وينكر ابن حجر على من حرم شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويحذر من الاغترار بقوله، فيقول: "ولا يُغْتَر بإنكار ابن تيمية لسن زيارته صلى الله عليه وسلم فإنه عبد أضله الله كما قال العز بن جماعة وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل … "(1).
التقويم:
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحال إليها "من المسائل التي طالت ذيولها، واشتهرت أصولها، وامتحن بسببها من امتحن"(2).
وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم تارة تكون دون شد الرحال وأخرى مع شدها:
فالأولى: مشروعة عند أهل العلم دون من شذ منهم، وذلك بشرط أن تكون الزيارة زيارة شرعية.
وأما الأخرى -وهي الزيارة مع شد الرحال-:
فهي لا تخلو من ثلاثة أحوال:
1 - إما أن تكون بقصد المسجد النبوي وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم على السواء.
2 - وإما أن تكون بقصد المسجد النبوي والصلاة فيه فقط.
3 - وإما أن تكون بقصد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقط.
فالحالة الأولى والثانية مشروعة، وأما الحالة الثالثة فهي محل النزاع ومدار البحث(3).
وقد اختلف أهل العلم في جوازها على قولين:
الأول: تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول الجمهور.
والثاني: جواز شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول--------------------------------------------
(1) حاشية الإيضاح (ص 489)، وانظر: الجوهر المنظم (ص 21، 13)، الإيعاب (3/ 93/ ب)، فتح الإله بشرح المشكاة (ص 350).
(2) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني (ص 83).
(3) انظر: الرد على الإخنائي (ص 48، 24، 164)، والفتاوى (27/ 342)، والصارم المنكي (ص 18).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
بعض أتباع الأئمة الأربعة(1).
وهذان القولان -أعني القول بالتحريم والقول بالجواز- هما القولان المشهوران عن أهل العلم المتقدمين، وأما القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم-وهو الذي يقرره ابن حجر وينتصر له- فهو قول لم يقل به أحد من العلماء المتقدمين، وإنما قال به بعض المتأخرين(2).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، ولا عرف عنهم القول بالاستحباب، بل إن السلف والقدماء على التحريم"(3).
ويقول: "فدعوى من ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك، وهو بعد أن يعرف صحة نقله نقل قولًا شاذًا مخالفًا لإجماع السلف، مخالفًا لنصوص الرسول … "(4).
وعليه فإن القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول به ابن حجر وينتصر له ويحكي الاجماع عليه- قول باطل لا يصح؛ وذلك لأمرين:
الأول: أن الأدلة الصحيحة جاءت بتحريم ذلك، والتحذير منه، ومنها:
1 - قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام،--------------------------------------------
(1) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 224 - 225)، وشرحه على مختصر خليل (3/ 93)، وفتح الباري (3/ 65)، والمغني للموفق بن قدامة (3/ 117)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (7/ 211)، وكشاف القناع للبهوتي (2/ 150).
(2) انظر: الرد على الإخنائي (ص 33، 41، 176، 141، 153)، الصارم المنكي (ص 167)، الكشف المبدي للفقيه (ص 180 - 181)، تيسير العزيز الحميد (ص 359)، فتح المجيد (1/ 433)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (2/ 51 - 52)، النبذة الشريفة النفيسة للشيخ حمد بن معمر (ص 169 - 170).
(3) الرد على الإخنائي (ص 41).
(4) الرد على الإخنائي (ص 141)، وانظر: (ص 153، 176، 153).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"(1).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة بقصد التقرب والعبادة، وإذا كان النهي عن ذلك يتناول المساجد التي هي بيوت الله تعالى وأشرف بقاع الأرض، فكون النهي يتناول القبور والمشاهد من باب أولى(2).
2 - قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"(3).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتخذ قبره عيدًا، والعيد كل ما يعتاد، وشد الرحال لقبره صلى الله عليه وسلم وسيلة لاتخاذه عيدًا، والوسائل لها أحكام المقاصد، ومما يدل على تناوله النهي عن شد الرحال لقبره صلى الله عليه وسلم قوله: "وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"(4).
3 - قوله صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1/ 353) برقم (1189)، ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (2/ 1014) برقم (1397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(2) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 671)، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص 248، 250)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (2/ 39 - 40، 52).
(3) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (2/ 534) برقم (2042)، وأحمد (14/ 403) برقم (8804)، والطبراني في الأوسط (9/ 15 - 16) برقم (8026)، والبيهقي في حياة الأنبياء بعد وفاتهم (ص 95) برقم (14). من طرق عن عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
والحديث إسناده حسن لأجل عبد الله بن نافع، قال فيه الحافظ في التقريب: (ص 552 ترجمة: 3683): "ثقة، صحيح الكتاب، في حفظه لين"، وبقية رجاله ثقات.
وقد حسن الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص 92 - 93)، والحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص 308)، والحافظ السخاوي في القول البديع (ص 155)، والعلامة الألباني في تحذير الساجد (ص 17).
