وجلب المنفعة ممنوع؛ ذلك أنّه إن أراد أنّ هذه الحكمة هي التي لأجلها يفعل الإنسان فهذا مُسَلَّم ولا ينفعه شيئًا، وإن أراد أنّها الحكمة التي يفعل الله لأجلها أو ما هو أعمّ من ذلك، فإنّ حكمة الرّبّ فوق ذلك، والله يتعالى عن ذلك، فيكون استدلاله هذا مستندًا إلى قياس الخالق على المخلوق قياس تساوٍ، وهو باطل(1).
2 - أنّ التّعبير عن الحكمة بالأغراض الباعثة في حقّ الله تعالى مِمّا لا يدلّ عليه الشّرع، والتّعبير بذلك لاستبشاع المعنى الشّرعي الثّابت له سبحانه لا يجوز(2).
3 - أنّ قوله بلزوم القول بترتّب الفعل على الحكمة لنقص الباري سبحانه في ذاته واستكماله بتحصيل الغرض، مبني على أنّ الحكمة مغايرة له، والحقّ -الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة- أنّ الحكمة التي يعود حكمها إلى الله تعالى صفة له، وما كان صفة لله تعالى لا يتصوّر أن ينفكّ عنه، وعليه فلا صحّة بلزوم ذلك(3).
ثالثًا: تكليف ما لا يطاق:
يرى ابن حجر - غفر الله له - جواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال، حيث يقول: "له تكليفهم بما شاء من الأفعال مع تقدير أسباب منعهم منها، وهو المسمّى بتكليف ما لا يطاق"(4).
ويقول أيضًا: "أجمعت الأمّة على التّكليف بالمحال كغيره، كتكليف أبي جهل مثلًا بالإيمان مع علم الله بأنّه لا يؤمن؛ وذلك لأنّ التكليف بذلك إنّما هو بالنّظر للحالة الرّاهنة المنطوي عنا عاقبتها، فهم بالنّسبة إليها مكلّفون بالإيمان لقدرتهم عليه ظاهرًا، وإن كانوا عاجزين عنه باطنًا، لعلم الله تعالى بأنّهم لا يؤمنون، لأنّ هذا لا نظر إليه وإلا لارتفع الاختيار،--------------------------------------------
(1) انظر: شفاء العليل (2/ 578 - 579).
(2) انظر: منهاج السنة (2/ 455)، العواصم والقواصم (7/ 318).
(3) انظر: منهاج السنة (1/ 421)، مجموع الفتاوى (16/ 133)، شفاء العليل (2/ 579).
(4) فتح المبين (ص 72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 609)
وثبت القول بالجبر المنابذ لِمَا جاءت به الشّرائع، فاحذر أن تميل إليه فتزلّ قدمك، ويحق ندمك، واستحضر قوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} [الأنبياء: 23](1).
التّقويم:
التّكليف في اللغة: الأمر بما يشقّ، يقال: كلّفه تكليفًا، إذا أمره بما يشقّ عليه، وتكلّفت الشّيء: تجشّمته(2).
وفي الاصطلاح: الإلزام بمقتضى خطاب الشّرع.
وخطاب الشّرع قسمان: أمر ونهي، فالأمر: يتضمّن الواجب والمندوب، والنّهي: يتضمّن الحرام والمكروه، والمباح تخيير بينهما(3).
وتكليف ما لا يطاق ضربان:
أحدهما: التكليف بالممتنع لذاته كالجمع بين النّقيضين، والممتنع عادة كالطيران في الهواء، والممتنع للعجز عنه كنقط المصحف للأعمى.
فهذا اختلف النّاس في جوازه عقلًا على ثلاثة أقوال:
الأول: عدم جوازه، وهو قول المعتزلة(4).
والثّاني: جوازه، وهو قول أكثر الأشاعرة(5).
والثّالث: جواز التّكليف بالممتنع عادة وبما لا يقدر عليه للعجز عنه، دون التّكليف بالممتنع لذاته(6).
