرره ابن حجر رحمه الله من كراهة تلفظ السيد بقوله عبدي وأمتي موافق لاتفاق أهل العلم.--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 185 - 186)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل 19/ أ).
(2) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (15/ 7)، والأذكار له (ص 322)، زاد المعاد (2/ 470)، فتح الباري (5/ 211)، تيسير العزيز الحميد (ص 655)، فتح المجيد (2/ 755)، القول المفيد لابن عثيمين (3/ 97 - 98).
(3) صحيح البخاري (2/ 767).
(4) فتح الباري (5/ 211).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
5 - التسمي بملك الأملاك وما في معناه:
يرى ابن حجر رحمه الله تحريم التسمي بملك الأملاك، وشاهن شاه، وحاكم الحكام، وقاضي القضاة. وأن ذلك كبيرة من كبائر الذنوب. حيث عد من الكبائر: "التسمية بملك الأملاك"(1) وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله:
"عد ما ذكر [يعني: من الكبائر] … ظاهر، قال أئمتنا: وتحرم التسمية بكل من ملك الأملاك، وشاهِن شاه إذ هو بمعناه؛ وذلك أنه لا يوصف بذلك غير الله عز وجل.
وألحق بذلك بعض أئمتنا حاكم الحكام، وقاضي القضاة … "(2).
التقويم:
لما كان الله سبحانه هو مالك الملك، ولا ملك أعظم وأكبر منه، كان إطلاق هذا الاسم على غيره لا يجوز؛ حفظًا للتوحيد ودفعًا لوسائل الشرك(3)، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخنع(4) اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك"(5).
وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنه يلحق بملك الأملاك ما في معناه كشاهن شاه، وسلطان السلاطين، وأحكم الحاكمين. واختلفوا في التسمي بقاضي القضاة وحاكم الحكام هل يلحقان بذلك أم لا؟--------------------------------------------
(1) الزواجر (1/ 212).
(2) المصدر السابق (1/ 212)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل 18/ أ).
(3) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (14/ 122)، تهذيب السنن لابن القيم (7/ 258)، زاد المعاد (2/ 340)، تحفة المودود (ص 130)، فتح الباري (10/ 590)، تيسير العزيز الحميد (ص 612)، فتح المجيد (2/ 711)، القول المفيد (3/ 3).
(4) أخنع أي: أوضع أو أذل، والخانع: الذليل الخاضع، والمعنى: أشد الأسماء ذلًا وأوضعها عند الله.
انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (2/ 18)، والنهاية (2/ 84).
(5) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله (4/ 1951) برقم (6205)، ومسلم، كتاب الأدب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك (3/ 1688) برقم (2143).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
والراجح -والله أعلم- أنهما يلحقان بذلك لكون علة النهي متحققة فيهما كما هي متحققة في ملك الملوك وشاهن شاه وسلطان السلاطين(1).
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "ومن المحرم التسمية بملك الملوك، وسلطان السلاطين، وشاهن شاه …
وقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام؛ فإن حاكم الحكام في الحقيقة هو الله … "(2).
وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر رحمه الله من تحريم التسمي بملك الأملاك وما في معناه موافق لِمَا عليه أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
6 - التوسل:
يرى ابن حجر- غفر الله له- استحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: "التوسل به صلى الله عليه وسلم … حسن في كل حال قبل خلقه، وبعد خلقه في الدنيا والآخرة … "(3).
ويبين مراده بالتوسل به صلى الله عليه وسلم المستحب فيقول: "معنى التوسل به صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء منه"(4)، أو الدعاء بحقه "والمراد بحقه رتبته ومنزلته إليه، أو الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالي له على الخلق، أو الحق الذي جعله الله بفضله له عليه"(5).
ويرى أن "السؤال به صلى الله عليه وسلم ليس سؤالًا له حتى يوجب اشتراكًا وإنما هو سؤال الله بمن له عنده قدر عليّ ومرتبة رفيعة وجاه عظيم فمن كرامته على ربه أن لا يخيب السائل به والمتوسل بجاهه"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: زاد المعاد (2/ 340)، تحفة المودود (ص 130)، فتح الباري (10/ 591)، تيسير العزيز الحميد (ص 613 - 614).
