المبحث الثالث آراؤه في الحياة الآخرة
تحدث ابن حجر رحمه الله عن الحياة الآخرة، وفصل في بعض مواقفها، وفيما يلي سياق آرائه في ذلك وتقويمها:
أولًا: البعث:
عرف ابن حجر رحمه الله البعث بأنه: "رجوع الأجسام كما كانت على وجه أكمل وأفضل"(1).
وذكر اختلاف الناس في حقيقته فقال:
"المعاد للحشر جسماني ثم قيل: هو إيجاد أجزاء البدن بعد فنائها، وقيل: هي جمع متفرقها، والحق فناؤها إلا عجب الذنب.
وقيل: جسماني وروحاني أي: جسم وروح تعاد إليه على أنها جوهر مجرد يتعلق بالبدن تعلق تدبير وتصرف من غير أن تحل فيه ولا تفنى بفنائه بل ترجع إليه على ما كانت من التجرد"(2).
وقال: "اعلم أن أهل السنة أجمعوا على أن الأجساد تعاد كما كانت في الدنيا بأعيانها وألوانها وأعراضها وأوصافها"(3).
وبيّن ابن حجر أن البعث يشمل الحيوان والآدميين والجان، فقال:
"اختلفوا في إعادة الحيوان، والأصح إعادته لقوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5)} [التكوير: 5]، ولحديث الصحيحين في الاقتصاص--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 166)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص 450).
(2) التعرف (ص 121).
(3) الفتاوى الحديثية (ص 17)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (1/ 402).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)
للحيوان بعضه من بعض(1)، وقيل: لا يعاد شيء منها، وحشرت معناه ماتت، والاقتصاص كناية عن العدل وهو خلاف ظاهر الآية والحديث فمن ثم كان الأصح الأول(2).
وأما الآدميون المكلفون منهم يعودون إجماعًا، وكذا الصغار العقلاء … ومثلهم من بلغ مجنونًا، وَتَوَقُّفُ الباقلاني في الصغار وتَردُّدُ غيره في المجانين لا يُعَوّلُ عليه.
وأما الجان … فهم مكلفون قطْعًا، ومن ثم وعدوا بمغفرة الذنوب والإجارة من عذاب أليم في الآية التي في السؤال [يريد بها قوله سبحانه: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 31]]، وتوعدوا بالعقاب {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الأنعام: 130] ولا ينذر بالإعادة إلا مكلف … "(3).
التقويم:
البعث في اللغة: هو الإثارة.
يقول ابن فارس: "الباء والعين والثاء أصل واحد، وهو الإثارة"(4).
وهو يختلف باختلاف ما علق به؛ ولهذا يطلق على معان عدة، منها:
1 - الإرسال: يقال بعثه وابتعثه بمعنى أرسله.
2 - الإسراع: يقال انبعث في السير بمعنى أسرع.
3 - الإحياء: سواء بعد النوم كقولهم: بعثه من منامه إذا أيقظه، أو بعد--------------------------------------------
(1) يشير إلى حديث: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء".
والحديث أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم (4/ 1997) برقم (2582) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وعزو ابن حجر الحديث للصحيحين وهم منه، فلم أجده في البخاري بعد بحث.
(2) انظر: أسنى المطالب (ص 173)، الزواجر (2/ 87)، غرر المواعظ (ص 91).
(3) الفتاوى الحديثية (ص 167).
(4) معجم مقاييس اللغة (ص 142).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
الموت كقولهم: بعثه من موته إذا أحياه(1).
والمراد به في الشرع: إحياء الأموات، وخروجهم من قبورهم ونحوها؛ للجزاء يوم القيامة(2).
وهو ثابت بالأدلة النقلية والعقلية، بأوجه متعددة، وطرق متنوعة، توجب القطع به، والإيمان بحصوله(3)، ولهذا "أجمع أهل الملل عن آخرهم على جوازه ووقوعه"(4)، ولم يشذ منهم إلا طوائف لا عبرة بها(5).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "معاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى"(6).
وقد اختلف أهل الكلام في بعض فروعه، وذكر ابن حجر في كلامه السابق بعضها، وهي: الاختلاف فيه هل هو جسماني أم روحاني، والاختلاف في كونه بعثًا من عدم أو تفريق، والاختلاف في المبعوث هل هو الجسم الأول بعينه أو غيره(7)؟
وما قرره ابن حجر - عفا الله عنه - في هذه الفروع منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل.--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (1/ 354)، الصحاح (1/ 273)، لسان العرب (2/ 116)، القاموس المحيط (ص 211).
