وأدلة ذلك متظافرة من الكتاب والسنة:
فمن الكتاب: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)} [فاطر: 36].
وقوله سبحانه: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)} [المائدة: 37].
وقوله عز وجل: {أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} [الشورى: 45].
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "يدخل أهل الجنة الجنة، وبدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه"(1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة … "(2).
والقولان الآخران لا تنهض أدلتهما لمعارضة هذه الأدلة الصريحة، والجواب عنها يطول المقام بتسطيره، وما ذكره ابن حجر في كلامه السابق يغني عن إعادته.
وأما ما ذكره ابن حجر عن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله من القول بفناء النار، فالجواب عنه:
أن الناس على اختلاف مشاربهم قد اختلفوا في موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من هذه المسألة، وذهبوا في ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول: من ينفي قوله بفناء النار.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب (4/ 2049) برقم (6544)، ومسلم، كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفة (4/ 2189) برقم (2850) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما به.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة (1/ 172) برقم (185) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 568)
الثاني: من يثبت قوله بفناء النار.
الثالث: من يقول بميله إلى القول بفناء النار دون جزمه به(1).
ونصوص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة محتملة لهذه المذاهب كلها(2)، وسواء ثبت عنه القول بذلك أو الميل له أو عدمه فإنه لا طعن عليه فيه؛ إذ الخلاف في المسألة مشهور مأثور، والمجتهد فيها دائر بين الأجر والأجرين، والتثريب عليه ممتنع(3).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: رفع الأستار (ص 61) وما بعدها، إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص 203)، جلاء العينين (ص 420 - 424)، لوامع الأنوار البهية (2/ 235)، مقدمة العلامة الألباني على رفع الأستار (ص 8 - 45)، مقدمة الدكتور السمهري على الرد على من قال بفناء الجنة والنار (ص 18 - 27)، كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء الجنة والنار المنسوب لشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم للدكتور علي بن علي الحربي، دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية للدكتور عبد الله الغصن (ص 608 - 624).
(2) جمع جملة منها العلامة الألباني في مقدمة تحقيقه لرفع الأستار (ص 8 - 20)، والدكتور علي الحربي في رسالته كشف الأستار (ص 58 - 71)، والدكتور عبد الله الغصن في دعاوى المناوئين (ص 611 - 616).
(3) انظر: جلاء العينين (ص 427).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 569)
الفصل الخامس آراؤه في القضاء والقدر
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما.
المبحث الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه.
المبحث الثاني: آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضلال، وتنزيه الله عن الظلم.
المبحث الثالث: آراؤه في التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله، وتكليف ما لا يطاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 571)
تمهيد في تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما
القضاء في اللغة: هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت بعد الألف همزت.
يقول ابن فارس: "القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه"(1).
ويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت(2).
والقدر في اللغة: مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَرًا.
يقول ابن فارس: "القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته"(3).
ويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير(4).
والمراد بالقضاء والقدر في الشرع: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه عز وجل لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته(5).--------------------------------------------
(1) معجم مقاييس اللغة (ص 893).
(2) انظر: تهذيب اللغة (3/ 2986)، الصحاح (6/ 2463)، لسان العرب (15/ 186)، القاموس المحيط (ص 1708).
(3) معجم مقاييس اللغة (ص 876).
(4) انظر: تهذيب اللغة (3/ 2896)، الصحاح (2/ 786)، لسان العرب (5/ 74)، القاموس المحيط (ص 591).
(5) انظر: شرح السنة (1/ 142)، معالم السنن (4/ 297)، شرح صحيح مسلم (1/ 217)، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 572)
وقد اختلف أهل العلم في لفظي القضاء والقدر هل هما بمعنى واحد أم معان متغايرة، واختلف القائلون بالتّغاير بينهما في تحديد وجهه(1).
