ولكن ابن حجر مع تقريره ما سبق في فضل لا إله إلا الله، وقوله بأفضلية التهليل على التحميد، عقد مقارنة بين الذكر بالتهليل والذكر بلفظ الجلالة فقط فقال: "ذكر لا إله إلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقًا هذا بلسان أئمة الظاهر، وأما أهل الباطن فالحال يختلف باختلاف أحوال السالك، فمن هو في ابتداء أمره ومقاساته لشهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها وعن إرادته وشهواته وبقائه مع نفسه يحتاج إلى إدمان الإثبات بعد النفي حتى يستولي عليه سلطان الذكر وجاذب الحق المرتبة على ذلك، فإذا استولت عليه تلك الجواذب حتى أخرجته عن شهواته وإرادته وحظوظه وجميع أغراض نفسه صار بعيدًا عن شهود الأغيار والاستغراق فيما يناسب حاله من ذكر الجلالة فقط؛ لأن ذلك فيه تمام لذاته ودوام مسرته ونعمته ومنتهى أربه ومحبته … "(1).
التقويم:
فضل كلمة التوحيد مغروس في الفطر، ومتقرر في العقول، والإحاطة ببيانه هنا متعذر.
يقول العلامة ابن رجب(2) رحمه الله: "كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها: فهي كلمة التقوى … وكلمة الإخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ونجاة هذا الأمر، ولأجلها خُلق الخلق … "(3).
وقد أفرد غير واحد من أهل العلم الكلام على فضائلها في مصنفات خاصة(4)،--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 102).
(2) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، أبو الفرج، زين الدين، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، سلفي حنبلي، من مؤلفاته: جامع العلوم والحكم، فتح الباري شرح صحيح البخاري، القواعد الفقهية، توفي سنة 795 هـ. انظر: الدرر الكامنة (2/ 321)، شذرات الذهب (6/ 230).
(3) كلمة الإخلاص له (ص 52).
(4) ممن صنف في فضائل كلمة التوحيد استقلالًا: ابن البنا الحنبلي، رسالة في فضل التهليل وثوابه الجزيل"، وابن رجب "كلمة الإخلاص"، وابن عبد الهادي "مسألة في التوحيد وفضائل لا إله إلا الله"، والمعصومي "مفتاح الجنة لا إله إلا الله".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وعدّها بعضهم فأوصلها إلى نحو مئتي فضيلة(1).
وأما المفاضلة بين الذكر بها والذكر بالتحميد فهو محل خلاف بين أهل العلم، والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة منهم.
يقول الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: "اختلف العلماء في أفضل الذكر: فقال منهم قوم: أفضل الكلام لا إله إلا الله …
وقال آخرون: أفضل الذكر الحمد لله رب العالمين …
ولكل واحد من القولين وجه وآثار تدل على ما ذهب إليه من قال به … " ثم ساق أدلة كل قول منها(2).
والقول: بتفضيل التهليل على التحميد هو قول جماعة من المحققين كابن رجب(3) وابن عبد الهادي(4)(5) وغيرهما.
ومما سبق يتضح أن ما ذكره ابن حجر في فضل لا إله إلا الله موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة، وأن قوله: بتفضيل التهليل على التحميد موافق لقول المحققين منهم.
وأما تقريره تفضيل الذكر بالاسم المفرد على الذكر بلا إله إلا الله فهو مما وافق به الصوفية(6)، وخالف فيه أهل السنة والجماعة، ويرد عليه بما يلي:
1 - أن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلًا لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هو مأثور عن أحد من سلف الأمة، وإنما--------------------------------------------
(1) انظر: ما ذكره ابن عبد الهادي في مسألة في التوحيد وفضائل لا إله إلا الله (ص 87 - 117).
(2) التمهيد (6/ 42)، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (2/ 20).
(3) انظر: كلمة الإخلاص (ص 62)، وجامع العلوم والحكم (2/ 20).
(4) هو يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي القرشي العدوي العمري، المقدسي، الشهير بابن المبرد، فقيه حنبلي، من مؤلفاته: التمهيد في الكلام على التوحيد، مسألة في التوحيد وفضل لا إله إلا الله، جمع الجيوش والدساكر في الرد على ابن عساكر، توفي سنة 909 هـ.
انظر: الضوء اللامع (10/ 308)، شذرات الذهب (8/ 43).
(5) انظر: التمهيد في الكلام على التوحيد (ص 211)، ومسالة في التوحيد (ص 91 - 92).
(6) انظر: الأنوار القدسية في بيان قواعد الصوفية للشعراني (ص 219)، الدرة الخريدة شرح الياقوتة الفريدة للسوسي (4/ 100).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
لهج به قوم من ضلال المتأخرين(1).
