Arabic source text

📘 আরাউ ইবনু হাজারিল হাইতামী আল-ইতিকাদিয়্যাহ (আরদু ওয়া তাকভীম ফী দাউয়ি আকীদাতিল সালাফ) (মুহাম্মদ বিন আবদুল আজীজ আল-শায়ে)

📘 آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف) (محمد بن عبد العزيز الشايع)

📘 আরাউ ইবনু হাজারিল হাইতামী আল-ইতিকাদিয়্যাহ (আরদু ওয়া তাকভীম ফী দাউয়ি আকীদাতিল সালাফ) (মুহাম্মদ বিন আবদুল আজীজ আল-শায়ে)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌الفصل الأول آراؤه في توحيد الربوبية
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
التمهيد في تعريف توحيد الربوبية:
المبحث الأول: معرفة الله تعالى.
المبحث الثاني: قوله في الفطرة.
المبحث الثالث: حكم إيمان المقلد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)

‌‌تمهيد في تعريف توحيد الربوبية
الربوبية: مصدر رَبَّ يَرُبُ رَبَابَةً ورُبُوبية(1).
يقول ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول:
فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه …
والآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه …
والثالث: ضم الشيء للشيء.
ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا"(2).
"والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم"(3).
وجميع هذه المعاني ترجع إلى ثلاثة هي: المالك، والسيد، والمصلح، وقد أشار إلى ذلك ابن الأنباري(4) حيث قال: "الرب ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب المالك، ويكون الرب السيد المطاع … ويكون الرب المصلح"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: اشتقاق أسماء الله تعالى للزجاجي (ص 32).
(2) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص 398).
(3) لسان العرب (1/ 399)، وانظر: تهذيب اللغة (2/ 1335)، الصحاح (1/ 130)، القاموس المحيط (ص 111).
(4) هو محمد بن القاسم بن بشار، أبو بكر، المشهور بابن الأنباري، إمام مقرئ، ولغوي متفنن، من مؤلفاته: الزاهر في اللغة، وغريب الحديث، وعجائب علوم القرآن وغيرها، توفي سنة 328 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (15/ 274)، شذرات الذهب (2/ 315).
(5) انظر: لسان العرب (1/ 400 - 401).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)

ويطلق الرب في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الرب سبحانه: هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل"(1).
ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "الرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله هو الرب بهذه الاعتبارات كلها"(2).
وقد بين ابن حجر رحمه الله بعض معاني الرب فقال: "رب العالمين: أي مالك، أو سيد، أو مصلح، أو مربي، أو خالق، أو معبود"(3).
وهو بهذا لم يخرج عما ذكره السلف وأهل اللغة في بيان معنى الرب، سوى تفسيره الرب بمعنى المعبود؛ فإنهما وإن كان بينهما تضمن وتلازم إلا أنهما متغايران(4).
ولفظ: (رب) لا يطلق بغير الإضافة إلا على الله تعالى.
يقول ابن قتيبة(5) رحمه الله: "لا يقال لمخلوق: هذا الرب معرفًا بالألف واللام كما تقال لله، إنما يقال هذا رب كذا، فيُعّرف بالإضافة، لأن الله تعالى مالك كل شيء، فإذا قيل: الرب دلت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا نسب إلى شيء خاص؛ لأنه لا يملك شيئًا غيره"(6).
وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن حجر رحمه الله: "لا يطلق الرب بالألف--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 92).
(2) بدائع الفوائد (4/ 132).
(3) فتح المبين (ص 8).
(4) انظر: مدارج السالكين لابن القيم (1/ 24) وما بعدها، مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (6/ 121)، وللاستزادة: حقيقة التوحيد والفروق بين الربوبية والألوهية للدكتور علي العلياني (ص 105) وما بعدها.
(5) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، خطيب أهل السنة وأحد أئمة السلف، من مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية وغيرها، توفي سنة 276 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (13/ 296)، شذرات الذهب (2/ 169).
(6) تفسير غريب القرآن (ص 9).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