يقول ابن حجر رحمه الله في ذلك: "اعلم أنّ من المهمّ الفرق بين القضاء والقدر، فإنّه قد استشكل، فالقضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان، ولذلك قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]، أي: فأبرزه على ما سبق في علمه، فجاء الوجود الخارجي على طبق الوجود العلمي"(2).
وقال في موضع آخر: "القضاء -عند الأشعرية- إرادته الأزليّة المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأفعالها.
والقضاء: علمه أولًا بالأشياء على ما هي عليه، والقدر: إيجاده إيّاها على ما يطابق العلم"(3).
وما ذكره ابن حجر رحمه الله هو مذهب بعض الأشاعرة لا كلّهم كما تُوهِمُ عبارته(4).--------------------------------------------
= جامع الرسائل (2/ 355)، مجموع الفتاوى (3/ 148 - 149)، شفاء العليل (1/ 133)، فتح الباري (1/ 118)، لوامع الأنوار البهية (1/ 345) (1/ 349)، الدرر السنية (1/ 512)، فتاوى ابن عثيمين (2/ 79 - 81).
(1) انظر: الأربعين في أصول الدين للغزالي (ص 24)، المفردات للراغب الأصفهاني (ص 422)، فتح الباري (11/ 149، 477)، عمدة القاري للعيني (23/ 145)، إرشاد الساري للقسطلاني (9/ 343)، الدين الخالص (3/ 154)، الدرر السنية (1/ 512)، فتاوى ابن عثيمين (1/ 52، 62)، وللاستزادة: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة د. المحمود (ص 30).
(2) أسنى المطالب (ص 35).
(3) فتح المبين (ص 72).
(4) انظر: الأربعين في أصول الدين للغزالي (ص 24)، المفردات للراغب الأصفهاني (ص 422)، فتح الباري (11/ 149، 477)، عمدة القاري للعيني (23/ 145)، إرشاد الساري للقسطلاني (9/ 343).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 573)
والرّاجح -والله أعلم- في هذه المسألة أنّ لفظي القضاء والقدر بينهما عموم وخصوص، فإذا أطلق القضاء مفردًا شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفردًا شمل القضاء.
وأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق(1).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: الدرر السنية (10/ 512 - 513)، فتاوى ابن عثيمين (1/ 52، 62).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 574)
المبحث الأول معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه
أوضح ابن حجر رحمه الله معنى الإيمان بالقضاء والقدر، وبيّن ما يتضمّنه، وذكر بعض الأمور التي قد يظنّ أنها تنافيه وأجاب عنها.
وفيما يلي سياق آرائه في ذلك وتقويمها.
أولًا: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمّنه:
يقول ابن حجر رحمه الله في شرحه لحديث جبريل: "قوله: "وتؤمن بالقدر خيره وشرّه" … أي بأنّ ما قدّره الله في أزله لا بدّ من وقوعه وما لم يُقدّره يستحيل وقوعه، وبأنّه تعالى قدّر الخير والشّرّ قبل خلق الخلق، وأنّ جميع الكائنات بقضائه وقدره وإرادته لقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الفرقان: 2]، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} [الصافات: 96]، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} [القمر: 49] … {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30، التكوير: 29] … "(1).
"ولخبر: "كلّ شيء بقدر حتى العجر والكيس"(2) "(3).
"ولإجماع السّلف والخلف على صحّة قول القائل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"(4).--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 71 - 72).
(2) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر (4/ 2045) برقم (2655) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما به.
(3) فتح المبين (ص 72).
(4) المصدر السابق (ص 72)، وانظر: (ص 99، 174)، كنه المراد (ص 1/ 23)، غرر المواعظ (ص 3).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 575)
"واعلم أنّ الإيمان بالقدر على قسمين:
أحدهما: الإيمان بأنّه تعالى سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشرّ وما يجازون عليه، وأنّه كتب ذلك عنده وأحصاه وأنّ أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
ثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلّها من خير وشرّ، وكفر وإيمان … "(1).
التّقويم:
الإيمان بالقضاء والقدر هو الرّكن السّادس من أركان الإيمان التي لا يصحّ إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمّن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكلّ شيء جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدًا، سواء كان ذلك مِمّا يتعلّق بأفعاله أو بأفعال عباده.