(2) تحفة المودود (ص 130).
(3) الجوهر المنظم (ص 61)، وانظر: تحفة الزوار (ص 87) وما بعدها، وحاشية الإيضاح (ص 499)، فتح الإله بشرح المشكاة (ص 363).
(4) الجوهر المنظم (ص 62)، وانظر: حاشية الإيضاح (ص 500).
(5) الجوهر المنظم (ص 61).
(6) المصدر السابق (ص 61).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
ويقرر أن التوسل به مشروع في كل أحواله صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك قبل خلقه، أو بعد خلقه في الدنيا أو الآخرة، ويسوق الأدلة على ذلك فيقول:
"مما يدل لطلب التوسل به قبل خلقه …
ما أخرجه الحاكم(1) وصححه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لَمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد صلى الله عليه وسلم إلا ما غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لَمّا خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك … "(2).
"وفي حياته: ما أخرجه النسائي والترمذي وصححه … أن رجلًا ضريرًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير لك، قال: فادعه، وفي رواية: ليس لي قائد وقد شق عليّ، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم شفّعه فيّ.
وصححه البيهقي وزاد: فقام وقد أبصر.
وفي رواية: اللهم شفّعه فيّ وشفعني في نفسي"(3).
"ومما يستدل به على التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في توسله بالاستسقاء بعم النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب، وكان يقول:--------------------------------------------
(1) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي، أبو عبد الله، المعروف بابن البَيِّع الحاكم النيسابوري، إمام محدث، من مؤلفاته: المستدرك على الصحيحين، والمدخل إلى الصحيح، ومعرفة علوم الحديث، توفي سنة (405 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء (17/ 162)، شذرات الذهب (3/ 176).
(2) الجوهر المنظم (ص 61)، وانظر: تحفة الزوار (ص 89)، وحاشية الإيضاح (ص 500).
(3) الجوهر المنظم (ص 61)، وانظر: تحفة الزوار (ص 98)، وحاشية الإيضاح (ص 500).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
اللهم إنّا كنّا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا هانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون …
وهذا أوفى دليل في هذا المعنى لأن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، دليل ظاهر على أنه في حياته، وهو ما نحن فيه"(1).
"وبعد وفاته … استعمل السلف هذا الدعاء [يعني: الدعاء الوارد في حديث الضرير السابق] في حاجاتهم بعد موته، وقد علّمه عثمان بن حنيف الصحابي راويه لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان زمن إمارته بعده صلى الله عليه وسلم وعسر عليه قضاؤها منه، وفعله فقضاها منه، رواه الطبراني(2) والبيهقي.
وروى الطبراني بسند جيد أنه صلى الله عليه وسلم ذكر في دعائه: بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي"(3).
"وقد صح في حديث طويل أن الناس أصابهم قحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه صلى الله عليه وسلم في النوم فأخبره أنهم يسقون فكان كذلك.
وفيه: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، أي: الرفق … فأتاه فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه.
وفي رواية: أن رائي المنام بلال بن الحارث المزني الصحابي رضي الله عنه.
فعلم أنه صلى الله عليه وسلم يطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما في حياته …--------------------------------------------
(1) تحفة الزوار (ص 107).
(2) هو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، أبو القاسم، من حفاظ الحديث المكثرين من التصنيف فيه، من مصنفاته: ص المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، توفي سنة (360 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 119)، شذرات الذهب (3/ 30).
(3) انظر: الجوهر المنظم (ص 61)، وانظر: تحفة الزوار (108)، حاشية الإيضاح (ص 500).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
وأنه صلى الله عليه وسلم يتوسل به في كل خير قبل بروزه لهذا العالم وبعده في حياته وبعد وفاته وكذا في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه، وهذا مما قام الإجماع عليه، وتواترت به الأخبار"(1)(2).
