ومنها ما هو جائز: كالاستدلال بها على منازل القمر وعروض البلاد ونحوهما.
ومنها ما هو حرام: كالاستدلال بها على وقوع الأشياء المغيبة بأن يقضي بوقوع بعضها مستدلًا بها عليه"(1).
وقال في بيان المنهي عنه من علم النجوم: "المنهي عنه من علم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغيّر الأسعار، ونحو ذلك، يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب لاقترانها وأفتراقها وظهورها في بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره، فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق بل ربما يؤدي به ذلك إلى الكفر"(2).
وبيّن أن دعوى الكسوف والخسوف وقرب نزول الغيث وما شابه ذلك مما هو معتمد على أمور جعلها الله علامات على حصول تلك الأشياء ليس من ادعاء علم الغيب أو التنجيم المنهي عنه، حيث قال: "أما من يقول إن الاقتران والافتراق الذي هو كذا جعله الله علامة بمقتضى ما اطردت به عادته الإلهية على وقوع كذا وقد يتخلف فإنه لا إثم عليه بذلك"(3).
وقال أيضًا: "دعوى الكسوف والخسوف ليست من علم الغيب في شيء، لأنه يُدركه بالحساب فلا ضلال فيه ولا كفر، لكن يكره الاشتغال به لأنه مما لا يعني، وفي الخبر به قبل وروده ضرر في الدين … "(4).
وذكر ابن حجر اختلاف العلماء في المنجم، وبيّن رأيه فيه فقال: "وحاصل مذهبنا في ذلك أنه متى اعتقد أن لغير الله تأثيرًا كفر فيستتاب فإن تاب وإلا قتل سواء أسرَّ بذلك أم أظهره"، وكذا لو اعتقد أنه يعلم الغيب المشار إليه بقوله تعالى: {لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59] لأنه مكذب للقرآن، فإن خلا عن اعتقاد هذين فلا كفر، بل ولا إثم إن قال علمت ذلك--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 68).
(2) الزواجر (2/ 110) وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص 304).
(3) الزواجر (2/ 110).
(4) الفتاوى الحديثية (ص 372).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
بواسطة القُرْبَة والعادة الإلهية ونحو ذلك"(1).
التقويم:
التنجيم في اللغة: مصدر "نَجَّمَ" المشتق من النجم، وهو الكوكب.
والتنجيم، صنعة المُنَجِّم، وهو الذي ينظر في النجوم ويحسب مواقيتها وسيرها(2).
وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت عبارات الناس في تعريفه، ويجمعها القول بأنه ادعاء معرفة ما يكون في الأرض قبل كونه(3).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تعريف التنجيم: هو "الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون"(4).
وما قرره ابن حجر من التفصيل في حكم التنجيم وأن منه ما هو جائز أو واجب، ومنه ما هو محرم وكفر هو ما عليه جمهور السلف(5).
يقول الخطيب البغدادي(6) رحمه الله: "علم النجوم يشتمل على ضربين:--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 373).
(2) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص 1014)، الصحاح (5/ 2039)، لسان العرب (12/ 570)، القاموس المحيط (ص 1499).
(3) انظر: شرح السنة للبغوي (12/ 83)، معالم السنن (5/ 371)، مقدمة ابن خلدون (ص 519)، مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زاده (1/ 337)، كشف الظنون لحاجي خليفة (2/ 1930)، وللاستزادة: التنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام لعبد المجيد المشعبي (ص 31)، مقدمة الدكتور يوسف السعيد على القول في علم النجوم للخطيب البغدادي (ص 104).
(4) مجموع الفتاوى (35/ 192).
(5) انظر: شرح السنة للبغوي (12/ 183)، معالم السنن (5/ 371 - 372)، القول في علم النجوم للخطيب البغدادي (ص 126)، الترغيب والترهيب للمنذري (4/ 190)، تيسير العزيز الحميد (ص 441 - 442).
(6) هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، أبو بكر الخطيب، أحد أعلام المحدثين، سلفي المعتقد، مكثر من التصنيف، من مصنفاته: القول في علم النجوم، تاريخ بغداد، تقييد العلم، توفي سنة 463 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 270)، شذرات الذهب (3/ 311).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
أحدهما: مباح …
والآخر: محظور … "(1).
وكذا ما ذكره من كون العلم بالكسوف والخسوف ونحوهما ليس من ادعاء علم الغيب ولا من التنجيم المنهي عنه إذا لم يجزم بذلك أو ادعى أن النجوم فاعلة بنفسها؛ لأن ذلك مما يعلم بالحساب والمشاهدة وليست بأمور خفية، كما يعلم وقت طلوع الهلال بالحساب، ويعلم وقت نزول المطر بمشاهدة الرياح، وهذا من ربط الأسباب بمسبباتها، والأمور بمقدماتها وليس من التنجيم في شيء، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)} [الأعراف: 57]، وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)} [الفرقان: 48]. وقال عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)} [الروم: 46]، ولأن فاعل ذلك لا يجزم بما يقول، أو يدعي أن النجوم فاعلة بنفسها، وإنما يخبر بما يغلب على ظنه معتمدًا على حسابه أو مشاهدته ولهذا يقع الخطأ كثيرًا في خبره(2).