2 - أن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلامًا تامًا مفيدًا، والذكر بالاسم المفرد لا يعد كلامًا تامًا مفيدًا؛ إذ لا يدل على ذكر أو مدح أو تعظيم ولا يتعلق به إيمان ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر عقد الإسلام، وأبعد من ذلك ذكر الاسم المضمر فإنه لا يدل على معين أصلًا، وإنما هو بحسب قصد المتكلم ونيته(2).
3 - أن القول بتفضيل الذكر بالاسم المفرد على التهليل وتفضيل الذكر بالاسم المضمر على الاسم المفرد جر كثيرًا ممن يقول بذلك إلى القول بأن التهليل هو ذكر العامة، والذكر بالاسم المفرد هو ذكر الخاصة، والذكر بالاسم المضمر هو ذكر خاصة الخاصة(3).
ومعلوم أن التهليل هو ذكر الأنبياء الذين هم خاصة الخاصة بل هو أفضل قولهم؛ لِمَا روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (10/ 556، 567)، العبودية لابن تيمية (ص 73 - 82).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (10/ 396 - 397، 556)، الرد على المنطقيين لابن تيمية (ص 35)، طريق الهجرتين لابن القيم (ص 338).
(3) انظر: الفتاوى (10/ 557)، العبودية (ص 83)، الرد على المنطقيين (ص 35).
(4) أخرجه الترمذي في أبواب الدعوات (5/ 541) برقم (3585)، وأحمد (11/ 548) برقم (6911) من طريق محمد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ومحمد بن أبي حميد هو الأنصاري الزرقي الملقب بحماد ضعيف، قال الحافظ في التقريب: (ص 839 ترجمة 5873): "محمد بن أبي حميد إبراهيم الأنصاري، الزرقي، أبو إبراهيم المدني، لقبه حماد، ضعيف، من السابعة".
وقد أعله الترمذي به فقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المدني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث".
والحديث له شواهد، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 272): "رواه مالك في الموطأ من حديث طلحة بن عبد الله بن كريز بفتح الكاف مرسلًا، وروي عن مالك =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
فالقول بأن التهليل هو ذكر العامة طعن في الأنبياء والمرسلين عليه السلام.
كما أن القول بذلك جر بعضهم إلى الوقوع في الأحوال الشيطانية والقول بوحدة الوجود(1) وأن كل موجود هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا -(2).
4 - أن ما استَدَلَّ به مَنْ فضَّل الذكر بالاسم المفرد والاسم المضمر على التهليل لا يخرج عن أمرين: إما دليل مطعون في ثبوته أو في دلالته، وإما ذوق(3) أو وجد لا يعارض بهما الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على أن أفضل الذكر بعد القرآن التهليل(4).
وما ذكره ابن حجر في تعليل قوله والاستدلال له لا يخرج عن ذلك؛ إذ هو قائم على الذوق والوجد الصوفيين وهما نسبيان فكل إنسان له اعتقاداته وإراداته، وتطلب نفسه تذوقها، والأذواق مختلفة والمواجيد--------------------------------------------
= موصولًا ذكره البيهقي وضعفه، وكذا ابن عبد البر في التمهيد … ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث نافع عن ابن عمر بلفظ: "أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة، لا إله إلا الله" الحديث، وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف جدًّا، قال البخاري: منكر الحديث، ورواه الطبراني في المناسك من حديث علي نحو هذا، وفي إسناده قيس بن الربيع".
وقد حسن الحديث بشواهده الألباني في السلسلة الصحيحة (4/ 6) برقم (1503)؛ فالحديث حسن لغيره.
(1) وحدة الوجود مذهب فلسفي صوفي يقوم على القول بالاتحاد العام بين الخالق والمخلوق، فوجود المخلوق هو وجود الخالق، بل الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق، ولا وجود لموجودين خلق أحدهما الآخر، ومن أشهر من قال به: ابن عربي وابن الفارض ومن على منهجهما من أهل الاتحاد.
انظر: الفتاوى (2/ 364 - 365).
(2) انظر: الفتاوى (10/ 397)، العبودية (ص 81).
(3) يعرف الصوفية الذوق بقولهم: هو نور عرفاني، يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره، فهو من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات.
انظر: الرسالة القشيرية (1/ 178)، معجم اصطلاحات الصوفية للكاشاني (ص 181)، الفتوحات المكية لابن عربي (2/ 548)، معجم مصطلحات الصوفية للحنفي (ص 104).
(4) انظر: الفتاوى (10/ 396)، تطهير الاعتقاد للصنعاني (ص 40)، الدين الخالص (3/ 577).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
متباينة، وما كان كذلك فليس حجة في نفسه، فضلًا عن أن يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة(1).
وعليه فإن ما علل به ابن حجر قوله لا يرقى لمعارضة النصوص الدالة على تفضيل التهليل على غيره من الأذكار المشروعة فضلًا عن الأذكار البدعية الممنوعة.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: الفتاوى (13/ 73)، مدارج السالكين (1/ 495، 496)، التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي (2/ 242).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
المبحث الثاني معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها
تحدث ابن حجر رحمه الله عن العبادة مبينًا معناها، وبعض أنواعها، ووجوب صرفها لله تعالى دون كل من سواه، وفيما يلي بيان آرائه في هذه المسائل وتقويمها.