الثاني: الإيمان بأنّ الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
وفي هذين الأمرين يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)} [الحج: 70].
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة"(2).
الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلّق بفعله أم مما يتعلّق بفعل المخلوقين.
قال الله تعالى فيما يتعلّق بفعله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار} [القصص: 68]، وقال: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]، وقال: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6].
وقال تعالى فيما يتعلّق بفعل المخلوقين: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 73).
(2) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى عليهم السلام (4/ 2044) برقم (2653).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 576)
فَلَقَاتَلُوكُمْ} [النساء: 90]، وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 137].
الرابع: الإيمان بأنّ جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركاتها.
قال الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)} [الزّمر: 62]، وقال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]، وقال عن نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنّه قال لقومه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} [الصافات: 96] "(1).
وبما سبق تقريره يُعلم أنّ ما ذكره ابن حجر في بيان معنى الإيمان بالقضاء والقدر لا يخرج عمّا قرّره أهل السّنّة والجماعة.
ثانيًا: بيانه لبعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر:
ذكر ابن حجر رحمه الله بعض الأمور التي لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر، وبيّن وجه عدم منافاتها، وأجاب عن الإشكالات الواردة عليها، وفيما يلي سياق أقواله:
1 - القضاء بالمعاصي:
والكلام فيه من جهتين:
الأولى: من حيث الرّضا به:
يقول ابن حجر رحمه الله: "القضاء إيجاد جميع المخلوقات في اللوح، والتّقدير إيجادها في العيان …
وقد يطلق على المقضي نفسه كما في حديث البخاري: "اللهم إني أعوذ بك من درك الشّقاء وسوء القضاء"(2) أي: المقضي، وهو بهذا المعنى--------------------------------------------
(1) فتاوى ابن عثيمين (5/ 137)، وانظر: مجموع الفتاوى (3/ 148 - 149)، شفاء العليل (1/ 133 - 227)، جامع العلوم والحكم (1/ 103)، معارج القبول (3/ 920 - 940).
(2) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء (4/ 1996) برقم (6347)، ومسلم، كتاب الدعوات، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره (4/ 2080) برقم (2707) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 577)
لا يجب الرّضا به بل قد لا يجوز، ومن ثَمّ استعاذ منه صلى الله عليه وسلم، بخلافه على المعنى الأوّل فإنّه يجب الرّضا به … "(1).
وقال أيضًا: "أمّا المقضي فقد يجب الرّضا به إن وجب، وقد يندب إن نُدِب، ويُباح إن أبيح، ويُكره إن كُره، ويحرم إن حرم.
فمن قُضي عليه بمعصية إن لاحظها من حيث كونها كسبه لزمه أن يكرهها، أو من حيث كونها قضاء الله وخلقه لزمه أن يرضى بها لئلا يسفه الرّبوبيّة بقوله: لِمَ فَعَل هذا بي وأنا لا أستحقّه؟ أو نحوه … "(2).
التّقويم:
الرّضا: ضدّ السّخط، والسّخط: الكراهية للشّيء.
يقول ابن فارس: "الرّاء والضّاد والحرف المعتلّ أصل واحد، يدلّ على خلاف السّخط، تقول: رضي يرضى رضًا، وهو راضٍ، ومفعوله مرضيٌّ عنه"(3).
والمراد به هنا: التّسليم بالقضاء، والقناعة بما قُسم، والسّكون إلى الله، وحمده على ما قضاه، وترك ما ينافي ذلك(4).
وقد وردت الآيات والأحاديث بالحثّ على الرّضا بالقضاء، والحضّ عليه.
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)} [البقرة: 216].--------------------------------------------
(1) أسنى المطالب (ص 35).
(2) المصدر السابق (ص 35 - 36).
(3) معجم مقاييس اللغة (ص 406)، وانظر: تهذيب اللغة (2/ 1420)، الصحاح (6/ 2357)، لسان العرب (14/ 323)، القاموس المحيط (ص 1662).
