أهل العلم بالتأويل"(1).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول"(2).
والأدلة الدالة على أن المراد بالفطرة الاسلام متظافرة من الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الروم: 30].
فقد أجمع أهل التأويل من السلف أن المراد بفطرة الله في الآية دين الإسلام(3).
ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء". يقول أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث: "اقرؤوا إن شئتم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ".
وفي رواية: "ما من مولود إلا وهو على الملة".
وفي أخرى: "إلا على هذه الملة"(4).
ودلالة هذا الحديث على أن المراد بالفطرة الإسلام من وجوه كثيرة، منها:
1 - روايات الحديث المختلفة التي تدل بمجموعها على أن المراد بالفطرة الإسلام.
2 - قول أبي هريرة رضي الله عنه في آخر الحديث: "اقرؤوا إن شئتم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} "حيث فسر الحديث بالآية، وقد سبق أن أهل التأويل من السلف مجمعون على أن المراد بفطرة الله في الآية دين--------------------------------------------
(1) التمهيد (18/ 72).
(2) درء التعارض (8/ 410).
(3) انظر: التمهيد (18/ 72، درء التعارض (8/ 367).
(4) سبق تخريجه (ص 113).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
الإسلام، وأبو هريرة رضي الله عنه أعلم بمعنى ما سمع(1).
3 - أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ملل الكفر دون الإسلام فقال: يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ولم يقل يسلمانه؛ فدل ذلك على أن الفطرة هي الإسلام وأنه يتحول منه إلى غيره بفعل الأبوين أو غيره(2).
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا … "(3).
"والحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة أكثر من الإسلام"(4).
والمراد بتفسير الفطرة بالإسلام أن الفطرة فيها قوة موجبة ومستلزمة للإقرار بالله عز وجل، ومحبته سبحانه، والذل والخضوع له، والإخلاص إليه، لا أن المولود يولد عالمًا بالإسلام عاملًا به.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "ومما ينبغي أن يُعلم أنه إذا قيل إنه يولد على الفطرة، أو على الإسلام، أو على هذه الملة، أو خلق حنيفًا، فليس المراد به أنه حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78].
ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقربه، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض …
وليس المراد أيضًا مجرد قبول الفطرة لذلك … بل المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبة فاطره وإقراره له بربوبيته وادعائه له بالعبودية، فلو خُلِّي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره … "(5).--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (8/ 371).
(2) انظر: المصدر السابق (8/ 372).
(3) سبق تخريجه (ص 113).
(4) التمهيد (18/ 75)، وانظر: درء التعارض (8/ 369).
(5) شفاء العليل (2/ 789 - 790).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وما ذهب إليه ابن حجر رحمه الله من أن الفطرة هي التهيؤ للإسلام والقابلية للتوحيد هو بمعنى قول من قال من أهل العلم بأن الفطرة هي الخلقة.
والفرق بين القول بأن الفطرة هي الخلقة والقول بأن الفطرة هي الإسلام:
أن الفطرة على قول من يفسرها بالإسلام موجبة ومستلزمة ومقتضية للإسلام، وأما على قول من يفسرها بالخلقة فإنها ليست كذلك وإنما هي مجرد قابلة له ومتمكنة منه.
فالمولود - على قول من يقول بأن الفطرة هي الخلقة - يولد على السلامة بحيث يمكن أن يوحد أو يشرك باختياره دون أن يكون في خلقته ما يقتضي ترجيح التوحيد على الشرك، بل تكون نفسه قابلة لأي منهما على السواء، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّز.
وترجيح ابن حجر رحمه الله لهذا القول يوافقه عليه جماعة من أهل العلم(1)، ويمكن الجواب عنه من طريقين:
أحدهما: النقض؛ وذلك بأن يقال:
أولًا: أن مجرد التمكن والتهيؤ - في أصل الجِبِلّة - لا يسمى فطرة، ولا دينًا، ولا إسلامًا، ولا ملة، بل الفطرة قدر زائد على مجرد التمكن والتهيؤ(2) كما سبق-.
ثانيًا: أن مجرد التمكن والتهيؤ لا يتغير بفعل الأبوين، بل البالغ الكافر عنده من التمكن والتهيؤ لقبول الإسلام ما ليس عند الصغير.
