Arabic source text

📘 আরাউ ইবনু হাজারিল হাইতামী আল-ইতিকাদিয়্যাহ (আরদু ওয়া তাকভীম ফী দাউয়ি আকীদাতিল সালাফ) (মুহাম্মদ বিন আবদুল আজীজ আল-শায়ে)

📘 آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية (عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف) (محمد بن عبد العزيز الشايع)

📘 আরাউ ইবনু হাজারিল হাইতামী আল-ইতিকাদিয়্যাহ (আরদু ওয়া তাকভীম ফী দাউয়ি আকীদাতিল সালাফ) (মুহাম্মদ বিন আবদুল আজীজ আল-শায়ে)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌ثالثًا: موانع التكفير:
يرى ابن حجر رحمه الله أن الحكم بالكفر على من تلبس به يمنع منه موانع عدة هي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه.
وقد قرر ذلك في مواضع متعددة من كتبه، منها:
قوله: "إطلاق الكفر … مع الجهل وعدم العذر به بعيد، وعندنا إذا كان بعيد الدار عن المسلمين بحيث لا ينسب لتقصير في تركه المجيء إلى دارهم للتعلم أو كان قريب العهد بالإسلام يعذر لجهله، فيعرّف الصواب، فإن رجع إلى ما قاله بعد ذلك كفر"(1).
وقوله: "ويعذر أيضًا فيما يظهر بدعوى سبق اللسان بالنسبة لدرء القتل عنه … وذلك حق الله تعالى وهو مبني على المسامحة"(2).
وقوله: "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة … ببدعة لشبهة تأويلهم إلا إذا انضم إليها مكفر صريحًا لا لزومًا"(3).
وقوله: "ولا تصح ردة … مكره على مكفر قلبه مطمئن بالإيمان للآية"(4).
التقويم:
لَمّا كان الحكم بالكفر يلزم منه لوازم عدة، ويبنى عليه أحكام كثيرة؛ ذكر أهل العلم ما يمنع منه، ويقدح في الحكم به، وبحثوا في ضوابط كل منها، وجملتها أربعة، هي: الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه.
وليس المقصود هنا بحث هذه الموانع ومناقشة الأقوال الواردة فيها وإنما المقصود بيان موافقة ابن حجر رحمه الله فيما قرره من الإعذار بها لقول أهل السنة والجماعة أو مخالفته لهم.--------------------------------------------
(1) الإعلام بقواطع الإسلام (ص 242).
(2) المصدر السابق (ص 282).
(3) التعرف (ص 124).
(4) تحفة المحتاج (4/ 113)، وانظر: فتح المبين (ص 130)، فتح الجواد (2/ 299)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص 318).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 692)

فأولها: الجهل:
والمراد به هنا: التلبس والوقوع في الكفر بسبب عدم العلم.
وقد اختلف أهل العلم في الإعذار به على ثلاثة أقوال:
الأول: الإعذار به مطلقًا.
الثاني: عدم الإعذار به مطلقًا.
الثالث: التفضيل فمن كان حديث عهد بإسلام، أو ناشئًا بغير دار الإسلام، أو ببادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم عذر بجهله، ومن كان بخلاف ذلك فلا يعذر، ومحله المسائل الخفية لا الظاهرة(1).
والقول الثالث هو بمعنى ما قرره ابن حجر رحمه الله في كلامه المتقدم، وهو الراجح الذي عليه المحققون من أهل العلم، وأدلته مبسوطة في مواضعها من كتبهم(2).