(4) انظر: الرضا عن الله بقضائه لابن أبي الدنيا (ص 58، 76)، شعب الإيمان للبيهقي (7/ 227)، مجموع الفتاوى (10/ 43)، مدارج السالكين (2/ 175)، جامع العلوم والحكم (1/ 488)، لوامع الأنوار البهية (1/ 359).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 578)
وقال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)} [الحديد: 22 - 23].
وقال عز وجل: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)} [التغابن: 11].
وقال صلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا"(1).
وقال صلى الله عليه وسلم في حقّ ابنه إبراهيم: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، والله يا إبراهيم إنّا بك لمحزونون"(2).
وقضاء الله تعالى بالمعاصي على العبد لا ينافي وجوب الإيمان بالقضاء والقدر؛ إذ الرّضا بالقضاء يختلف حكمه باختلاف حكم المقضي، والمراد بالقضاء، ومتعلّق القضاء(3).
يقول العلامة ابن أبي العزّ رحمه الله: "فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟
فالجواب: أن يُقال أولًا: نحن غير مأمورين بالرّضا بكلّ ما يقضيه الله ويقدّره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنّة، بل من المقضي ما يُرضى به، ومنه ما يُسخط ويُمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا فهو مؤمن (1/ 62) برقم (34) من حديث العباس رضي الله عنه به.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّا بك لمحزونون" (1/ 388) برقم (1303)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته بالصبيان والعيال (4/ 1807) برقم (2315) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه به.
(3) انظر: مجموع الفتاوى (10/ 482 - 483، 682 - 683)، منهاج السنة (3/ 203 - 209)، والاستقامة (2/ 73 - 76)، مدارج السالكين (2/ 171، 184، 188 - 191)، شفاء العليل (2/ 761)، شرح الطحاوية (1/ 336)، الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لابن سعدي (ص 51 - 53)، وللاستزادة: الرضا بالقضاء للدكتور سالم القرني (ص 50 - 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 579)
القضاء ما يُسخط، كما أنّ من الأعيان المقضيّة ما يُغضب عليه ويُمقت ويُلعن ويُذمّ.
ويُقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي، وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كلّه خير وعدل وحكمة، فيرضى به كلّه، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثًا: القضاء له وجهان:
أحدهما: تعلّقه بالرّبّ تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به.
والوجه الثاني: تعلّقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به، وإلى ما لا يرضى به … "(1).
وبما سبق تقريره يتبيّن صحّة كلام ابن حجر رحمه الله في الرّضا بالقضاء وبيان حكمه، وعدم منافاة القضاء بالمعاصي للإيمان بالقضاء والقدر.
الثانية: من حيث الاحتجاج به عليها:
يقول ابن حجر رحمه الله: "لا عذر لعاص يحتج على الله تعالى فيما يسوق إليه القضاء والقدر من المعاصي؛ لأنّ الله تعالى أجرى عادته الإلهيّة في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تناط بتلك الأسباب …
فإن قلت: ينافيه احتجاج آدم بالقضاء والقدر في قصّته المشهورة مع موسى على نبيّنا وعليهما الصّلاة والسّلام(2) …
قلت: لا ينافيه؛ لأنّ الاحتجاج بالقدر إن كان قبل الوقوع في الذّنب ليكون وسيلة للوقوع فيه لم يجز، وإن كان بعد الوقوع فيه وقبل أن يستوفي--------------------------------------------
(1) شرح الطحاوية (1/ 336).
(2) يشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "احتجّ آدم وموسى، فقال
موسى: يا آدم أنت أبونا، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنّة، فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فحجّ آدم موسى، فحجّ آدم موسى".
والحديث أخرجه البخاري، كتاب القدر، باب تحاجّ آدم وموسى (4/ 2068) برقم (6614)، ومسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهم السلام (4/ 2042 - 2043) برقم (2652).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 580)
منه ما وجب عليه به ليمنع بذلك مؤاخذته به لم يجز أيضًا، وإن كان لا ليمنع ذلك بل ليمنع تعييره به ساغ له ذلك كما صرّح به قوله صلى الله عليه وسلم: "فحجَّ آدم موسى""(1).