وأمّا وقوعه شرعًا:--------------------------------------------
(1) المنح المكية (2/ 822).
(2) انظر: تهذيب اللغة (4/ 3175)، معجم مقاييس اللغة (ص 908)، الصحاح (4/ 1424)، لسان العرب (9/ 307)، القاموس المحيط (ص 1099).
(3) انظر: شرح مختصر الروضة (1/ 176)، شرح الكواكب المنير (1/ 483).
(4) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص 396)، المختصر في أصول الدين ضمن رسائل العدل والتوحيد (1/ 218).
(5) انظر: الإرشاد (ص 203)، معالم أصول الدين للرازي (ص 85)، القضاء والقدر له (ص 307)، إحكام الأحكام للآمدي (1/ 133)، المواقف (ص 330 - 331).
(6) انظر: المسودة (ص 71)، درء التعارض (1/ 63)، مجموع الفتاوى (8/ 295، 298).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 610)
فقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على عدم وقوعه(1)، ونازع في ذلك الرّازي وطائفة(2)، فذهبوا إلى القول بوقوعه، وهو ظاهر البطلان.
وثانيهما: التّكليف بالممتنع لغيره وهو المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر أنه لا يكون، وما لا يطاق للاشتغال بضدّه كالتّكليف بالقيام حال الجلوس، والتكليف بعموم التكاليف الشّرعيّة.
فهذا التّكليف به جائز عقلًا وواقع شرعًا بإجماع أهل العلم(3)، والخلاف فيه إنّما هو من جهة تسميته تكليفًا بما لا يطاق.
فالأشاعرة ومن وافقهم قالوا بصحّة تسميته بذلك(4).
وأهل السّنّة ومن وافقهم قالوا بعدم صحّة ذلك(5).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه، كتكليف الزَّمِن المشي، وتكليف الإنسان الطّيران ونحو ذلك، فهذا غير واقع في الشّريعة عند جماهير أهل السّنّة المثبتين للقدر …
والثّاني: ما لا يطاق للاشتغال بضدّه، كاشتغال الكافر بالكفر، فإنّه هو الذي صدّه عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده، فإنّ اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائمًا … وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب.
ومثل هذا ليس بقبيح عقلًا عند أصدق العقلاء، بل العقلاء متّفقون--------------------------------------------
(1) انظر: المسودة (ص 71)، درء التعارض (1/ 63)، مجموع الفتاوى (8/ 301 - 302).
(2) انظر: معالم أصول الدين للرازي (ص 85)، والإرشاد (ص 204).
(3) انظر: منهاج السنة (3/ 104 - 105).
(4) انظر: أصول الدين (ص 213)، الإرشاد (ص 203)، القضاء والقدر للرازي (ص 307)، المواقف (ص 330 - 331)، شرح المقاصد (4/ 296).
(5) انظر: الانتصار للعمراني (2/ 459)، مجموع الفتاوى (8/ 298 - 302)، درء التعارض (1/ 60)، شرح الطحاوية (2/ 653).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 611)
على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنّهي لاشتغاله بضدّه، إذا أمكن أن يترك ذلك الضّدّ ويفعل الضّدّ المأمور به.
وإنّما النّزاع هل يسمّى هذا تكليف ما لا يطاق لكونه تكليفًا بما اتّفقت فيه القدرة المقارنة للفعل.
فمن المثبتين للقدر من يدخل هذا في تكليف ما لا يطاق …
ومنهم من يقول هذا لا يدخل فيما لا يطاق، وهذا هو الأشبه بما في الكتاب والسّنّة وكلام السّلف، فإنّه لا يقال للمستطيع المأمور بالحجّ إذا لم يحجّ إنّه كلّف بما لا يطيق، ولا يقال لمن أمر بالطّهارة والصّلاة فترك ذلك كسلًا إنّه كلّف ما لا يطيق"(1).