(2) انظر: فتح الباري (11/ 393) (3/ 4)، لوامع الأنوار البهية (2/ 157).
(3) انظر: كتاب البعث لابن أبي داود، البعث والنشور للبيهقي، التذكرة (1/ 277)، مجموع الفتاوى (9/ 224)، شرح الطحاوية (2/ 589 - 597)، لوامع الأنوار البهية (2/ 157).
(4) المواقف (ص 372).
(5) انظر: مجموع الفتاوى (4/ 284، 262، 313 - 316)، شرح العقيدة الطحاوية (2/ 589)، لوامع الأنوار البهية (2/ 157 - 159).
(6) مجموع الفتاوى (4/ 284)، وانظر: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام د. فرج الله عبد الباري (ص 120).
(7) انظر: الإرشاد (ص 313 - 315)، أصول الدين للبغدادي (ص 229 - 237)، الأربعين في أصول الدين للرازي (2/ 39 - 74)، المواقف (ص 371 - 376)، وشرحها للجرجاني (8/ 289)، شرح المقاصد (5/ 82 - 100)، تحفة المريد (ص 170 - 172).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)
فأما قوله بأن البعث جسماني فقط فهو موافق لقول كثير من المتكلمين من الجهمية والمعتزلة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أهل الأرض في المعاد على أربعة أقوال:
أحدها: وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار وهو إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعًا …
والقول الثاني: قول من يثبت معاد الأبدان فقط، كما يقول ذلك كثير من المتكلمين الجهمية والمعتزلة المبتدعين من هذه الأمة، وبعض المصنفين يحكي هذا القول عن جمهور متكلمي المسلمين أو جمهور المسلمين وذلك غلط؛ فإنه لم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا هو قول جمهور نظارهم، بل هو قول طائفة من متكلميهم المبتدعة، الذين ذمهم السلف والأئمة.
والقول الثالث: المعاد للنفس الناطقة بالموت فقط، وأن الأبدان لا تعاد، وهذا لم يقله أحد من أهل الملل، لا المسلمين، ولا اليهود، ولا النصارى، بل كل هؤلاء متفقون على إعادة الأبدان …
ولكن من تفلسف من هؤلاء فوافق سلفه من الصابئة(1) والفلاسفة المشركين على أن المعاد للروح وحده، فإنه يزعم أن الأنبياء خاطبوا الجمهور بمعاد الأبدان وإن لم يكن له حقيقة … وحقيقة قولهم أن الأنبياء كذبوا للمصلحة، وهؤلاء ملاحدة كفار …--------------------------------------------
(1) الصابئة: إحدى النحل القديمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وأصل تسميتها من قول العرب: "صبأ يصبأ" إذا خرج الرجل من دين إلى دين، وقيل: نسبة صابئ بن متوشلخ، وقيل: إلى صابئ بن لامك، وقد اختلف أهل العلم في حقيقة هذه النحلة على أقوال كثيرة جدًّا.
انظر: الملل والنحل للشهرستاني (2/ 9 - 58)، الرد على المنطقيين لابن تيمية (ص 454 - 456)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 143)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص 92 - 94).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
والقول الرابع: إنكار المعادين جميعًا، كما هو قول أهل الكفر من العرب، واليونان، والهند، والترك وغيرهم … "(1).
وعليه فالحق أن البعث جسماني روحاني، وأن تعلق الروح بالجسد يوم البعث هو أكمل أنواع تعلقها؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا(2).
وأما قوله بأن الحق فناء أجزاء البدن إلا عجب الذنب فهو قول مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا.
فإن أراد بفنائها استحالتها فهو حق.
وإن أراد بفنائها عدمها فهو باطل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض سياقه لمذاهب المتكلمين في هذه المسألة: "اضطربوا في المعاد، فإن معرفة المعاد مبنيَّة على معرفة المبدأ، والبعث مبني على الخلق.
فقال بعضهم: هو تفريق تلك الأجزاء، ثم جمعها وهي باقية بأعيانها.
وقال بعضهم: بل يُعدمها ويُعدم الأعراض القائمة بها، ثم يعيدها، وإذا أعادها فإنه يعيد تلك الجواهر التي كانت باقية إلى أن حصلت في هذا الإنسان.
فلهذا اضطربوا لما قيل لهم: فالإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أعيدت تلك الجواهر من الأول نقصت من الثاني، وبالعكس …
والمشهور أن الإنسان يبلى ويصير ترابًا كما خلق من تراب … "(3).