ثالثًا: أن النصوص وردت بتشبيه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء، ومعلوم أن الأبوين لم يغيروا قبول المولود، ولو تغير القبول وزال التهيؤ لم--------------------------------------------
(1) ممن رجح هذا القول وانتصر له الطحاوي في مشكل الآثار (4/ 17 - 19)، وابن عبد البر في التمهيد، والقرطبي في تفسيره (14/ 29)، والنووي في شرح صحيح مسلم (16/ 208).
(2) انظر: درء التعارض (8/ 385).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب(1).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله متعقبًا هذا القول: "صاحب هذا القول:
إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف؛ لأن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا ولا على الملة …
وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان"(2).
وثانيهما: المعارضة: وذلك بما تقدم من الأدلة الدالة على أن المراد بالفطرة الإسلام.
ولعل الذي حمل ابن حجر رحمه الله على ترجيح القول بأن الفطرة هي الخلقة ومجرد التهيؤ والتمكن مع أنه قول مرجوح في نفسه هو قوله بأن معرفة الله تعالى نظرية كسبية لا ضرورية فطرية - كما سبق - ومن ثم فإنه فسر الفطرة بالتهيؤ للإسلام والتمكن منه لا الإسلام نفسه.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: شفاء العليل (2/ 790).
(2) درء التعارض (8/ 385)، وانظر: (8/ 444 - 449).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
المبحث الثالث حكم إيمان الْمُقَلّد
عرف ابن حجر رحمه الله التقليد بقوله: "التقليد أخذ قول الغير من غير معرفة دليله من حيث إفادته الحكم"(1).
وسئل عن المراد بالمقلد الذي لا يصح إيمانه عند كثير من المتكلمين؟
فأجاب بقوله: "المراد من نشأ بقمة جبل ولم يرزق فطنة حتى يستدل بهذا العالم على أن له موجدًا ومدبرًا فمر عليه شخص فقال له ذلك فاعتقده وجزم به تقليدًا له من غير أن يتفطن لذلك الاستدلال وهذا نادر جدًّا.
وأما من قال يلزم على القول بعدم صحة إيمان المقلد تكفير العوام فإنه يتمشى كلامه على أن المراد بالمقلد من لم يتقن الدليل على قواعد الاستدلال، وهذا بعيد جدًّا فإنه صلى الله عليه وسلم اكتفى من كثيرين من أجلاف الأعراب والنساء بما هو طبع كل أحد حتى العجائز والصبيان من الاستدلال بالنجوم والسماء والأرض والأنهار والأشجار والزروع على أن لها خالقًا ومدبرًا، وعلى هذا لا تجد عاميًا مقلدًا أصلًا"(2).
وأنكر رحمه الله نسبة القول بمنع التقليد في أصول الدين إلى أبي الحسن الأشعري، ورد على من قال به من أصحابه، حيث قال:--------------------------------------------
(1) التعرف (ص 101).
(2) الفتاوى الفقهية الكبرى (4/ 341)، وانظر: التعرف (ص 101، 104)، فتح المبين (ص 74)، الفتاوى الحديثية (ص 338).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
"نقل المنع [يعني: المنع من التقليد في أصول الدين] عن إمام السنة(1) الشيخ أبي الحسن الأشعري كذب عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري …
وخلاف الباقلاني(2) والإسفراييني(3) وأبي المعالي في أول قوليه تبعوا فيه ما ابتدعه المعتزلة، وأحدثوا القول به بعد انقضاء أئمة السلف"(4).
التقويم:
التقليد في اللغة: مصدر قَلَدَ، يُقَلِّدُ، تَقلِيدًا.
يقول ابن فارس: "القاف واللام والدال أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تعليق شيء على شيء وليّه به، والآخر على حظٍّ ونصيب.
فالأول: التقليد: تقليد البدنة، وذلك أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي …
والآخر: القلِد: الحظ من الماء، سقينا أرضنا قلِدها، أي: حظها"(5).
ويطلق التقليد على معان عدة، منها: اللزوم، والتعليق، والتحمل(6).--------------------------------------------
(1) إطلاق لقب إمام السنة على أبي الحسن الأشعري لا يصح إلا على مذهب أصحابه الأشاعرة، وهو منقوض بما كان عليه - غفر الله له - في طوره الثاني قبل انتقاله لمذهب السلف.