(4) انظر: تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (2/ 447)، والصارم المنكي (ص 308).
(5) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة (1/ 154) برقم (437)، ومسلم، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
ووجه الدلالة أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن الصلاة عليها أو إليها وتحري العبادة عندها -كما سبق-(1) وشد الرحال إلى القبور مفضٍ إلى اتخاذها مساجد(2).
4 - قول أبي هريرة رضي الله عنه: خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار … فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تُعمل المطي إلا لثلاتة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، والى مسجد إيلياء أو بيت المقدس"(3).--------------------------------------------
= كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (1/ 376) برقم (530) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(1) انظر: (ص 185).
(2) انظر: تحذير الساجد (ص 21).
(3) أخرجه الترمذي في أبواب الجمعة، باب الساعة التي ترجى في يوم الجمعة (1/ 501 - 502) برقم (491) مختصرًا دون ذكر الشاهد وأشار إليه بقوله: (وفي الحديث قصة طويلة". وأخرجه النسائي، كتاب الجمعة، باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة (13/ 113 - 114) برقم (1430)، ومالك في الموطأ، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة (1/ 164 - 166) برقم (290)، والحميدي في مسنده (2/ 421). برقم (944)، وأحمد في مسنده (39/ 267) برقم (23848)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (2/ 294)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 247) برقم (1001)، والطحاوي في مشكل الآثار (2/ 54) برقم (581، 590)، وابن حبان (7/ 7) برقم (2779)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3/ 136 - 137) برقم (1210). من طرق عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (3/ 123 - 124)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (2/ 294 - 295)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 249) برقم (1002)، وأبو يعلى في المسند (11/ 435) برقم (6558)، والطحاوي في مشكل الآثار (2/ 55، 56) برقم (582، 584. 585)، والطبراني في الكبير (2/ 276) برقم (2157) (2158) (2159)، وفي الأوسط (1/ 471) برقم (857) من طرق عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
وأخرجه الطيالسي (2/ 685) برقم (1445)، وأحمد (39/ 270) برقم (23850)، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
ووجه الدلالة منه أن الصحابي الذي روى الحديث قد فهم أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء داخلة في عموم النهي، وأنه لا يجوز السفر إليها، وقد أقره أبو هريرة على فهمه فلم ينكر عليه ذلك.
5 - إجماع المتقدمين من أهل العلم على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور ليس مستحبًا ولا قربة ولا طاعة، وإن اختلفوا هل هو جائز أم لا، فالقول باستحباب ذلك خرق لإجماعهم، وخروج عن قولهم(1).
الثاني: ضعف الأدلة التي استدل بها القائلون بالاستحباب -والتي ذكر بعضها ابن حجر- وإمكان الإجابة عنها، وفيما يلي مناقشة الأدلة التي ساقها ابن حجر لتدعيم قوله وتأييد مذهبه:
أما استدلاله بدلالة الكتاب، فقد ذكر عليها دليلين:
1 - قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64].
ووجه الدلالة عنده -كما سبق- أن الآية دلت على الحث على المجيء إليه صلى الله عليه وسلم والاستغفار عنده واستغفاره لمن جاء إليه، وأن هذا لا ينقطع بموته.
فالجواب عنه: أن الآية ليس فيها دلالة على ما ذكره، بل إن الآية تدل على نقيض قوله.--------------------------------------------
= والطبراني في الكبير (2/ 277) برقم (2160) من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أبي بصرة رضي الله عنه بنحوه.
وأخرجه أحمد (45/ 206) برقم (27230)، والطبراني في الكبير (2/ 277) برقم (2161) من طريق مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي بصرة رضي الله عنه بنحوه.
والحديث صحيح، وقد صححه جمع من أهل العلم، منهم الإمام الترمذي حيث قال بعد إخراجه له مختصرًا: "وهذا حديث صحيح"، كما صححه الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 449)، والعلامة الألباني في إرواء الغليل (3/ 228).
(1) انظر: الرد على الإخنائي (ص 13، 48، 173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
يقول العلامة ابن عبد الهادي(1) رحمه الله: "فأما استدلاله بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} الآية فالكلام فيها في مقامين:
أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه.
والثاني: بيان دلالتها على نقيضه.
وإنما يتبين الأمران بفهم الآية، وما أريد بها وسيقت له، وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه، وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم … وهذه هي عادة الصحابة معه صلى الله عليه وسلم … فلما استأثر الله بنبيه صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى عطل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب؟ … وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام … فلم يدعوا إليه، ولم يحضّوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة …
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأوله المعترض تأويل باطل قطعًا ولو كان حقًّا لسبقونا إليه علمًا وعملًا وإرشادًا ونصيحةً، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو في سنة لم يكن على عهد السلف.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} [النساء: 64]، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له … ولم يقل مسلم إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطّلوها وَوُفِّق--------------------------------------------
(1) هو محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، أبو عبد الله، سلفي المعتقد، من أعلام المحدثين، وأحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، من مؤلفاته: الصارم المنكي في الرد على السبكي، المحرر في الأحكام، توفي سنة 744 هـ.