والقول باستحالة الأجساد بعد موتها ترابًا كما كانت إلا عجب الذنب هو ما عليه أهل السنة والجماعة(4)، ويشهد له حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (6/ 7 - 11)، وانظر: مجموع الفتاوى (4/ 313 - 315).
(2) انظر: الروح (1/ 264)، شرح الطحاوية (2/ 579)، لوامع الأنوار البهية (2/ 82).
(3) النبوات (1/ 315 - 316)، وانظر: مجموع الفتاوى (17/ 246)، شرح الطحاوية (2/ 597)، لوامع الأنوار البهية (2/ 160).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (17/ 247 - 248)، مفتاح دار السعادة (2/ 34 - 35)، الفوائد (ص 15 - 16)، شرح الطحاوية (2/ 598)، لوامع الأنوار البهية (2/ 160).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب(1)، منه خلق وفيه يركب"(2).
ويستثنى من هذا الأنبياء والشهداء(3).
وأما قوله بأن المبعوث هو الجسم الأول بعينه لا غيره فهو موافق لمذهب أهل السنة والجماعة، ومن شاركهم من الأشاعرة ونحوهم.
يقول العلامة القرطبي رحمه الله: "وعند أهل السنة أن تلك الأجساد الدنياوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم"(4).
ويدل عليه:
1 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم: "كل ابين آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب".
2 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر عليّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحد، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيت، فغفر له"(5).
3 - أن الإعادة التي ذكرها الله تعالى في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته هي الإعادة التي فهمها المسلمون والمشركون، وهي تقتضي إعادة المخلوق من المادة التي استحال منها بعد فنائه، ولو كان المراد بها--------------------------------------------
(1) عجب الذنب: هو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب، انظر: النهاية (3/ 184).
(2) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب يوم ينفخ في الصور (3/ 1580) برقم (4936)، ومسلم، كتاب الفتن، باب ما بين النفختين (4/ 2271) برقم (2955).
(3) انظر: فتح الباري (8/ 552 - 553).
(4) التذكرة (1/ 284).
(5) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب حديث الغار (2/ 1082) برقم (1081) واللفظ له، وأخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله (4/ 2109) برقم (2756) بنحوه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)
إعادة جسم آخر، لم يكن هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب منه وإنكاره، لأنهم يرون خلق البشر يومًا بعد يوم ماثلًا للعيان، ولما صح تسميته بعثًا بل يسمى حينئذ خلقًا جديدًا(1).
وأما ما ذكره ابن حجر من كون البعث عامًا في الإنس والجن فهو حق، ويشهد له عموم الأدلة الدالة على تكليفهم.
وأما الحيوان فقد اختلف في بعثه على قولين حكاهما ابن حجر في كلامه السابق، والخلاف فيهم جار بين أهل السنة والجماعة، والراجح - والله أعلم - ما اختاره ابن حجر من بعثهم، وبعثهم للقصاص بينهم لا للحساب لعدم تكليفهم، ولهذا فإنهم يفنون بعد ذلك فلا يصيرون إلى جنة ولا نار(2).
ثانيًا: الشفاعة:
عرف ابن حجر رحمه الله الشفاعة بقوله: "الشفاعة: هي السعي في إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه"(3).
وبيّن أن الشفاعة في الآخرة خمسة أنواع، منها ما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومنها ما يشاركه فيه غيره، فقال: "الشفاعة الأخروية خمسة أنواع كلها ثابتة لنبينا صلى الله عليه وسلم وبعضها يختص به دون غيره، وفيما شورك فيه يكون هو صلى الله عليه وسلم المقدم على غيره، فالشفاعات كلها راجعة إلى شفاعته وهو صاحب الشفاعة على الإطلاق … إذ الذي في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم يكون في ذلك اليوم إمام النبيين وصاحب شفاعتهم فكل ما صح من شفاعتهم ينسب إليه بذلك، فلا يخرج شيء عن شفاعته لا من أنواع الشفاعة ولا من الأشخاص المشفوع لهم، من ملته ومن غير ملته؛ لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (4/ 316، 17/ 252 - 253)، الفوائد (ص 15 - 16)، شرح الطحاوية (2/ 598 - 599)، روح المعاني (23/ 57 - 61).
(2) انظر: تفسير ابن جرير (12/ 459)، تفسير السمعاني (6/ 165)، تفسير البغوي (8/ 346)، تفسير القرطبي (6/ 421، 19/ 229)، تفسير ابن كثير (4/ 503).