انظر: مجموع الفتاوى (4/ 158) (17/ 306).
(2) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري ثم البغدادي، القاضي أبو بكر الباقلاني، أحد أعلام الأشاعرة وأئمتهم، من مؤلفاته: إعجاز القرآن، الإنصاف، التمهيد، توفي سنة 403 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (17/ 190)، شذرات الذهب (3/ 168).
(3) هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي الإسفراييني، أبو منصور البغدادي، أشعري متكلم، من مؤلفاته: الفرق بين الفرق، الملل والنحل، وأصول الدين، توفي سنة 429 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (17/ 572)، وفيات الأعيان (3/ 203).
(4) فتح المبين (ص 74).
(5) معجم مقاييس اللغة (ص 858 - 859).
(6) انظر: تهذيب اللغة (3/ 3029)، الصحاح (2/ 527)، لسان العرب (3/ 365)، القاموس المحيط (ص 398).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت عبارات أهل العلم في التعبير عنه(1)، وهي في جملتها لا تخرج عما ذكره ابن حجر - غفر الله له - من كونه "أخذ قول الغير من غير معرفة دليله من حيث إفادته الحكم".
وقد شرح العلامة ابن علان المكي رحمه الله تعريف ابن حجر هذا فقال: " [قوله]: (هو أخذ قول الغير) أي رأيه واعتقاده … (من غير معرفة دليله) فخرج أخذ قول لا يختص بالغير كالمعلوم من الدين بالضرورة، وأخذ قول الغير مع معرفة دليله فليس بتقليد بل اجتهاد وافق اجتهاد القائل … "(2).
وتعريف ابن حجر رحمه الله التقليد بذلك مما وافق فيه بعض أهل العلم(3).
والتقليد تارة يكون في أصول الدين وتارة يكون في فروعه، والكلام هنا عن الأول دون الثاني، وجملة القول فيه أن يقال:
اتفق الناس على أن التقليد في أصول الدين إن كان عن غير جزم فإنه لا يجوز، واختلفوا فيما إذا كان عن جزم على ثلاثة أقوال:
الأول: القول بجوازه، وجواز النظر.
الثاني: القول بوجوبه، وتحريم النظر.
الثالث: القول بتحريمه، ووجوب النظر.
واختلف القائلون بتحريمه في صحة إيمان المقلد على قولين:
أحدهما: عدم صحة إيمانه.
وثانيهما: صحة إيمانه مع إثمه(4).--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان في أصول الفقه للجويني (2/ 1357)، المستصفى (2/ 387)، حاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع (2/ 399)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (4/ 529).
(2) التلطف (ص 101).
(3) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع (2/ 399)، شرح الكوكب المنير (4/ 529).
(4) انظر: الفقيه والمتفقه للخطيب البغددادي (2/ 66)، الفصل (4/ 67)، الإحكام في =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
والخلاف في ذلك كله فرع عن الخلاف في حقيقة التقليد ومعنى النظر.
يقول العلامة المعلمي(1) رحمه الله: "والحاصل أن علماء السلف لما حرموا النظر في علم الكلام، عارضهم المخالفون بادّعاء وجوبه، ولما قال بعض علماء السلف إن النظر في علم الكلام كفر أو مظنة الكفر؛ عارضهم المخالفون بزعم أن من لم يعرف علم الكلام فهو مقلد ولا إيمان لمقلد وأشاعوا هذه المقالة حتى استقر في كثير من الأذهان أن التقليد مرادف لعدم النظر في علم الكلام.
وبهذا صار التقليد يطلق على معنيين، كما أن النظر كذلك:
فعامة القائلين بوجوب النظر إنما يعنون النظر على طريقة السلف، وهو أمر متيسر لكل أحد حتى العامة، والقائلون بأن النظر لا يجب وهو حرام، إنما يعنون النظر على طريقة المتكلمين.
والقائلون بأنه لا يكفي التقليد، إنما يعنون التقليد بمعناه الحقيقي، وهو العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، والقائلون بأنه يكفي التقليد، إنما عنوا به التقليد بمعناه المخترع، وهو الاقتصار على النظر على طريقة السلف بدون نظر في علم الكلام"(2).