أولًا: معنى العبادة:
يرى ابن حجر رحمه الله أن العبادة هي توحيد الله تعالى والإخلاص له، يقول في ذلك: " [العبادة] أن تعبد الله أي: توحده في حال كونك لا تشرك به شيئًا، أو تأتي بجميع أنواع العبادة في حال كونك مخلصًا له بأن تقصد بها وجهه تعالى وحده، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] "(1).
التقويم:
العبادة في اللغة: مصدر عَبَدَ يَعبُدُ عبادَةً.
يقول ابن فارس: "العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان:
والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل.
والآخر على شدة وغلظ"(2).
والعبادة تطلق في اللغة على معان متعددة منها: الخضوع والذلة،--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 224).
(2) معجم مقاييس اللغة (ص 728).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
والقوة والصلابة، والأنفة والكراهة، والطاعة والتنسك والمملوكية(1).
والمتأمل في هذه المعاني يراها ترجع إلى الأصلين اللذين ذكرهما ابن فارس ولا تخرج عنهما.
وأما العبادة في الشرع: فإن معانيها تتنوع بحسب اعتبارات سياقاتها.
فالعبادة باعتبار أصلها هي مصدر بمعنى التّعبّد، وهي بهذا المعنى التذلل لله والخضوع له بفعل أوامره واجتناب نواهيه، مع المحبة والتعظيم.
والعبادة باعتبار أفرادها هي اسم بمعنى المتعبد به، وهي بهذا المعنى اسم جامع لكلّ ما يُحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة(2).
وعبارات أهل العلم في تعريف العبادة وبيان معناها وإن تعددت فهي لا تخرج عما سبق(3).
وتعريف ابن حجر العبادة بأنها توحيد الله والإخلاص له هو مقتضى نصوص الوحيين؛ إذ العبادة المأمور بها هى المتضمنة لتوحيد الله تعالى والإخلاص له.
قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)} [البينة: 5].
وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضى الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، وفي رواية: "فادعهم إلى عبادة الله"، وفي رواية: "فادعهم إلى أن يوحدوا الله"(4).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "وجه الجمع بينها: أن المراد--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (3/ 2299 - 2305)، الصحاح (2/ 502 - 504)، لسان العرب (3/ 272 - 273)، القاموس المحيط (ص 378 - 379).
(2) انظر: تقريب التدمرية لابن عثيمين (ص 129).
(3) انظر: تفسير ابن جرير (1/ 196)، مجموع الفتاوى (10/ 149، 153، 251) (15/ 162)، منهاج السنة (2/ 448) (3/ 290)، مدارج السالكين (1/ 74)، تفسير ابن كثير (1/ 28)، فتح الباري (11/ 347)، تيسير العزيز الحميد (ص 46)، فتح المجيد (1/ 84 - 85).
(4) سبق تخريجه (ص 116).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
بالعبادة: التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين"(1).
وتعريف العبادة بالتوحيد مروي عن ابن عباس رضى الله عنهما فقد ورد عنه في معنى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة: 21] أنه قال: "قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} "(2)، ونقل السمعاني رحمه الله عنه أنه قال: "كل ما ورد في القرآن من العبادة فهو بمعنى التوحيد"(3).
ثانيًا: أنواع العبادة:
عرض ابن حجر رحمه الله لنوعين من أنواع العبادة هما الخوف والرجاء وبين تلازمهما، وذكر أقوال الناس في تغليب أحدهما على الآخر، ورجح ما يراه منها.
حيث قال: "الرجاء والخوف متلازمان، فإن كل من رجا محبوبًا فلا بد وأن يخاف فوته وإلا فهو لا يحبه، فاستحال انفكاك أحدهما عن الآخر، وإن أمكن غفلة القلب عن استشعار أحدهما"(4).
وقال: "الراجح عند أئمتنا أن الإنسان ما دام صحيحًا فليكن رجاؤه وخوفه مستويين.
وقيل: يغلب الرجاء لئلا يغلب عليه داء اليأس من رحمة الله تعالى.
وقيل: يغلب الخوف لئلا يغلب عليه داء الأمن من مكر الله.
ويرد بأنهما إذا استويا أُمِنَتْ غلبة أحدهما، فلا محذور يخشى حينئذ؛ بخلاف غلبة أحدهما فإنه يخشى من المحذور الذي في مقابله.
أما المريض فيغلب الرجاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو--------------------------------------------
(1) فتح الباري (13/ 354).
(2) أخرجه ابن إسحاق - كما في الدر المنثور للسيوطي (1/ 85) -، ومن طريقه ابن جرير (1/ 196) برقم (472)، وابن أبي حاتم برقم (216).
(3) انظر: تفسير السمعاني (1/ 56).