(3) المنح المكية (3/ 1345)، وانظر: العمدة (ص 231).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)
تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة، وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له صلى الله عليه وسلم فكل شيء تقع شفاعة النبيين فيه هو داخل تحت شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن شفع فيه من المؤمنين كذلك بطريق الأولى.
فهو صلى الله عليه وسلم شفيع الشفعاء لا تخرج شفاعة عن حيطة شفاعته، وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة، وقد تميز عن جميعهم بشفاعات ليظهر لا سيما في ذلك سؤدده الأعظم على الكل صلوات الله عليهم أجمعين"(1).
وقد ذكر بعض شفاعاته صلى الله عليه وسلم فقال: "له صلى الله عليه وسلم شفاعات غير العظمى:
كالشفاعة لمن يدخل من أمته الجنة بغير حساب، وهذه كالعظمى من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
ولعصاة أدخلتهم ذنوبهم النار فيخرجون، وإنكار المعتزلة لهذه من ضلالاتهم، كيف وقد صحت الأحاديث الكثيرة بها من غير معارض لها؟
ولقوم استحقوا دخولها فلم يدخلوها، قال النووي: ويجوز أن يَشْرَكه في هذه الأنبياء والعلماء والأولياء.
وفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة.
ولبعض أهل الجنة في رفع درجاتهم فيعطى كل منهم ما يناسبه، قال: وهذه يجوز أن يَشْرَكه فيها من ذُكر أيضًا …
ولفتح باب الجنة …
ولقوم كفار سابق لهم خدمة له صلى الله عليه وسلم في تخفيف عذابهم"(2).
التقويم:
الشفاعة لغة: خلاف الوتر.
قال ابن فارس: "الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر"(3).--------------------------------------------
(1) الجوهر المنظم (ص 59).
(2) الدر المنضود (ص 169)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص 172).
(3) معجم مقاييس اللغة (ص 531).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)
يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يَقْبَل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تُقْبل شفاعته(1).
والشفاعة في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة(2).
وما ذكره ابن حجر في تعريفها بمعنى ما سبق؛ إذ إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إليه تارة يقع بجلب المصلحة له، وأخرى بدفع المفسدة عنه.
والشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].
وقوله سبحانه: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)} [طه: 109].
وقوله عز وجل: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)} [النجم: 26].
وأما السُّنَّة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الشفاعة(3).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفى السنن والمسانيد مما يكثر عدده"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (2/ 1897)، الصحاح (3/ 1238)، لسان العرب (8/ 183)، القاموس المحيط (ص 947).
(2) انظر: النهاية لابن الأثير (2/ 485)، لوائح الأنوار (2/ 246).
(3) انظر: السنة لابن أبي عاصم (2/ 399)، شرح صحيح مسلم (3/ 35)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 12)، إثبات الشفاعة للذهبي (ص 22)، شرح العقيدة الطحاوية (1/ 258)، فتح الباري (11/ 426)، لوامع الأنوار البهية (2/ 208)، وللاستزادة: الشفاعة للوادعي.
(4) مجموع الفتاوى (1/ 314).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)
وقد جمع الحافظ الذهبي رحمه الله جزءًا في الأحاديث الواردة في إثبات الشفاعة(1).
وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الشفاعة، وعدها من معاقد العقائد التي يجب الإيمان بها، والرد على من أنكرها(2).
يقول أبو حاتم وأبو زرعة - رحمهما الله -: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار … فكان من مذهبهم … الشفاعة حق"(3).
والشفاعة المثبتة هي الشفاعة التى استجمعت شروطها، وانتفت موانعها(4).
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله … وهو لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول.
فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها"(5).
والشفاعة قسمان:
أحدها: الشفاعة العامة الثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره كالملائكة والنبيين والمؤمنين.
وثانيهما: الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتي لا يشاركه فيها أحد.
والشفاعة بقسميها أنواع، اختلف أهل العلم في عدها تبعًا لاختلافهم في أدلتها من حيث الصحة والدلالة، وجملتها عندهم ثمانية أنواع، وقد أوردها ابن حجر في كلامه السابق.--------------------------------------------
(1) طبع بتحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد بدار أضواء السلف.
(2) انظر: شرح صحيح مسلم (3/ 35)، مجموع الفتاوى (1/ 148)، لوامع الأنوار البهية (2/ 208)، الدين الخالص لصديق حسن خان (2/ 22).
(3) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 177).