والراجح - والله أعلم - أن التقليد في أصول الدين يختلف حكمه باختلاف المراد بالتقليد، ومعنى النظر، وحال المقلد من حيث سلامته من--------------------------------------------
= أصول الأحكام لابن حزم، المستصفى (4/ 139)، إحكام الأحكام للآمدي (4/ 300)، المسودة (ص 457)، مجموع الفتاوى (20/ 18، 202)، فتح الباري (13/ 349)، شرح الكوكب المنير (4/ 533)، الدين الخالص (1/ 133)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (1/ 267)، أضواء البيان (7/ 486).
(1) هو عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلمي العُتمي اليماني، أبو عبد الله، من أعلام المحدثين المتأخرين، من مؤلفاته: التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل، علم الرجال وأهميته، مقام إبراهيم، توفي سنة 1386 هـ. انظر: الأعلام (3/ 342)، معجم المؤلفين (2/ 126).
(2) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله للمعلمي (ص 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الشبهات من جهة وتمكنه من النظر والاستدلال من جهة أخرى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "الناس في الاستدلال والتقليد على طرفي نقيض، منهم من يوجب الاستدلال حتى في المسائل الدقيقة، أصولها وفروعها على كل أحد، ومنهم من يحرِّم الاستدلال في الدقيق على كل أحد، وهذا في الأصول والفروع، وخير الأمور أوسطها"(1).
ويقول أيضًا: "فلا إطلاق القول بالوجوب صحيحًا، ولا إطلاق القول بالتحريم صحيحًا"(2).
ويقول العلامة الشنقيطي(3) رحمه الله: "التحقيق أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز"(4).
وما قرره ابن حجر رحمه الله من القول بندرة من هو مقلد في أصول الدين وأن الغالب على العامة الاستدلال، وحكمه بصحة إيمان المقلد تقليدًا جازمًا إذا لم يتمكن من النظر والاستدلال موافق لما عليه أهل السنة والجماعة وجمهور الأمة.
يقول العلامة ابن حزم رحمه الله: "قال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا لا يشك فيه وقال بلسانه: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مسلم مؤمن ليس عليه غير ذلك …
ونحن لا ننكر الاستدلال بل هو فعل حسن مندوب إليه محضوض عليه كل من أطاقه؛ لأنه تزود من الخير، وهو فرض على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، نعوذ بالله عز وجل من البلاء، وإنما ننكر كونه فرضًا على كل أحد لا يصح إسلام أحد دونه، هذا هو الباطل المحض"(5).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (20/ 18).
(2) المصدر السابق (20/ 203).
(3) هو محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، سلفي المعتقد، متفنن في علوم عدة، من مؤلفاته: أضواء البيان لتفسير القرآن بالقرآن، منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، آداب البحث والمناظرة، توفي سنة 1393 هـ.
انظر: ترجمة تلميذه عطية سالم له في أوائل كتابه أضواء البيان (1/ 19).
(4) أضواء البيان (7/ 487).
(5) الفصل (4/ 67).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد .... وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها"(1).
ويقول العلامة السفاريني رحمه الله: "الحق الذي لا محيد عنه ولا انفكاك لأحد منه صحة إيمان المقلد تقليدًا جازمًا صحيحًا، وأن النظر والاستدلال ليسا بواجبين، وأن التقليد الصحيح محصل للعلم والمعرفة، نعم يجب النظر على من لا يحصل له التصديق الجازم أول ما تبلغه الدعوة"(2).
وأما ما ذكره من أن القول بمنع التقليد في أصول الدين كذب على أبي الحسن الأشعري، فهو مما اختلف فيه أصحابه من بعده:
فمنهم: من أثبت ذلك عنه، وتابعه عليه(3).
ومنهم: من أثبت ذلك عنه، وشنع به عليه(4).
ومنهم: من أثبت ذلك عنه، وتأوله بالمقلد الشاك دون الجازم(5)، وهو مردود بأن الخلاف فيمن كان تقليده جازمًا، وأما الشاك فمتفق على عدم صحة إيمانه(6).