وعليه فما قرّره ابن حجر - عفا الله عنه - من القول بجواز تكليف الله تعالى العباد بما شاء من الأفعال قول مُجمل.
وأمّا قوله بأنّ الأمّة أجمعت على التكليف بالمحال كغيره، ومنه تكليف أبي جهل بالإيمان مع علم الله تعالى بعدم إيمانه، فهو متعقّب بما يلي:
1 - أنّ الفعل الممكن في نفسه لا يقال إنّه مُحال لتعلّق العلم بعدمه، وإلا لزم هذا بعينه فيما علم الله أنّه لا يفعله وهو مقدور له، فإنه لا يقع البتّة، مع كونه مقدورًا، كما قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)} [السجدة: 13]، فإيمان كلّ النّاس أخبر الله أنّه ممكن له مقدور، مع علمه بأنّه لا يقع منهم كلّهم وإنّما من بعضهم(2).
2 - أنّ تكليف أبي جهل بالإيمان من قبيل التّكليف بالممتنع لغيره لا الممتنع لذاته؛ إذ الممتنع لذاته ليس شيئًا حتى يفرض فيه بخلاف الممتنع لغيره فإنّه ممكن ولكنّه امتنع لعدم تعلّق الإرادة بإحداثه وعلم الله بأنّه لا يفعله فلا يصحّ إطلاق المستحيل عليه(3).--------------------------------------------
(1) منهاج السنة (3/ 104 - 105).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (8/ 292، 500).
(3) انظر: المصدر السابق (8/ 292، 500).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 612)
3 - أنّ التّكليف بما يمتنع لغيره لا يُعدّ تكليفًا بما لا يُطاق، ولا يصحّ تسميته بذلك(1).
4 - أنّ القول بأنّ تكليف أبي جهل بالإيمان من تكليف ما لا يطاق مبني على القول بأنّ الاستطاعة واحدة وهي المقارنة للفعل فقط وهو مذهب الأشاعرة، والحقّ أنّ الاستطاعة نوعان: استطاعة قبل الفعل بمعنى الصّحة والوسع والتّمكّن وسلامة الآلات وهي مناط التّكليف، واستطاعة مقارنة للفعل وليست مناطًا للتّكليف وإنّما هي محض فضل الله تعالى يؤتيها من يشاء وفق حكمته سبحانه(2).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (8/ 479)، منهاج السنة (3/ 105).
(2) انظر: درء التعارض (1/ 61)، مجموع الفتاوى (8/ 302)، شفاء العليل (1/ 320)، شرح الطحاوية (2/ 632).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 613)
الباب الثالث آراؤه في الصحابة، والإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام
وفيه فصلان:
الفصل الأول: آراؤه في الصحابة، والإمامة.
الفصل الثاني: آراؤه في مسائل الأسماء والأحكام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)
الفصل الأول آراؤه في الصحابة والإمامة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: آراؤه في الصحابة.
المبحث الثاني: آراؤه في الإمامة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)
المبحث الأول آراؤه في الصحابة
عرض ابن حجر رحمه الله لجملة من المسائل المتعلقة بالصحابة، وهي: تعريف الصحابة، وبيان فضلهم، والمفاضلة بينهم، والمفاضلة بينهم وبين من بعدهم، وبحث عدالتهم، ووجوب الإمساك عما شجر بينهم، وحكم سبهم.
وفيما يلي عرض آرائه في هذه المسائل وتقويمها.
أولًا: تعريف الصحابة:
عرّف ابن حجر رحمه الله الصحابة في مواطن كثيرة من كتبه أجمل في بعضها، وأسهب في أخرى بالنقل عن غيره(1).
وأجمعها قوله: "الصحب: اسم جمع لصاحب، وهو من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ولو لحظة وإن لم يره ولم يرو عنه، مؤمنًا، ومات على الإيمان"(2).
التّقويم:
الصّحابة: جمع صحابي.