(4) انظر: الدرر السنية (2/ 158)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (2/ 3/ 65 - 66) (3/ 94 - 97) (4/ 130 - 136)، تيسير العزيز الحميد (ص 297)، فتح المجيد (2/ 355)، وللاستزادة: الشفاعة للدكتور ناصر الجديع (ص 69 - 82).
(5) مدارج السالكين (1/ 341).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)
وذِكْرُ أدلة هذه الأنواع، والكلام في ثبوتها ودلالتها مبسوط في مواضعه من كتب أهل العلم(1).
وقول ابن حجر - عفا الله عنه - بأن الشفاعة بقسميها وأنواعها راجعة إلى شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم يحتمل حقًّا وباطلًا.
فأما احتمال الحق فيه فهو ما عبر عنه بقوله: "لأنه إذا كان صاحب شفاعة الأنبياء والكل تحت لوائه فتقديمهم للشفاعة وإجابة شفاعتهم إنما هو إجابة له صلى الله عليه وسلم … ".
وأما احتمال الباطل فيه فهو ما عبر عنه بقوله: "وإنما الشفعاء نوابه في الحقيقة".
فإن أراد به أنهم يشفعون بأمره وإذنه فهذا باطل؛ لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44]، وقوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154]، وقوله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128].
وإن أراد به أنهم إنما يشفعون بعده وتبعًا له فهذا حق، كما دل عليه حديث الشفاعة الطويل(2).
ثالثًا: الصراط:
يرى ابن حجر رحمه الله وجوب الإيمان بالصراط، حيث يقول: "ومما يجب الإيمان به … الصراط"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (2/ 588)، الحجة في بيان المحجة (9/ 452 - 564)، الدرة فيما يجب اعتقاده (ص 294 - 297)، الشفا (1/ 289)، التذكرة (2/ 56 - 78)، شرح صحيح مسلم (3/ 35 - 36)، مجموع الفتاوى (3/ 147)، حاشية تهذيب السنن لابن القيم (2/ 134)، النهاية لابن كثير (2/ 202 - 209)، إثبات الشفاعة (ص 20 - 22)، شرح العقيدة الطحاوية (1/ 282)، فتح الباري (11/ 426 - 428)، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص 352)، لوامع الأنوار البهية (2/ 211)، وللاستزادة: الشفاعة للدكتور ناصر الجديع (ص 38) وما بعدها.
(2) سبق تخريجه (ص 284).
(3) التعرف (ص 118 - 121)، وانظر: العمدة شرح البردة (ص 486).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)
ويرى أيضًا أن المرور عليه خاص بالمؤمنين والمنافقين دون الكفار، فقد سئل بما صورته: هل يمر الكافر على الصراط؟ .
فأجاب بقوله: "في أحاديث ما يقتضي أنهم يمرون، وفي أحاديث ما يقتضي خلافه، وجمع بحمل الأول على المنافقين"(1).
التقويم:
الصراط لغة: أصله السراط بالسين، انقلبت سينه مع الطاء صادًا لقرب مخرجها(2).
يقول ابن فارس: "الصاد والراء والطاء هو من باب الإبدال - وقد ذكر في السين - وهو الطريق"(3).
والمراد به هنا: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة(4).
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.
قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)} [مريم: 71].
"اختلف المفسرون(5) في المراد بالورود المذكور … ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط"(6).
وقال صلى الله عليه وسلم: "يُضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 244).
(2) انظر: تهذيب اللغة (2/ 1673)، الصحاح (3/ 1139)، لسان العرب (9/ 185)، القاموس المحيط (ص 865).
(3) معجم مقاييس اللغة (ص 593).
(4) انظر: شرح صحيح مسلم (1/ 430)، مجموع الفتاوى (3/ 146)، شرح العقيدة الطحاوية (2/ 605)، فتح الباري (11/ 446)، لوامع الأنوار البهية (2/ 192).
(5) انظر: تفسير ابن جرير (8/ 364)، تفسير السمعاني (3/ 306)، تفسير ابن أبي زمنين (3/ 102)، تفسير البغوي (5/ 246)، تفسير ابن كثير (3/ 146).
(6) شرح العقيدة الطحاوية (2/ 606)، وانظر: شرح صحيح مسلم (16/ 58)، مجموع الفتاوى (4/ 279)، درء التعارض (7/ 49 - 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 539)
سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله عز وجل، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المُوْبَق بعمله، ومنهم المجازي حين يُنَجّى … "(1).