ومنهم: من أنكر ذلك عنه، وعده من الكذب عليه، ومن هؤلاء القشيري الذي نقل ابن حجر عنه تكذيبه لذلك وارتضاه لنفسه.
ونص كلامه: "وأما ما قالوا إن الأشعري يقول بتكفير العوام، فهو كذب وزور، وقصد من يتعنت بذلك تحريش الجهلة، والذين لا تحصيل لهم عليه، كعادة من لا تحصيل له في تقوّله بما لا أصل له، وهذا أيضًا--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (20/ 202).
(2) لوامع الأنوار البهية (1/ 269).
(3) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص 255).
(4) انظر: البحر المحيط للزركشي (6/ 288)، جمع الجوامع (2/ 404).
(5) انظر: جمع الجوامع (2/ 404).
(6) انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص 36).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
من تلبيسات الكرامية(1) … "(2)، وقد تُعقِّب قوله هذا بكون ذلك مشتهرًا عنه فلا وجه لتكذيبه(3).
وقد بحثت في كتب الأشعري رحمه الله وكتب المحققين من أهل المقالات كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم لَعلّي أظفر بشيء، فلم أجد شيئًا يدل على نسبة ذلك له أو نفيه عنه، والأشاعرة أنفسهم مختلفون في هذه المسألة على ستة أقوال(4)؛ مما يجعل كلامهم في ذلك غير معتمد.
وقول ابن حجر رحمه الله إن خلاف الباقلاني والإسفراييني وأبي المعالي في أول قوليه، وقولهم بمنع التقليد في أصول الدين وعدم صحة إيمان المقلد مما تابعوا فيه ما ابتدعه المعتزلة وأحدثوه بعد انقضاء أئمة السلف قول صحيح، إلا أن تأثرهم في ذلك بالمعتزلة فرع عن تأثرهم بهم في قولهم بأن معرفة الله نظرية كسبية لا ضرورية فطرية وأن أول واجب على المكلف النظر أو القصد إليه وهو ما يوافقهم عليه ابن حجر - كما سبق(5) - فهم طردوا قولهم وتابعوا المعتزلة في الجميع، وأما ابن حجر فقد تابع المعتزلة في القول بأن معرفة الله نظرية كسبية وأنها والطريق المؤدي إليها من النظر أو القصد إليه أول واجب على المكلف وخالفهم في إيمان المقلد فوقع في التناقض.
وهذا التناقض لا يخص ابن حجر وحده بل يصدق عليه وعلى من--------------------------------------------
(1) الكرامية: هم أتباع أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني المتوفى سنة 255 هـ، لهم بدع كثيرة، منها: القول بالتجسيم والقول بالإرجاء حيث يزعمون أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان فقط.
انظر: مقالات الإسلاميين (1/ 223)، الفرق بين الفرق (ص 215)، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 108)، التبصير في الدين (ص 93)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 101)، البرهان (ص 35).
(2) شكاية أهل السنة (ضمن طبقات الشافعية الكبرى) (3/ 419).
(3) انظر: البحر المحيط للزركشي (6/ 278).
(4) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص 255)، شرح المقاصد (5/ 218)، تحفة المريد (ص 34 - 35).
(5) انظر: (ص 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وافقه من الأشاعرة في الجمع بين القولين، غير أن ذلك خير من قول من طرد قول المعتزلة في المسألتين؛ لأن القول ببعض الحق خير من تركه كله.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
الفصل الثاني آراؤه في توحيد الألوهية
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد: في تعريف توحيد الألوهية.
المبحث الأول: معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها.
المبحث الثاني: معنى العبادة، وبيان بعض أنواعها.
المبحث الثالث: موقفه مما ينافي التوحيد أو يقدح فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
تمهيد في تعريف توحيد الألوهية
الألوهية مصدر أَلَه يألَه أُلُوهة وألوهية(1).
يقول ابن فارس: "الألف واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال تأله الرجل إذا تعبد"(2).
وقد ذكر الفيروزآبادي(3) أن في اشتقاق لفظ الإله ومعناه عشرين قولًا(4).
وقد ساق ابن حجر رحمه الله بعض هذه الأقوال(5)، وفسر الإله في مواضع عدة من كتبه بالمعبود الحق(6).