وهو في اللغة: مشتقّ من الصّحبة، والصّحبة مصدر صحب فهو صاحب(3).--------------------------------------------
(1) انظر: المنهاج القويم (ص 10)، فتح الجواد (1/ 10)، المنح المكية (3/ 1175)، التعرف (ص 73)، البدائع الجليلة (ل 12)، الإيعاب (1/ 31 - 33).
(2) المنهاج القويم (ص 10).
(3) انظر: تهذيب اللغة (2/ 1978)، الصحاح (1/ 161)، لسان العرب (1/ 519)، القاموس المحيط (ص 134).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)
يقول ابن فارس: "الصّاد والحاء والباء أصل واحد يدلّ على مقارنة الشّيء ومقاربته، ومن ذلك الصّاحب، والجمع صحب … "(1).
وأما في الاصطلاح:
فقد اختلف أهل العلم فيمن يصدق عليه اسم الصحابي، وتعددت تعريفاتهم له(2).
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "أصحّ ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام.
فيدخل فيمن لقيه: من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يَرْوِ، ومن غزا معه أو لم يَغْزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.
ويخرج بقيد "الإيمان": من لقيه كافرًا أو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتح به مرة أخرى.
وقولنا "به": يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ محل احتمال …
ويدخل في قولنا "مؤمنًا به": كل مكلف من الجن والإنس … وهل تدخل الملائكة؟ محل نظر؛ وقد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثًا إليهم أم لا؟ … وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى.
وخرج بقولنا "ومات على الإسلام": من لقيه مؤمنًا به ثم ارتدّ ومات على ردته والعياذ بالله …
ويدخل به من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم مرة أخرى أم لا …--------------------------------------------
(1) معجم مقاييس اللغة (ص 587).
(2) انظر: سياق أقوالهم وأدلتهم في تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي (ص 30 - 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)
وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري(1) وشيخه أحمد بن حنبل(2) ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة … "(3).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر رحمه الله موافق لقول المحققين من أهل العلم.
ثانيًا: فضل الصحابة:
قرر ابن حجر رحمه الله فضل الصحابة، ودلالة النصوص على ذلك فقال: "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة … والثناء عليهم، فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات من كتابه.
منها: قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] فأثبت الله لهم الخيرية على سائر الأمم، ولا شيء يُعادل شهادة الله لهم بذلك …
ومنها: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة …
ومنها: قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [التحريم: 8]، فآمنهم الله من خزيه، ولا يأمن من خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه ورسوله عنهم راضيان، فأمْنُهم من الخزي صريح في موتهم على كمال الإيمان وحقائق الإحسان، وفي أن الله لم يزل راضيًا عنهم، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها: قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ--------------------------------------------
(1) انظر: فتح الباري (7/ 3 - 5).
(2) انظر: شرح أصول الاعتقاد (1/ 159 - 160).
(3) الإصابة (1/ 158 - 159)، وانظر: منهاج السنة (4/ 243)، اختصار علوم الحديث لابن كثير (2/ 491)، والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (2/ 491).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 620)
الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، فصرح تعالى برضاه عن أولئك، وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن رضي الله عنه لا يمكن موته على الكفر …
ومنها: قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)} [الأنفال: 64]، وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} [الحشر: 8 - 10] فتأمل ما وصفهم الله به من هذه الآيات، تعلم به ضلال من طعن فيهم …
ومنها: قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)} [الفتح: 29] فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية … "(1).
"وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها صلى الله عليه وسلم حيث جعل محبتهم محبة له، وبغضهم بغضًا له، وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفًا، فحبهم عنوان محبته، وبغضهم عنوان بغضه …
وإنما يعرف فضائل الصحابة من تدبر سيرهم معه صلى الله عليه وسلم وآثارهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا الدين--------------------------------------------
(1) الصواعق (2/ 603 - 606).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 621)
وأظهروا شرائع الإسلام، ولولا ذلك منهم لما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع … "(1).