انظر: الدرر الكامنة (3/ 331)، شذرات الذهب (6/ 141).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
لها هؤلاء الغلاة العصاة"(1).
2 - قوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100].
ووجه الدلالة عنده -كما سبق- أن من خرج لزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق عليه أنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله، وزيارته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعًا، فكذلك بعد وفاته.
والجواب عنه: أن الاستدلال بالآية على القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم "مردود من وجوه:
أ- أن الآية واردة في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، يدل عليه سياق الآية وسباقها … ويدل عليه أيضًا شأن نزولها … ويدل عليه أيضًا معنى الهجرة … فلا بد في معنى الهجرة من أمرين، الأول:
الخروج من أرض إلى أرض، والثاني: ترك الأولى للثانية، والخروج لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته يتحقق فيه الأمر الأول لا الثاني.
ب- أن مثل من يستدل بهذه الآية على كون الزيارة قربة كمثل من يستدل على كون الزيارة قربة بجميع الآيات والأحاديث التي ورد فيها ذكر الهجرة … مع أن أحدًا من أهل العلم والدين لم يستدل بهذه الأحاديث والآيات على كون الزيارة قربة.
ج- أنه لو سُلِّم دخول زيارته صلى الله عليه وسلم في الآية الكريمة في الحياة، فلا نسلم دخول زيارته صلى الله عليه وسلم بعد الممات فيها، والأحاديث الدالة على أن زيارته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كزيارته في حياته لم يثبت واحد منها"(2).
وأما استدلاله بدلالة السنة، فقد ذكر منها دليلين إجماليين، وأفاض في ذكر الأدلة التفصيلية التي يرجع حاصلها إلى ما ذكر من الدليلين--------------------------------------------
(1) الصارم المنكي (ص 317 - 318)، وانظر: صيانة الإنسان للهسواني (ص 23 - 41)، والكشف المبدي للفقيه (ص 125 - 134)، وأوضح الإشارة للنجمي (ص 494).
(2) صيانة الإنسان (ص 42) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
الاجماليين، ولذا ساوردهما وأكتفي بالإجابة عنهما عن الإطالة بمناقشة الأدلة التفصيلية.
1 - الأحاديث الواردة في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم:
وقد ذكر ابن حجر نحوًا من خمسة عشر حديثًا منها -مستدلًا بها على قوله باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم(1).
والجواب عنها بطريقين:
الطريق الأول: طريق مجمل: وذلك بأن يقال إن هذه الأحاديث كلها لا تصلح للاحتجاج، ولا تقوم بها الحجة لأمرين:
أ- أن الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها موضوعة أو ضعيفة لا يصح منها شيء(2).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أحاديث زيارة قبره صلى الله عليه وسلم كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء منها في الدين؛ ولهذا لم يروِ أهل الصحاح والسنة منها شيئًا، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني(3) والبزار(4) وغيرهما"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: الجوهر المنظم (ص 7 - 10)، وتحفة الزوار (ص 29) وما بعدها.
(2) ممن نص على ذلك من أهل العلم: شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص 189)، والحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص 29)، والشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (ص 361)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (1/ 436)، والشيخ حمد بن معمر في النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين (ص 170) وحكاه عن جمع من أهل العلم، ومن المعاصرين الشيخ حماد الأنصاري في كشف الستر (ص 6 - 7)، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة (حديث رقم 47)، والشيخ بكر أبو زيد في التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث (ص 131).
(3) هو علي بن عمر الدارقطني، أبو الحسن، الإمام الحافظ، المقرئ المحدث، له تصانيف عديدة منها: السنن، والصفات، والرؤية، توفي سنة 385 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 449)، شذرات الذهب (3/ 116).
(4) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله، أبو بكر، العتكي البصري المعروف بالبزار، الإمام الحافظ، من مؤلفاته: البحر الزخار المعروف بالمسند، وكتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكتاب الأشربة وتحريم المسكر، توفي سنة 292 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (13/ 554)، شذرات الذهب (2/ 209).
(5) قاعدة جليلة في التوسل (ص 133)، وانظر: الرد على الإخنائي (ص 87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
ب- أن الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم على فرض صحتها إنما تدل على مطلق الزيارة التي بدون سفر ومن غير شد للرحال، وحينئذٍ فهي لا تدل على ما استدل عليه ابن حجر من القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي خارجة عن محل النزاع أصلًا(1).
الطريق الثاني: طريق مفصل: وذلك بتتبع هذه الأحاديث والكلام على كل واحد منها بما يناسبه من حيث الرواية والدراية، وقد قام بذلك جمع من أهل العلم في القديم والحديث، وصنفوا في ذلك مصنفات خاصة بما يغني عن الإطالة في الجواب عما ذكره ابن حجر منها(2).