واللام إلا على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: رب المال، ورب الدار وغير ذلك …
وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه ربي؛ لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية … "(1).
وبناء على ما سبق فالمراد بتوحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بالخلق والملك(2).
وإفراده سبحانه بالخلق يراد به: الإقرار والاعتراف بأنه تعالى وحده خالق كل شيء، لا شريك له في ذلك.
وأما إفراده جل وعلا بالملك فيراد به أمران متلازمان:
الأول: الاعتراف بأنه تعالى المالك للكون أجمع بما فيه لا شريك له في ملكه.
والثاني: أنه المدبر له والمتصرف فيه بما شاء لا شريك له في ذلك(3).
* * *--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 186)، وانظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص 686).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (10/ 331)، مدارج السالكين (1/ 34)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (1/ 128 - 129)، شرح النونية لابن عيسى (2/ 269)، القول المفيد لابن عثيمين (1/ 5).
(3) انظر: القول المفيد لابن عثيمين (1/ 5 - 7)، وفتاواه (1/ 18 - 19).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

‌‌المبحث الأول معرفة الله تعالى
عرض ابن حجر رحمه الله لجملة من المسائل المتعلقة بمعرفة الله سبحانه، وهي: حكم معرفة الله تعالى، والطريق إليها، وبيان دلائلها.
وفيما يلي عرض آرائه في ذلك وتقويمها.

‌‌أولًا: حكم معرفة الله والطريق إليها:
يرى ابن حجر - غفر الله له - أن معرفة الله تعالى كسبية نظرية لا فطرية ضرورية، وأن طريقها النظر، وأنهما أول الواجبات العينية.
حيث يقول: "معرفة الله تعالى والنظر المؤدي إليها هما أول الواجبات العينية، وأساس جميع الفروض وغيرها وسائر أصول الشريعة وفروعها"(1).
ويقول: "يجب شرعًا النظر لمعرفة الله تعالى الواجبة لذاتها … فهو أول واجب، وقال جمع محققون: أوله القصد إلى ذلك النظر، وهي أول واجب ذاتي"(2).
ويقول: "قال الإمام(3) في الإرشاد: "أول ما يجب على البالغ العاقل باستكماله سن البلوغ أو الحلم شرعًا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم … " وما قاله لا خلاف فيه"(4).--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 437).
(2) التعرف (ص 103 - 104).
(3) المراد به الجويني، وكلامه المذكور في كتابه الإرشاد (ص 25).
(4) الفتاوى الحديثية (ص 274 - 275).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

‌‌التقويم:
اختلف الناس في معرفة الله تعالى هل هي كسبية نظرية أم فطرية ضرورية.
فذهب عامة السلف رحمهم الله إلى أنها فطرية ضرورية(1).
وذهب جمهور المتكلمين من المعتزلة(2) - ومن تبعهم من الشيعة الإمامية(3) والزيدية(4)(5) - والأشاعرة(6) والماتريدية(7) إلى أنها كسبية نظرية.--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (3/ 126) (8/ 444 - 449، 532 - 533)، مجموع الفتاوى (1/ 48 - 49) (2/ 72)، شفاء العليل لابن القيم (2/ 821)، مفتاح دار السعادة (1/ 280)، جامع العلوم والحكم لابن رجب (2/ 256)، فتح الباري لابن حجر العسقلاني (1/ 70 - 71)، أضواء البيان للشنقيطي (3/ 410)، وللاستزادة: فطرية المعرفة للدكتور أحمد سعد حمدان.
(2) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 39، 46، 52)، والمحيط بالتكليف له (ص 26)، المغني في أبواب العدل والتوحيد له أيضًا (12/ 230، 352)، الكشاف للزمخشري (1/ 591).
(3) انظر: أوائل المقالات للمفيد (ص 64)، والاقتصاد للطوسي (ص 25 - 26)، والتبيان في تفسير القرآن له أيضًا (8/ 243، 172) (9/ 237).
(4) الزيدية هي فرقة من فرق الشيعة، ينتسبون زورًا إلى زيد بن علي المتوفى سنة 122 هـ ويقولون بإمامته، وبإمامة من اجتمع فيه العلم والزهد والشجاعة ظاهرًا من ولد فاطمة.
انظر: التنبيه والرد للملطي (ص 45)، مقالات الإسلاميين (1/ 136)، الفرق بين الفرق (ص 29)، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 154)، التبصير في الدين (ص 24)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 77).
(5) انظر: المعالم الدينية في العقائد الإلهية ليحيى بن حمزة (ص 53)، ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة للناصر لدين الله (ص 12، 13)، رسائل الشريف المرتضى المجموعة الأولى (ص 127 - 128).
(6) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص 13)، الإرشاد للجويني (ص 25)، الشامل له أيضًا (ص 21)، المواقف للإيجي (ص 32)، وشرحها للجرجاني (1/ 275)، شرح المقاصد (1/ 271)، حاشية البيجوري على جوهرة التوحيد (ص 36)، وحاشية الصاوي عليها (ص 55).
(7) انظر: التوحيد للماتريدي (ص 129)، إشارات المرام للبياضي (ص 53).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