والقول: بكفر المنجم -كما ذكر ابن حجر- هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ إذ فعله يتضمن دعوى مشاركة الله تعالى في علم الغيب الذي اختص به، والكفر بما أخبر به جل وعلا من كون الغيب لا يعلم به أحد سواه كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26)} [الجن: 26]،--------------------------------------------
(1) القول في علم النجوم (ص 126).
(2) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (1/ 320 - 321)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان (1/ 112)، التنجيم والمنجمون (ص 305)، مقدمة محقق القول في علم النجوم (ص 91).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
كما أنه يتضمن اعتقاد أن تلك النجوم فاعلة ومؤثرة بنفسها، وكل ذلك كفر مُخرج من الملة(1).
وأما قوله بأنه "إن خلا عن هذين فلا كفر إن قال علمت ذلك بواسطة القربة والعادة الإلهية" فليس على إطلاقه، بل يُقيّد بكون إمكان العلم بذلك له تعلّق بالنجوم.
7 - الرمل والخط:
يرى ابن حجر رحمه الله تحريم الرمل والخط وتعلمه وتعليمه، حيث يقول: "تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم، وكذا فعله لِمَا فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله تعالى في غيبه وما استأثر بمعرفته … وقد أكذب الله مدعي علم الغيب، وأخبر في كتابه العزيز بأنه المستبد بعلم ما كان وما يكون في غير ما آية"(2).
وسئل عما يتمسك به أولئك المنجمون الرمالون في تجويز فعلهم من قوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] وأن المراد به بزعمهم علم الخط في الرمل، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"(3).
فأجاب عن الآية بقوله: "ما روي في قوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] أنه الخط فغير متعين في الآية، وبفرضه فتأويله أن العرب كانوا أهل كهانة وزجر وعيافة فقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأحقاف: 4] الآيات، أي: ائتوني بكتاب يشهد بما ادعيتموه بلفظه، أو أثارة من علم وهو الخط على زعمكم أنكم تدينون به، فلا تقدرون على إقامة حجة لعبادة الآلهة، وللمفسرين في هذه الآثار أقاويل أخر غير ما ذكر"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (35/ 171)، تيسير العزيز الحميد (ص 441 - 442)، القول السديد لابن سعدي، معارج القبول لحافظ حكمي (3/ 559)، أضواء البيان (2/ 197).
(2) الفتاوى الحديثية (ص 160) وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص 304).
(3) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ونسخ ما كان من إباحة (1/ 381) برقم (537) من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه به.
(4) الفتاوى الحديثية (ص 161).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
وأجاب عن الحديث بقوله: "الحديث المذكور في مسلم، لكن يتعين تأويله على ما يطابق القرآن وما اتفق عليه إجماع أهل السنة.
وذلك بأن يحمل … على الإنكار، لا الإخبار، لأن الحديث خرج جوابًا على سؤال من اعتقد [علم الخط] على ما اعتقدت العرب، فأجابه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك من خواص الأنبياء بما يقتضي إنكار أن يتشبه به أحدهم، إذ هو من خواصهم ومعجزاتهم الدالة على النبوة، فهو كلام ظاهره الخبر والمراد به الإنكار، ومثله في القرآن والسنة كثير …
أو يحمل على أنه علق الحِلَّ بالموافقة بخط ذلك النبي، وهي غير واقعة في ظن الفاعل، إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، وذلك لم يوجد، فبقي النهي على حاله، لأنه علق الحِلَّ بشرطه، ولم يوجد، وهذا أولى من الأول …
[أو يحمل على أنه أراد] فمن وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم … وهذا يدل على أنه ليس على ظاهره، وإلا لوجب لمن وافق خطه أن يعلم علم المغيبات التي كان يعلمها ذلك النبي، وأمر بها في خطه، من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، وحينئذ يلزم مساواته له في النبوة، فلما بطل حمله له على ظاهره لزم تأويله، وعلم أن الله تعالى خص ذلك النبي عليه السلام بالخط، وجعله علامة لِمَا يأمره به وينهاه عنه … "(1).
التقويم:
الرمل والخط مما يلحق بعلم التنجيم؛ إذ هو يشاركه في دعوى علم الغيب، والاعتماد على ما لا حقيقة له من الحدس والتخمين وغيرهما(2).
وقد عرفه طاش كبرى زاده بأنه: "الاستدلال بأشكاله الاثني عشر على أحوال المسألة حين السؤال … وذلك لأنهم يقولون: إن البروج الاثني عشر يقتضي كل منها حرفًا معينًا، وشكلا معينا من الأشكال المذكورة،--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 160 - 161)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص 304).
(2) انظر: التنجيم والمنجمون (ص 294)، مقدمة محقق القول في علم النجوم (ص 120).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
فحين السؤال عن المطلوب يقتضي أوضاع البروج وقوى الشكل المعين من الرمال، فتلك الأشكال -بسبب مدلولاتها من البروج- تدل على أحكام مخصوصة تناسب أوضاع البروج"(1).