(4) الفتاوى الحديثية (ص 389 - 290).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
محسن الظن بالله"(1) أي: يظن أنه يغفر له ويرحمه"(2).
التقويم:
الخوف والرجاء من العبادات القلبية العظيمة الباعثة على ما سواها من العبادات.
يقول الحافظ ابن كثير(3) رحمه الله: "لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكفّ عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات"(4).
ولهذا وصف الله بها خواص عباده، وأثنى عليهم بتحقيقها.
قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
وقال سبحانه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)} [الإسراء: 57].
وقال عز وجل: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16].
والخوف والرجاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ إذ الخوف بلا رجاء يأس وقنوط، والرجاء بلا خوف أمن من مكر الله، وكلاهما من كبائر الذنوب(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (4/ 2205) برقم (2877) من حديث جابر رضي الله عنه به.
(2) المنح المكية (3/ 1399)، وانظر: فتح الجواد (1/ 225)، الإفادة لِمَا جاء في المرض والعيادة (ص 50)، الزواجر، تطهير الجنان واللسان (ص 92).
(3) هو إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي، عماد الدين أبو الفداء، الإمام الحافظ، والمحدث المؤرخ، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، البداية والنهاية، اختصار علوم الحديث، توفي سنة 774 هـ.
انظر: الدرر الكامنة (1/ 400)، شذرات الذهب (6/ 232).
(4) تفسير ابن كثير (3/ 53).
(5) انظر: مجموع الفتاوى (1/ 95) (15/ 21)، مدارج السالكين (2/ 43 - 44) (3/ 139)، التخويف من النار لابن رجب (ص 25)، الآداب الشرعية لابن مفلح (2/ 30)، شرح الطحاوية (2/ 456)، فتح الباري (1/ 307)، أضواء البيان (3/ 79 - 80) (4/ 200).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد"(1).
وقد قرر أهل السنة والجماعة ذلك، وذكروه في عقائدهم.
يقول الإمام الطحاوي(2) رحمه الله: "والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة"(3).
ومثلوا حال العبد معهما بحال الطائر مع جناحيه، فقالوا: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا، استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا، صار الطائر في حد الموت"(4).
ومن مشهور قولهم في الرد على من ضل في هذا الباب: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري(5)، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد"(6).
وقد اختلف أهل العلم رحمهم الله هل يغلب العبد جانب الرجاء أو جانب الخوف؟
فمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء مطلقًا.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (4/ 2109) برقم (2755) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(2) هو أحمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، أبو جعفر، الحنفي، أحد أئمة السلف، من مؤلفاته: العقيدة المشهورة، شرح معاني الآثار، شرح مشكل الآثار، توفي سنة 321 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (15/ 27)، شذرات الذهب (2/ 288).
(3) العقيدة الطحاوية مع شرحها (2/ 456).
(4) شرح العقيدة الطحاوية (2/ 456 - 457).
(5) الحروري: نسبة إلى حروراء وهي قرية قريبة من الكوفة في العراق، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حروري؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي رضي الله عنه عند هذه القرية، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرق كثيرة.
انظر: التنبيه والرد للملطي (ص 188)، فتح الباري (1/ 422).
(6) لم أجدها مسندة مع شهرتها لأحد من السلف، وقد نسبها الغزالي في الإحياء (4/ 174) إلى مكحول الدمشقي، وذكرها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (15/ 21)، وابن القيم في بدائع الفوائد (3/ 11)، وابن رجب في التخويف من النار (ص 30) وابن أبي العز في شرح الطحاوية (2/ 458) غير منسوبة لأحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف مطلقًا.
ومنهم من قال: إن كان في طاعة فليغلب الرجاء، وإن هم بمعصية فليغلب الخوف.
ومنهم من قال: إن أمن داء القنوط فالرجاء أولى، وإن أمن داء المكر فالخوف أولى.
ومنهم من قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواء، لا يغلب هذا على هذا، ولا هذا على هذا.
ومنهم من قال: في حال الصحة يغلب جانب الخوف، وفي حال المرض يغلب جانب الرجاء.
ومنهم من قال: في حال الصحة يجعل رجاءه وخوفه واحدًا، وفي حال المرض يغلب الرجاء أو يمحضه(1).
والذي عليه جمهور السلف رحمهم الله ضرورة استوائهما بحيث لا يغلب أحدهما على الآخر.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: "فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر"(2).
والقول بذلك هو القول المختار الذي تعضده النصوص الشرعية وتدل عليه.
يقول العلامة النووي رحمه الله: "اعلم أن المختار للعبد حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء … وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة متظاهرة على ذلك"(3).
وما رجحه ابن حجر رحمه الله هو بمعنى هذا القول، إلا أنه استثنى المريض من ذلك للحديث المذكور.--------------------------------------------
(1) انظر: مدارج السالكين (1/ 554)، التخويف من النار (ص 30 - 31)، الآداب الشرعية (2/ 24)، فتح الباري (11/ 300 - 301).