وكلام ابن حجر - غفر الله له - المتقدم في تقرير كونها أول واجب يفهم منه القول بأنها كسبية نظرية لا فطرية ضرورية؛ إذ لو كانت فطرية ضرورية لما كان تحصيلها واجبًا على المكلف لتحققها أصلًا، فضلًا عن أن تكون أول الواجبات.
والصحيح: ما ذهب إليه عامة السلف رحمهم الله من أن معرفة الله تعالى في الأصل فطرية ضرورية، والاكتساب والنظر طارئان عليها؛ إذ قد يعرض للفطرة ما يفسدها فتحتاج حينئذٍ إلى الاكتساب والنظر.
والمراد بالنظر الذي قد يُحتاج إليه في تقريرها هو مطلق النظر لا النظر العقلي الذي أوجبه المتكلمون - كما سيأتي -.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تقرير ذلك: "الصحيح أنها فطرية … ولكن قد يعرض للفطرة ما يفسدها، فتحتاج حينئذٍ إلى النظر، فهي في الأصل ضرورية، وقد تكون نظرية، ثم المعرفة الواجبة لا تتعلق بنظر خاص، بل قد تحصل ضرورية"(1).
ويقول أيضًا: "المعرفة وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطرة السليمة، فكثير من الناس يحتاج فيها إلى النظر، والإنسان قد يستغني عنه في حال، ويحتاج إليه في حال"(2).
والأدلة على ذلك متظافرة من الكتاب، والسنة، والفطرة، والعقل.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172].
فالله تعالى أشهد ذرية آدم على ربوبيته سبحانه فأقروا له بذلك واعترفوا ثم أشهدهم على هذا الاعتراف، وسواء كان هذا العهد قبل الخروج إلى الدنيا في عالم الذر أو كان عهد الفطرة - على خلاف بين أهل العلم - فإن ذلك لا يؤثر في دلالة الآية على المقصود(3).--------------------------------------------
(1) مجموعة الرسائل الكبرى (2/ 341)، وانظر (2/ 345 - 346)، مجموع الفتاوى (2/ 6) (6/ 73).
(2) درء التعارض (8/ 8).
(3) انظر: المصدر السابق (8/ 486 - 487)، والروح لابن القيم (2/ 555 - 559).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

وقوله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الروم: 30].
وقد أجمع المفسرون من السلف على أن المراد بفطرة الله في الآية دين الإسلام، ودين الإسلام متضمن لمعرفة الله تعالى والإقرار به(1).
وقوله عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
فالرسل دعوا أقوامهم ابتداءً إلى توحيد الألوهية وإفراد الله تعالى بالعبادة، ولو لم يكن الإقرار بالله تعالى وربوبيته أمرًا فطريًا لابتدأوا أقوامهم بذلك؛ لأن الأمر بتوحيده تعالى في عبادته فرع عن الإقرار به وبربوبيته(2)، ولصح لأعداء الرسل عند دعوتهم لهم أن يقولوا نحن لم نعرفه أصلًا فكيف تأمروننا بعبادته؟ ولما لم يحدث ذلك منهم دل على أن معرفتهم بالله مستقرة في فطرهم(3).
ولهذا احتج عليهم سبحانه وتعالى بما أقروا به - وهو الربوبية - على ما أنكروه - وهو الألوهية - في آيات كثيرة كقوله عز وجل: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)} [يونس: 31 - 32]، وقوله: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10](4).
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء". ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث: "فطرة الله التي--------------------------------------------
(1) انظر: التمهيد لابن عبد البر (18/ 72)، درء التعارض (8/ 367).
(2) انظر: درء التعارض (3/ 129 - 130).
(3) انظر: المصدر السابق (8/ 440).
(4) انظر: مجموعة الرسائل الكبرى (2/ 337)، أضواء البيان (2/ 429 - 430).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم"(1).
فالحديث دل على أن كل مولود يولد على الفطرة، والفطرة هي الإسلام - كما سيأتي(2) - والإسلام متضمن لمعرفة الله والإقرار به.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل من نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا"(3).
فالحديث دل على أن الله تعالى خلق الخلق على الحنيفية، والحنيفية هي الإسلام، ومن مقتضياته أن الله تعالى خلق الخلق مقرين به معترفين بربوبيته(4).
وأما الفطرة: فإن الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم يلجؤون إلى الله تعالى حال الشدة والكرب، وذلك يدل على أن الخلق كلهم على اختلاف أديانهم مفطورون على معرفة الله سبحانه والإقرار به(5).
وأما العقل: فمن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومعلوم أن مجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو عَلَّم أحدٌ البهائم والجمادات وحضها، لم يحصل لها ما يحصل لبني آدم مع أن السبب في الموضعين واحد، فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ (1/ 403) برقم (1358)، ومسلم، كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (4/ 2047) برقم (2658) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(2) انظر: (ص 124).
(3) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (4/ 2197) برقم (2865)، من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه به.
(4) انظر: التمهيد (18/ 75)، درء التعارض (8/ 369)، مجموع الفتاوى (16/ 345).
(5) انظر: درء التعارض (8/ 532 - 533).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