2 - الأحاديث الواردة في الأمر بزيارة القبور، ويدخل فيها دخولًا أوليًا قبره صلى الله عليه وسلم، إذ هو سيد القبور وأشرفها.
والجواب عنها: بأن يقال إن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه ابن حجر من القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأمرين:
أ- أن هذه الأحاديث إنما تدل على الأمر بمطلق الزيارة التي بدون سفر ومن غير شد للرحال، فهي خارجة عن محل النزاع أيضًا(3).
ب- أن هذه الأحاديث جاءت بالأمر بمطلق الزيارة فهي أحاديث عامة تخصصها الأحاديث الأخرى كالأحاديث الواردة في النهي عن زيارة النساء للقبور، والنهي عن زيارة القبور لمن ينوح عندها أو يقول هجرًا، أو يتعبد عندها ويتخذها مساجد، كذلك تخصصها الأحاديث الواردة في النهي عن شد الرحال للقبور(4).--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على الإخنائي (ص 86).
(2) ممن تتبع هذه الأحاديث بالتخريج والدراسة في القديم الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص 20) وما بعدها، وفي الحديث الشيخ حماد والأنصاري في كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر، والشيخ صالح بن حامد الرفاعي في الأحاديث الواردة فضائل المدينة (ص 583) وما بعدها، والشيخ أحمد النجمي في أوضح الإشارة (ص 225) وما بعدها، والشيخ عمرو عبد المنعم في هدم المنارة (ص 229)، وما بعدها.
(3) انظر: الرد على الإخنائي (ص 86).
(4) انظر: المصدر السابق (ص 77).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
وأما استدلاله بدلالة الاجماع، وزعمه أن جماعة من الأئمة قد نقلوا الاجماع على مشروعية شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الخلاف بينهم إنما هو في كون ذلك واجبًا أو مندوبًا.
فالجواب عنه من وجهين:
1 - أن المقصود بقول من قال باستحباب السفر لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم أو حكى الإجماع على ذلك من المتقدمين هو استحباب السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه ويتبع ذلك زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ومما يدل على ذلك أن لفظ إتيان القبر، وزيارته، والسفر إليه، يتناول من يقصد المسجد، ومن لم يقصد إلا القبر، فالأول مشروع والثاني ممنوع؛ فوجب حمل الكلام على المعنى المشروع، خاصة مع كونه هو المعنى المعروف الشائع بينهم(1).
2 - أن المتقدمين من علماء السلف مجمعون على أن السفر لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس بقربة ولا طاعة وإن اختلفوا هل هو حرام أم جائز فلم يقل أحد منهم بالاستحباب -كما سبق- فابن حجر ومن وافقه على القول باستحباب شد الرحال خرقوا إجماع الطائفتين، ولم يكتفوا بذلك بل ادعوا أن هذا الخرق للإجماع إجماع(2)! !
وأما استدلاله بدلالة القياس على ما جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها من الأمر بزيارة القبور، وكون قبر نبينا صلى الله عليه وسلم منها، وأنه أولى وأحق وأعلى.
فالجواب عنه: أن هذا استدلال بالسنة لا بالقياس(3)، ولهذا فما قيل في الجواب عن الاستدلال بالأحاديث الواردة في الأمر بزيارة القبور يقال هنا؛ إذ الجواب عنهما واحد.
وأما قوله بان الزيارة إذا ثبت كونها قربة، فالسفر إليها كذلك.
فالجواب عنه من وجهين:
1 - "أنه ليس كل ما كان جائزًا أو مستحبًا أو واجبًا جاز التوسل إليه--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على الإخنائي (ص 135)، والصارم المنكي (ص 343).
(2) انظر: الرد على الإخنائي (ص 140).
(3) انظر: صيانة الإنسان (ص 48)، الكشف المبدي (ص 152).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
بكل طريق … بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله لم يجز ذلك …
وكون الرحلة إلى القربة قد تكون معصية محرمة كثير في الشريعة، كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة والذكر في غير المساجد الثلاثة، وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بغير إذن الزوج كحج التطوع، وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بغير إذن سيده، وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة، ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعة إذا أمكن بلا سفر، ومع السفر لا يجوز.
فإن قيل: ما رحل إليه هؤلاء المنهيون عن السفر ليس بقربة في حقهم، قيل له: ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل إليه قربة في حقه"(1).
2 - أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ليست متوقفة على السفر لمجرد الزيارة، "لجواز أن يسافر لزيارة المسجد النبوي أو لأمر آخر من التجارة وغيرها، ثم بعد وصوله المدينة الطيبة يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فحينئذٍ تكون الزيارة متوقفة على مطلق السفر لا على سفر الزيارة، فيكون مطلق السفو قربة لا سفر الزيارة"(2).