التّقويم:
القضاء بالمعاصي لا ينافي وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، والاحتجاج به عليها باطل في الشّرع والعقل(2).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ليس لأحد أن يحتجّ بالقدر على الذّنب باتّفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإنّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كلّ أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النّفوس، وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض ويحتجّ بالقدر.
ونفس المحتجّ بالقدر إذا اعتدي عليه، واحتجّ المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدلّ على فساده، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول"(3).
وأمّا حديث احتجاج آدم وموسى عليهم السلام الذي أشار إليه ابن حجر في كلامه السّابق، فقد اختلفت مواقف النّاس تجاهه، وتعدّدت مذاهبهم فيه، وكثرت إجاباتهم عنه(4).
والصّحيح أنّ الحديث لا دلالة فيه لمن احتجّ بالقدر على المعصية؛ ووجه ذلك أنّ الحديث يحتمل أحد أمرين:--------------------------------------------
(1) المنح المكية (3/ 1362 - 1365)، وانظر: فتح المبين (ص 200).
(2) انظر: التمهيد (18/ 15)، مجموع الفتاوى (8/ 262 - 268)، منهاج السنة (3/ 65 - 78)، اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 858 - 859)، شفاء العليل (1/ 92 - 93)، دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر لمرعي الكرمي (ص 86).
(3) مجموع الفتاوى (8/ 179).
(4) انظر: المصدر السابق (8/ 303 - 305)، درء التعارض (8/ 418 - 420)، شفاء العليل (1/ 81 - 94)، فتح الباري (11/ 509 - 510)، إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة للصنعاني (2/ 704)، دفع الشبهة والغرر (ص 80)، لوامع الأنوار البهية (1/ 346).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 581)
الأول: أن يكون احتجاج آدم بالقدر على المصيبة لا على المعصية، والقدر يحتج به على المصائب دون المعايب.
والثاني: أن يكون احتجاج آدم بالقدر على المعصية لا على المصيبة، ولكن احتجاجه به بعد وقوعه في المعصية وتوبته منها لدفع ملامة موسى عليه السلام.
ولا خلاف في جواز الاحتجاج بالقدر في هاتين الحالتين بخلاف ما دونهما، وعليهما يحمل الحديث(1).
ومما سبق يعلم صحّة ما ذهب إليه ابن حجر رحمه الله من بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وتوجيهه احتجاج آدم عليه السلام بوقوعه بعد التّوبة ولغرض دفع الملامة.
2 - ردّ القضاء بالدّعاء:
يقول ابن حجر رحمه الله: "قال بعض المبتدعة [بإبطال] الدّعاء من أصله، وقالوا: لا فائدة له؛ لأنّه إن سبق وصول المدعو به للدّاعي، فالدّعاء بوصوله عبث، وإلا فهو عبث أيضًا.
وردّ عليهم أهل السّنّة:
… أنّ المقدّرات على قسمين: منها ما أُبرم وهو المعبّر عنه بما في أمّ الكتاب الذي لا يقبل تغييرًا ولا تبديلًا، ومنها ما عُلّق على فعل شيء، وهو المعبّر عنه باللوح المحفوظ القابل للتّغيير والتّبديل، وأصل ذلك قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39)} [الرعد: 39] …
وكذلك الدّعاء قد يكون المدعو به معلّقًا على الدّعاء فكان للدّعاء فائدة أي فائدة.
على أنّ الدّعاء لا يخيب أبدًا؛ لأنّه إن كان بما عُلِّق على الدّعاء فواضح وجود الفائدة فيه، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يردّ القضاء إلا--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (9/ 318)، شفاء العليل (1/ 93 - 95)، شرح الطحاوية (1/ 135 - 136).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 582)
الدّعاء"(1)، وإن كان بما لم يُعلَّق على ذلك ففائدته الثّواب لأنّ الدّعاء من العبادة بل من أنهاها … وأيضًا فيبدل الله الدّاعي بدل ما دعا به بما لم يقدر له بما هو مثل ذلك، أو أفضل منه، كما يليق بجوده وكرمه وسعة فضله وحلمه … "(2).