ومعلوم أن إقرار النفس بالخالق ممكن من غير سبب منفصل من خارجها، وتكون الذات كافية في ذلك، فإذا كان المقتضي لذلك قائمًا في النفس وقُدّر عدم المعارض، فإن المقتضى السالم يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها كانت مقرة بالخالق عابدة له(1).
وبما سبق يظهر بطلان ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - من كون المعرفة كسبية نظرية لا فطرية ضرورية.
وأما قوله - عفا الله عنه - بأن المعرفة والطريق المؤدي إليها أول الواجبات العينية، فهو قول باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض، بأن يقال:
أولًا: أن قوله بذلك مبني على قوله بأن المعرفة كسبية لا فطرية ضرورية، وهو باطل - كما سبق - فكذلك ما بني عليه.
ثانيًا: أن ابن حجر يرى - كما سيأتي(2) - جواز التقليد في العقائد - ومنها المعرفة - وصحة إيمان المقلد، والقول بذلك يقتضي عدم وجوب النظر على كل أحد؛ إذ يلزم من القول بوجوب النظر على كل مكلف تأثيم من قلد ولم ينظر، وذلك يناقض القول بجواز التقليد في العقائد.
ولهذا يقول أبو جعفر السمناني(3) - وهو من رؤوس الأشاعرة -: "إيجاب الأشعري النظر لحصول المعرفة بقية بقيت عنده من الاعتزال، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يُكتفى بالتقليد في ذلك"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (8/ 461)، وانظر: مزيدًا من الأدلة العقلية على ذلك في درء التعارض (8/ 456 - 468)، وشفاء العليل (2/ 825 - 836)، وشرح الطحاوية (1/ 34 - 35).
(2) انظر: (ص 129).
(3) هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد السمناني الحنفي، أبو جعفر، متكلم أشعري، من أصحاب أبي بكر الباقلاني، كان مقدم الأشعرية في وقته، توفي سنة 444 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (17/ 651)، الجواهر المضية (2/ 21).
(4) فتح الباري (1/ 90) (13/ 361).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

وعلى هذا فالقول بجواز التقليد في العقائد يناقض القول بوجوب النظر على أحد.
ثالثًا: أن ابن حجر يرى - كما سيأتي(1) - أن التحسين والتقبيح شرعيان لا عقليان، وهذا يناقض قوله إن أول واجب على المكلف المعرفة أو النظر، وتناقض ابن حجر في ذلك ليس مختصًا به بل شأنه في ذلك شأن الأشاعرة الذين يوافقهم وينهج نهجهم.
يقول شيخ الإسلام في بيان ذلك: "ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على قول من يقول لا واجب إلا بالشرع، كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا"(2).
وعليه فإن تناقض ابن حجر هنا فرع عن تناقض الأشاعرة أنفسهم الذين تابعوا المعتزلة في قولهم بوجوب النظر لحصول المعرفة وخالفوهم في طريق الوجوب فقالوا هو الشرع لا العقل مما أوقعهم في التناقض.
ثانيهما: المعارضة: بأن الأدلة متظافرة من الكتاب والسنة والإجماع على أن أول واجب على المكلف الشهادتان، لا المعرفة ولا النظر ولا القصد إليه.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: 25].--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 601).
(2) درء التعارض (8/ 12 - 13).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