ولم يكتف ابن حجر رحمه الله بتقرير فضل الصحابة عمومًا، بل ساق النصوص الواردة في فضائل بعضهم على وجه الخصوص كأبي بكر(2)، وعمر(3)، وعثمان(4)، وعلي(5)، ومعاوية(6)، وأزواجه صلى الله عليه وسلم(7)، وابنته فاطمة(8) وولديها الحسن(9) والحسين(10) وآل بيته صلى الله عليه وسلم(11).
التقويم:
"أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم"(12).
والقول بمقتضى ذلك من معاقد العقائد التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة(13)، وصنفوا فيها المصنفات، وأفردوا في تقريرها المؤلفات(14).--------------------------------------------
(1) الزواجر (2/ 231 - 232)، وانظر: تطهير الجنان (ص 30)، الصواعق (1/ 21) (9/ 612)، المنح المكية (3/ 1193) (3/ 1251).
(2) انظر: الصواعق (1/ 189) وما بعدها، المنح المكية (3/ 1201).
(3) انظر: الصواعق (1/ 271) وما بعدها.
(4) انظر: المصدر السابق (1/ 315) وما بعدها.
(5) انظر: المصدر السابق (2/ 353) وما بعدها.
(6) انظر: المصدر السابق (2/ 635)، تطهير الجنان (ص 44) وما بعدها.
(7) انظر: الصواعق (2/ 417، 458 - 460)، المنح المكية (3/ 1152، 1159، 1160).
(8) انظر: الصواعق (2/ 557) وما بعدها.
(9) انظر: المصدر السابق (2/ 403) وما بعدها.
(10) انظر: المصدر السابق (2/ 557) وما بعدها.
(11) انظر: المصدر السابق (2/ 416) وما بعدها.
(12) نقله البيهقي عن الإمام الشافعي رحمه الله في مناقبه له (1/ 442 - 443).
(13) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (2/ 689)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 7 - 8)، جامع بيان العلم وفضله (2/ 36)، شرح السنة للبربهاري (ص 68 - 69)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص 289)، مجموع الفتاوى (3/ 152 - 156)، لوامع الأنوار البهية (2/ 379 - 380).
(14) انظر: معجم ما ألف عن الصحابة وأمهات المؤمنين وآل البيت لمحمد بن إبراهيم الشيباني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)
يقول الإمام المبجل أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -: "من السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين، والكف عن ذكر ما شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحدًا منهم أو انتقصه أو طعن عليه أو عرّض بعيبهم أو عاب أحدًا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة"(1).
وبما سبق يعلم موافقة ابن حجر رحمه الله لِمَا عليه أهل السنة والجماعة من الإقرار بفضل الصحابة رضي الله عنهم ومحبتهم، والترضي عنهم.
ثالثًا: المفاضلة بين الصحابة:
بيّن ابن حجر رحمه الله أن الصحابة رضي الله عنهم متفاوتون في الفضل، وذكر أقوال أهل العلم في المفاضلة بينهم، ورجّح ما يراه منها، فقال:
"اعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم اختلفوا:
فالأكثرون - ومنهم الشافعي وأحمد وهو المشهور عن مالك - أن الأفضل بعدهما عثمان ثم علي رضي الله عنهم.
وجزم الكوفيون - ومنهم سفيان الثوري - بتفضيل علي على عثمان.
وقيل: بالوقف عن التفاضل بينهما، وهو رواية عن مالك … وتوقفه هذا رجع عنه، فقد حكى القاضي عياض عنه أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان … "(2).
"والأصح عثمان ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وقيل: أهل أحد"(3).--------------------------------------------
(1) طبقات الحنابلة (1/ 30).
(2) الصواعق (1/ 169)، وانظر: الفتا وى الحديثية (ص 355).
(3) المنح المكية (3/ 1191)، وانظر: الزواجر (2/ 232)، أشرف الوسائل (ص 488)، التعرف (ص 124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)
"ثم الصحابة أصناف: مهاجرون، وأنصار، وحلفاء وهم من أسلم يوم الفتح أو بعده.
