وثالثها: التفصيل في ذلك، وهو قول أهل السنة والجماعة(1).
قالوا: والمعتبر في ذلك إرادة المستثني وما قام بقلبه.
فإن أراد باستثنائه الشك في إيمانه، مُنع من الاستثناء بغير خلاف.
وإن أراد باستثنائه عدم تحصيله الإيمان المطلق، أو خوفًا من تزكية نفسه، جاز له الاستثناء(2).
يقول العلامة ابن أبي العز رحمه الله: "الاستثناء في الإيمان … الناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال"(3).
وعليه فما قرره ابن حجر رحمه الله في هذه المسألة موافق لقول أهل السنة والجماعة، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي:
1 - عزوه ذلك إلى المتكلمين من الكلابية والأشاعرة، والصواب أنه قول لبعضهم؛ إذ جمهورهم على القول بوجوبه -كما سبق-.
2 - تعليله ذلك بالتبرك والموافاة، وهذا التعليل فيه نظر.
فأما الاستثناء باعتبار التبرك فهو متعقب بأن الأصل في الاستثناء أن يكون للمستقبل دون الماضي أو الحاضر، والمخبر بقوله أنا مؤمن إن شاء الله يريد الماضي والحاضر لا المستقبل، والاستثناء فيها بقصد التبرك يلزم منه طرده في كل خبر، وهو لا يعرف عن السلف.
وأما الاستثناء باعتبار الموافاة فهو متعقب بأن القول بذلك لم يعرف عن أحد من السلف رحمهم الله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أما مذهب السلف أصحاب--------------------------------------------
(1) انظر: السنة لعبد الله (1/ 307)، الإيمان لأبي عبيد (ص 67)، الإبانة الكبرى (2/ 862)، الشريعة (2/ 656)، السنة للخلال (3/ 593)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/ 976)، الاقتصاد في الاعتقاد (ص 183)، مجموع الفتاوى (7/ 438 - 439، 505، 666)، شرح الطحاوية (ص/498)، لوامع الأنوار البهية (1/ 435).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (7/ 438 - 439، 447، 668)، شرح الطحاوية (2/ 498)، لوامع الأنوار البهية (1/ 435).
(3) شرح الطحاوية (2/ 494 - 495).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 672)
الحديث … فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثني لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لِمَا يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى؛ فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم …
وأما الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيرًا من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث"(1).
رابعًا: هل الإيمان مخلوق أم لا؟
ساق ابن حجر رحمه الله أقوال الناس في خلق الإيمان وعدمه، ورجح ما رآه منها، حيث قال:
"قال جمع من الحنفية: الإيمان مخلوق، وكلام أبي حنيفة صريح فيه.
وقال آخرون منهم: غير مخلوق.
وهما متفقان على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله سبحاته وتعالي، وبالغ جمع منهم فكفروا من قال بخلقه لِمَا يلزم عليه من خلق كلامه سبحانه وتعالى …
والقول بعدم خلق الإيمان لم ينفرد به الحنفية بل نقله الأشعري عن أحمد وجماعة من أهل الحديث ومال إليه، لكن وجَّهه بأن الإيمان حينئذ ما دلّ عليه وصفه تعالى بالمؤمن فإيمانه هو تصديقه في الأزل بكلامه القديم لإخباره بوحدانيته وليس تصديقه هذا محدثًا ولا مخلوقًا تعالى الله أن يقوم به حادث، بخلاف تصديقه لرسله بإظهار المعجزة فإنه من صفات الأفعال وهي حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية.
وبذلك علم أنه لا خلاف في الحقيقة، لأنه إن أريد بالإيمان المكلف--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (7/ 438 - 439).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 673)
به فهو مخلوق قطعًا، أو ما دلّ عليه وصفه تعالى بالمؤمن فهو غير مخلوق قطعًا"(1).
التقويم:
القول في خلق الإيمان وعدمه "من مسائل الفضول، والسكوت أولى"(2).
وقد ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سئل عن ذلك؟ فقال: "من قال مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع، وأنه يهجر حتى يرجع"(3).