وقد ذكر أهل العلم له صورًا كثيرة، وأشكالًا متعددة(2)، وما ذكروه لا يعدو أن يكون من أنواعه وأشكاله، وليس حصرًا له في المذكور.
وما ذكره ابن حجر من تحريم الخط والرمل وتعلمه وتعليمه معللًا ذلك بما فيه من إيهام مشاركة الله تعالى في علم الغيب الذي اختص به هو قول أهل السنة والجماعة(3)، ومن وافقهم(4).
وقوله بالتحريم لا ينافي كون ذلك شركًا، وكون فاعله كافرًا مشركًا خارجًا من الملة، كما يدل على ذلك تعليله السابق.
يقول العلامة الذهبي(5) رحمه الله: "من العلوم المحرمة: علم السحر … والطِّيرة، والشّعبذة، والتنجيم، والرمل، وبعضها كفر صراح، ومنها ما يحصل من الكتابة"(6).
وأما ما أجاب به عن استدلال أولئك المنجمين على تجويز فعلهم--------------------------------------------
(1) مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم (1/ 336)، وانظر: مقدمة ابن خلدون (ص 112).
(2) انظر: غريب الحديث للخطابي (1/ 648)، شرح السنة للبغوي (12/ 183 - 184)، تفسير القرطبي (16/ 180)، إكمال الإكمال للإبي (2/ 240)، بلوغ الأرب للألوسي (3/ 323).
(3) انظر: تفسير ابن جرير (11/ 273)، شرح السنة (12/ 183 - 184).
(4) انظر: صحيح مسلم للنووي (5/ 23)، شرح الإبي إكمال الإكمال (2/ 245)، تفسير القرطبي (2/ 240)، الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط لابن رشد (ص 35).
(5) هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله، شمس الدين أبو عبد الله، الذهبي، عالم متفنن، سلفي المعتقد، من مؤلفاته: سير أعلام النبلاء، والعلو للعلي الغفار، والكبائر، توفي سنة 748 هـ.
انظر: الدرر الكامنة (3/ 426)، شذرات الذهب (6/ 153).
(6) مسائل في طلب العلم وأقسامه (ص 214 - 215).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
بقوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4] على أن المراد بها بزعمهم الخط، وقوله بأن هذا التفسير غير متعين، وعلى فرضه فالمراد به إظهار عجزهم عن الإتيان بما يشهد لقولهم الباطل مما يؤمنون به وإن لم يكن حجة في نفسه، فهو قول المحققين من أهل التفسير(1).
يقول الإمام ابن جرير(2) رحمه الله بعد ذكره أقوال المفسرين في الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب … وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثر من كتب الأولين، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به … فتأويل الكلام إذن: ائتوني أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم صحة ما تدّعون لآلهتكم، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون"(3).
وأما ما أجاب به عما استدلوا به من قوله صلى الله عليه وسلم: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"، وكون ذلك محمول على تأويلات عدة ذكر بعضًا منها، فهو جواب غيره من أهل العلم حيث تأولوا الحديث على تأويلات كثيرة(4)، وأولى هذه التأويلات بالقبول هو أن علم الرمل والخط مباح لمن وافق خط ذلك النبي بيقين، وأنه لا سبيل إلا اليقين في ذلك لتوقفه على النص الصريح في كيفيته عنه صلى الله عليه وسلم، أو النقل المتواتر من زمن--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير ابن جرير (11/ 273)، تفسير السمعاني (5/ 149)، تفسير البغوي (7/ 251)، تفسير ابن كثير (4/ 164).
(2) هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، أبو جعفر الطبري، الإمام المفسر، أحد أعلام السلف، له مصنفات منها: جامع البيان في تأويل آي القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وصريح السنة وغيرها، توفي سنة 310 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 267)، شذرات الذهب (2/ 260).
(3) تفسير ابن جرير (11/ 273).
(4) انظر: شرح السنة للبغوي (12/ 184)، معالم السنن (5/ 374)، أحكام القرآن لابن العربي (4/ 125)، شرح صحيح مسلم للنووي (5/ 23)، إكمال الإكمال (2/ 240)، الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط (ص 42) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
ذلك النبي إلى صلى الله عليه وسلم، وكلا الأمرين منتفٍ؛ فيبقى التحريم على أصله(1).
وهذا التأويل هو الذي يميل إليه ابن حجر كما يدل عليه ظاهر قوله السابق: "وهذا أولى من الأول".
يقول النووي رحمه الله: "اختلف العلماء في معناه [يعني: الحديث]، والصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح"(2).
وعلى كل حال فإن الحاصل من كلام أهل العلم في الحديث الاتفاق على أنه مؤول، وأن الخط والرمل محرم لا يجوز.
8 - التمائم:
يرى ابن حجر رحمه الله أن التمائم ليست جائزة بإطلاقها ولا محرمة بإطلاقها، بل منها ما هو جائز، ومنها ما هو محرم.