التّقويم:
تواترت آي الكتاب ونصوص السّنّة في الحثّ على الدّعاء، والتّحذير من تركه(3).
قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55].
وقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60].
وقال عز وجل: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77].
وقال صلى الله عليه وسلم: "الدّعاء هو العبادة"(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب ما جاء في القدر (1/ 35) برقم (90)، ووكيع في الزهد (3/ 711) برقم (407)، وابن أبي شيبة (10/ 441 - 442)، وأحمد (37/ 68) برقم (22386)، وهناد في الزهد (2/ 491) برقم (1009)، والطحاوي في مشكل الآثار (4/ 169) برقم (3069)، والطبراني في الكبير (2/ 100) برقم (1442)، والحاكم (1/ 493)، والبغوي في شرح السنة (13/ 6) من طرق عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان رضي الله عنه به.
والحديث بهذا الإسناد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهما متعقبان بجهالة عبد الله بن أبي الجعد.
وقد أورده العلامة الألباني في الصحيحة (1/ 236) برقم (154) وحسّنه لشواهده.
(2) الفتاوى الحديثية (ص 171)، وانظر: فتح المبين (ص 273)، أسنى المطالب (ص 118).
(3) انظر: الدعاء لمحمد بن فضيل الضبي، والدعاء لحسين بن إسماعيل المحاملي، والدعاء للطبراني، وشأن الدعاء للخطابي (ص 6)، الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشي (ص 37)، الترغيب في الدعاء والحث عليه لعبد الغني المقدسي (ص 11).
(4) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء (2/ 161) برقم (1479)، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (5/ 426) برقم (3372)، وابن ماجه كتاب الدعاء باب فضل الدعاء (2/ 1258) برقم (3828)، وأحمد (30/ 297) برقم (18352)، والبخاري في الأدب المفرد (ص 249) برقم (714)، والطبراني في الصغير=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 583)
"وإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له"(1).
والذي يدلّ عليه الكتاب، والسّنّة، والفطرة، والعقل، والمشاهدة، والحسّ، أنّ الدّعاء سبب من الأسباب وأنّ له تأثيرًا في المطلوب المسؤول كسائر الأسباب المقدّرة والمشروعة، والقول بذلك مذهب أهل الملل كلّهم سوى من شذّ منهم(2).
يقول العلامة ابن أبي العز رحمه الله: "الذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أنّ الدّعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار …
وذهب قوم من المتفلسفة، وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه!
قالوا: لأن المشيئة: الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه، فلا فائدة في الدّعاء …
وجواب الشّبهة: بمنع المقدمتين.
فإن قولهم عن المشيئة الإلهية إمّا أن تقتضيه أو لا، ثم قسم ثالث، وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدّعاء من شرطه …--------------------------------------------
= (2/ 97)، والحاكم في المستدرك (1/ 491) من طرق عن يُسَيْع الكندي، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه به.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/ 49): "إسناده جيد".
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 712).
(2) انظر: شأن الدعاء للخطابي (ص 6)، جامع الرسائل (1/ 87)، منهاج السنة (5/ 362)، مجموع الفتاوى (8/ 138، 192، 530)، اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 712)، زاد المعاد (3/ 481)، مدارج السالكين (3/ 104)، شرح الطحاوية (2/ 680)، دفع الشبهة والغرر للكرمي (ص 74)، بحث في أن إجابة الدعاء لا تنافي سبق القضاء للشوكاني ضمن الفتح الرباني (1/ 387)، وللاستزادة: الدعاء ومنزلته في العقيدة الإسلامية لجيلان العروسي (1/ 311).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 584)
وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدّعاء. قلنا: بل قد تكون إليه حاجة، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة، ودفع مضرّة أخرى عاجلة وآجلة.