وأما استدلاله بفعل بلال رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز رحمه الله فهو متعقب بكونه لم يصح عنهما، وبيان ذلك كما يلي:
1 - أن قصة بلال رضي الله عنه قد أخرجها الحاكم أبو أحمد محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري(3) في الجزء الخامس من فوائده(4)، ومن--------------------------------------------
(1) الرد على الإخنائي (ص 177) وما بعدها.
(2) صيانة الإنسان (ص 73)، وانظر: (ص 71 - 73)، والكشف المبدي (ص 174) وما بعدها.
(3) هو محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: الأسامي والكنى، والفوائد وغيرها، توفي سنة 378 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 370)، شذرات الذهب (3/ 93).
(4) كتاب الفوائد للحاكم مفقود، وقد أشار الحاكم نفسه إلى روايته لهذا الأثر في كتابه الأسامي والكنى دون أن يخرجه فيه بسنده حيث قال في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
طريقه ابن عساكر(1) والذهبي(2) عن محمد بن الفيض، عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن أبي الدرداء، عن أبيه، عن جده سليمان، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
والقصة بهذا الإسناد لا تصح.
يقول الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله: "هو أثر غريب منكر، وإسناده مجهول، وفيه انقطاع، وقد تفرد به محمد بن الفيض الغساني عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال عن أبيه عن جده.
وإبراهيم بن محمد هذا شيخ لا يعرف … بل هو مجهول … ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض، روى عنه هذا الأثر المنكر …
ومحمد بن سليمان بن بلال -والد إبراهيم- شيخ قليل الحديث، لم يشتهر من حاله ما يوجب قبول أخباره …
وأما سليمان بن بلال فإنه رجل غير معروف، بل هو مجهول الحال، قليل الرواية لم يشتهر بحمل العلم ونقله، ولم يوثقه أحد فيما علمناه …
والحاصل أن مثل هذا الإسناد لا يصح الاعتماد عليه، ولا يرجع عند التنازع إليه"(3).
وممن حكم بوضع القصة ونكارتها الحافظ الذهبي(4)، والحافظ ابن حجر العسقلاني(5)، والحافظ السيوطي(6)، والعلامة ابن عراق الكناني(7)(8)--------------------------------------------
= محمد بن سليمان (1/ 174): "كناه لنا أبو الحسين محمد بن الفيض الغساني الدمشقي وأخبرنا عنه بحديث"، كما أخرجه من طريق الحاكم ابن عساكر والذهبي وعزاه إليه ابن عبد الهادي -كما سيأتي-.
(1) تاريخ دمشق (97/ 7).
(2) سير أعلام النبلاء (1/ 357 - 358).
(3) الصارم المنكي (ص 237 - 241).
(4) انظر: سير أعلام النبلاء (1/ 358).
(5) انظر: لسان الميزان (1/ 107 - 108).
(6) انظر: ذيل الموضوعات (ص 104).
(7) هو علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الكناني، نور الدين، فقيه محدث، من مؤلفاته: تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، ونشر اللطائف في قطر الطائف، توفي سنة 963 هـ.
انظر: الكواكب السائرة (2/ 197)، شذرات الذهب (8/ 337).
(8) انظر: تنزيه الشريعة المرفوعة (2/ 118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
والعلامة علي القاري(1).
وأما ما زعمه ابن حجر من أن ابن عساكر قد رواها بسند جيد، فهو مما تابع فيه السبكي(2)، وقد قال ابن عبد الهادي في الرد عليه: "قوله إسناده جيد خطأ منه"(3).
2 - أما قصة عمر بن عبد العزيز رحمه الله فيجاب عنها بجوابين:
أ- أن هذه القصة قد رويت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله على وجهين:
الأول: أنه كان يوجه بالبريد قاصدًا لمدينة ليقرئ النبي صلى الله عليه وسلم السلام:
وقد أخرج القصة على هذا الوجه البيهقي(4) من طريق عبد الله بن يوسف الأصفهاني، عن إبراهيم بن فراس، عن محمد بن صالح الرازي، عن زياد بن يحيى، عن حاتم بن وردان، قال: "كان عمر بن عبد العزيز يوجه بالبريد قاصدًا إلى المدينة ليقرئ عنه النبي صلى الله عليه وسلم السلام"(5).
والقصة بهذا الإسناد لا تصح، يقول الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله: "إن ما نقل عن عمر بن عبد العزيز من إبراده البريد من الشام قاصدًا إلى المدينة لمجرد الزيارة، ليس بصحيح عنه؛ بل في إسناده ضعف وانقطاع … حاتم بن وردان … لم يلق عمر بن عبد العزيز ولم يدركه فروايته عنه مرسلة غير متصلة"(6).
والثاني: أنه كان يرسل السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض من قدم عليه من المدينة إذا أراد الرجوع إليها:--------------------------------------------
(1) انظر: المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (ص 257 - 258).
(2) انظر: شفاء السقام في زيارة خير الأنام له (ص 57 - 58).
(3) الصارم المنكي (ص 237).