وأصل هذه المقالة ترجع إلى القول باللفظ في القرآن، فقد نهى الإمام أحمد رحمه الله عن قول إنه مخلوق أو غير مخلوق، وذلك لأن (اللفظ) كلمة مجملة تشترك بين الملفوظ الذي هو القرآن وهو غير مخلوق، وبين التلفظ الذي هو فعل العبد وهو مخلوق(4).
و (الإيمان) من هذا الباب، فإنه لفظ مجمل مشترك، يشترك فيه صفات الله وكلامه، وفعل العبد وكلامه.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إذا قال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟
قيل له: ما تريد بالإيمان؟
أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله: "لا إله إلا الله" وإيمانه الذي دلّ عليه اسمه المؤمن؟ فهو غير مخلوق.
أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم؛ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المُحدَث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول.
فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل:--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 77 - 78).
(2) سير أعلام النبلاء (12/ 630).
(3) طبقات الحنابلة (2/ 176).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (7/ 655).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 674)
أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب"(1).
وعليه فما قرره ابن حجر رحمه الله من التفصيل في هذه المسألة موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة في الجملة، إلا أنه يؤخذ عليه أمران:
أحدهما: حكايته عن الأشعري نسبته القول بعدم خلق الإيمان للإمام أحمد وجماعة من أهل الحديث، وهي متعقبة بما يلي:
1 - أن الذي ذكره الأشعري رحمه الله في حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة من المقالات خلاف ما نقله عنه ابن حجر حيث قال: "ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق"(2).
وقد تتبعت ما طبع من كتب الأشعري رحمه الله فلم أجد في شيء منها ما نقله ابن حجر عنه.
ولو صح ما ذكره ابن حجر رحمه الله عن الأشعري فهو من جملة ما حكاه عن أصحاب الحديث وهو متعقب فيه، فإنه -غفر الله له- لم يكن خبيرًا بأقوالهم ومذاهبهم(3).
2 - أن الذي عليه جماهير أهل الحديث التفصيل في خلق الإيمان وعدمه -كما تقدم- لا القول بعدم خلقه.
يقول الإمام الذهبي رحمه الله: "الذي صح عن السلف وعلماء الأثر أن الإيمان قول وعمل، وبلا ريب أن أعمالنا مخلوقة، لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} [الصافات: 96]، فصح أن بعض الإيمان مخلوق،--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (7/ 664)، وانظر: الإيمان لابن مندة (1/ 327)، مسائل الإيمان لأبي يعلى (ص 459)، والروايتين والوجهين له (ص 82 - 85)، مختصر المعتمد له (ص 191)، مجموع الفتاوى (7/ 655) وما بعدها، سير أعلام النبلاء (630/ 12) (14/ 39).
(2) مقالات الإسلاميين (1/ 347).
(3) انظر: منهاج السنة (5/ 275 - 278، 303 - 304).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 675)
وقولنا: لا إله إلا الله فمن إيماننا، فتلفظنا بها أيضًا من أعمالنا، وأما ماهية الكلمة الملفوظة فهي غير مخلوقة لأنها من القرآن"(1).
3 - أن الثابت عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله القول بالتفصيل المتقدم أيضًا، لا القول بعدم خلقه.
فقد سئل رحمه الله عن الإيمان مخلوق أم لا؟ فقال: "أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما ما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق"(2).
ثانيهما: تقريره في توجيه ما ذهب إليه الإمام أحمد وجماعة من أهل الحديث فيما حكاه الأشعري أن كلام الله قديم، وأن الله منزه عن قيام الحوادث به، وأن صفات الله الفعلية حادثة، وقد تقدم بيان ما في ذلك من الإجمال والرد عليه بما يغني عن تكراره(3).
خامسًا: الفرق بين الإيمان والإسلام:
يرى ابن حجر رحمه الله التفريق بين الإيمان والإسلام، حيث قال: "الأظهر أن الإيمان والإسلام متلازما المفهوم فلا ينفك أحدهما عن الآخر وإن اختلف المفهومان، أو مترادفان فلا يوجد شرعًا إيمان من غير إسلام ولا عكسه …
إذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدل على تغايرهما … كما في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} الآية [لحجرات: 14] فهو باعتبار أصل مفهومهما.
وحيث ورد ما يدل على اتحادهما كقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35)} الاية [الذاريات: 35] فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما.