يقول في بيان ذلك: "مذهبنا .. أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، هان كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك"(3).
ويقول أيضًا: "يجوز كتب العزائم التي ليس فيها شيء من الأسماء التي لا يعرف معناها، وكذلك يجوز تعليقها على الآدميين والدواب"(4).
ويرى أن تعليق تلك التمائم المحظورة من أكبر الكبائر وأنها وسيلة إلى الشرك، حيث عدّ من الكبائر: "الرقى وتعليق التمائم والحروز … "(5)، وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله: "عدّ هذين من الكبائر هو ما يقتضيه الوعيد في هذه الأحاديث لا سيما تسميته شركًا … نعم يتعين حمله--------------------------------------------
(1) انظر: معالم السنن (5/ 374)، شرح صحيح مسلم للنووي (5/ 23)، إكمال الإكمال (2/ 240)، الرد لابن رشد (ص 47).
(2) شرح صحيح مسلم (5/ 23).
(3) الفتاوى الحديثية (ص 164).
(4) المصدر السابق (ص 41).
(5) الزواجر (1/ 166).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
على ما كانوا يفعلونه من تعليق خرزة يسمونها تميمة أو نحوها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، ولا شك أن اعتقاد هذا جهل وضلال، وأنه من أكبر الكبائر؛ لأنه إن لم يكن شركًا فهو يؤدي إليه؛ إذ لا ينفع ويضر ويمنع ويدفع إلا الله تعالى"(1).
التقويم:
التمائم: جمع تميمة، وهي العِوَذ التي تعلّق على الإنسان وغيره لدفع الآفات عنه من أي شيء كانت(2).
وهي ضربان:
الأول: التمائم من غير القرآن: وهي ما كانت من خرزات، أو حلقات، أو عظام، أو خرق، ونحو ذلك.
ويلحق بها ما عبر عنه ابن حجر رحمه الله بكونه مشتملًا على أسماء لا يعرف معناها، ويدخل في ذلك ما كانت مشتملة على الأبيات الشركية والأرقام والأحرف المجهولة من باب أولى(3).
فهذا الضرب من التمائم محرم باتفاق، والحكم بكونه شركًا أكبر أو أصغر يختلف باختلاف حال معلقها من جهة، وحال التميمة نفسها وما تتضمنه من جهة أخرى.
فأما اختلاف حكمها باختلاف حال معلقها، فالمراد به: أن معلق التميمة إن كان يعتقد أن التميمة تنفع وتضر بنفسها فإن تعليقه لها شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنها سبب لدفع الأذى أو رفعه فحسب وأنها لا تستقل--------------------------------------------
(1) انظر: الزواجر (1/ 116).
(2) انظر: تهذيب اللغة (1/ 453)، والصحاح (5/ 1878)، ولسان العرب (12/ 69 - 70)، والقاموس المحيط (1400).
وانظر: النهاية لابن الأثير (1/ 197)، وفتح الباري (10/ 196) (6/ 142)، تيسير العزيز الحميد (ص 167).
(3) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 166)، فتح المجيد (1/ 243)، القول السديد لابن سعدي (ص 40، 41)، معارج القبول (2/ 512)، وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم د. فهد السحيمي (ص 227)، التمائم في ميزان العقيدة د. علي العلجاني (ص 11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
بالنفع والضر فتعليقه لها شرك أصغر(1).
وأما اختلاف حكمها باختلاف حال التميمة نفسها وما تتضمنه، فالمراد به: أن التميمة إن كانت تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين، فهي شرك أكبر بكل حال، وإن كانت تشتمل على أسماء لا يفهم معناها فهي محرمة، والحكم بكونها شركًا أكبر أو أصغر يرجع إلى حال معلقها كما سبق(2).
وما قرره ابن حجر في هذا الضرب من التمائم من كونه محرمًا موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة(3)، ولكن يؤخذ عليه كونه حمل الأحاديث المصرحة بكون هذا الضرب من التمائم شركًا على ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنها تنفع وتضر بنفسها دون اعتقاد كونها سببًا، وأعجب منه اضطرابه بعد ذلك في الحكم عليها بكونها شركًا وتردده في ذلك كما هو ظاهر كلامه السابق! !
والصحيح أنها شرك -كما وردت بذلك الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم وأن المراد بالشرك فيها يختلف باختلاف حال معلقها، وحال التميمة نفسها -كما سبق-.
والثاني: التمائم من القرآن: ويلحق بها ما كان مشتملًا على دعائه سبحانه والتضرع إليه بأسمائه وصفاته.
فهذا الضرب من التمائم اختلف أهل العلم في جوازه، والخلاف فيه جار في أقوال السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم(4).--------------------------------------------
(1) انظر: التوضيح عن توحيد الخلاق (ص 268)، تيسير العزيز الحميد (ص 154، 158، ص 162)، القول السديد (ص 37)، معارج القبول (2/ 512)، أحكام الرقى والتمائم (ص 238)، التمائم في ميزان العقيدة (ص 33).