فالرسل جميعًا أول ما دعوا أقوامهم إلى إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، وهذا يدل على أنه أول واجب على المكلفين؛ لأن من تمام البلاع أن يأمروا أقوامهم بأول ما أوجبه الله عليهم.
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: في وصيته لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله … " الحديث(1).
وأما الاجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن أول ما يؤمر به العبد إفراد الله بالعبادة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ"(2).
كما أجمعوا على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام، وهذا يدل على أن ذلك أول الواجبات.
يقول الإمام ابن المنذر(3) رحمه الله: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف الإسلام، وهو بالغ صحيح يعقل أنه مسلم"(4).
ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "أجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام"(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب أخد الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا (1/ 446 - 447) برقم (1496)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (1/ 50) برقم (29) من حديث ابن عباس رضى الله عنهما به.
(2) درء التعارض (8/ 11 - 12).
(3) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الشافعي، أبو بكر، إمام محدث فقيه، له مصنفات منها: الأوسط، والإجماع، والإشراف في اختلاف العلماء، توفي سنة 309 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 490)، شذرات الذهب (2/ 280).
(4) الإجماع (ص 154).
(5) مدارج السالكين (3/ 421).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

فالقول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة أو النظر أو القصد إليه قول مُبتدَع حادث بعد القرون الفاضلة.
يقول العلامة ابن حزم(1) رحمه الله: "ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه لا يشك أحد ممن يدري شيئًا من السير … في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ بُعث لم يزل يدعو الناس الجماء الغفير إلى الإيمان بالله تعالى، وبما أتى به ويقاتل من أهل الأرض من قاتله … ويقبل ممن آمن به ويحرم ماله ودمه وأهله وولده، ويحكم له بحكم الإسلام …
فما منهم من أحد … قال له عليه السلام: إني لا أقبل إسلامك ولا يصح لك دين حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه … لسنا نقول: إنه لم يبلغنا أنه عليه السلام قال ذلك لأحد، بل نقطع نحن وجميع أهل الأرض قطعًا كقطعنا على ما شاهدناه أنه عليه السلام لم يقل قط هذا لأحد، ولا رد إسلام أحد حتى يستدل، ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة رضى الله عنهم أولهم عن آخرهم، ولا يختلف أحد في هذا الأمر، ثم جميع أهل الأرض إلى يومنا هذا …
فصح أن هذه المقالة خرق للإجماع، وخلاف لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وجميع أهل الإسلام قاطبة"(2).
ويقول العلامة أبو المظفر السمعاني رحمه الله: "هذا القول - يعني: وجوب النظر وكونه أول واجب - مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة وكذلك من التابعين بعدهم، وكيف يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض، وهم صدر الأمة والسفراء بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "(3).--------------------------------------------
(1) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي اليزيدي، فقيه محدث متكلم، له مؤلفات كثيرة، منها: الفصل في الملل والأهواء والنحل، والدرة فيما يجب اعتقاده، والمحلى، توفي سنة 456 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 184)، شذرات الذهب (3/ 299).
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 76).
(3) الانتصار لأهل الحديث (ضمن صون المنطق للسيوطي) (ص 171 - 172).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

وعليه فما زعمه ابن حجر - غفر الله له - من قيام الإجماع على أن أول واجب المعرفة والطريق إليها من النظر أو القصد إليه ونفي الخلاف عنه، منقوض بأن الإجماع مستقر على خلافه، وممن حكى ذلك ابن المنذر، وابن حزم، وأبو المظفر السمعاني، وابن تيمية وابن القيم رحمهم الله جميعًا - كما سبق.
بل إن من الأشاعرة أنفسهم من أنكر هذا القول وقال بخلافه كالشهرستاني(1)(2)، والرازي(3)(4)، والآمدي(5)(6)، وغيرهم.