وأجمع أهل السنة والجماعة على القول بمقتضى ذلك، وإثبات الصراط في الآخرة(2).
وقد اختلف في الصراط هل يمر عليه جميع الخلق أم هو خاص بالمؤمنين والمنافقين دون المشركين، والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه ابن حجر من القول بالخصوصية.
وقد بسط العلامة ابن رجب رحمه الله أدلة ذلك بما لا مزيد عليه(3).
رابعًا: الميزان:
عرف ابن حجر رحمه الله الميزان، وبين شموله المؤمن والكافر، وعرض للخلاف في عدده، وذكر أنواع الوزن، ورد على المعتزلة المنكرين له، فقال:
"الميزان: هو مفعال من الوزن، قلبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها كميعاد.
وفي الآيات والأحاديث الشهيرة إثبات الميزان ذي الكفتين واللسان ووزن الأعمال بها بعد أن تُجَسَّم … تحقيقًا لتمام العدل.
والكافر كالمؤمن في ذلك، ومعنى {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] أي: قدرًا.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (4/ 2055) برقم (6573)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (1/ 164) برقم (182) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(2) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 146)، شرح الطحاوية (2/ 605)، لوامع الأنوار البهية (2/ 192).
(3) انظر: التخويف من النار (ص 186) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)
قيل: ولكل إنسان ميزان؛ لظاهر {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، والأصح أنه ليس إلا ميزان واحد، والجمع إما لتعظيم شأنها وتفخيمه … أو باعتبار الموزونات، أو لكونه ذا أجزاء على حد شابت مفارقه مع أنه ليس للإنسان إلا مفرق واحد …
والوزن أقسام:
وزن الإيمان بجميع السيئات، والكفر بجميع الحسنات، ليخلد المؤمن في النعيم، والكافر في الجحيم.
ووزن الأعمال بالمثاقيل؛ لظهور مقادير الجزاء كما دل عليه آخر سورة: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} [الزلزلة: 1].
ووزن مظالم العباد؛ لما صح أنه يؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم بقدر حقه فإن لم يكن له حسنات طرح عليه من سيئاته.
وإنكار المعتزلة للميزان وحملها على مجازها من إقامة العدل في الحساب من تقولهم على الشريعة، وتصرفهم في نصوصها بصرفها عن ظواهرها بمجرد الحزر والتخمين … "(1).
التقويم:
الميزان لغة: أصله موزان فقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها فأصبحت ميزان.
قال ابن فارس: "الواو والزاي والنون بناء يدل على تعديل واستقامة، وَزَنْتُ الشيءَ وَزْنًا، والزِّنَة: قدرُ وزن الشيء"(2).
والميزان: الآلة التي يوزن بها الأشياء(3).
والميزان شرعًا: هو ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وهو--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 185)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام ص (ص 262)، الزواجر (2/ 374)، العمدة (ص 492).
(2) معجم مقاييس اللغة (ص 1090).
(3) انظر: تهذيب اللغة (4/ 3886)، الصحاح (6/ 2213)، لسان العرب (13/ 446)، القاموس المحيط (ص 1597).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 541)
ميزان حقيقي له لسان وكفتان لا يعلم قدره إلا الله(1).
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع(2).
قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)} [الأعراف: 8 - 9].
وقال سبحانه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)} [الأنبياء: 47].
وقال عز وجل: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103)} [المؤمنون: 102 - 103].
وقال صلى الله عليه وسلم: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"(3).
وقال صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان … "(4) الحديث.
و"أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: لوامع الأنوار البهية (2/ 184).
(2) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص 165)، الشرح والإبانة (ص 97، 203)، الاقتصاد في الاعتقاد (180)، مجموع الفتاوى (3/ 146)، منهاج السلامة في ميزان القيامة لابن ناصر الدين الدمشقي (ص 58)، تحرير المقال والبيان في الكلام على الميزان للسخاوي (ص 155 - 157)، تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان لمرعي الكرمي (ص 24)، لوامع الأنوار البهية (2/ 184).
(3) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح (4/ 2011) برقم (6406)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح (4/ 2572) برقم (2694) من حديث أبي هريرة صلى الله عليه وسلم، به.
(4) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة باب فضل الوضوء (1/ 253) برقم (223) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه به.
(5) فتح الباري (13/ 538)، وانظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص 165)، الشرح =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 542)
قال الإمامان الجليلان أبو حاتم(1) وأبو زرعة(2) الرازيان - رحمهما الله تعالى -: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار … وكان من مذهبهم … أن الميزان حق الذي له كفتان يوزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها"(3).