(2) انظر: القول السديد (ص 40، 41).
(3) انظر: المصادر السابقة.
(4) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (7/ 374) وما بعدها، سنن البيهقي (6/ 219) وما بعدها، شرح السنة (12/ 158)، التمهيد (17/ 160 - 161)، الفتاوى (19/ 64 - 65)، زاد المعاد لابن القيم (4/ 212، 358)، الآداب الشرعية (2/ 459) (3/ 81)، فتح الباري (6/ 142)، تيسير العزيز الحميد (ص 168)، فتح المجيد، معارج القبول (2/ 510) =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته.
فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر(1)، وأحمد في رواية …
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم رضي الله عنه وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون"(2).
والذي يظهر لي أن القول الراجح هو قول الطائفة الثانية القائلة بعدم الجواز "لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:
الأول: عموم النهي، ولا مخصص للعموم.
والثاني: سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
والثالث: أنه إذا عُلق فلا بد أن يمتهنه المُعلِّق، بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك … "(3).
وعليه فإن ما ذهب إليه ابن حجر من تجويز التمائم من القرآن وأسماء الله وصفاته وإن كان خلافًا للقول الراجح، إلا أنه قول مأثور عن بعض السلف.--------------------------------------------
= وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم (ص 243)، التمائم في ميزان العقيدة (ص 43).
(1) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، كان من فقهاء المدينة، توفي سنة 114 هـ.
انظر: طبقات ابن سعد (5/ 32)، سير أعلام النبلاء (4/ 401).
(2) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 167 - 168).
(3) فتح المجيد (1/ 244)، وانظر: قرة عيون الموحدين (ص 62)، القول السديد (ص 41)، معارج القبول، أحكام الرقى والتمائم (ص 245 - 247)، التمائم في ميزان العقيدة (ص 46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
ولكن يؤخذ عليه كونه ألحق بهذا الضرب من التمائم ما كان مشتملًا على الإقسام بأنبياء الله وملائكته، وهذا القول علاوة على أنه لم يقل به أحد ممن قال بجواز التمائم من القرآن فإنه شرك لا يجوز وإن كان ذلك الإقسام بأنبياء الله وملائكته -كما سيأتي-(1).
9 - الرّقى:
عرف ابن حجر رحمه الله الرقى بأنها: "ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ الرقى على ما يحدث ضررًا بل ذاك يقال له: السحر"(2).
وبيّن أن الرقى منها ما هو مشروع، ومنها ما هو ممنوع فقال: "هذه الألفاظ [يعني: الرقى] منها مشروع كالفاتحة، وغير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما وربما كان كفرًا … "(3).
وقال أيضًا: "مذهبنا … أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، وإن كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك … "(4).
وقال في وصف الرقى المشروعة: "يستحب الرقية … وأفضلها بالوارد، ثم المعوذات، لجمعها الاستعاذة من المكروهات جملة وتفصيلًا … ، ثم ببقية القرآن خلافًا لمن نازع فيه … "(5).
كما قال في وصف الرقى الممنوعة: "أما الرقى … إذا كانت بغير لسان العربية ولم يعرف معناها فإنها حينئذ حرام … ، وسبب ذلك … أن ذلك المجهول قد يكون سحرًا أو كفرًا … "(6).--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 242).
(2) الإعلام بقواطع الإسلام (ص 310)، وانظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص 615).
(3) الإعلام بقواطع الإسلام (ص 310).
(4) الفتاوى الحديثية (ص 164).
(5) الإفادة لِمَا جاء في المرض والعيادة (ص 77)،
(6) الزواجر (1/ 167).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
ولهذا فإنه "يشترط … في كل رقية -خلافًا لمن شذ- أن تخلو عن الأسماء والكلمات المجهولة المعنى؛ لأنها قد تكون كفرًا، لاشتمالها على الإقسام بملك، أو جني، والتعظيم له بنحو وصفه بالتأثير والألوهية.
ومن ثم لَمّا سألوه صلى الله عليه وسلم عن رقى كانوا يرقون بها في الجاهلية؟ قال: "اعرضوا عليّ رقاكم"(1) فلم يأذن لهم في مطلقها، لنحو ذلك المعنى"(2).
وقد اختلف كلام ابن حجر في الحكم على الرقى المشروعة فمرة قال باستحبابها فقال: "تستحب الرقية، ولا تختص بمرض"(3)، وأخرى قال بجوازها فقال: "جواز الرقية بكتاب الله تعالى ويلحق به ما كان بالذكر والدعاء … "(4).
التقويم:
الرقى: جمع رقية.
والرقية في اللغة: هي العوذة، يقال: رقى الراقي رقية ورقيًا، إذا عوَّذ ونفث(5).
وقيل: هي العزيمة، يقال: رقى الراقي على الداء، إذا عزم عليه(6).
فالرقية والعوذة والعزيمة كلها بمعانٍ متقاربة، وإن كان بعض أهل العلم يفرق بينها(7).--------------------------------------------
(1) يشير إلى حديث عوف بن مالك رضي الله عنه وفيه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا".