‌‌ثانيًا: دلائل معرفة الله تعالى:
يرى ابن حجر رحمه الله أن أفضل الطرق إلى اكتساب معرفة الله تعالى هو النظر في مخلوقاته سبحانه والاستدلال بها عليه، ويعلل ذلك بكونها لو أمكن تحصيلها بطريق أسهل من ذلك لورد به النقل.
يقول في ذلك: "لو كان الإسلام لا يتم إلّا على القوانين العقلية التي رتبها الأصوليون لبيّنها صلى الله عليه وسلم للناس وبلّغها إليهم كما أمر في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67]، فلما تيقنا أنه لم يدع--------------------------------------------
(1) هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، أشعري متكلم، له مصنفات كثيرة منها: نهاية الإقدام في علم الكلام، الملل والنحل، مصارعة الفلاسفة، توفي سنة 548 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (20/ 286)، شذرات الذهب (4/ 149).
(2) انظر: نهاية الإقدام له (ص 173، 126).
(3) هو محمد بن عمر بن الحسن بن علي، أبو عبد الله، المشهور بالفخر الرازي، من كبار الأشاعرة وأئمته، ألف كتبًا كثيرة، منها: المطالب العالية، والأربعين في أصول الدين، والتفسير توفي سنة 606 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (21/ 500)، وفيات الأعيان (4/ 248).
(4) انظر: درء التعارض (5/ 290)، ونص كلامه في كتاب نهاية العقول.
(5) هو علي بن أبي علي بن محمد الثعلبي، الشهير بسيف الدين الآمدي، متكلم أشعري، من كتبه: أبكار الأفكار، غاية المرام، الإحكام في أصول الأحكام، توفي سنة 631 هـ.
انظر: وفيات الأعيان (2/ 455)، شذرات الذهب (5/ 144).
(6) انظر: أبكار الأفكار (1/ 170 - 171).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

لذلك ولا تكلم به أحد من الصحابة بكلمة واحدة فما فوقها من هذا النمط من طريق تواتر ولا آحاد من طريق صحيح ولا سقيم؟ علم أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه عدلوا إلى ما هو أبين للفهم ليستبقوا إليه بأوائل العقل وهو ما أمر الله به من الاعتبار بمخلوقاته في غير ما آية"(1).
ويؤكد رحمه الله ذلك بقوله: "لا حجة في إثبات التوحيد وما يجب له تعالى أو يجوز أو يستحيل بما سوى ما أنزل في كتابه وبيّنه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وما نبّه عليه من الاعتبار، فقال: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات: 21]، وقوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)} [الغاشية: 17]، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ} [آل عمران: 190]، {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58)} [الواقعة: 58]، الآيات.
وشبه ذلك من المجادلة الواضحة التي يدركها كافة العقلاء وعامة المخاطبين، وهي أكثر من أن تحصى، فيتعين بها وجوده، ثم يتيقن وحدانيته وعلمه وقدرته … "(2).
ويصرح رحمه الله بأن الاستدلال بما عليه المخلوقات من تمام الخلقة وبديع الصنعة أصح وأوفق في الدلالة على وجود الله تعالى وربوبيته من الاستدلال عليها بالنظر العقلي الذي سلكه المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم.
حيث يقول: "فالاستدلال بهذا [يعني: الاستدلال بالمخلوقات على الخالق] أصح وأوضح في التوصل إلى المقصود، وعليه عوَّل سلف الأمة؛ لأنه نظر عقلي بديهي مركب على مقدمات من العقل والعلم، والتوصل إليه بطريق الأشاعرة فهو وإن صح إلا أنه لا يؤمن على صاحبه الفتنة؛ ولهذا تركها السلف لا لعجزهم عنها فهم أعقل وأفهم ممن بعدهم، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أوائلها"(3).--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 274).
(2) المصدر السابق (ص 273 - 274).
(3) المصدر السابق (ص 274).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