(4) هو أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، من فضلاء الأشاعرة ومتقدميهم، وأكابر الشافعية ومقدميهم، من مؤلفاته: الأسماء والصفات، ودلائل النبوة، والبعث والنشور، توفي سنة 458 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 163)، شذرات الذهب (3/ 304).
(5) شعب الإيمان، إتيان المدينة وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم (8/ 100) رقم (3869).
(6) الصارم المنكي (ص 244 - 246).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
وقد أخرج القصة على هذا الوجه البيهقي أيضًا من طريق أبي سعيد بن أبي عمرو، عن أبي عبد الله الصفار، عن ابن أبي الدنيا، عن إسحاق بن أبي حاتم المدائني، عن ابن أبي فديك، عن رباح بن بشير، عن يزيد بن أبي سعيد قال: "قدمت على عمر بن عبد العزيز إذ كان خليفة بالشام، فلما ودعته قال: إن لي إليك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام"(1).
قال العلامة ابن عبد الهادي رحمه الله: "هذا أجود ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا الباب مع أن في ثبوته نظرًا، فإن رباح بن بشير شيخ مجهول لم يرو عنه غير ابن أبي فديك.
ولو فرض أنه شيخ معروف ثقة، فليس في روايته ذكر إبراد البريد لمجرد الزيارة، وإنما فيها إرسال السلام مع بعض من قدم على عمر من أهل المدينة … ويزيد بن أبي سعيد قصد الرجوع إلى بلده المدينة، وانضم إلى ذلك قصد آخر، وليس هذا محل النزاع، وإنما الخلاف في شد الرحال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور"(2).
ب- "أنه لو ثبت عن عمر بن العزيز رحمه الله أنه كان يبرد البريد من الشام قاصدًا إلى المدينة لمجرد الزيارة والسلام، كان في فعله ذلك من جملة المجتهدين، ومن المعلوم أنه رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين ومن كبار الأئمة المجتهدين؛ فإذا قال قولًا باجتهاده وفعل فعلًا برأيه فإن قام دليله وظهرت حجته تعمين المصير إليه والاعتماد عليه، وإلا فهو ممن يحتج لقوله، ويستدل لفعله"(3).
وبعد هذا العرض والمناقشة يتبين أن القول الصحيح هو تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وخطأ ابن حجر -غفر الله له- في قوله باستحباب ذلك وضعف أدلته التي ساقها للاستدلال له.
وأما ما زعمه من أن استحباب شد الرحال لا يختص بقبره صلى الله عليه وسلم بل--------------------------------------------
(1) شعب الإيمان، إتيان المدينة وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم (8/ 100 - 101) رقم (3870).
(2) الصارم المنكي (ص 245).
(3) المصدر السابق (ص 246).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
يشاركه في ذلك قبور الأنبياء والأولياء، فيرد عليه بنظير قوله في الاستحباب وهو أنه إذا بطل استحباب شد الرحال لقبره صلى الله عليه وسلم فقبر غيره من باب أولى؛ "إذ قبر نبينا منها أولى وأحق وأعلى، بل لا نسبة بينه وبين غيره".
وكذا قوله بأن استحباب الزيارة وشد الرحال إليها لا يختص بالرجال وحدهم بل يشاركهم في ذلك النساء.
فيجاب عنه: بأن أهل العلم استحبوا زيارة القبور للرجال، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك(1)، وأما النساء فقد اختلفوا في مشروعية الزيارة في حقهن على أقوال، والقول الصحيح -والله أعلم- هو القول بتحريم زيارة القبور لهن(2)، ويدخل في ذلك قبره صلى الله عليه وسلم، إذ لا وجه لتخصيص النهي عن ذلك بغير قبره صلى الله عليه وسلم لعموم الأدلة وعدم وجود المخصص(3).
وأما شد الرحال إلى القبور فقد تقدم أن القول الصحيح الذي تعضده الأدلة ولا تدل على سواه هو تحريم شد الرحال إلى القبور وهذا الحكم عام في حق الرجال والنساء.
وما حكاه ابن حجر -عفا الله عنه- عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وشنع به عليه من القول بتحريم الزيارة وإنكارها مطلقًا، مردود بكون شيخ الإسلام لم ينكر استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من غير شد رحل، بل أنكر الزيارة مع شد الرحال وفرق بين الأمرين، ثم هو في قوله هذا متبع لقول الجمهور وأهل العلم المتقدمين -كما سبق- فالإنكار عليه إنكار عليهم، والتشنيع عليه تشنيع عليهم(4).--------------------------------------------
(1) قال النووي في المجموع (5/ 310): "وهو قول العلماء كافة، نقل العبدري فيه إجماع المسلمين"، وتعقبه ابن حجر في الفتح (3/ 148) بثبوت القول بكراهة الزيارة مطلقًا عن بعض التابعين.
(2) انظر: حاشية ابن عابدين (2/ 242)، والمجموع للنووي (5/ 281 - 282)، والمغني لابن قدامة (3/ 523 - 524).