والحديث أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك (4/ 1727) برقم (2200).
(2) انظر: الإفادة لما جاء في المرض والعيادة (ص 79).
(3) المصدر السابق (ص 77).
(4) فتح الإله بشرح المشكاة (ص 621).
(5) انظر: تهذيب اللغة (2/ 1447)، لسان العرب (14/ 332)، النهاية في غريب الحديث (3/ 254)، القاموس المحيط (ص 1664).
(6) انظر: الصحاح للجوهري (5/ 1985)، لسان العرب (14/ 332)، القاموس المحيط (ص 1468).
(7) انظر: الفروق للقرافي (4/ 147 - 148).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
وأما في الشرع: فقد تعددت عبارات أهل العلم في تعريفها، فمنهم من قصرها على الرقى المشروعة دون غيرها(1)، ومنهم من عرفها بما يشمل الرقى بنوعيها المشروع والممنوع(2).
وما ذكره ابن حجر في تعريف الرقى من هذا القبيل؛ إذ إنه يتناول الرقى بنوعيها، وهو أولى من قصر الرقى في الشرع على الرقى الشرعية؛ وذلك لورود النصوص الشرعية بإطلاق لفظ الرقى على المشروع والممنوع، والحكم على الرقى الممنوعة بكونها غير شرعية لا يخرجها عن مسمى الرقى في الاصطلاح الشرعي.
إلا أنه يُؤخذ على ابن حجر -عفا الله عنه- قوله في التعريف: "ألفاظ خاصّة يحدث عندها الشّفاء"، إذ الشّفاء يحصل بها لا عندها، وقوله هذا مبنيٌّ على قول أصحابه الأشاعرة في الأسباب.
وأما ما قرره ابن حجر من تقسيم الرقى إلى قسمين: رقى مشروعة، وأخرى ممنوعة، فهو محل إجماع لدى أهل العلم(3).
فإن أهل العلم قسموا الرقى إلى قسمين:
الأول: الرقى المشروعة: وهي ما اجتمعت فيها شروط الرقية الشرعية وهي ثلاثة:
1 - أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
2 - أن تكون باللسان العربي وبما يعرف معناه.
3 - أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى(4).--------------------------------------------
(1) انظر: أحكام الرقى والتمائم د. فهد السحيمي (ص 29 - 30).
(2) انظر: الفروق (4/ 147)، الفتاوى (1/ 182، 328) (10/ 195)، فتح الباري (4/ 453).
(3) انظر: النهاية في غريب الحديث (2/ 255)، الفتاوى (19/ 61)، شرح صحيح مسلم (3/ 93)، فتح الباري (10/ 195)، فيض القدير للمناوي (2/ 342)، نيل الأوطار (5/ 192)، تيسير العزيز الحميد (ص 167)، فتح المجيد (1/ 243)، القول السديد (ص 42)، معارج القبول (2/ 509)، وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم د. فهد السحيمي (ص 36)، الرقى على ضوء العقيدة د. علي العلياني (ص 59).
(4) انظر: المصادر السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على اشتراط هذه الشروط في الرقى حتى تكون مشروعة، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني(1)، والحافظ السيوطي(2) - رحمهما الله تعالى-.
والثاني: الرقى الممنوعة: وهي ما تخلّف فيها شرط من الشروط الثلاثة السابقة، وحكمها يختلف باختلافها فإن كانت تشتمل على الشرك أو اعتقاد كونها مؤثرة بذاتها فهي شرك أكبر، وإن كانت تشتمل على ألفاظ لا يفهم معناها فهي محرمة خشية أن تكون شركًا(3).
وكلام ابن حجر السابق في تقسيم الرقى إلى مشروعة وممنوعة ووصف كل منهما يتضمن بعض هذه الشروط والضوابط، إلا أن المتأمل في كلامه السابق يراه عد الرقى التي تتضمن الإقسام بالأنبياء والملائكة من الرقى المشروعة مرة فقال: "وإن كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها" وعدّها أخرى ممنوعة فقال: "لأنها قد تكون كفرًا، لاشتمالها على الإقسام بملك أو جني، والتعظيم له بنحو وصفه بالتأثير والألوهية" فوقع في التناقض، إلا إن حملنا كلامه الأخير على ما كان يجمع بين القسم والتعظيم.
وعلى كل حال فإن الحق الذي لا عدول عنه حرمة الحلف بغير الله وكونه شركًا -كما سيأتي-(4) وأن الرقى التي تتضمن شيئًا من ذلك هي من الرقى الممنوعة لا المشروعة.
وأما اختلاف كلامه في الحكم على الرقى المشروعة بالجواز أو الاستحباب فهو محمول على اختلاف حكمها باختلاف متعلق الحكم نفسه،--------------------------------------------
(1) انظر: فتح الباري (10/ 195).
(2) نقله عنه الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (ص 167)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (1/ 243) وبعد البحث لم أجده في شيء من كتبه.
(3) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 165، 168)، فتح المجيد (1/ 241).