وكذلك قولهم: وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه. قلنا: بل فيه فوائد عظيمة من جلب منافع ودفع مضار كما نبّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، بل ما يُعجِّل للعبد من معرفته بربّه، وإقراره به، وبأنّه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه، واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العليَّة، والأحوال الزّكيّة، التي هي من أعظم المطالب"(1).
وبما سبق يعلم صحّة ما ذهب إليه ابن حجر رحمه الله في تقريره عدم منافاة الدّعاء للقدر، وردّه على من زعم المعارضة بينهما.
وأمّا ما ذكره من كون المقادير على قسمين مبرم ومعلّق، وأنّ المقدّرات المعلّقة يقع فيها المحو والإثبات، وهي المعبّر عنها باللوح المحفوظ.
فمتعقّب بأنّ المحو والإثبات على الصّحيح إنّما هو في المكتوب عند الملائكة، وأمَّا اللوح المحفوظ فلا يقع فيه محو ولا إثبات(2)، وهو المراد بأمّ الكتاب في الآية (3).
3 - زيادة العمر بالبرّ والصلة:
ساق ابن حجر رحمه الله جملة من الأحاديث الدّالّة على زيادة العمر بالبرّ والصّلة، ثم عقب عليها بقوله: "في الأحاديث أنّ صلّة الرّحم تزيد في العمر، وللعلماء فيها قولان هما:
الأوّل: أنّها زيادة حقيقيّة.
والثّاني: أنّها زيادة مجازيّة، والمراد زيادة الأعمال والبركة والآثار--------------------------------------------
(1) شرح الطحاوية (2/ 680 - 682).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (8/ 517، 540) (14/ 488 - 492)، فتح الباري (4/ 302) (10/ 416) (1/ 489)، لوامع الأنوار البهية (1/ 349).
(3) انظر: تفسير ابن جرير (7/ 403)، تفسير البغوي (4/ 324)، تفسير ابن كثير (2/ 570).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 585)
الصّالحة التي يدوم له ثوابها بعد الموت … "(1).
وقال في موضع آخر: "الأحاديث المصرّحة بأنّ صلة الرّحم تزيد في العمر محمولة على ظاهرها وأنّ الزّيادة فيها حقيقيّة، أي: بالنّسبة لعلم الملائكة واللوح المحفوظ بأن يكتب به معلّقا، كإن وصل فلان رحمه عاش عشرين سنة، وإلا عاش عشرة، وما في أمّ الكتاب الواقع لا غير، لأنّها علم الله القديم وهو لا تعليق فيه ولا يطّلع أحد عليه.
وقيل: المراد بالزّيادة في العمر البركة فيه، بأن يبارك له في عشرين مثلًا، فيحصل له من أعمال الخير ما لا يحصله غيره في أربعين مثلًا"(2).
التقويم:
زيادة العمر بالبرّ والصّلة ثابتة بالسّنّة المتواترة، حيث وردت أحاديثها عن سبعة وعشرين صحابيًّا، وتعدّدت طرقها، واختلفت ألفاظها، بما يؤكّد دلالتها، وجمعها غير واحد من أهل العلم وتكلّموا عليها رواية ودراية(3)، ومنها:
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه"(4).
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه"(5).
وقد اختلفت مذاهب أهل العلم في إثبات الزّيادة وعدمها، وذهبوا فيها مذهبين:--------------------------------------------
(1) أسنى المطالب (ص 130)، وانظر: (ص 118)، الإنافة (ص 162).
(2) الإنافة (ص 54).
(3) انظر: إرشاد ذوي العرفان لِمَا للعمر من الزيادة والنقصان لمرعي الكرمي (ص 41)، تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل للشوكاني (ص 11)، وللاستزادة: جمع جهود الحفاظ النقلة بتواتر روايات زيادة العمر بالبر والصلة للطفي بن محمد الصغير (ص 27) وما بعدها.