وقد اختلف في الوزن هل يشمل الكافر وأعماله أم لا، والخلاف جار في أقوال أهل السنة والجماعة(4).
والراجح - والله أعلم - عدم شموله له؛ لأنه ليس له من الأعمال الصالحة ما يوزن وإنما يجازى عليها في الدنيا، ولعموم الأدلة الدالة على بطلان عمله وعدم وزنه كقوله تعالى:
{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} [إبراهيم: 18]، وقوله سبحانه: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105]، وقوله عز وجل: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)} [الفرقان: 23].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم، فتحصى، فيقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها"(5).--------------------------------------------
= والإبانة (ص 203)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 177)، منهاج السلامة (ص 130).
(1) هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، محدث حافظ، من أئمة السلف وأعلامهم، توفي سنة 277 هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 92)، تذكرة الحفاظ (2/ 567).
(2) هو عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولاهم الرازي، محدث حافظ، من أئمة السلف، من مؤلفاته: الضعفاء والمتروكون، توفي سنة 264 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (13/ 65)، تذكرة الحفاظ (2/ 557).
(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 177).
(4) انظر: شعب الإيمان (2/ 57)، التذكرة (2/ 10)، الفصل (3/ 65)، مجموع الفتاوى (3/ 146)، النهاية (2/ 36 - 37)، فتح الباري (13/ 538)، تحرير المقال (ص 167 - 170)، البدور السافرة (ص 241)، تحقيق البرهان (ص 34 - 36)، لوامع الأنوار البهية (2/ 185)، لوائح الأنوار (2/ 203).
(5) مجموع الفتاوى (3/ 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 543)
وعليه فقول ابن حجر بشمول الوزن للكافر وأعماله خلاف الراجح من أقوال أهل العلم، وجوابه عن الآية بما ذكر مبني على قول من قال بشمول الوزن للكافر وأعماله والراجح خلافه كما سبق.
واختلف أيضًا في الميزان هل هو واحد أم متعدد، والخلاف في ذلك أيضًا جارٍ في أقوال أهل السنة والجماعة.
والراجح - والله أعلم - ما قرره ابن حجر من أن الميزان ميزان واحد، وهو قول أكثر أهل العلم(1).
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه"(2).
وقول ابن حجر إن الوزن على أقسام ثلاثة يشهد له الأدلة الواردة في الوزن والموزونات، وقد ساق ابن حجر للأول والثاني ما يدل عليها، وترك الاستدلال للثالث، وهو وزن الإيمان بجميع السيئات والكفر بجميع الحسنات.
فأما وزن الإيمان بجميع السيئات فيشهد له حديث البطاقة، وفيه: "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول الله عز وجل: أتنكر من هذا شيئًا، فيقول: لا يا رب، فيقول عز وجل ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول عز وجل: إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول عز وجل: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: التذكرة (2/ 25)، النهاية (2/ 22)، تفسير ابن كثير (3/ 200)، شرح الطحاوية (2/ 609)، تحرير المقال (ص 158)، تحقيق البرهان (ص 31 - 32)، روح المعاني (8/ 84)، لوامع الأنوار (2/ 186)، لوائح الأنوار (2/ 196).
(2) تفسير ابن كثير (3/ 200).
(3) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو شهيد (5/ 24) =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 544)
وأما وزن الكفر بجميع الحسنات فهو على قول من يقول بشمول الوزن للكافر وأعماله، وقد سبق أن الراجح خلافه.
وقول ابن حجر بأن من الوزن وزن الإيمان مخالف لقول بعض أصحابه الأشاعرة في استثناء الإيمان من الوزن(1)؛ وذلك بناء على قولهم بأن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان - كما سيأتي -(2).
وقد حكى العلامة السفاريني قولهم هذا وعقب عليه بقوله: "وفيه نظر لا يخفى"(3).
وأما ما ذكره ابن حجر عن المعتزلة من إنكار الميزان فيحتاج إلى تقييده ببعضهم؛ إذ إنكاره ليس مجمعًا عليه بينهم.
يقول القاضي عبد الجبار(4): "أما وضع الموازين فقد صرح الله تعالى به في محكم كتابه، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، وقوله: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المؤمنون: 102] إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى.--------------------------------------------
= برقم (2639)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله (2/ 1437) برقم (4300)، وأحمد (11/ 571) برقم (6994)، وعبد بن حميد في المنتخب (1/ 302) برقم (339)، وابن حبان (1/ 461) برقم (225)، والبغوي في شرح السنة (15/ 133 - 134) برقم (4321)، والحاكم في المستدرك (1/ 6، 529) من طرق عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما به.