وابن حجر حينما يقرر استحباب التوسل لا يرى ذلك مقتصرًا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، بل يشمل ذلك التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، يقول في ذلك: "ولا فرق بين ذكر التوسل … به صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأنبياء وكذا الأولياء … وذلك:
لأنه ورد جواز التوسل بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح مع كونها أعراضًا فالذوات الفاضلة أولى.
ولأن عمر بن الخطاب توسل بالعباس رضي الله عنهما في الاستسقاء ولم ينكر عليه"(3).
وقد شنع ابن حجر- عفا الله عنه- على شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريمه التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
"من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مثلة، أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك كما أفتى، بل التوسل به حسن في كل حال … فقول ابن تيمية ليس له أصل من افترائه"(4).
التقويم:
التوسل: طلب الوسيلة، والوسيلة، القربة والشفاعة، يقال: وَسلَ وتَوَسلَ إلى الله تَوسُّلًا؛ إذا عمل عملًا تقرب به إليه.--------------------------------------------
(1) انظر: الجوهر المنظم (ص 62، 63)، وانظر: تحفة الزوار (ص 111)، وما بعدها.
(2) توسع ابن حجر في ذكر الأدلة التي استدل بها على استحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في أحواله كلها في كتابه تحفة الزوار إلا أن كلامه فيه كان نقلًا عن السبكي ولهذا اعتمدت على الأدلة التي ساقها من نفسه في كتابه الجوهر المنظم مع الإشارة إلى مواضعها من تحفة الزوار.
(3) انظر: الجوهر المنظم (ص 1 - 62).
(4) انظر: المصدر السابق (ص 61).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
فالتوسل في اللغة: التقرب(1).
وهو في الشرع: التقرب إلى الله تعالى بوسيلة(2).
وهو قسمان:
الأول: توسل مشروع: وهو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة مشروعة، وهو ثلاثة أنواع:
1 - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته.
2 - التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة.
3 - التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء.
والثاني: توسل ممنوع: وهو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة ممنوعة، وهو أربعة أنواع:
1 - التوسل إلى الله تعالى بسؤال الأموات ودعائهم.
2 - التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الأموات.
3 - التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين.
4 - التوسل إلى الله تعالى بجاه المخلوقين أو حقهم(3).
وهي مترددة بين الشرك والبدعة فالتوسل بسؤالهم ودعائهم وطلب الدعاء منهم بعد وفاتهم شرك أكبر، والتوسل بذواتهم أو جاههم أو حقهم بدعة منكرة(4).--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (4/ 3892)، معجم مقاييس اللغة (ص 1091)، الصحاح (5/ 1841)، لسان العرب (11/ 724)، القاموس المحيط (1389).
(2) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية (ص 79)، والتوصل إلى حقيقة التوسل لمحمد نسيب الرفاعي (ص 20)، والتوسل أنواعه وأحكامه للألباني (ص 13).
(3) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 17)، قاعدة في الوسيلة لابن تيمية (ص 79)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص 295، 296)، النبذة الشريفة لابن معمر (ص 94)، صيانة الإنسان (ص 197)، التوصل (ص 22)، التوسل للألباني (ص 31)، التوسل لابن عثيمين (ص 13).
(4) انظر: المصادر السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
إذا تقرر ذلك فالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لفظ مجمل مشترك ترد عليه الأنواع المشروعة والممنوعة حسب مورد التوسل به واعتباراته وبكون حكمه تابعًا لحكمها.
فإن أريد به التوسل بالإيمان به ومحبته، أو التوسل بطلب الدعاء منه حال حياته صلى الله عليه وسلم فهو توسل مشروع.
وإن أريد به التوسل بسؤاله ودعائه، أو طلب الدعاء منه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، أو التوسل بذاته أو جاهه وحقه فهو توسل ممنوع(1).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم …
يراد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا، أو لكون الداعي محبًا له مطيعًا لأمره، مقتديًا به، فيكون التسبب إما لمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته.
ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا لشيء منه، ولا لشيء من السائل بل بذاته، أو بمجرد الإقسام به على الله.
فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه"(2).
وعليه فقول ابن حجر باستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بمعنى طلب الدعاء منه بعد وفاته، أو السؤال بحقه وجاهه قول باطل؛ إذ هو بهذا المعنى توسل ممنوع لا يجوز، فلم يكن الصحابة والتابعون وأتباعهم يفعلونه ولو كان مشروعًا لكانوا أولى الناس به، فإنهم عدلوا عن الاستسقاء به إلى الاستسقاء بعمه، ولم يعرف عن أحد منهم أنه توسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وحقه(3).
وأما زعمه كون السؤال به صلى الله عليه وسلم ليس سؤالًا له، واعتماده على ذلك--------------------------------------------
(1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 793)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 82)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص 217)، الكشف المبدي للفقيه (ص 263)، القول الجلي لمحمد أحمد خضر (ص 54).
(2) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 793).
(3) انظر: اللمعة في الأجوبة السبعة لابن تيمية (ص 36)، قاعدة جليلة (ص 115)، كشف ما ألقاه إبليس (ص 215 - 216).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
في تجويزه فمردود بكون السؤال به صلى الله عليه وسلم يجمع بين الشرك والبدعة.
فهو شرك من جهة كون السائل اعتقد أن السؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم سببًا لتحقق المسؤول، واتخاذ ما لم يجعله الله سببًا لا شرعًا ولا كونًا سببًا شرك أصغر.
وهو بدعة من جهة كون السؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معروفًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكل ما لم يكن موجودًا في عهدهم مع قيام المقتضي له فهو بدعة(1).
وقوله بذلك مبني على شبهة المجاز العقلي وقد سبق الجواب عنها بما يغني عن إعادته(2).
وأما ما أورده ابن حجر من الأدلة لقوله باستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله فهي مما لا يمكن الاستدلال به؛ لكونها إما مطعونًا في ثبوتها، أو في دلالتها، أو فيهما جميعًا، وفيما يلي مناقشة هذه الأدلة:
أولًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل خلقه:
استدل ابن حجر بحديث توسل آدم عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم حين وقعت منه الخطيئة ومغفرة الله له بسبب توسله.
والحديث أخرجه الحاكم(3)، والبيهقي(4)، والطبراني(5)، من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا.
قال الحاكم بعد إخراجه له: "صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: التوسل لابن عثيمين (ص 33).
(2) انظر: (ص 162).
(3) انظر: المستدرك (2/ 615).
(4) انظر: دلائل النبوة (5/ 489).
(5) انظر: المعجم الصغير (2/ 82).
(6) المستدرك (2/ 615).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
وأخرجه الآجري(1) من وجه آخر عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به موقوفًا من قول عمر رضي الله عنه(2).
والحديث معلول سندًا ومتنًا.
فأما السند ففيه ثلاث علل:
1 - ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم- وعليه مدار الحديث-(3).
2 - جهالة من دون عبد الرحمن بن زيد، وقد أشار إلى ذلك الهيثمي(4) حيث قال: "فيه من لم أعرفهم"(5).
ومن هؤلاء عبد الله بن مسلم الفهري(6).
3 - اضطراب عبد الرحمن، ومن دونه في إسناده، فتارة يروونه مرفوعًا، وتارة موقوفًا على عمر رضي الله عنه(7).
وأما المتن فهو يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:
1 - أن ظاهر الحديث ينص على أن مغفرة الخطيئة كانت بسبب توسل آدم بنبينا محمد-صلى الله عليه وسلم، وهذا مخالف لنص القرآن الكريم، إذ المغفرة كانت بسبب الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال عز وجل: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ--------------------------------------------
(1) هو محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، أبو بكر، أحد أعلام السلف ومصنفيهم، من مؤلفاته: الشريعة، والأربعون، وأخلاق العلماء وغيرها، توفي سنة 360 ص. انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 133)، شذرات الذهب (3/ 35).
(2) انظر: الشريعة (3/ 1415) برقم (956).