(4) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق (2/ 616) برقم (2067)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/ 1982) برقم (2557) واللفظ له.
(5) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (4/ 1895) برقم (5985).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 586)
أحدهما: القول بعدمها، واستدلّ هؤلاء بعموم النّصوص الدّالّة على تقدير الأعمال وضرب الآجال.
والثّاني: القول بإثباتها، واستدلّ هؤلاء بالأحاديث الدّالّة عليها(1).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "الحقّ أنّ النّزاع لفظي، وأنّ الذي سبق في علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل، وأنّ الذي يجوز عليه التّغيير والتّبديل ما يبدو للنّاس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلّق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات كالزّيادة في العمر والنّقص، وأمّا ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله"(2).
واختلفت أيضًا مذاهبهم في المراد بالزّيادة على مذهبين:
أحدهما: أنّ الزّيادة حقيقيّة.
والثّاني: أنّ الزّيادة مجازيّة.
والرّاجح -والله أعلم- الأوّل واعتمده جمع من المحقّقين، منهم: الإمام ابن قتيبة(3)، وشيخ الإسلام ابن تيمية(4)، والحافظ ابن حجر(5)، والعلّامة مرعي الكرمي(6)، والعلّامة الشّوكاني(7).
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "والجواب المحقّق أنّ الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في المكتوب، وإن عمل ما يوجب النّقص نقص من ذلك المكتوب"(8).
وعليه فما ذكره ابن حجر رحمه الله في زيادة العمر بالبرّ والصّلة موافق لِمَا عليه المحقّقون من أهل العلم، سوى قوله بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ -وقد سبق تعقّب ذلك-.--------------------------------------------
(1) انظر: إرشاد ذوي العرفان (ص 41)، تنبيه الأفاضل (ص 11).
(2) فتح الباري (11/ 488)، وانظر: إرشاد ذوي العرفان (ص 64).
(3) انظر: تأويل مختلف الحديث (ص 202).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (14/ 490 - 491).
(5) انظر: فتح الباري (11/ 488) (10/ 416).
(6) انظر: إرشاد ذوي العرفان (ص 64).
(7) انظر: تنبيه الأفاضل (ص 29).
(8) مجموع الفتاوى (14/ 490 - 491).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 587)
المبحث الثاني آراؤه في أفعال العباد، والهدى والضّلال، وتنزيه الله عن الظّلم
عرض ابن حجر لمسألة أفعال العباد وما يتّصل بها من الهدى والضّلال، وتنزيه الله سبحانه عن الظّلم، وفيما يلي عرض آرائه وتقويمها:
أولًا: أفعال العباد:
يرى ابن حجر أنّ أفعال العباد من خلق الله تعالى ومن كسب العباد، فهي تنسب لله خلقًا، وللعباد كسبًا، وأنّه بهذا يفارق القدريّة والجبريّة بزعمه، يقول في ذلك: "الله تعالى أجرى عادته الإلهيّة في هذا العالم على أسباب ومسبّبات تناط بتلك الأسباب، وينسب وقوعها إليها، نظرًا للصّورة الوجوديّة، وإن كان الكلّ في الحقيقة إنّما هو بقضائه وقدره كما يدلّ على ذلك كلّه قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17].
فأسند تعالى إليه صلى الله عليه وسلم الرّمي، وإليهم القتل باعتبار الصّورة الوجوديّة، ونفاهما عنهم باعتبار الحقيقة الإيجاديّة، إشارة إلى أنه يجب علينا رعاية المقامين، بأن نسند الأفعال إلى فاعليها صورة ليمدحوا أو يذمّوا باعتبار جريان تلك الصّور عليهم، وإلى الله حقيقة من حيث عجز العبد عن ذلك وانفراد الحقّ تبارك وتعالى به.
وأن نعتقد بطلان مذهب القدريّة الذين ينفون قدرة الحقّ، ويثبتون قدرة العبد تخيّلًا منهم أنهم فرّوا بذلك عن نسبة القبيح إلى الله تعالى، وغفلة عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 588)