من هنا قال كثيرون: إنهما على وزان الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، وإن قرن بينهما تغايرًا …--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (12/ 630).
(2) طبقات الحنابلة (1/ 93 - 94).
(3) انظر: (ص 330).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 676)
وحيث فسرنا الإيمان بالأعمال فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته لِمَا مرّ أنه تصديق بأمور مخصوصة … "(1).
التقويم:
اختلف أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد، أم معان متغايرة؟ والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة على قولين:
أحدهما: أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، وممن قال بهذا القول: البخاري(2)، ومحمد بن نصر(3)، وابن مندة(4)، وابن عبد البر(5) -رحم الله الجميع-.
وثانيهما: أن الإيمان والإسلام مفترقان، وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم(6)، واختاره الخلال(7)(8)، وابن بطة(9)، والخطابي(10)، واللالكائي(11)(12)، وأبو يعلى(13)، وأبو القاسم--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 74 - 75)، وانظر: (ص 62، 65)، تحفة المحتاج (1/ 29)، تطهير اللسان (ص 193).
(2) انظر: الصحيح (1/ 27)، وفي شرح مذهبه فتح الباري (1/ 114).
(3) انظر: تعظيم قدر الصلاة (2/ 506 - 531).
(4) انظر: الإيمان له (1/ 321).
(5) انظر: التمهيد (9/ 247، 250).
(6) انظر: السنة للخلال (3/ 602)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (4/ 812).
(7) هو أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخلال، أبو بكر، سلفي حنبلي، من أبرز علماء الحنابلة، من مؤلفاته: السنة، الجامع لعلوم أحمد، والحث على التجارة والصناعة والعمل، وغيرها، توفي سنة 311 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 297)، شذرات الذهب (2/ 261).
(8) انظر: السنة له (3/ 602).
(9) انظر: الشرح والإبانة (ص 182).
(10) انظر: معالم السنن (4/ 315).
(11) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي، أبو القاسم، سلفي شافعي، من مؤلفاته: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وكرامات الأولياء وغيرها، توفي سنة 418 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (17/ 419)، شذرات الذهب (3/ 211).
(12) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (4/ 812).
(13) انظر: مسائل الإيمان (ص 421 - 436).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 677)
الأصبهاني(1)(2)، والبغوي(3)، وابن الصلاح(4)، وابن تيمية(5)، وابن كثير(6)، وابن رجب(7) -رحم الله الجميع-.
والقول بذلك هو القول الذي تعضده الأدلة، وتدل عليه، ومنها:
قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14].
وحديث سعد بن أبي وقاص حين أعطى النبي صلى الله عليه وسلم رهطًا وترك رجلًا هو أعجبهم إلى سعد فقال سعد: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ إني لأراه مؤمنًا، فقال: "أو مسلمًا"(8).
وحديث جبريل عليه السلام حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان ففرق بينهما(9).
واختلف القائلون بالتفريق بينهما في تحديد وجهه، والأكثر على أنه إذا قرن بينهما فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل وغيره من الآيات والأحاديث التي قرنت بينهما.
وأما إذا أفرد أحدهما فيدخل فيه الآخر، كما في حديث وفد--------------------------------------------
(1) هو إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي التيمي الأصبهاني، المعروف بأبي القاسم بقوام السنة، سلفي شافعي، من مؤلفاته: الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، دلائل النبوة، سير السلف الصالحين وغيرها، توفي سنة 535 هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء (2/ 8)، شذرات الذهب (4/ 105).
(2) انظر: الحجة في بيان المحجة (1/ 406 - 407).
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (1/ 145).
(4) انظر: المصدر السابق (1/ 148)، الإيمان لابن تيمية (ص 345).
(5) انظر: الإيمان له (ص 343، 349).
(6) انظر: تفسيره (4/ 230).
(7) انظر: جامع العلوم والحكم (1/ 105 - 108).
(8) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (1/ 33) برقم (27)، ومسلم، كتاب الإيمان باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه (1/ 132) برقم (150).
(9) سبق تخريجه (ص 367).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 678)
عبد القيس حيث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام، وكما في حديث عمرو بن عبسة حيث فسر الإسلام بما فسر به الإيمان.
ففي حديث وفد عبد القيس قال صلى الله عليه وسلم: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان … " الحديث(1).