فأفضلهم إجمالًا: المهاجرون، فمن بعدهم على الترتيب المذكور.
وأما تفصيلًا: فسُبَّاق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين، وسُبَّاق المهاجرين أفضل من سُبَّاق الأنصار، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون، فرب متأخر إسلامًا كعمر أفضل من متقدّم كبلال"(1).
التقويم:
اختلف الناس في الكلام في المفاضلة بين الصحابة رضي الله عنهم:
فمنهم من أمسك عن الخوض فيها.
ومنهم من تكلم بمقتضى النصوص.
والذي عليه إجماع أهل السنة والجماعة قاطبة القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر رضي الله عنهما(2) واختلفوا بعدهما في عثمان وعلي رضي الله عنهما.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان"(3).
قال البيهقي رحمه الله بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده: "وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا"(4).
وقال يحيى بن سعيد القطان(5) رحمه الله: "من أدركت من أصحاب النبي--------------------------------------------
(1) الصواعق (2/ 617).
(2) انظر: السنة لابن أبي عاصم (ص/568)، السنة لعبد الله بن أحمد (2/ 574)، السنة للخلال (2/ 404)، شرح أصول الاعتقاد (7/ 136)، الاعتقاد للبيهقي (ص 522)، شرح صحيح مسلم (15/ 148)، مجموع الفتاوى (3/ 153) (4/ 421)، منهاج السنة (8/ 223 - 224).
(3) الاعتقاد للبيهقي (ص 522).
(4) المصدر السابق (ص 522).
(5) هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، إمام في الحديث والسنة، توفي سنة 197 هـ. انظر: تاريخ بغداد (14/ 135)، سير أعلام النبلاء (9/ 175).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)
والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما، إنما كان الاختلاف في علي وعثمان"(1).
وجملة أقوال السلف رحمهم الله في المفاضلة بين عثمان وعلي ثلاثة:
الأول: تفضيل عثمان على علي، وهو قول جمهورهم(2).
افماني: تفضيل علي على عثمان، وهو قول أكثر أهل الكوفة(3).
ونسبة ابن حجر رحمه الله القول بذلك إلى سفيان الثوري رحمه الله متعقبة بكونه رجع عنه إلى قول الجمهور(4).
الثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وهو قول بعض أهل المدينة، ورواية عن الإمام مالك رحمه الله(5).
وما ذكره ابن حجر رحمه الله من رجوع الإمام مالك عنها إلى قول الجمهور هو المعتمد عند المحققين من أصحابه(6) وغيرهم(7).
وقد استقر إجماع أهل السنة والجماعة بَعْدُ على تقديم عثمان على علي.
يقول الحافظ ابن عبد البر رحمه الله بعد ذكره الأقوال السابقة: "وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر،--------------------------------------------
(1) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (7/ 1367).
(2) انظر: الاستيعاب (3/ 214)، معالم السنن (3/ 304)، منهاج السنة (2/ 73، 82 - 85) (8/ 85)، فتح الباري (7/ 16).
(3) انظر: معالم السنن (4/ 303)، منهاج السنة (8/ 224)، مجموع الفتاوى (4/ 426)، فتح الباري (7/ 16).
(4) انظر: معالم السنن (4/ 303)، مجموع الفتاوى (4/ 426)، منهاج السنة (2/ 73)، فتح الباري (7/ 16).
(5) انظر: المدونة (6/ 451)، جامع بيان العلم لابن عبد البر (2/ 186)، الانتقاء له (ص 35 - 36)، فتح الباري (7/ 16).
(6) انظر: الجامع في المقدمات لابن رشد (ص 174)، البيان والتحصيل له أيضًا (18/ 458 - 459).
(7) انظر: مجموع الفتاوى (4/ 426)، لوامع الأنوار البهية (2/ 356).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)
وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي رضي الله عنهم"(1).
ويقول الحافظ ابن الصلاح رحمه الله: "تقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث والسنة"(2).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي"(3).
ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "الإجماع انعقد بأخرة بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة"(4).
وأفضل الصحابة بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد رضي الله عنهم أجمعين -.
ثم أهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر.
ثم أهل بيعة الرضوان، على الصحيح.
ثم أهل أحد.
ثم بقية المهاجرين ثم بقية الأنصار(5).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة: "ومن أصول أهل السنة والجماعة [أنهم] … يقبلون ما جاء به الكتاب أو السنة أو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم.
فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل.
ويقدمون المهاجرين على الأنصار.--------------------------------------------
(1) الاستيعاب (3/ 214).
(2) مقدمة ابن الصلاح (ص 149).
(3) مجموع الفتاوى (3/ 153).
(4) فتح الباري (7/ 34)، وانظر: (7/ 58).
(5) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص 68)، مقدمة ابن الصلاح (ص 149)، الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي (ص 198 - 203)، مجموع الفتاوى (3/ 152 - 153)، اختصار علوم الحديث لابن كثير (1/ 501)، فتح الباري (7/ 58)، لوامع الأنوار البهية (2/ 357)، معارج القبول (3/ 1126).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 626)
ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد رضي عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم كالعشرة … "(1).
وبما سبق يتضح موافقة ابن حجر رحمه الله لأهل السنة والجماعة في القول بالمفاضلة بين الصحابة وتحقيقها.
رابعًا: المفاضلة بين الصحابة وبين من بعدهم:
قرر ابن حجر رحمه الله تفضيل الصحابة رضي الله عنهم على كل من جاء بعدهم جماعات وأفرادًا، ورد على من قال بخلاف ذلك، فقال: "اعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة"(2).
"وأشار بعضهم إلى أن محل الخلاف في صحابي لم يحصل له إلا مجرد الرؤية، وأما من زاد على ذلك بنحو رواية أو غزو فلا نزاع فيه"(3).
"فذهب أبو عمر بن عبد البر(4) إلى أنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة …
والجواب عنه …
أن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل.
وأيضًا مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة.
وأيضًا الخيرية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه، وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك، وأما ما اختص به الصحابة - رضوان الله عليهم - وفازوا به من مشاهدة طلعته صلى الله عليه وسلم ورؤية ذاته المشرفة--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 152 - 153).
(2) الصواعق (2/ 611).
(3) المنح المكية (2/ 692).
(4) انظر: الاستذكار (1/ 236 - 240).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 627)
المكرمة فأمر من وراء العقل؛ إذ لا يسع أحدًا أن يأتي من الأعمال وإن جَلَّت بما يُقارب ذلك فضلًا عن أن يماثله.
ومن ثم سئل عبد الله بن المبارك، وناهيك به جلالة، وعلمًا، أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟
فقال: الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز كذا وكذا مرة.
أشار بذلك إلى أن فضيلة صحبته صلى الله عليه وسلم ورؤيته لا يعدلها شيء …
فالصواب ما قاله جمهور العلماء سلفًا وخلفًا … أن من بعدهم لو عمل ما عساه أن يعمل لا يمكنه أن يُحَصِّل ما يقرب من هذه الخصوصية فضلًا أن يساويها، هذا فيمن لم يفز إلا بذلك، فما بالك بمن ضم إليها أنه قاتل معه صلى الله عليه وسلم أو في زمنه بأمره، أو نقل شيئًا من الشريعة إلى من بعده، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، فهذا مما لا خلاف في أن أحدًا من الجائين بعده لا يدركه، وثم قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] … "(1).
التقويم:
اتفق أهل العلم على أفضلية من صحب النبي صلى الله عليه وسلم فأقام معه، أو روى عنه، أو قاتل بين يديه، أو أنفق من ماله بسببه على من بعده(2).