(2) التخويف من النار (ص 25).
(3) رياض الصالحين (ص 206).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
ثالثًا: موقفه من صرف العبادة لغير الله:
ذكر ابن حجر رحمه الله بعض أنواع العبادة التي تضمنها حديث ابن عباس رضي الله عنه وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك"(1).
وشرح -غفر الله له- الحديث مبينًا وجوب إفراد الله تعالى بهذه العبادات وعدم جواز صرف شيء منها لغير الله:
حيث قال في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سألت فاسأل الله": "أي: أردت سؤاله فاسأل الله أن يعطيك إياه {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، ولا تسأل غيره فإن خزائن الجود بيده وأزمتها إليه، إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضل غيره، فهو أحق أن يقصد سيما وقد قسم الرزق وقدره لكل بحسب--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع (4/ 285) برقم (2516)، وأحمد (4/ 409) برقم (2669)، وأبو يعلى في المسند (4/ 430) برقم (2556)، والطبراني في الكبير (12/ 238) برقم (12988)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص 374) برقم (425)، والبيهقي في شعب الإيمان (1/ 514) برقم (192) من طرق عن الليث بن سعد عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس به.
وأخرجه الترمذي في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع (4/ 285) برقم (2516)، وأحمد (4/ 487) برقم (2763) و (5/ 18) برقم (2803)، والبيهقي في شعب الإيمان (3/ 283) برقم (1043) من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج به.
قال الترمذي بعد إخراجه الحديث بهذين الإسنادين: "حديث حسن صحيح".
وأخرجه أحمد (5/ 18) برقم (2803) و (4/ 487) برقم (2803)، والطبراني في الكبير (12/ 238) برقم (12989)، والبيهقي في شعب الإيمان (3/ 283) برقم (1043) من طريق نافع بن يزيد، عن قيس بن الحجاج به.
والحديث له طرق أخرى كثيرة عن ابن عباس قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/ 460 - 461): "وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غُفْرة، وابن أبي مليكة، وغيرهم، وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرَّجها الترمذي، كذا قاله ابن مندة وغيره … ".
ثم قال: "وبكل حال فطريق حنش التي خرَّجها الترمذي حسنة جيدة".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
ما أراد له … فمع النظر لذلك لا فائدة لسؤال الخلق مع التعويل عليهم … فوجب أن لا يعتمد في أمر من الأمور إلا عليه سبحانه وتعالى … فبقدر ما يميل القلب إلى مخلوق يبتعد عن مولاه، لضعف يقينه، ووقوعه في هُوّة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أصحاب التوكل واليقين"(1).
وقال في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا استعنت فاستعن بالله": "وإذا استعنت أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة فاستعن بالله، لما علمت أنه القادر على كل شيء وغيره عاجز عن كل شيء حتى جلب مصالح نفسه ودفع مضارها، والاستعانة إنما تكون بقادر على الإعانة، وأما من هو كلٌّ على مولاه لا قدرة له على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلًا عن غيره فكيف يؤهل للاستعانة به أو يتمسك بسببه؟
قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} [الفاتحة: 5]، قدّم المعمول ليفيد الحصر والاختصاص، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ومن ثم كانت لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة"(2).
وقال في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك":
"المعنى وَحِّد الله تعالى في لحوق الضرر والنفع، فهو الضار النافع، ليس لأحد معه في ذلك شيء … فعلم أن هذا تقرير وتأكيد لِمَا قبله من الإيمان بالقدر خيره وشره، وتوحيده تعالى في لحوق الضرر والنفع على أبلغ برهان وأوضح بيان، وحث على التوكل والاعتماد على الله عز وجل في جميع الأمور، وعلى شهود أنه سبحانه وتعالى وحده المؤثر في الوجود، النافع الضار، وغيره ليس له من النفع ولا من الضرر شيء، وعلى الإعراض عما سواه إذ من تيقن ذلك لم يشهد ضره ونفعه إلا من مولاه ولم ينزل حاجته إلا به سبحانه وتعالى"(3).--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 172).
(2) المصدر السابق (ص 173).
(3) المصدر السابق (ص 173، 174).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
وختم شرحه لهذا الحديث بقوله: "ثم مدار هذه الوصية كلها على هذا الأصل [يعني: التوكل] إذ ما قبله وما بعده مفرع عليه وراجع إليه؛ فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئًا البتة، علم أن الله تعالى وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأفرده بالطاعة، وحفظ حدوده، وخافه ورجاه، وأحبه وقدم طاعته على طاعة خلقه كلهم، وأفرده بالاستعانة به، والسؤال له، والتضرع إليه، والرضا بقضائه في حال الشدة والرخاء"(1).