التقويم:
اختلف الناس في دلائل معرفة الله تعالى:
فذهب عامة السلف رحمهم الله إلى أن معرفة الله تحصل بمطلق النظر المؤدي إليها، وهو كل ما يتوصل به إلى الاستدلال على وجود الله تعالى والإقرار بربوبيته من الأدلة النقلية، والعقلية، والفطرية، والمشاهدة(1)، ومنها: الاستدلال بالمخلوق على الخالق وبالصنعة على الصانع(2).
وذهب جمهور المتكلمين إلى أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر العقلي المؤدي إليها، وهو نظر خاص في أدلة حادثة ابتدعوها، أهمها: دليل الحدوث، ودليل الإمكان(3).
وبما سبق يتضح أن ابن حجر رحمه الله وإن وافق جمهور المتكلمين في القول بأن المعرفة كسبية نظرية، وأن الطريق إليها هو النظر إلا أنه خالفهم في دلائلها، وأنكر عليهم سلوكهم فيها غير مسلك السلف.
وهو بهذا يوافق بعض أصحابه الأشاعرة في تقريرهم لدلائل المعرفة بمطلق النظر الدال عليها، وذمهم لما عليه جمهور أصحابهم المتكلمين من تقريرها بالنظر العقلي، على اختلاف بينهم وبين السلف في سبب ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "والذامون لها [يعنى: دلائل المتكلمين] نوعان:
منهم من يذمها؛ لأنها بدعة في الإسلام، فإنا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بها ولا الصحابة، لأنها طويلة خطرة كثيرة الممانعات والمعارضات، فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه، وهذه طريقة--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (6/ 73) (10/ 147)، درء التعارض (8/ 6، 8، 456، 468، 533 - 534)، الصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 463 - 464).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 399 - 400)، درء التعارض (9/ 321 - 322)، بيان تلبيس الجهمية (1/ 172 - 173).
(3) انظر: الإنصاف (ص 16)، الإرشاد (ص 39)، الشامل (ص 23)، المواقف (ص 266)، وشرحها (8/ 2).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

الأشعري في ذمه لها والخطابي(1) والغزالي(2) وغيرهم ممن لا يفصح ببطلانها.
ومنهم من ذمها؛ لأنها مشتملة على مقامات باطلة لا تحصل المقصود بل تناقضه، وهذا قول أئمة الحديث وجمهور السلف"(3).
وعليه فقول ابن حجر - غفر الله له - في كلامه المتقدم: "بأن طريق الأشاعرة وإن صح … " متعقب بأنه غير صحيح أصلًا؛ وذلك لما يلي:
1 - أن هذا الطريق حادث بعد أن لم يكن، فلم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعين ولا أتباعهم ولا عرفوه، وهذا مما يقر به ابن حجر - كما في كلامه المتقدم - ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أوائلها(4).
2 - أن هذا الطريق التزم أصحابه باطلًا من القول، منه: نفي الصفات الاختيارية بدعوى أنها أعراض(5)، والأعراض حادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ومن ثم قالوا بأنه يلزم نفيها عن الله تعالى؛ لأن ثبوتها بزعمهم يلزم منه قيام الحوادث به، وهذا يؤدي إلى تعطيل وجوده الذي تم بإثبات أن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث،--------------------------------------------
(1) هو حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، الشافعي، من متقدمي الأشاعرة وفضلائهم، من مصنفاته: الغنية عن الكلام وأهله، غريب الحديث، معالم السنن. توفي سنة 388 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (17/ 23)، شذرات الذهب (3/ 127).
(2) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، المشهور بأبي حامد الغزالي، من كبار الأشاعرة وأئمتهم، من مؤلفاته: إحياء علوم الدين، الاقتصاد في الاعتقاد، ميزان العلم، توفي سنة 505 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (19/ 322)، شذرات الذهب (4/ 10).
(3) الصفدية (1/ 275)، وانظر: مجموع الفتاوى (5/ 543)، درء التعارض (1/ 309).
(4) انظر: درء التعارض (1/ 39، 309 - 310)، مجموع الفتاوى (16/ 267)، منهاج السنة (1/ 425 - 426).
(5) الأعراض: جمع عرض، وهو مما اختلف أرباب الكلام فيه، وعامتهم على القول بأنه الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به.
انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي (ص 371)، التعريفات للجرجاني (ص 148).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