يقول في ذلك: "الإله اسم جنس لكل معبود ثم استعمل في المعبود بحق"(7).--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (1/ 189)، الصحاح (6/ 2223)، لسان العرب (13/ 467)، القاموس المحيط (ص 1603).
(2) معجم مقاييس اللغة (ص 86).
(3) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الفيروزآبادي الشيرازي الشافعي من أئمة اللغة والأدب، صنف في فنون متعددة، من مؤلفاته: القاموس المحيط، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، سفر السعادة توفي سنة 817 هـ. انظر: البدر الطالع (2/ 280)، شذرات الذهب (7/ 126).
(4) انظر: القاموس المحيط (ص 1603).
(5) انظر: حاشية فتح الجواد بشرح الإرشاد (1/ 8).
(6) انظر: المنح المكية (1/ 432) (2/ 858)، فتح المبين (ص 16، ص 62)، الفتاوى الحديثية (ص 277، ص 440)، فتح الجواد (1/ 7)، تحفة المحتاج (1/ 9، 13)، المنهاج القويم (ص 9)، الإيعاب (1/ 5)، البدائع الجلية (ل 5/ ب).
(7) فتح الجواد (1/ 7).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
وما ذكره في معنى الإله هو الذي يدل عليه القرآن والسنة(1) وأقوال أئمة اللغة(2).
إذا تقرر ذلك فإن توحيد الألوهية هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة وإخلاص الدين له وحده(3).
ومعنى ذلك أن يتوجه العبد بأعماله التعبديّة كلها، باطنها وظاهرها لله تعالى وحده بحيث لا يكون شيء منها لغيره سبحانه.
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وأول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا الله(4).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير ابن جرير (1/ 82)، تفسير ابن كثير (1/ 21)، مجموع الفتاوى (10/ 249) (13/ 201 - 202)، مدارج السالكين (3/ 460)، تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب (ص 23، 24)، تيسير العزيز الحميد (ص 76 - 81).
(2) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص 86)، الصحاح (6/ 2223)، لسان العرب (13/ 467)، القاموس المحيط (ص 1603).
(3) انظر: مدارج السالكين (3/ 510)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 93)، تيسير العزيز الحميد (ص 36)، فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن (1/ 79)، القول السديد لابن سعدي (ص 12)، وتوضيح الكافية الشافية له (ص 134)، القول المفيد لابن عثيمين (1/ 9).
(4) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 36).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
المبحث الأول معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وفضلها
تحدث ابن حجر رحمه الله عن كلمة التوحيد وعُني بتقرير معناها، والكلام في إعرابها، وبيان فضلها، وفيما يلي عرض رأيه في ذلك مع التعقيب عليه بتقويمه:
أولًا: معنى لا إله إلا الله:
يرى ابن حجر رحمه الله أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وصرح بذلك في مواضع من كتبه(1)، ومنها قوله:
"لا إله إلا الله … معناها: لا معبود بحق إلا ذلك الواحد الحق"(2).
وزاد في بيانه لمعناها في مواضع أخرى قيد الوجود فقال إن معناها لا معبود بحق في الوجود إلا الله(3)، منها قوله:
" (أشهد) أي: أعلم وأبين (أن لا إله) أي: لا معبود بحق في الوجود (إلا الله) "(4).
التقويم:
لا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد، ولا يتم إسلام عبد دون تحقيق معناها، والعمل بمدلولها.--------------------------------------------
(1) انظر: الإيعاب (1/ 6، 25)، تحفة المحتاج (1/ 9، 13).
(2) انظر: الإيعاب (1/ 6).
(3) انظر: المنهاج القويم (ص 9)، فتح الجواد (1/ 7)، فتح المبين (ص 16).
(4) المنهاج القويم (ص 9).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وهي تعني إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله(1).
وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه دعوة المرسلين وشرائع النبيين، فما من رسول أرسله الله عز وجل إلا دعا قومه إليه، وحذرهم مخالفته، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: 25]، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
يقول العلامة الصنعاني(2) رحمه الله في تقرير ذلك: "إن رسل الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعاء العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة … وهذا الذي تضمنه قول: (لا إله إلا الله) فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة، واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان.
ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لِمَا يعبد من دونه والبراءة منه.
وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه، ولا شك فيه، وفي أنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه ويحققه"(3).
وبما سبق تتضح موافقة ابن حجر رحمه الله أهل السنة والجماعة في معنى لا إله إلا الله.--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (9/ 161) (11/ 317 - 318)، تفسير البغوي (7/ 285)، مجموع الفتاوى (3/ 101) (13/ 202 - 205)، تفسير ابن كثير (1/ 215)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (1/ 44)، تجريد التوحيد المفيد للمقريزي (ص 47، 48)، تطهير الاعتقاد للصنعاني (ص 5 - 6)، محموعة الرسائل والمسائل النجدية (2/ 120)، تيسير العزيز الحميد (ص 73 - 74)، فتح المجيد (1/ 121)، مفتاح الجنة لا إله إلا الله للمعصومي الحنفي (ص 60، 62)، الكلام المنتقى مما يتعلق بكلمة التقوى لابن حجي الحنبلي (ص 19)، معارج القبول للحكمي (2/ 416)، أضواء البيان (4/ 508) (6/ 273).
(2) هو محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، المعروف بالأمير، من مؤلفاته: تطهير الاعتقاد، والرد على من قال بوحدة الوجود، وسبل السلام وغيرها، توفي سنة 1182 هـ، انظر: البدر الطالع (2/ 133)، الأعلام (6/ 38).
(3) تطهير الاعتقاد (ص 5 - 6).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
ثانيًا: إعراب لا إله إلا الله:
يرى ابن حجر - غفر الله له - أن الخبر في لا إله إلا الله مقدر بموجود، وأن تقديره بذلك لا ينافي التوحيد بل يثبته، حيث وجه إليه سؤال عن الخبر في لا إله إلا الله هل يقدر بممكن أو موجود؛ وذلك لكون تقدير الخبر بممكن لا يلزم منه إثبات وجود الله إذ الإمكان لا يستلزم الوجود، وتقديره بموجود لا يلزم منه نفي الإمكان عن غير الله، وعلى كلا التقديرين فلا يلزم التوحيد الكامل؟
فأجاب بقوله: "لا شك أن المراد تقدير موجود لا مطلقًا، بل مع ملاحظة وجوب اتصاف وجوده بأنه واجب لذاته، أي: لا موجود وجوده واجب لذاته إلا الله، وهذا لا يرد عليه شيء.
وبفرض الغفلة عن هذا، والاقتصار على تقدير موجود فقط، يمكن توجيهه بأن يقال إن الممكن يسمى موجودًا بالقوة، فإذا قدر موجودًا انتفى وجود الألوهية بسائر اعتباراته عن غير الله، وإثباته بسائر اعتباراته لله تعالى، وحينئذ فتقديره لا ينافي التوحيد الكامل بل يثبته كما هو جلي والله أعلم"(1).
التقويم:
لَمّا كان فهم المعنى يتوقف على معرفة إعراب الجمل؛ كان الاعتناء بمعرفة إعراب لا إله إلا الله أمر مهم، وصلة ذلك بالبحث العقدي شيء متحتم.
ولهذا اعتنى العلماء بإعراب هذه الكلمة، وأفردوا المصنفات في ذلك(2).--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 278).
(2) انظر: ما ذكره الدكتور محمد العروسي في مقدمة تحقيقه لرسالة التجريد في إعراب كلمة التوحيد للقاري حيث ذكر تسع رسائل في إعراب لا إله إلا الله، ومما هو مطبوع منها: رسالة مسألة في كلمة الشهادة للزمخشري، ورسالة إعراب لا إله إلا الله لابن هشام، ورسالة في لا إله إلا الله لبدر الدين الزركشي، والتجريد في إعراب كلمة التوحيد للقاري، وعجالة ذوي الانتباه في تحقيق إعراب لا إله إلا الله للكوراني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
وحاصل ما ذكروه أن:
لا: نافية للجنس.
وإله: اسمها مبني على الفتح؛ لأنه مفرد نكرة تضمن معنى الحرف.
واختلفوا في خبرها هل هو مذكور أم محذوف؟
فقال بعضهم: خبرها مذكور، وهو جملة الاستثناء (إلا الله).