(3) انظر: مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (3/ 239 - 245) (6/ 129 - 130)، وجزء زيارة النساء للقبور للشيخ بكر أبو زيد (ص 11 - 13).
(4) انظر: الصارم المنكي (ص 18)، جلاء العينين للألوسي (ص 577)، شفاء الصدور للكرمي (ص 167 - 168)، الكشف المبدي (ص 118 - 119).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
والذي أوقع ابن حجر في فهمه الخاطئ لكلام شيخ الإسلام في ذلك، هو تقليده لغيره ومتابعته له على قوله، ومنهم العز بن جماعة وأبو الحسن السبكي اللذين استدل بقولهما وأشاد بهما.
يقول العلامة مرعي الحنبلي(1) رحمه الله: "ومن العجب أن ابن تيمية - رحمه الله تعالى- قائل بزيارة القبور حتى قبور الكفار … وكتبه في الفقه ومناسكه في الحج مصرحة بذلك(2)، ومع هذا فتجد كثيرًا من المتعصبين وممن يستحل الوقعية في أئمة الدين ينقلون عنه القول بتحريم زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إما جهلًا أو بغضًا وعنادًا ممن شاع عنه ذلك في الأصل ثم قلده في ذلك من لا يحتاط لدينه ونسي قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] … فنسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يفضحنا يوم تبلى السرائر، وأن يجعلنا من المتأدبين مع الأئمة الأكابر"(3).
الثاني: ما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه من الأقوال:
1 - الحلف بغير الله:
يرى ابن حجر -عفا الله عنه- كراهة الحلف بغير الله إذا كان الحالف لا يعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله، فإن كان يعتقد في المحلوف به ذلك فإن الحلف به يكون حينئذ كفرًا مخرجًا من الملة.
يقول في ذلك: "يكره الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته كالنبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي المقدسي، من فقهاء الحنابلة المتأخرين، له تصانيف منها: أقاويل الثقات في تاويل الأسماء والصفات، وتحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان، ودليل الطالب لنيل المطالب، توفي سنة 1033 هـ.
انظر: خلاصة الأثر (4/ 358)، الأعلام (7/ 203).
(2) انظر: منسك شيخ الإسلام ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (2/ 375)، ومجموع الفتاوى (26/ 98).
(3) شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور (ص 167 - 168)، وانظر: جلاء العينين للألوسي (ص 577 - 599)، والكشف المبدي للفقيه (ص 62، 134، 194)، وأوضح الإشارة للنجمي (406)، وللاستزادة: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام عرض ونقد د. عبد الله الغصن (ص 323) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
والملائكة والكعبة والحياة، وكذا الأمانة بل هي من أشدها كراهة …
فالحلف بذلك كله مكروه بأي صفة كان، لا حرامٌ، ومحله إن لم يعتقد في المحلوف به أن يعظم بالحلف به كما يعظم الله فإن اعتقد ذلك كفر"(1).
ويرى أن الأحاديث الدالة على أن الحلف بغير الله شرك أو كفر محمولة على من اعتقد التعظيم للمحلوف به كما يعتقد لله تعالى، يقول في ذلك: "أئمتنا … أطلقوا أن الحلف بغير الله مكروه، نعم إن اعتقد له من العظمة بالحلف به ما يعتقده لله كان الحلف حينئذ كفرًا وهو محمل حديث ابن عمر(2) … والأحاديث"(3).
ويبين ابن حجر أن النهي عن الحلف بغير الله عام في جميع صوره، ومنها الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول في الرد على من استثنى ذلك من عموم النهي: "نهى صلى الله عليه وسلم الناس عن الحلف به وبغيره من الخلق على حدٍّ واحد، فتحريم بعض الصور فقط تحكم"(4).
ويرى ابن حجر أن مما يلحق بالحلف بغير الله قول بعض المجازفين: إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي، حيث عد من--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 190 - 191)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل 19/ ب)، تحفة المحتاج (4/ 289)، فتح الجواد (2/ 372).
(2) يشير إلى حديث ابن عمر "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"، والحديث أخرجه أبو داود كتاب الأيمان والنذور باب في كراهية الحلف بالآباء (3/ 570) برقم (3251)، والترمذي كتاب الأيمان والنذور باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (4/ 93) برقم (1535)، والطيالسي (3/ 412) برقم (2208)، وأحمد (10/ 249) برقم (6072)، والطحاوي في المشكل (2/ 297) برقم (826)، وابن حبان (10/ 199) برقم (4358)، والحاكم (1/ 18) (4/ 297)، والبيهقي في الكبرى (10/ 29)، كلهم من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
قال الترمذي: "حديث حسن".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
(3) الزواجر (2/ 184)، وانظر: تحفة المحتاج (4/ 289)، وفتح الجواد (2/ 372).
(4) تنبيه الأخيار (ل 19/ ب).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
الكبائر: "الحلف بالأمانة أو بالصنم مثلًا، وقول بعض المجازفين: إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي"(1).