وفي حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: أي الإسلام أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: "الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال: "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت"(2).
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: "اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه الآخر بانفراده ودل الآخر على الباقي، وقد صرح بهذا جماعة من الأئمة"(3).
وعليه فما قرره ابن حجر رحمه الله من التفريق بين الإيمان والإسلام، ونقله عن الكثيرين في تحديد وجهه موافق لقول جمهور أهل العلم.
إلا أنه يؤخذ عليه أنه جعل تفسير الإيمان بالأعمال من إطلاقه على بعض متعلقاته لا من إطلاق بعضه على كله، وذلك مبني على قوله بأن الإيمان هو مجرد التصديق، وأن الأعمال غير داخلة في مسماه، وقد تقدم الرد عليه(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان (1/ 41) برقم (53)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم (1/ 47 - 48) برقم (17).
(2) أخرجه عبد الرزاق (11/ 127) برقم (20107)، ومن طريقه أحمد (28/ 251 - 252) برقم (17027)، وعبد بن حميد في المنتخب (1/ 269) برقم (301) عن معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه به.
وأورده الهيثمي في المجمع (1/ 59) (3/ 207) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(3) جامع العلوم والحكم (1/ 106).
(4) انظر: (ص 665).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 679)
سادسًا: تعريف الكبيرة، وحكم مرتكبها:
1 - تعريف الكبيرة:
ساق ابن حجر رحمه الله أقوال الناس في تعريف الكبيرة، واختلافهم في طريقه هل هو الحد أم العدّ في مواضع من كتبه(1).
ورجح في بعضها تعريفها بالحد، فقال: "الصحيح بل الصواب أن للكبيرة حدًا.
فقيل: هي ما فيه حد.
وقيل: ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب والسنة، وإن لم يكن فيه حد، وهذا هو الأصح، وهو بمعنى ما اختاره الإمام من أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها"(2).
وقال: "الأظهر في تعريفها أنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة"(3).
ورجح في أخرى تعريفها بالعد، فقال: "اعلم أن كل ما سبق من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط، وإلا فهي ليست بحدود جامعة، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه"(4).
وقال: "للكبيرة حدود مدخولة، فالأولى تقريبها بالعد"(5).
التقويم:
الكبيرة في اللغة: ضد الصغيرة.
يقول ابن فارس: "الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغر"(6).
وهي مشتقة من الكُبْرِ وهو لا يخرج عن معنيين:--------------------------------------------
(1) انظر: الزواجر (1/ 5 - 9)، أشرف الوسائل (ص 196)، الفتاوى الحديثية (ص 361)، التعرف (ص 70)، فتح الإله (ص 535).
(2) أشرف الوسائل (ص 196).
(3) الفتاوى الحديثية (ص 361).
(4) الزواجر (1/ 9).
(5) التعرف (ص 70).
(6) معجم مقاييس اللغة (ص 915).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 680)
أحدهما: العظمة.
وثانيهما: الإثم الكبير(1).
وأما في الاصطلاح:
فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافًا كثيرًا، وتعددت أقوالهم فيها، حتى أربت على العشرين(2).
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "وأما الكبائر فقد اختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة"(3).
وجملة هذه الأقوال ترجع إلى أحد أمرين:
أحدهما: تعريفها بالعد.
وثانيهما: تعريفها بالحد.
فمن عرفها بالعد، منهم من قال: بأنه لا يمكن حدها، لأن الله تعالى أبهمه إمعانًا في التحذير منها، ومنهم من قال: بأنه يمكن حدها ولكنه لا يخلو من اعتراض، واختلف هؤلاء في عدها.
ومن عرفها بالحد قال: بأن الأحاديث اختلفت في ذكر عددها بما يدل أن العدد فيها ليس للحصر، وأن القائل بإبهامها إنما يخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون غيره قد علمها، واختلف هؤلاء في حدها(4).
وأولى الأقوال بالصواب تعريف الكبيرة بالحد، وحدها: بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وما قاربه في المعنى.
وهذا القول هو المأثور عن أكثر السلف، واختاره جمع من المحققين--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (4/ 3090)، الصحاح (2/ 801)، لسان العرب (5/ 125)، القاموس المحيط (ص 601).