وقال آخرون: خبرها محذوف، وهو الصواب، ثم اختلف هؤلاء في تقديره:
فقدره بعضهم بكلمة (موجود).
وبعضهم بكلمة (ممكن).
وبعضهم بكلمة (لنا).
وبعضهم بكلمة (معبود).
وبعضهم بكلمة (حق).
والصواب تقديره بكلمة (حق)؛ لأن المعبود بحق هو الله سبحانه وتعالى وحده أما غيره من المعبودات فهي موجودة لكنها باطلة، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62].
وإلا: أداة استثناء.
والله: لفظ الجلالة بدل من لفظ الإله، بدل بعض من كل(1).
وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر - عفا الله عنه - من كون الخبر في لا إله إلا الله مقدر بكلمة موجود باطل من وجوه، منها:
1 - أن تقدير الخبر بكلمة (موجود) لا ينفي إمكان وجود إله دونه سبحانه فيما يستقبل(2)، وجوابه عن ذلك وإن كان ينفي هذا الاعتراض فإنه لا ينفي الاعتراض الآخر بعده، كما أن ورود الاعتراض بحد ذاته وإن--------------------------------------------
(1) انظر: مسألة في كلمة الشهادة (ص 135 - 164)، وإعراب لا إله إلا الله لابن هشام (ص 47 - 65)، ورسالة في معنى لا إله إلا الله للزركشي (ص 64 - 87)، والتجريد في إعراب كلمة التوحيد (ص 15 - 31)، وعجالة ذوي الانتباه (ص 198 - 208).
(2) انظر: التجريد في إعراب كلمة التوحيد (ص 19 - 20).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
أجيب عنه يضعف هذا القول ويوهيه.
2 - أن تقدير الخبر بكلمة (موجود) يلزم منه أن يكون كل معبود بحق أو باطل هو الله عز وجل؛ إذ الآلهة الموجودة المعبودة من دون الله كثيرة، وهذا هو مذهب أهل الاتحاد(1)(2).
3 - أن تقدير ابن حجر الخبر بكلمة (موجود) يناقض ما ذكره في معنى لا إله إلا الله من كون معناها: لا معبود بحق إلا الله.
وعليه فإن الصواب هو تقدير الخبر بكلمة (حق)، وأما تقديره بكلمة (موجود) فلا يكفي إلا إذا ذكر قيد الاستحقاق بحيث ينعت اسم لا بحق، ويكون التقدير لا إله حقًّا موجودٌ إلا الله وحينئذ يزول المحذور(3).
ثالثًا: فضل لا إله إلا الله:
قرر ابن حجر فضل لا إله إلا الله، وذكر أنه "ورد في فضلها أحاديث كثيرة"(4).
وبيّن أن "أفضل الأذكار التي لم يخصها الشارع بحال أو زمن القرآن وبعده التهليل"(5).
وذكر أن التهليل أفضل من التحميد، حيث سئل عن المفاضلة بينهما فأجاب بقوله: "ظاهر كلام الأئمة وصريحه أن الأول أفضل … "(6).--------------------------------------------
(1) الاتحاد معناه - عند القائلين به من الصوفية - تصيير الذاتين واحدة، وهو حال الصوفي الواصل، وقيل: هو شهود وجود واحد مطلق من حيث إن جميع الأشياء موجودة بوجود ذلك الواحد، معدومة في أنفسها، لا من حيث أن لما سوى الله وجودًا خاصًا به يصير متحدًا بالحق، وقيل: هو شهود الوجود الحق المطلق الذي لكل موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به، معدومًا بنفسه، لا من حيث إن له وجودًا خاصًا اتحد به، فإنه محال.
انظر: معجم اصطلاحات الصوفية للكاشاني (ص 49)، المعجم الصوفي للحنفي (ص 11)، وانظر في الرد عليه: مجموع الفتاوى (2/ 172).
(2) انظر: معنى لا إله إلا الله للزركشي (ص 80)، معارج القبول (2/ 416).
(3) انظر: معارج القبول (2/ 416).
(4) الفتاوى الحديثية (ص 103).
(5) المصدر السابق (ص 150).
(6) المصدر السابق (ص 212).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)