وقال في بيان حكم ذلك: "ويحرم إن فعل كذا فهو يهودي ونحوه، إن قصد تبعيد نفسه أو أطلق، وتلزمه التوبة، ويسن له أن يتشهد"(2).
التقويم:
الحلف بالله تعالى تعظيم له سبحانه، والعدول بالحلف به إلى الحلف بغيره عدوان على مقام الرب عز وجل وتنقص لكماله؛ ولهذا وردت النصوص بالنهي عن الحلف بغير الله تعالى والتحذير من ذلك، وتسميته شوكًا وكفرًا، ومنها:
قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"(3).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله"(4).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"(5).
وعليه فإن الحلف بغير الله محرم، وصاحبه دائر بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ وبيان ذلك أنه إن اعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله كان حلفه كفرًا أكبر وشركًا أكبر يخرج به من الملة، وإن لم يعتقد ذلك في المحلوف به كان حلفه كفرًا أصغر وشركًا أصغر لا يخرجه عن الملة، وإن--------------------------------------------
(1) الزواجر (2/ 184).
(2) فتح الجواد (2/ 372)، وانظر: الزواجر (2/ 184).
(3) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم (4/ 2076) برقم (6646)، ومسلم، في كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله (3/ 1267) برقم (1646) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما به.
(4) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت (4/ 2077) برقم (6650)، ومسلم، كتاب الإيمان من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله (3/ 1267 - 1268) برقم (1647) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(5) سبق تخريجه (ص 241).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
كان قد أتى ذنبًا عظيمًا(1).
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره"(2).
وبناء على ما سبق فإن ما ذهب إليه ابن حجر من كراهة الحلف بغير الله متعقب بما يلي:
أ- أن ظاهر النصوص من الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن الحلف بغير الله تدل على أن النهي فيها للتحريم، خاصة مع كونه الأصل في النواهي ما لم يأت صارف يصرفها عن ذلك، ولا صارف هنا عن التحريم، فبقي الأمر على الأصل(3).
ب- أن الحلف بغير الله يتضمن مضاهاة غير الله بالله، فإن العلماء متفقون على أن الحكمة من النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، وأن العظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده(4)، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال بكراهة الحلف بغير الله، بل القول الصحيح تحريم ذلك.
جـ- أن ابن حجر قرر أن الحالف بغير الله إذا اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وكان حلفه كذلك؛ وعليه فيمكن القول بأن الحلف بغير الله إذا كان محتملًا لهذا الاعتقاد الباطل، فكيف يقال فيما هو مضاه له وشيبه به ووسيلة إليه إنه مكروه كراهة تنزيه، فإن الشرع قد جاء بتحريم كل قول أو فعل يوقع في الشرك أو يكون سببًا له، والوسائل لها أحكام المقاصد.--------------------------------------------
(1) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (1/ 37)، تيسير العزيز الحميد (ص 593)، فتح المجيد (2/ 691)، النبذة الشريفة النفيسة للشيخ حمد بن معمر (ص 60 - 61)، القول المفيد لابن عثيمين (3/ 219).
(2) تيسير العزيز الحميد (ص 590)، وانظر: التمهيد (14/ 366، 367)، والفتاوى (1/ 290، 335)، والاستغاثة لشيخ الإسلام (1/ 364، 365).
(3) انظر: منهاج التأسيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ص 105) (ص 306).
(4) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (1/ 168) (11/ 105)، فتح الباري (11/ 531).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك، وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه، والأول أصح قال عبد الله بن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا"(1)؛ لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب"(2).
وأما ما قرره ابن حجر من كون النهي عن الحلف بغير الله عامًا يشمل كل محلوف به سواه سبحانه ومنه الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو مما وافق فيه عامة أهل العلم من السلف والخلف(3).
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم، أنه لا يحلف بمخلوق ولا نبي ولا غير نبي ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين في مذهب أحمد"(4).
وأما قول ابن حجر عن الحلف بغير ملة الإسلام كقول بعض المجازفين أنا يهودي أو نصراني إن فعلت كذا بأنه محرم وكبيرة عظيمة يجب التوبة منها والإقلاع عنها فهو محل إجماع أهل العلم من المذاهب--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق (8/ 469) برقم (15929)، والطبراني في الكبير (9/ 183) برقم (8902) من طريق مسعد بن كدام، عن وبرة بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود … فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (4/ 177): "رواته رواة الصحيح".
وأخرجه ابن أبي شيبة (ص 18 - 19 في الجزء المفقود من المصنف) عن وكيع بن مسفر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن أبي وبرة عن ابن مسعود رضي الله عنه به.
والأثر صححه الألباني في إرواء الغليل (8/ 191).
(2) الفتاوى (1/ 204).
(3) انظر: تفسير القرطبي (6/ 270 - 271)، وأضواء البيان للشنقيطي (2/ 123).
(4) الفتاوى (27/ 349).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)