ومع تقرير ابن حجر -غفر الله له- ما سبق فإنه يرى أن من رجا النبي صلى الله عليه وسلم أو دعاه أو استعاذ أو استغاث به إنما رجا الله تعالى ودعاه واستعاذ واستغاث به على الحقيقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو واسطة بين الراجي والمرجو والداعي والمدعو والمستعيذ والمعيذ والمستغيث والمغيث، وحصول الإجابة والمرجو والإعاذة والغوث منه صلى الله عليه وسلم سببًا وكسبًا لا خلقًا وإيجادًا.
يقول في تقرير ذلك: "الاستغاثة طلب الغوث، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، وإن كان أعلى منه، فالتوجه والاستغاثة به وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك … والمستغاث به في الحقيقة هو الله، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بينه وبين المستغيث، فهو سبحانه مستغاث به، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاث والغوث منه سببًا وكسبًا"(2).
وقد وقع ابن حجر -عفا الله عنه- في مزالق خطيرة، وطوام كبيرة، بسبب تقريره ذلك اعتمادًا على هذه الحجة الفاسدة، والشبهة الباطلة، منها: دعاؤه النبي صلى الله عليه وسلم، وتوسله إليه، وطلب الشفاعة منه، ورجاؤه مغفرة الذنوب وستر العيوب، والاستعاذة به من كل مكروه، والاستغاثة به في المهالك(3)! ! !--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 176).
(2) الجوهر المنظم (ص 62).
(3) انظر: المنح المكية (3/ 1323، 1328، 1334، 1335، 1417، 1427، 1428)، العمدة في شرح البردة (ص 659).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
يقول مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم داعيًا له، طالبًا شفاعته: "أقسم عليك … أن تنيلني من حضرتك، بواسطة شفاعتك فيّ إلى من لا يخيب شفاعتك"(1)، "والمعلوم والمستقر من أخلاقك الجميلة والذي دلت عليها آثارك الجليلة، أن من لجأ إليك، لا تخيبه من شفاعتك، ولا يحرمه ربك من فضله مسارعة إلى رضاك"(2).
ويقول في رجائه للرسول صلى الله عليه وسلم: "قد رجوناك معشر محبيك، وخدامك، أيها النبي الكريم .. للأمور الخطيرة العظيمة من الذنوب والمخالفات والغفلات والشهوات"(3).
ويقول مستعيذًا به صلى الله عليه وسلم: "أتينا إليك بقلوبنا، أي: وجهناها إلى الاستعاذة بك من كل مكروه، أو إلى قبرك المكرم حال كوننا أنضاء … أي: مهازيل"(4).
ويقول شارحًا قول البوصيري(5) في همزيته:
يا نبي الهدى استغاثة ملهوف … أضرت بحاله الحوباء(6)
"أي: أناديك نداء ملهوف أي: مضطر، متحسر، محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه"(7).
بل إن ابن حجر تجاوز ذلك إلى التصريح برجائه للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، وبث شكواه إليه دون سواه، حيث قال في شرح قول البوصيري:
وانطوت في الصدور حاجات نفس … ما لها عن ندى يديك انطواء(8)--------------------------------------------
(1) المنح المكية (3/ 1323).
(2) المصدر السابق (3/ 1328).
(3) المصدر السابق (3/ 1333).
(4) المصدر السابق (3/ 1334).
(5) هو محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي، شرف الدين، أبو عبد الله، الشهير بالبوصيري، اشتهر بقصائده ومنظوماته ومنها: البردة، والهمزية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، واللامية في الرد على اليهود والنصارى، توفي سنة 695 هـ.
انظر: البدر السافر (ص 97)، شذرات الذهب (7/ 753).
(6) الهمزية مع شرحها المنح المكية (3/ 1417).
(7) المنح المكية (3/ 1417).
(8) الهمزية مع شرحها المنح المكية (3/ 1335).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
"أي: استترت في الصدور، أي: القلوب حاجات نفس … ما لها عن … عطاء يديك الكريمتين انطواء، أي: استتار، واستغناء، بل لا يقضيها غير جاهك الواسع، ولا يمن بها غير عطائك الهامع، فلا ارتحال لنا عن واسع جودك، ولا انصراف عن ساحة كرمك، بل لا نزال مقيمين بجوارك، مستطهرين لندى آثارك، طامعين في حصول كل ما أملناه بشفاعتك، التي هي مطمع المذنبين، ووسيلة المقصرين"(1).
ويقول في شرحه لقوله:
ومن الفوز أن أبثك شكوى … هي شكوى إليك وهي اقتضاء(2)
"هي شكوى … إليك لا إلى غيرك، أي: أنشر وأظهر بين يديك في ضمن مدحي لك ما كاد أن يهلكني من عظيم ذنوبي، وقبيح عيوبي، رجاء أن تلمحني بنظرة تزيل عني كل وصمة، وتوجب لي منك كل رحمة، لأن رجائي فيك واسع، ومحبتي لك متزايدة، وهي أي: تلك الشكوى … اقتضاءُ أي: أطلب من كرمك الواسع وفيضك الهامع، أن أتخلص من تلك الفرطات، وأنجو من بوائق سائر الورطات، وأن يحصل لي الشفاء من جميع الأدواء، فإن جاهك متكفل بكل مطلوب، ومحقق لكل مسؤول ومرغوب، لا سيما لخادم حضرتك، الفاني في محبتك"(3).