(3) انظر: ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/ 234)، والتاريخ الكبير للبخاري (5/ 284)، والمجروحين لابن حبان (2/ 57 - 59)، والكامل لابن عدي (4/ 1581)، وميزان الاعتدال للذهبي (2/ 264).
(4) هو علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، المصري، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: مجمع الزوائد، وترتيب الثقات لابن حبان، وزوائد ابن ماجه على الكتب الستة، توفي سنة (807 ص).
انظر: الضوء اللامع (5/ 200)، الأعلام (4/ 266).
(5) مجمع الزوائد (8/ 253).
(6) انظر: ميزان الاعتدال (2/ 504)، ولسان الميزان (3/ 359 - 360).
(7) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 175)، والتوسل للألباني (ص 124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)} [البقرة: 37]. وقد قيل: إن الكلمات هي ما ذكر في قوله تعالى: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} [الأعراف: 23](1).
2 - أن الحديث جاء في آخره: "ولولا محمد ما خلقتك"، وهذا مخالف للقرآن الكريم في بيانه أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56](2).
وقد أعل الحديث بهذه العلل أو بعضها جماعة من المحدثين كالبيهقي(3)، وشيخ الإسلام ابن تيمية(4)، والحافظ الذهبي(5)، والإمام ابن عبد الهادي(6)، والحافظ الهيثمي(7)، والحافظ ابن حجر العسقلاني(8)، والعلامة الألباني(9)(10).
وأما تصحيح الحاكم لهذا الحديث فيجاب عنه بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: "رواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قال في كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم: عبد الرحمن بن--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على البكري لابن تيمية (ص 10)، التوسل للألباني (ص 125)، التوصل للرفاعي (ص 224).
(2) انظر: التوسل للألباني (ص 125)، التوصل للرفاعي (ص 227).
(3) انظر: دلائل النبوة (5/ 489).
(4) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 167)، الرد على البكري (ص 5 - 11، 60).
(5) انظر: ميزان الاعتدال (2/ 504).
(6) انظر: الصارم المنكي (ص 43).
(7) انظر: مجمع الزوائد (8/ 253).
(8) انظر: لسان الميزان (3/ 359)، النكت على ابن الصلاح (1/ 320 - 321).
(9) هو محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي بن آدم الألباني، أحد علماء المحدثين المعاصرين، من مؤلفاته: التوسل أنواعه وأحكامه، تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، سلسلة الأحاديث الصحيحة، وغيرها، توفي سنة 1420 هـ.
انظر: الألباني حياته وآثاره لمحمد الشيباني.
(10) انظر: التوسل (ص 115).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه …
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث …
ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه. وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه … "(1).
وعليه فالحديث معلول لا يحتج به، وكلام عامة أهل العلم فيه دائر بين الحكم بوضعه أو ضعفه الشديد.
ثانيًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته:
استدل ابن حجر بحديث الضرير وحديث توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما على استحباب التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وحقه في حياته، وهما حديثان صحيحان، ولكنهما لا يدلان على ما ذهب إليه ابن حجر.
فأما حديث الضرير(2) فيجاب عنه بما يلي:
1 - أن المراد بالتوسل به صلى الله عليه وسلم في الحديث هو التوسل بدعائه وهو--------------------------------------------
(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 168 - 170).
(2) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات (5/ 569) برقم (3578)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة ذكر حديث عثمان بن حنيف (6/ 168 - 169) برقم (10494)، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة (1/ 441) برقم (1385)، وأحمد (28/ 478) برقم (17240)، والبخاري في التاريخ الكبير (6/ 209 - 210)، وابن خزيمة (2/ 225) برقم (1219)، والطبراني في الكبير (9/ 31 - 32) برقم (8311) والصغير (1/ 307) برقم (508)، والحاكم (1/ 313)، والبيهقي في دلائل النبوة (6/ 166) من طرق عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه به.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب … ".