(2) انظر: تفسير البغوي (2/ 201 - 204)، شرح صحيح مسلم (2/ 85 - 87)، مجموع الفتاوى (11/ 350) وما بعدها، مدارج السالكين (1/ 321 - 327)، شرح الطحاوية (2/ 525 - 527)، فتح الباري (10/ 410 - 411)، الزواجر (1/ 5 - 10)، لوامع الأنوار البهية (1/ 365)، الذخائر بشرح منظومة الكبائر للسفاريني أيضًا (ص 112، 121).
(3) مدارج السالكين (1/ 320).
(4) انظر: المصدر السابق (1/ 320).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 681)
من أهل العلم(1).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد ذكره لاختلاف أهل العلم في تعريف الكبيرة، وبيانه لبعض أقوالهم: "أمثل هذه الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس، وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة …
وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة، أو غضب، أو نار، فهو من الكبائر …
وإنما قلنا إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه:
أحدها: أنه المأثور عن السلف، بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وإنما قالها بعض من تكلم في شيء من الكلام أو التصوف بغير دليل شرعي.
الثاني: أن الله قال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)} [النساء: 31].
فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات، واستحقاق الوعد الكريم، وكل من وُعِد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد، فلا يكون من مجتنبي الكبائر.
وكذلك كل من استحق أن يقام عليه الحد، لم تكن سيئاته مُكَفَّرةً عنه باجتناب الكبائر، إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يُعاقَب عليه، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه.
الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد يُتَلَقَّى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس مُتَلَقَّى من كلام الله--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 650)، مدارج السالكين (1/ 327)، الكبائر للذهبي (ص 22)، الآداب الشرعية لابن مفلح (1/ 242)، شرح الطحاوية (2/ 525)، فتح الباري (12/ 188)، الذخائر (ص 121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 682)
ورسوله بل هو قول ورأي القائل وذوقه من غير دليل شرعي، والرأي والذوق بدون دليل شرعي لا يجوز.
الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر؛ لأن تلك الصفات لا دليل عليها …
الخامس: أن تلك الأقوال فاسدة … "(1).
وبما تقدم يظهر من كلام ابن حجر رحمه الله في هذه المسألة أنه يرى أن الكبيرة يمكن تعريفها بالحد، ولكن تعريفها به لا يخلو من اعتراض وتعقب؛ ولهذا فالأولى عنده تعريفها بالعد ويؤيد ذلك اعتباره حدها في سياقه للكبائر، وبيانه لبعض حدودها في كلامه السابق.
وعليه فلا تعارض في كلامه بين ترجيح تعريفها بالعد وتعريفه لها ببعض الحدود.
وقوله بهذا كافٍ في ردّ ما أورده من حدود الكبيرة، ومغنٍ عن ذكر الاعتراضات الواردة عليها.
2 - حكم مرتكب الكبيرة:
يرى ابن حجر رحمه الله أن مرتكب الكبيرة إذا مات على الإيمان فإنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، خلافًا للخوارج والمعتزلة من جهة، والمرجئة من جهة أخرى.
يقول في ذلك:
"الحق ما عليه أهل السنة والجماعة وهو أن الميت مؤمنًا فاسقًا تحت المشيئة فإن شاء تعالى عذبه كما يريد ثم مآله إلى أن يعفو عنه فيخرجه من النار … وإن شاء الله تعالى عفا عنه ابتداء فسامحه وأرضى عنه خصماءه ثم يدخل الجنة مع الناجين.
وأما قول الخوارج إن مرتكب الكبيرة كافر، وقول المعتزلة إنه مخلد--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (11/ 650 - 657).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 683)
في النار حتمًا وأنه لا يجوز العفو عنه كما لا يجوز عقاب المطيع فهو من تقولهم وافترائهم على الله، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا …
وأما قول المرجئة لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهو من افترائهم أيضًا على الله تعالى، وما ورد مما قد يؤيده لم يُرَد به ظاهره بدليل نصوص أخر قاطع برهانها واضح بيانها … "(1).
التقويم:
اختلف الناس في مرتكب الكبيرة من جهتين:
الأولى: اسمه.
والثانية: حكمه.