(4) انظر: (ص 242).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
فالقول بالاستحباب هو في حق الراقي، وأما القول بالجواز فهو في حق المرقي(1).
وعلى هذا يحمل كلام أهل العلم في الرقى المشروعة وترددهم في الحكم عليها بين الاستحباب والجواز(2).
10 - الطيرة:
يرى ابن حجر رحمه الله تحريم الطيرة، وأنها مما ينافي التوحيد ويقدح فيه، حيث عدّها في الكبائر، فقال: "ترك السفر والرجوع منه تطيرًا"(3)، وأورد الأحاديث الدالة على النهي عنها، ثم عقب عليها بقوله: "عدّ هذا [يعني: عد الطيرة من الكبائر] ينبغي حمله على ما إذا كان معتقدًا حدوث تأثير للتطير، لكن الكلام في إسلام مثل هذا"(4).
التقويم:
الطِّيرة في اللغة: مصدر تطير يتطير تطيرًا وطيرة.
وهي التشاؤم بالطير(5)، وأصله فيما يقال: التشاؤم بالسوانح والبوارح(6) من الطيور، ثم صار عامًّا في كل مكروه من قول أو فعل أو مرئي(7).
وأما في الاصطلاح:
"فالتطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع"(8).--------------------------------------------
(1) انظر: القول السديد (ص 42).
(2) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 165)، فتح المجيد (1/ 241).
(3) الزواجر (1/ 150).
(4) المصدر السابق (1/ 150).
(5) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص 630)، الصحاح (2/ 728)، لسان العرب (4/ 511)، القاموس المحيط (ص 555).
(6) السانح: ما مر من مياسرك إلى ميامنك، والبارح عكسه. انظر: شرح السنة للبغوي (12/ 170)، النهاية في غريب الحديث (3/ 153)، غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 48).
(7) انظر: شرح السنة (12/ 170)، التمهيد (9/ 282)، شرح صحيح مسلم (21/ 184)، غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 48)، النهاية في غرب الحديث (3/ 153)، فتح الباري (10/ 212).
(8) مفتاح دار السعادة (2/ 246)، وانظر: تفسير القرطبي (16/ 181)، مجموع الفتاوى =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
وقد وردت النصوص الشرعية بالنهي عنها والتحذير منها.
قال صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر"(1).
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل"(2).
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوم يتطيرون، فقال: "ذلك يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم"(3).
وأخبر صلى الله عليه وسلم أنها شرك، فقال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك"(4).
وعليه فما قرره ابن حجر -غفر الله له- من تحريم الطيرة وعدها في الكبائر هو مقتضى النصوص الشرعية، إلا أن حمله لذلك على ما كان مقارنا للاعتقاد بتأثيرها فيه نظر؛ لكون ذلك الاعتقاد شركًا في نفسه مخرجًا من الملة.
ولهذا استدرك ابن حجر رحمه الله على نفسه فقال: "لكن الكلام في إسلام مثل هذا".--------------------------------------------
= (23/ 67)، الدرر السنية (11/ 41).
(1) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة (4/ 1837) برقم (5757)، ومسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (4/ 1744) برقم (2220) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الفأل (4/ 1837) برقم (5756)، ومسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل (4/ 1746) برقم (2224) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه به.
(3) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهان وإتيان الكهان (4/ 1748) برقم (2227) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه به.
(4) أخرجه أبو داود، كتاب الطب، باب في الطيرة (4/ 230) برقم (3910)، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة (14/ 37) برقم (1614)، وابن ماجه، كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل (2/ 1170) برقم (3538)، والطحاوي في مشكل الآثار (1/ 358) وفي شرح معاني الآثار (4/ 312)، والحاكم (1/ 17، 18) والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 139) من طرق عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه به.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته، ولم يخرجاه".
والحديث صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (430).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
ومراده بذلك -والله أعلم- أن التطير المصحوب بهذا الاعتقاد يُوجِب البحث لا في كون هذا الفعل كبيرة؛ إذ لا شك في ذلك، لكن البحث في إسلام من صدر منه هذا الفعل، هل هو باقٍ معه أم أنه انسلخ منه بسبب هذا الاعتقاد؟
وهذا هو الحق، ذلك أن التطير موضع تفصيل، فإن من وصل به تطيره إلى اعتقاد وجود شركة بين الله تعالى وبين ما تطيّر به في أمر التأثير فلا إسلام له بل هو مشرك شركًا أكبر مخرجًا من الملة، وإن كان تطيره دون ذلك -كما هو الغالب على الواقعين في هذا الداء من المسلمين- من اعتقاد كون المتطير به سببًا في حصول المكروه أو علامة عليه فإن فعله هذا إنما هو من قبيل الشرك الأصغر(1).
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل وَلَجَه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه بابَ الخوف والتعلق بغير الله"(2).
11 - الرياء:
عرف ابن حجر رحمه الله الرياء بقوله: "الرياء مأخوذ من الرؤية والسمعة … ".
وحد الرياء: "إرادة العامل بعمله غير وجه الله تعالى"(3).