التقويم:
كل ما صح إطلاق مسمى العبادة عليه من الاعتقادات والأقوال والأعمال يجب صرفه لله تعالى وحده، ويحرم صرفه لغيره.
يقول تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)} [البينة: 5] الآية.
وفي الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا--------------------------------------------
(1) المنح المكية (3/ 1335).
(2) الهمزية مع شرحها المنح المكية (3/ 1427).
(3) المنح المكية (3/ 1427 - 1428).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"(1).
وما ذكره ابن حجر -غفر الله له- في كلامه المتقدم من تأكيد اختصاص الله تعالى بالدعاء والاستعانة والتوكل ونحوها من العبادات يناقض صرفه بعضها الآخر لغير الله؛ إذ كلها يصدق عليها مسمى العبادة ويحرم صرفها لغيره سبحانه، فالتفريق بينها تفريق بين المتماثلات.
وابن حجر -عفا الله عنه- بصنيعه هذا لا ينكر كون تلك الاعتقادات والأقوال والأعمال من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله، وإنما يدعي أنه بفعله هذا لم يصرفها لغيره، متمسكًا بما ذكره من شبهة المجاز العقلي(2) والتي أشار إليها بقوله المتقدم: "والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره … والمستغاث به في الحقيقة هو الله، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بينه وبين المستغيث"، وشبهة الكسب والتسبب والتي أشار إليها أيضًا بقوله السابق: "فهو سبحانه مستغاث به، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاث، والغوث منه سببًا وكسبًا".
ولَمّا كان الأمر كذلك فسأكتفي بمناقشته فيما تمسك به من شبهات، متجاوزًا تقرير كون تلك الاعتقادات والأقوال والأعمال من العبادات، وأن العبادة لا يجوز صرفها لغير الله؛ لأن ذلك محل اتفاق لا نزاع.
وعليه فإن ما تمسك به ابن حجر من شبهتي المجاز العقلي والكسب والتسبب هو في الحقيقة شبهة واحدة مركبة؛ ذلك أن من يقول بأن إسناد الفعل إلى غير الله مما لا يصح إسناده إلا إلى الله مجاز لا حقيقة، ويستدل بذلك على جواز صرف بعض العبادات لغير الله، يجعل القرينة كون الفاعل مسلمًا موحدًا، والعلاقة في ذلك الكسب والتسبب(3)؛ فرجع الأمر حينئذ إلى كونهما شبهة واحدة مركبة.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، باب من أشرك في عمله غير الله (4/ 2289) (2985) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(2) المجاز العقلي -عند القائلين به- هو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له. انظر: التعريفات (ص 259).
(3) انظر: شفاء السقام للسبكي (ص 144، 176 - 178)، خلاصة الكلام في تاريخ البلد =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وبناء على ذلك فإنه يمكن الرد عليه من طريقين:
أحدهما: المنع من ذلك على قول من يقول بنفي وقوع المجاز في اللغة:
فإن العلماء اختلفوا في وقوع المجاز في اللغة وعدمه، وهذا الخلاف جار في المجاز العقلي(1).
فقال قوم بعدم وقوعه مطلقًا، وقال آخرون بوقوعه مطلقًا، وفرق قوم فقالوا بوقوعه في اللغة دون القرآن(2).
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية عدم وقوع المجاز مطلقًا لا في القرآن ولا في اللغة(3)، وانتصر له العلامة ابن القيم بأكثر من خمسين وجهًا(4).
وهو القول الراجح لقوة أدلته، وسلامته من الاعتراضات، ومما يستدل به عليه ما يلي:
1 - أن تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز تقسيم حادث بعد انقضاء القرون المفضلة، لم يتكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو(5).
2 - أن الذين قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز لم يستطيعوا أن يفرقوا بينهما بحد صحيح جامع مانع(6).--------------------------------------------
= الحرام أحمد زيني دحلان (ص 16، ص 245 - 255)، الدرر السنية له (ص 20)، مفاهيم يجب أن تصحح لمحمد علوي مالكي (ص 28).
(1) انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع (1/ 308).
(2) انظر: الأحكام للآمدي (1/ 43 - 44)، جمع الجوامع (1/ 308)، البرهان للزركشي (2/ 255)، والأحكام لابن حزم (4/ 28)، المسودة في أصول الفقه (ص 165)، التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (1/ 80)، الإيمان لابن تيمية (ص 81)، مختصر الصواعق (2/ 5)، المزهر للسيوطي (1/ 364 - 366)، وللاستزادة: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للشنقيطي.
(3) انظر: الإيمان (ص 79 - 105).