قال الترمذي: "حديث حسن غريب".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي.
وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه على المسند (11/ 197)، والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 212).
(1) انظر: الحاوي (2/ 197)، تحقيق البرهان (ص 38).
(2) انظر: (ص 660).
(3) لوامع الأنوار البهية (2/ 188).
(4) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الشافعي، من كبار المعتزلة، له مصنفات كثيرة منها؛ المغني في أبواب العدل والتوحيد، الأصول الخمسة، متشابه القرآن، توفي سنة 415 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (17/ 244)، شذرات الذهب (3/ 202).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)
ولم يرد الله وتعالى بالميزان إلا المعقول منه المتعارف عليه فيما بيننا، دون العدل وغيره علىِ ما يقوله بعض الناس؛ لأن الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} [الحديد: 25] فدل ذلك على طريق التوسع والمجاز، وكلام الله تعالى مهما أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز أن يعدل به عنه إلى المجاز، يبين ذلك ويوضحه أنه لو كان الميزان إنما هو العدل، لكان لا يثبت للثقل والخفة فيه معنى، فدل على أن المراد به الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشتمل عليه الموازين فيما بيننا"(1).
وكلام القاضي عبد الجبار كافٍ في إثبات كون القول بإنكار الميزان ليس قولًا لجميع المعتزلة، وفي الرد على من أنكره منهم.
خامسًا: الرؤية:
1 - رؤية الله تعالى في الدنيا:
سئل ابن حجر رحمه الله عن رؤية الله تعالى في الدنيا، فأجاب بقوله: "الكلام هنا في مقامين:
الأول: في إمكانها عقلًا:
الذي عليه أهل السنة أنها ممكنة عقلًا وشرعًا في الدنيا، واستدلوا لذلك بأمور عقلية وأمور نقلية، لكن أدلتهم العقلية لا تخلو من دَخَل وخفاء، فالمعول عليه في إمكانها إنما هو الأدلة النقلية.
فمنها أن موسى - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - قد سألها بقوله: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143].
فلو لم تكن الرؤية ممكنة جائزة الوقوع في الخارج لكان طلب موسى لها جهلًا منه بما يجوز على الله وما لا يجوز، أو سفهًا أو عبثًا أو طلبًا للمحال، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين منزهون عن كلٍّ فردًا فردًا من ذلك إجماعًا، بل من جوّز واحدًا من هذه على واحد منهم فهو كافر مهراق الدم.--------------------------------------------
(1) شرح الأصول الخمسة (ص 735).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 546)
وأيضًا فالله تعالى قد علق الرؤية باستقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه، فوجب كون المعلق به كذلك؛ إذ المحال لا يعلق بممكن أصلًا.
وأوَّلَ المعتزلة الآية بتأويلات تخالف ظاهرها حتى يخرجوها عنه إلى ما يوافق اعتقادهم الفاسد، أنها من قسم المحال العقلي الذي لا يمكن وقوعه في الدنيا كالآخرة، ومحل بسطها وردها كتب التفسير والأصول.
الثاني: في وقوعها:
… الرؤية وإن كانت ممكنة عقلًا وشرعًا عند أهل السنة لكنها لم تقع في هذه الدار لغير نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذا له على قول عليه بعض الصحابة رضي الله عنهم لكن جمهور أهل السنة على وقوعها له صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج بالعين … "(1).
التقويم:
رؤية الله عز وجل في الدنيا جائزة في الشرع والعقل، غير واقعة بإجماع أهل السنة والجماعة(2)، سوى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم له ليلة المعراج - كما سيأتي -.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أئمة السنة والجماعة متفقون على أن الله لا يراه أحد بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة"(3).
والأدلة على ذلك متضافرة نقلًا وعقلًا.
فمن الأدلة النقلية:
1 - قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (199 - 200)، وانظر: (ص 288)، فتح المبين (ص 81)، المنح المكية (1/ 423)، التعرف (ص 110).
(2) انظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص 150)، شرح السنة للبربهاري (ص 76)، مجموع الفتاوى (3/ 390، 5/ 490، 6/ 510، 512)، مدارج السالكين (3/ 229)، حادي الأرواح (ص 320)، شرح العقيدة الطحاوية (1/ 222).
(3) مجموع الفتاوى (5/ 490).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 547)