فذهب الخوارج(2) والمعتزلة(3) إلى أنه في الآخرة خالدٌ في النار، واختلفوا في اسمه في الدنيا وحكمه فيها.
فقالت الخوارج: هو كافر، واختلفوا في كفره هل هو كفر شرك أو كفر نعمة؟
فمن قال بأن كفره كفر شرك قال: تجرى عليه أحكام الكفار في الدنيا.
ومن قال منهم بأن كفره كفر نعمة قال: تجرى عليه أحكام المسلمين في الدنيا(4).
وقالت المعتزلة: هو في منزلة بين المنزلتين، أي: بين الإيمان--------------------------------------------
(1) الزواجر (1/ 31 - 32)، وانظر: (2/ 90، 94)، فتح المبين (ص 182)، تحفة المحتاج (1/ 2093)، تطهير الجنان واللسان (ص 133)، فتح الإله (ص 238)، العمدة (ص 634 - 677)، تنبيه الأخيار (ل 10 / أ).
(2) انظر: مقالات الإسلاميين (1/ 168)، الملل والنحل (1/ 115)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 51)، البرهان (ص 19).
(3) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص 666).
(4) انظر: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف لأبي عمار عبد الكافي الإباضي ضمن كتاب آراء الخوارج للدكتور عمار طالبي (2/ 116).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 684)
والكفر، وحكمه في الدنيا حكم باقي المسلمين(1).
وذهب المرجئة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وأنه في الآخرة من أهل الجنة إذا مات موحدًا مؤمنًا وإن زنى وسرق وقتل، وقال المرجئة الخالصة منهم: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة(2).
وتوسط أهل السنة والجماعة وهم الوسط الخيار، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأن حكمه في الدنيا حكم بقية المسلمين، وهو في الآخرة إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له(3).
يقول الإمام الصابوني رحمه الله: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر؛ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج عن الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص؛ فإن أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقبًا على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار"(4).
وقد نقل إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك غير واحد من أهل العلم(5).
وعليه فما رجحه ابن حجر رحمه الله في هذه المسألة وحكاه عن أهل السنة والجماعة من القول بأن مرتكب الكبيرة مؤمن لإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، وتبريهم من قولي الوعيدية والمرجئة موافق لِمَا قرروه.--------------------------------------------
(1) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص 697، 701، 712)، المنية والأمل (ص 6).
(2) انظر: التنبيه والرد (ص 155)، الملل والنحل (1/ 139 - 140)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 108)، البرهان (ص 33).
(3) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص 73)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 162، 175، 176)، الشرح والإبانة (ص 265)، شرح السنة للبغوي (1/ 103)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص 276)، مجموع الفتاوى (3/ 151، 374) (4/ 307)، شرح الطحاوية (2/ 524).
(4) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص 276).
(5) انظر: الشرح والإبانة (ص 265)، رسالة إلى أهل الثغر (ص 274)، شرح السنة للبغوي (1/ 103).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 685)
المبحث الثاني آراؤه في مسائل الكفر والتكفير
عرض ابن حجر رحمه الله لجملة من المسائل المتعلقة بالكفر والتكفير، ومنها: تعريف الكفر، والتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وبيان موانعه، وحكم اعتبار المقاصد واللوازم فيه(1).
أولًا: تعريف الكفر:
عرف ابن حجر رحمه الله الكفر الذي هو بمعنى الردة بأنه قطع الإسلام، وبين أنه يكون بالنية والقول والفعل، حيث قال: "كفر المسلم أي: قطعه للإسلام.
إما أن يكون بنية بالقلب حالًا أو مآلًا …
أو تعمّد فعل …
أو تعمّد قول.
باعتقاد لذلك الفعل أو القول أي معه، أو مع عناد من الفاعل أو القائل، أو مع استهزاء أي استخفاف منهما ظاهر"(2).
وقال أيضًا: "ويحصل [أي: الكفر] باطنًا باعتقاده ما يوجب الكفر وإن لم يظهره، وظاهرًا إما بفعل كالسجود لمخلوق، أو ذبح على اسمه تقربًا إليه، وطرح نحو قرآن أو حديث أو علم شرعي على مستقذر ولو طاهرًا كبزاق، وطرح المستقذر عليه، وطرح فتوى علم على الأرض مع--------------------------------------------
(1) ساق ابن حجر رحمه الله جملة من المكفرات في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام وأغلبها نقلًا عن غيره، وما كان منها من كلامه أوردته في مواضعه من البحث.