واختلفوا فيمن ثبتت له الصحبة وليس له إلا مجرد رؤيته صلى الله عليه وسلم هل يفضل كل من بعده أو يمكن أن يكون فيهم من هو أفضل منه، على قولين:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات وأفرادًا مطلقًا(3).--------------------------------------------
(1) الصواعق (2/ 611 - 614).
(2) انظر: فتح الباري (7/ 6، 7).
(3) انظر: شرح أصول الاعتقاد (1/ 160)، شرح صحيح مسلم (2/ 141) (16/ 93)، منهاج السنة (4/ 600)، مجموع الفتاوى (4/ 527)، تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي (ص 74)، فتح الباري (7/ 6 - 7)، فيض القدير (4/ 280) (5/ 517).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 628)
والثاني: مذهب ابن عبد البر(1) والقرطبي(2) - رحمهما الله - وهو أن الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم جماعات لا أفرادًا، وأنه يمكن أن يكون فيمن بعدهم من يفوق أحدهم.
والحق ما عليه الجمهور لتواتر الأدلة الدالة على تفضيل الصحابة على من بعدهم وإطلاقها بما يفيد عمومها في أفرادهم.
والأحاديث التي استدل بها ابن عبد البر والقرطبي - رحمهما الله - على مذهبهما لا تخرج عن ثلاثة أحوال: إما أنها ضعيفة فلا يحتج بها، أو حسنة، أو صحيحة بمجموع طرقها فهي دون الأحاديث المطلقة في الصحة.
وجملة الأجوبة عنها ثلاثة أيضًا:
أحدها: أنها لا تستلزم المساواة فإنه قد يكون في المفضول مزية لا تكون في الفاضل.
وثانيها: أن ما تدل عليه من المساواة إنما هو باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين فهذا الذي يقع فيه التساوي، أما ما اختص به الصحابة من المشاهدة والسابقة فإنه لا يسع أحدًا أن يأتي بما يقاربه فضلًا عن أن يماثله.
وثالثها: أن ما تدل عليه من المساواة المقصود به ما يظهر للرائي دون ما هو حقيقة في نفس الأمر(3).
وبكل حال فما قرره ابن حجر رحمه الله في هذه المسألة مستفاد من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله ولعله المشار إليه في قوله المتقدم "أشار بعضهم … ".
يقول الحافظ رحمه الله: "الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر.--------------------------------------------
(1) انظر: الاستذكار (1/ 236 - 240).
(2) انظر: تفسيره (4/ 171 - 173).
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (2/ 141)، منهاج السنة (4/ 600)، مجموع الفتاوى (4/ 527)، تحقيق منيف الرتبة (ص 74)، فتح الباري (7/ 7)، فيض القدير (4/ 280) (5/ 517).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 629)
والذي يظهر أن من قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم أو في زمانه بأمره أو أنفق من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث …
والأحاديث المذكورة … لا تدلّ على أفضلية غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل فأما ما فاز به من شاهد النبي صلى الله عليه وسلم من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد … "(1).
خامسًا: عدالة الصحابة:
قرر ابن حجر رحمه الله عدالة جميع الصحابة، وحكى إجماع أهل العلم عليها، ورد على من قصرها على من لازم النبي صلى الله عليه وسلم ونصره منهم.
يقول في ذلك: "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات من كتابه"، والنبي صلى الله عليه وسلم في "الأحاديث الكثيرة الشهيرة … [بما] يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه؛ لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام ببذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يُعتمد قوله، ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا، فلا يُلتفت إليهم، ولا يعول عليهم …
وزَعْمُ المازري(2) اختصاص الحكم بالعدالة بمن لازمه ونصره دون--------------------------------------------
(1) فتح الباري (7/ 6 - 7).
(2) هو محمد بن علي بن عمر التميمي أبو عبد الله المازري، أشعري المعتقد، مالكي المذهب، من مؤلفاته: المعلم بفوائد مسلم، شرح التلقين، إيضاح المحصول من برهان الأصول وغيرها. توفي سنة 546 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (20/ 104)، شذرات الذهب (4/ 114).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 630)