(4) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (2/ 2 - 76).
(5) انظر: الإيمان (ص 80)، مختصر الصواعق (2/ 3).
(6) انظر: الإيمان (ص 87، 97)، مختصر الصواعق (1/ 10 - 30).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
3 - أن العرب نطقت بالحقيقة والمجاز -عند من يدعيهما- على وجه واحد، فجَعْلُ هذا حقيقة، وهذا مجازًا ضرب من التحكم لأن اسم الأسد وضع للسبع كما وضع للرجل الشجاع(1).
4 - أن من زعم أن الكلمة استخدمت حقيقة في الدلالة على معنى، ثم استخدمت مجازًا في الدلالة على معنىً آخر فقد ادعى دعوى لا برهان عليها ولا يمكن لبشر على وجه الأرض إثبات ذلك، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا بوحي من الله تعالى(2).
5 - أن بعض الكلمات العربية تدل على المعنى وضده كالجون يدل على السواد وعلى البياض، والقرء يدل على الطهر وعلى الحيض فأيهما حقيقة وأيهما مجاز؟(3).
هذا ومما ينبغي الإشارة إليه أن الذين أنكروا وجود المجاز لم ينكروا وجود تلك الأمثلة التي ضربها المثبتون له، وإنما ذهبوا إلى أن ذلك أسلوب من أساليب اللغة العربية وأن الكل حقيقة، والكلمة إذا استعملت في هذا الأسلوب فهي حقيقة، وإذا استعملت في أسلوب آخر فهي حقيقة أيضًا، والذي يحدد المعنى المراد منها هو السياق، ولا يمكن أن نقول إنها في هذا الأسلوب حقيقة وفي الآخر مجازية(4).
ثانيهما: التسليم بذلك على قول من يقول بثبوت وقوع المجاز في اللغة، وبناء عليه يمكن الجواب عنه بجوابين:
1 - أن دعوى كون دعاء غير الله والتوسل به واللجوء إليه مجازًا عقليًا باعتبار كونه إسنادًا للفعل إلى غير ملابس له لا يصح لغة؛ وذلك لما يلي:
أ- أن العلماء الذين أثبتوا المجاز اتفقوا على أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يخرج عنها إلا بدليل قوي يصرفه إلى المجاز(5)، والحقيقة--------------------------------------------
(1) انظر: المزهر (1/ 365).
(2) انظر: مختصر الصواعق (2/ 30).
(3) انظر: الإيمان (ص 88 - 89).
(4) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (1/ 97 - 98).
(5) انظر: الخصائص لابن جني (3/ 442)، المزهر للسيوطي (1/ 356، 361).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
أنه لا دليل قوي، ولا صارف واضح، يمكن الاعتماد عليه للقول بأن دعاء غير الله والتوسل به مجاز عقلي، بل الدليل على خلافه(1) -كما سيأتي-.
ب- أن حد المجاز العقلي لا ينطبق على دعاء الأموات، وندائهم، والاستغاثة بهم، إذا اعتبرنا حال الداعين واعتقادهم فالإسناد الواقع في كلامهم إسناد حقيقي ينطبق عليه حد الحقيقة العقلية، ولا ينطبق عليه حد المجاز العقلي، وذلك لأن علماء البلاغة ذكروا أن العبرة في الإسناد ليكون مجازًا عقليًا أن يكون الحكم المفاد منه خلاف ما يعتقده المتكلم، وقالوا: إن قول الدهري: أنبت الربيع البقل لا يسمى مجازًا(2).
وبناء على ذلك فإن كثيرًا ممن يدعون الأموات والغائبين الإسناد الواقع في كلامهم حقيقة عقلية وليس مجازًا عقليًا، لاعتقادهم التأثير والتصرف في الكون ومما يؤيد ذلك سيرهم وأحوالهم القولية والفعلية(3).
جـ - أن العلماء القائلين بالمجاز اشترطوا تعقيبه بما يدل عليه ويدفع الحقيقة عنه، والمجاز العقلي القرينة المدعاة فيه ليست متصلة بالكلام حتى يؤول به(4).
2 - أن دعوى ابن حجر كون دعاء غير الله، والتوسل به، واللجوء إليه، مجازًا عقليًا باعتبار كونه إسنادًا للفعل إلى غير ملابس له لا يصح شرعًا؛ وذلك لِمَا يلي:
أ- أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذه هي حجة من يرى المجاز العقلي ويبيح إسناد الدعاء لغير الله تعالى.
فلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله--------------------------------------------
(1) انظر: الرسالة المدنية لابن تيمية (ص 40).
(2) انظر: حاشية الجوهر المكنون (ص 48)، التلخيص في علوم البلاغة للقزويني (ص 50 - 51).
(3) انظر: معارج الألباب للنعمي (ص 178)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص 137).
(4) انظر: تنبيه الغبي للبقاعي (ص 22 - 23)، ومنع جواز المجاز (ص 52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)