وقرر -غفر الله له- أن الرياء "قد شهد بتحريمه الكتاب، والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: شرح السنة (12/ 170)، التمهيد (24/ 195)، شرح صحيح مسلم (13/ 219)، مفتاح دار السعادة، فتح الباري (10/ 213)، تيسير العزيز الحميد (ص 421)، فتح المجيد (2/ 506)، النبذة الشريفة النفيسة لحمد بن معمر (ص 69 - 70)، الدين الخالص (2/ 142 - 143)، القول السديد (ص 102)، القول المفيد (2/ 93 - 94).
(2) مفتاح دار السعادة (2/ 246).
(3) الزواجر (1/ 43).
(4) المصدر السابق (1/ 38) وانظر: (1/ 38 - 43).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
وأن "المعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركًا مقتضيًا للّعن أن فيه استهزاء بالحق تعالى"(1)، "وفيه أيضًا تلبيس على الخلق لإيهامه لهم أنه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك"(2).
وعدَّ الرياء من الشرك الأصغر(3)، وبيّن أنه قد يبلغ بصاحبه الشرك الأكبر فقال: "الرياء ينقسم إلى درجات متفاوتة في القبح، فأقبحها الرياء في الإيمان وهو شأن المنافقين … ويليهم المراؤون بأصول العبادات الواجبة … ويليهم المراؤون بالنوافل … ويليهم المراؤون بأوصاف العبادات كتحسينها وإطالة أركانها وإظهار التخشع فيها … "(4).
وذكر حكم العمل إذا كان رياءً كله، أو خالطه، أو طرأ عليه، فقال: "العمل:
إما رياء محض بأن يراد به غرض دنيوي فقط ولو مباحًا فهو حرام لا ثواب فيه.
وإما مشرب برياء ولا ثواب فيه أيضًا للخبر الصحيح "من عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي أشرك"(5) …
ومن عقد عملًا لله ثم طرأ له خاطر رياء: فإن دفعه لم يضر إجماعًا، وإن استرسل معه ففيه خلاف، والذي رجحه أحمد وجماعة من السلف ثوابه بنيته الأولى، ومحله في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والحج، دون نحو القراءة ففيه لا أجر له بعد حدوث الرياء.
ولو تم عمله خالصًا فأثنى عليه ففرح لم يضر لخبر مسلم: "ذلك عاجل بشر المسلم""(6)(7).--------------------------------------------
(1) الزواجر (1/ 43).
(2) المصدر السابق (1/ 44).
(3) انظر: المصدر السابق (1/ 38).
(4) انظر: المصدر السابق (1/ 46).
(5) سبق تخريجه (ص 161).
(6) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره (4/ 2034) رفم (2642) من حديث أبي ذر رضي الله عنه به.
(7) فتح المبين (ص 54)، وانظر: الزواجر (1/ 43 - 46)، حاشية الإيضاح (ص 39).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
التقويم:
الرياء في اللغة: مشتق من الرؤية، وهي النظر، يقال: راءيته، مراءاة، ورياء إذا أريته على خلاف ما أنا عليه(1).
وأما في الاصطلاح: فقد ذكر أهل العلم له تعريفات متعددة، إلا أنه وإن اختلفت عباراتهم فيها، فإن مدارها على أمرين:
الأول: إرادة غير الله من دون الله.
والثاني: إرادة غير الله مع الله(2).
وما ذكره ابن حجر من تحريم الرياء هو ما تدل علية النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه علماء الأمة.
وأما ما قرره من كون الرياء تارة يكون شركًا أكبر، وأخرى يكون شركًا أصغر فإنه حق(3)؛ ذلك أن الرياء تارة يكون في أصل الاعتقاد ومطلق العمل، وهو ما يطلق عليه أهل العلم النفاق الاعتقادي(4) أو شرك النية والإدارة والقصد(5)، وهذا مما أجمع أهل العلم على كونه شركًا أكبر يكفر به صاحبه ويخرج من الملة، وتارة يكون الرياء في أفراد العمل وهو إما أن يكون في أصله، أو مخالطًا له، أو طارئًا عليه فهو حينئذٍ بحسبه، وفيه التفصيل الآتي بيانه.--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (2/ 1326)، الصحاح (6/ 2348)، لسان العرب (14/ 296)، القاموس المحيط (ص 1658).
(2) انظر: التعريفات للجرجاني (ص 113)، إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 257)، فتح الباري (11/ 336)، تيسير العزيز الحميد (ص 537)، فتح المجيد (2/ 617)، معارج القبول (2/ 493).
(3) انظر: جامع العلوم والحكم (1/ 79)، تيسير العزيز الحميد (ص 532 - 533)، فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (1/ 518).
(4) النفاق الاعتقادي: هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام.
انظر: فتح الباري (1/ 111)، مجموعة التوحيد (2/ 10).
(5) شرك النية والإرادة والقصد: هو العمل لغير وجه الله، والتقرب إليه، وطلب الجزاء منه.
انظر: مجموعة التوحيد (1/ 8)، معارج القبول (2/ 493).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)