ثانيها: الخطأ:
والمراد به هنا أحد أمرين:
الأول: الخطأ الناشئ عن اجتهاد، فهذا بمعنى التأويل وحكمه حكمه -وسيأتي-.
الثاني: الخطأ الناشئ عن غير قصد كسبق اللسان ونحوه، فهذا اتفق أهل العلم على الإعذار به مطلقًا(3)، وهو الذي عناه ابن حجر رحمه الله في كلامه المتقدم، ويدل لذلك قوله عز وجل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ--------------------------------------------
(1) انظر: التمهيد (18/ 46 - 47)، مجموع الفتاوى (1/ 491) (3/ 231) (7/ 619) (11/ 407 - 409) (35/ 165)، مدارج السالكين (1/ 367)، فتح الباري (6/ 523)، الدرر السنية (10/ 432)، فتاوى اللجنة الدائمة (1/ 220، 528) (2/ 96 - 99)، مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (2/ 528 - 530)، فتاوى الشيخ ابن عثيمين (2/ 126 - 138)، وللاستزادة: الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق معاش (ص 281) وما بعدها، عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد لأبي العلاء الراشد (ص 37) وما بعدها، نواقض الإيمان الاعتقادية للدكتور محمد الوهيبي (1/ 225) وما بعدها.
(2) انظر: المصادر السابقة.
(3) انظر: شرح صحيح مسلم (17/ 71)، فتح الباري (13/ 29).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 693)

وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح"(1).

ثالثها: التأويل:
والمقصود به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك أو تعمد المخالفة بسبب القصور في فهم الأدلة الشرعية.
"والمتأولون من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطؤوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقًّا والتزموا ذلك، لكنهم أخطؤوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك"(2).
وضابط التأويل المعتبر الإعذار به شرعًا والمانع من الكفر ما كان تأويلًا سائغًا بخلاف ما هو دون ذلك، وهذا يختلف باختلاف ظهور المسائل، وصراحة أدلتها، وقوة التأويل فيها، وورود الشبهة عليها، وسلامة قصد المتأول، وامتلاكه آلة النظر(3).
يقول العلامة ابن سعدي رحمه الله: "والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب الحض على التوبة والفرح بها (4/ 2104) برقم (2747) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه به.
(2) الإرشاد في معرفة الأحكام لابن سعدي (ص 207).
(3) انظر: الحجة في بيان المحجة (2/ 510 - 511)، الشفا (2/ 1051 - 1065)، الدرة لابن حزم (ص 414)، مجموع الفتاوى (3/ 231)، العواصم والقواصم (4/ 176)، منهاج التأسيس والتقديس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ص 102)، الإرشاد في معرفة الأحكام (ص 209).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 694)

اتصف بها، وثم أخر من جنسها لم يكفروه بها، والفرق بين الأمرين أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول، لكثرة التأويلات الواقعة فيها"(1).
وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جملة من المسائل التي يعذر بالتأويل فيها فيقاس عليها نحوها(2).
وعليه فما قرره ابن حجر رحمه الله من الإعذار بالتأويل والمنع من التكفير مع وجوده موافق لقول أهل السنة والجماعة إلا أنه يؤخذ عليه إطلاقه الإعذار به دون تقييد ذلك بالتأويل المقبول أو السائغ.

رابعها: الإكراه:
والمراد به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد له بسبب الإلزام به.
ولا خلاف بين أهل العلم في أن أعمال القلوب ليست محلًا للإكراه؛ ولهذا أصبحت سلامتها شرطًا لصحة الإعذار به في قوله عز وجل: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] وأن محل الإكراه أعمال الجوارح من الأقوال والأعمال.
واختلفوا في الإعذار بالإكراه فيهما هل هو خاص بالأقوال دون الأعمال أم هو عام فيهما، والصحيح ما عليه الجمهور من القول بالعموم؛ لعموم الأدلة، ويستثنى من ذلك القتل للإجماع على عدم الإعذار بالإكراه فيه، والزنى على خلاف(3).
وضابط الإكراه المعتبر الإعذار به شرعًا والمانع من التكفير ما استجمع شروطًا أربعة:--------------------------------------------
(1) الإرشاد في معرفة الأحكام (ص 209).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (20/ 33 - 36).
(3) انظر: تفسير القرطبي (10/ 182)، الفتاوى الكبرى (1/ 56)، جامع العلوم والحكم (2/ 370 - 371)، فتح الباري (12/ 314)، فتح القدير للشوكاني (3/ 197).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 695)

1 - أن يكون المكرِه قادرًا على تحقيق ما أوعد به.
2 - أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفع عن نفسه.
3 - أن يغلب على الظن وقوع الوعيد بترك ما أكره عليه.
4 - أن يكون الإكراه ملجأ يلحق المكرَه بسببه ضررٌ كثيرٌ لا يسيرٌ(1).
وعليه فما قرره ابن حجر رحمه الله من الإعذار بالإكراه والمنع من التكفير مع وجوده موافق لقول أهل السنة والجماعة إلا أنه يؤخذ عليه أيضًا إطلاقه الإعذار به دون تقييد ذلك بالإكراه المعتبر الذي يستجمع الشروط السابقة.