وقال الحاكم: "هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
مشروع في حياته صلى الله عليه وسلم بخلاف التوسل بجاهه أو حقه أو ذاته فهو لا يشرع بحال، ومما يؤيد كون التوسل المراد في الحديث التوسل بدعائه قول الأعمى: ادع الله أن يعافيني، ووعده صلى الله عليه وسلم بالدعاء مع بيان الأفضل له، ثم إصرار الأعمى على الدعاء، وقوله: اللهم فشفعني فيه، وشفعه فيّ، كل ذلك يدل على أن المراد به التوسل بدعائه؛ لأن هذه الصيغة لا تحتمل غير ذلك(1).
2 - أنه لو كان المراد بالتوسل به صلى الله عليه وسلم في الحديث التوسل بذاته أو جاهه، أو حقه، لا دعائه، لكان كل أعمى من الصحابة ومن بعدهم إلى هذا الزمان، يتوسلون إلى الله بذات النبي صلى الله عليه وسلم وجاهه وحقه عند الله، ولن يبقى بعد ذلك أعمى(2).
وأما حديث توسل عمر بن الخطاب بالعباس(3) رضي الله عنهما فيجاب عنه من وجهين:
1 - أن المقصود بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الوارد في الحديث طلب الدعاء منه وهو مشروع في حياته دون وفاته- كما سبق- لا التوسل بذاته أو حقه وجاهه فهو ممنوع مطلقًا، فلا دلالة في الحديث على ما ذهب إليه ابن حجر(4).--------------------------------------------
(1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 783 - 784)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 115)، اللمعة في الأجوبة السبعة لابن تيمية (ص 48 - 50)، تلخيص كتاب الاستغاثة لابن تيمية (ص 129 - 130)، النبذة الشريفة لابن معمر (ص 83)، صيانة الإنسان (ص 125)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص 162)، الضياء الشارق له أيضًا (ص 537)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص 216)، الكشف المبدي للفقيه (ص 245)، التوصل للرفاعي (ص 236)، التوسل للألباني (ص 75).
(2) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 260)، تلخيص كتاب الاستغاثة (ص 130).
(3) الحديث أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا (1/ 302) برقم (1010) من حديث أنس رضي الله عنه به.
(4) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 82)، تلخيص الاسثغاثة (ص 126)، اللمعة في الأجوبة السبعة، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص 55)، الصواعق المرسلة الشهابية (ص 262)، الضياء الشارق (ص 551 - 552)، صيانة الإنسان (ص 136)، الكشف المبدي (ص 243)، التوصل للرفاعي (ص 261)، التوسل للألباني (ص 55).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
ومما يدل على أن المراد بالتوسل في الحديث طلب دعائه صلى الله عليه وسلم لا التوسل بذاته أو جاهه أو حقه أمران:
أ- الأحاديث الواردة في الاستسقاء، ومنها ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب نحو دار القضاء- ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب- فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا … " الحديث"(1).
فدل هذا الحديث دلالة قوية ظاهرة على أن توسلهم به صلى الله عليه وسلم كان توسلًا بدعائه، لا بجاهه، وهذا ظاهر من قوله: "فادع الله لنا".
ب- أن توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنه كان توسلًا بدعائه لا بذاته، فإن العباس لَمّا استسقى به عمر قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث … "(2)(3)
2 - أن عدول عمر رضي الله عنه عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بطلب الدعاء منه أو التوسل بذاته أو جاهه وحقه إلى التوسل بالعباس رضي الله عنه وإقرار الصحابة له دليل على عدم جواز ذلك؛ إذ لا يمكن أن يتوسلوا بالمفضول ويدعوا الفاضل، خاصة مع جدبهم وحاجتهم، فالدليل حجة عليه لاله(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الاستسفاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة (1/ 303) برقم (1014)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (2/ 612) برقم (897) من حديث أنس رضي الله عنه به.
(2) أخرجه الزبير بن بكار في الأنساب كما في فتح الباري (2/ 577).
(3) انظر: التوسل للألباني (ص 56 - ص 68).
(4) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 82)، تلخيص الاستغاثة (ص 126)، اللمعة في الأجوبة السبعة (ص 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)