ولا شك أن ما أدى إلى باطل يكون باطلًا كذلك(1).
3 - أن هذا الطريق طريق غامض طويل، وهذا مما يعترف به أئمة الأشاعرة أنفسهم(2)، حتى عد بعضهم أكثر المتكلمين مقلدين في عقائدهم لعدم تحصيلهم له فضلًا عن غيرهم(3)، فالقول بوجوبه على كل مكلف وتأثيم من لم يسلكه، يلزم منه تكليف ما لا يطاق، والأشاعرة من أشد الناس إنكارًا له.
4 - أن هذا الطريق لا يؤمن على صاحبه الفتنة - كما في كلام ابن حجر المتقدم -.
يقول الرازي - وهو من أئمتهم -: "إن الدلائل التي ذكرها المتكلمون - وإن كانت كاملة قوية - إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي أقرب إلى الحق والصواب؛ وذلك لأن تلك الدلائل دقيقة، وبسبب ما فيها من الدقة، انفتحت أبواب الشبهات وكثرت السؤالات، وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد، وهو المنع من التعمق والاحتراز عن فتح القيل والقال … ومن ترك التعصب وجرب مثل تجربتي علم أن الحق ما ذكرته"(4).
ولهذا كله يقول العلامة أبو المظفر السمعاني رحمه الله: "فليتدبر المسلم المسترشد أحوال هؤلاء الناظرين كيف تحيّروا في نظرهم، وارتكسوا فيه، فلئن نجا واحد بنظره فقد هلك فيه الألوف من الناس … أفيستجيز مسلم أن يدعو الخلق إلى مثل هذا الطريق المظلم، ويجعله سبيل منجاتهم … وكيف له المنجاة من أودية الكفر وعامتها بل جميعها إنما يهبط عليها من هذه المرقاة، أعني: طلب الحق من النظر"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: الصفدية (1/ 274)، درء التعارض (1/ 39 - 41)، مجموع الفتاوى (6/ 519).
(2) انظر: المستصفى للغزالي (4/ 57)، المحصول للرازي (6/ 45)، المطالب العالية له (1/ 436).
(3) انظر المستصفى (1/ 136).
(4) المطالب العالية (1/ 436).
(5) الحجة في بيان المحجة (2/ 121).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

‌‌المبحث الثاني الفطرة
ذكر ابن حجر رحمه الله اختلاف الناس في الفطرة، وتعدد أقوالهم في المراد بها، فقال:
"اختلف في المراد في الفطرة:
فقيل: هي ما أخذ عليهم في أصلاب آبائهم فتقع الولادة عليها حتى يحصل التغيير بالأبوين.
وقيل: ما قضي على المولود من سعادة أو شقاوة فمن علم الله أنه يصير مسلمًا ولد على فطرة الإسلام، ومن علم أنه يصير كافرًا ولد على الكفر.
وقيل: معرفة الله تعالى والإقرار به وإن عبد معه غيره.
والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا استمر عليه في أحكام الدنيا والآخرة، وإن كانا كافرين جرى عليه حكمهما، فيتبعهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى: فيهودانه وينصرانه ويمجسانه أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإذا بلغ مستمرًا على الكفر حكم له به"(1).
التقويم:
الفطرة في اللغة: مصدر فَطَرَ يَفْطُرُ فَطْرًا.
والفطر: يطلق ويراد به معان عدة، هي: الشق، والابتداءُ،--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 194).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

والاختراع، والخلق(1).
وأما في الشرع: فقد اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة على أقوال كثيرة، والخلاف في ذلك جار بين أهل السنة والجماعة.
وجملة هذه الأقوال ستة، هي:
الأول: أن الفطرة هي الخلقة التي خلقوا عليها من المعرفة بربهم.
الثاني: أن الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها.
الثالث: أن الفطرة هي ما فطروا عليه من الإنكار والمعرفة والكفر والإيمان.
الرابع: أن الفطرة هي ما أخذه الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا.
الخامس: أن الفطرة هي ما يقلب الله عليه قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء.
السادس: أن الفطرة هي الإسلام(2).
والراجح -والله أعلم- أن الفطرة هي الإسلام والقول بذلك هو ما عليه أكثر الصحابة والتابعين وغيرهم.
يقول الإمام ابن عبد البر(3) رحمه الله: "هو المعروف عند عامة السلف من--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (3/ 2802)، معجم مقاييس اللغة (ص 843)، الصحاح (2/ 781)، لسان العرب (5/ 55)، القاموس المحيط (ص 587).
(2) انظر: معالم السنن للخطابي (4/ 299)، التمهيد (18/ 68 - 95)، شرح السنة للبغوي (1/ 156 - 161)، تفسير القرطبي (14/ 25)، درء التعارض (8/ 359 - 435)، مجموعة الرسائل الكبرى (2/ 333 - 347)، شفاء العليل (2/ 775 - 805)، أحكام أهل الذمة لابن القيم (2/ 523 - 616)، فتح الباري (3/ 294)، وللاستزادة: الفطرة حقيقتها ومذاهب الناس فيها لعلي القرني (ص 65 - 172).
(3) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم، النميري المالكي، أبو عمر، حافظ المغرب، وصاحب التصانيف الشهيرة، من مؤلفاته: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، توفي سنة 463 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 153)، شذرات الذهب (3/ 314).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)