‌‌رابعًا: اعتبار المقاصد في التكفير:
يرى ابن حجر رحمه الله أن المعتبر في الحكم بالكفر هو الظاهر دون الباطن، حيث يقول:
"المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله"(2).
التقويم:
الحكم بالكفر يتناول الظاهر والباطن للتلازم بينهما، وهو فرع عن القول بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل(3).
ولهذا فإن الاعتقادات والأقوال والأعمال الكفرية من حيث هي قسمان(4):
الأول: ما لا يحتمل إلا الكفر.
كسب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، وإهانة المصحف ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال لا تحتمل إلا الكفر فلا ينظر إلى قصد من عملها ولا إلى نيته ولا إلى قرائن أحواله.--------------------------------------------
(1) انظر: فتح الباري (12/ 311).
(2) الإعلام بقواطع الإسلام (ص 282)، وانظر: (ص 185).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (7/ 582، 616، 621)، شرح الأصفهانية (ص 142).
(4) انظر: ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله القرني (ص 212 - 217).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 696)

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل"(1).
ويقول: "لو أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًّا من الأنبياء، ويقول أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول"(2).
والحكم بالكفر هنا إنما هو للفعل لا للفاعل، إذ لا يلزم من الحكم بكفر الفعل تكفير الفاعل؛ لكون تكفيره يتوقف على وجود الشروط وانتقاء الموانع.
والثاني: ما يحتمل الكفر وعدمه:
كالسجود لغير الله، وإفشاء سر المسلمين لعدوهم ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال تحتمل الكفر وعدمه، فالمعتبر فيها قصد من عملها ونيته وقرائن أحواله.
فالسجود لغير الله يحتمل أن يكون عبادة وقربة، فهو حينئذ كفر، ويحتمل أن يكون تعظيمًا وتحية، فهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفر معاذ رضي الله عنه بمجرد سجوده له، وإنما استفصل منه(3).
ففي الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: "لَمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت--------------------------------------------
(1) الصارم المسلول (3/ 955).
(2) مجموع الفتاوى (7/ 616)، وانظر: شرح الأصفهانية (ص 142)، أعلام الموقعين (3/ 107).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (4/ 360).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 697)

المرأة أن تسجد لزوجها"(1).
وكذا إفشاء سر المسلمين لعدوهم يحتمل الموالاة والإعانة، وهو حينئذ كفر، ويحتمل إرادة مصلحة دنيوية، وهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بمجرد مكاتبته لقريش بأمر مسير الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة، وإنما استفصل منه(2).
ففي الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجَل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرءًا من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصنع إليهم يدًا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني فقال رسول الله: إنه صدقكم، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"(3).
وبما سبق يُعلم خطأ ابن حجر -غفر الله له- في إطلاق القول بأن المدار في الحكم بالكفر على الظواهر وأنه لا نظر إلى المقاصد أو النيات أو القرائن من جهة، ومناقضة قوله هذا لِمَا سبق نقله عنه من كون الحكم بالكفر في حق من ظهر منه قول أو عمل مكفر إنما هو بسبب كونه دليلًا على تكذيب القلب أو عدم الانقياد الباطن من جهة أخرى.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (1/ 595) برقم (1853)، وعبد الرزاق (11/ 301) برقم (20596)، وأحمد (32/ 145) برقم (19403)، وابن حبان (9/ 479) برقم (4171)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 292) من طرق عن القاسم بن عوف الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
قال الهيثمي في المجمع (4/ 309): "رجاله رجال الصحيح"، والحديث له شواهد من حديث معاذ بن جبل، وزيد بن أرقم، وصهيب وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
(2) انظر: الأم (4/ 264).
(3) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا (3/ 1215) برقم (3985)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر وقصة حاطب (4/ 1941) برقم (2494).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 698)