(2) فتح الجواد (2/ 298).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 686)
قوله أي شيء هذا الشرع، وإما بقول مع اعتقاد أو عناد أو استهزاء …
وإذا حكمنا بردته بواحد من هذه المذكورات ونحوها حكمنا بها باطنًا وإن كان مصدقًا بقلبه؛ لأن ملحظ الإكفار بها دلالتها إما على عدم الانقياد الباطني وإما على تكذيب الشرع وكلاهما كفر وإن وجد في القلب تصديق كما مرّ ذلك مستوفى في بحث الإيمان"(1).
التقويم:
الكفر لغة: مصدر كَفَرَ يَكْفُرُ كُفْرًا(2).
يقول ابن فارس: "الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية … والكفر: ضد الإيمان، سمي بذلك تغطية الحق"(3).
وأما في الشرع: فالكفر ضد الإيمان(4).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين"(5).
ولَمّا كان الناس مختلفين في حقيقة الإيمان، اختلفوا في حقيقة الكفر على نحو اختلافهم فيه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضًا: "والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق متعددة:
فمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك.--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 150)، وانظر: تحفة المحتاج (4/ 106 - 111)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص 192 - 194).
(2) انظر: تهذيب اللغة (4/ 3160)، الصحاح (2/ 807)، لسان العرب (5/ 144)، القاموس المحيط (ص 605).
(3) معجم مقاييس اللغة (ص 930 - 931).
(4) انظر: تعظيم قدر الصلاة (ص 2/ 549)، التبصير في معالم الدين لابن جرير (ص 162)، مجموع الفتاوى (7/ 639) (12/ 335)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 421).
(5) مجموع الفتاوى (2/ 86).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 687)
ومنهم من يقول: الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفيًا وإثباتًا.
ومنهم من لا يحد بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لِمَا جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، جعله كفرًا، إلى طرق أخرى … "(1).
ولهذا فتأسيسًا على ما سبق من كون الإيمان عند أهل السنة والجماعة اعتقادًا بالقلب وقولًا باللسان وعملًا بالجوارح، وكونه عند جمهور الأشاعرة مجرد تصديق القلب.
قال أهل السنة والجماعة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، أو القول، أو العمل، أو بها جميعًا، وأن الكفر بالقول والعمل يقع بمجرده، دون اشتراط اقترانه بالتكذيب أو عدم الانقياد، أو كونهما علامة أو دليلًا عليهما(2).
وقال جمهور الأشاعرة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، والقول، والعمل؛ إلا أن وقوع الكفر بالقول والعمل لكونهما دليلًا على التكذيب أو عدم الانقياد وعلامة عليهما، لا لأنهما كفر بمجردهما(3)، وهو ما قرره ابن حجر -عفا الله عنه- في كلامه المتقدم.
والقول بذلك ظاهر البطلان، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض، وذلك بأن يقال:
أولًا: أن القول بذلك فرع عن القول بأن الإيمان هو مجرد التصديق وهو باطل -كما سبق-(4) فما هو فرع له كذلك.--------------------------------------------
(1) منهاج السنة (5/ 251).
(2) انظر: تعظيم قدر الصلاة (2/ 930)، مجموع الفتاوى (7/ 220، 557 - 558)، الصارم المسلول (3/ 955) وما بعدها، الدرر السنية (10/ 149) وما بعدها، وللاستزادة: التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد لعلوي السقاف.
(3) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص 266)، المواقف (ص 388)، وشرحها (8/ 331 - 332)، شرح المقاصد (5/ 224 - 225).
(4) انظر: (ص 665).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 688)
ثانيًا: أن القول بذلك يستلزم لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، منها:
1 - أن لا يكون للقول والعمل المكفر أثر في التكفير وجودًا وعدمًا، وإنما المؤثر في التكفير على الحقيقة هو الاعتقاد، والاعتقاد بمجرده مكفر سواء صاحبه القول والعمل أو لم يصاحباه؛ وعليه فلا معنى لوقوع الكفر بهما(1).
2 - أن لا يكون شيء من الأقوال والأعمال كفرًا إلا مع الاعتقاد، والاعتقاد من السرائر المحجوبة؛ وعليه فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص خاص(2).
3 - أن لا يكفر من قال قولًا كفريًا أو عمل عملًا كفريًا وزعم أن قوله لذلك أو فعله له ليس اعتقادًا وإنما غيظًا أو سفهًا أو عبثًا أو لعبًا(3).
ثالثًا: أن القول بذلك يؤدي إلى التساهل في الأقوال والأعمال الكفرية بدعوى عدم اعتقاد ما دلت عليه، وتعطيل الحكم بالكفر على من يستحقه بزعمه عدم اعتقاده(4).
ثانيهما: المعارضة:
بما دلت عليه النصوص المتكاثرة من إطلاق الكفر على بعض الأقوال والأعمال، ووصف المقارف لها بالكفر.
ثانيًا: التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به:
حذر ابن حجر رحمه الله من التكفير بغير حق، وبين أن من قال لأخيه: يا كافر دائر بين الوقوع في الكفر والوقوع في الكبيرة، حيث قال: "قول إنسان لمسلم: يا كافر أو يا عدو الله …
إما كفر بأن يسمى المسلم كافرًا أو عدو الله من جهة وصفه بالإسلام، فيكون قد سمى الإسلام كفرًا ومقتضيًا لعداوة الله وهذا كفر.--------------------------------------------
(1) انظر: الصارم المسلول (3/ 963).
(2) انظر: إيثار الحق على الخلق (ص 419).
(3) انظر: الصارم المسلول (3/ 963).
(4) انظر: الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص 384، 386).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 689)
وإما كبيرة بأن لا يقصد ذلك فرجوع ذلك إليه حينئذ كناية عن شدة العذاب والإثم عليه وهذا من أمارات الكبيرة"(1).
وبين ابن حجر رحمه الله ضرورة احتياط المفتي والحاكم في الحكم بالكفر، حيث قال:
"ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره، وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديمًا وحديثًا"(2).
التقويم:
الكفر حكم شرعي متلقى من نصوص الشريعة، والحكم به بمحض العقل ومجرد الرأي من القول على الله بغير علم(3).
ولهذا وردت النصوص بالتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به.
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)} [النساء: 94].
وفي الحديث: "من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه"(4).
وقد اختلف أهل العلم في المراد بالحديث، وحكم من تلفظ بإحدى هاتين اللفظتين على أقوال كثيرة(5).--------------------------------------------
(1) الزواجر (2/ 125)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص 175 - 184).
(2) تحفة المحتاج (4/ 110)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص 218 - 219).
(3) انظر: الشفا للقاضي عياض (2/ 1065)، درء التعارض (1/ 242)، منهاج السنة (5/ 244)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 421)، العواصم من الفواصم (4/ 178).
(4) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم (1/ 80) برقم (61) من حديث أبي ذر رضي الله عنه به.
(5) انظر: شرح صحيح مسلم (1/ 249)، فتح الباري (10/ 466).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 690)
يقول الحافظ ص ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "التحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم … وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يُخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل: المعاصى بريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة.
وأرجح الجميع أن يقال: من قال ذلك لمن لا يعرف منه إلا الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك ..
فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر فكأنه كفر نفسه؛ لكونه كفّر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام"(1).
وقد ذكر الفقهاء من شتى المذاهب في كتبهم كتاب المرتد، وبينوا فيه من الأحكام المترتبة على الردة ما يؤكد خطورة التكفير، وضرورة الاحتياط في الحكم به(2).
"ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله"(3).
وبما سبق يتضح صحة ما قرره ابن حجر رحمه الله من خطورة التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وحكم من قال لأخيه: يا كافر أو يا عدو الله.--------------------------------------------
(1) فتح الباري (10/ 466).
(2) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (7/ 134)، فتح القدير لابن الهمام (6/ 91)، جامع الأمهات لابن الحاجب (ص 512)، الذخيرة للقرافي (12/ 13)، روضة الطالبين (7/ 283)، كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين للمحلي (4/ 267)، الفروع لابن مفلح (6/ 164)، كشاف القناع للبهوتي (6/ 167).
(3) الرد على البكري (1/ 381).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 691)