‌‌خامسًا: اعتبار اللازم في التكفير:
يرى ابن حجر رحمه الله عدم اعتبار اللازم في التكفير، والحكم بمقتضاه فيه، حيث يقول:
"الأصح أن لازم المذهب ليس بمذهب؛ لأن القائل بالملزوم قد لا يخطر له القول بلازمه … فلا كفر به"(1).
التقويم:
اللازم: ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، وقد يكون هذا اللازم بينًا، وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما، وقد يكون غير بيّن، وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط(2).
"ولازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا يجب عليه أن يلتزمه …
والثاني: لازم الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه … "(3).
واللوازم من حيث التزام أصحابها بها على أحوال ثلاثة:
الأول: أن يلتزم بها، فتعد قولًا له.
الثاني: أن يمنع التلازم بينها وبين قوله، فلا تعد قولًا له.
الثالث: أن يسكت عنها فلا يلتزمها ولا يمنع التلازم بينها وبين قوله -فهذه محل البحث هنا- فهل تعد قولًا له أم لا؟ قولان، أصحهما أنها لا تعد كذلك(4).--------------------------------------------
(1) الإعلام بقواطع الإسلام (ص 263)، وانظر: (ص 202، 223، 239، 263، 294، 301)، تحفة المحتاج (4/ 109) التعرف (ص 124)، فتح الجواد (2/ 299).
(2) انظر: التعريفات للجرجاني (ص 190).
(3) مجموع الفتاوى (29/ 41 - 42).
(4) انظر: القواعد النورانية لشيخ الإسلام (ص 128 - 129)، مجموع الفتاوى (5/ 306، 477)، الاعتصام للشاطي (2/ 549)، توضيح المقاصد لابن عيسى (2/ 394 - 395)، توضيح الكافية الشافية لابن سعدي (ص 155 - 156)، شرح النونية لهراس (2/ 34 - 37)، القواعد المثلى لابن عثيمين (ص 32 - 33).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 699)

ولهذا فإن الصحيح عدم اعتبار اللازم في التكفير، والحكم بمقتضاه فيه ما لم يلتزمه(1).
وقد نقل الحافظ السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمهما الله- أنه قال: "الذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعُرض عليه فالتزمه … أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا"(2).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: الفصل (3/ 250)، الشفا للقاضي عياض (2/ 1084 - 1086)، مجموع الفتاوى (5/ 306) (20/ 217)، العواصم من القواصم (4/ 368)، العلم الشامخ للمقبلي (ص 412)، وللاستزادة: نواقض الإيمان الاعتقادية (2/ 35 - 38).
(2) فتح المغيث (1/ 334)، وقد بحثت عن كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في مظانه من كتبه فلم أجده.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 700)

‌‌المبحث الثالث آراؤه في مسائل البدعة
عرض ابن حجر رحمه الله لجملة من المسائل المتعلقة بالبدعة، وهي: تعريف البدعة، وبيان أقسامها، وتوضيح حكمها، وبيّن موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره.
وفيما يلي بيان ذلك:

‌‌أولًا: تعريف البدعة:
عرف ابن حجر رحمه الله البدعة في اللغة، وبين المراد بها في الشرع، حيث قال:
"هي لغة: ما كان مخترعًا على غير مثال سابق، ومنه: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117] أي: موجدهما على غير مثال سابق.
وشرعًا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص والعام"(1).
التقويم:
البدعة لغة: اسم هيئة من الابتداع(2).
يقول ابن فارس: "الباء والدال والعين أصلان:
أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا على مثال سابق.--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 221)، وانظر: (ص 107)، الفتاوى الحديثية (ص 370).
(2) انظر: تهذيب اللغة (1/ 293)، الصحاح (3/ 1183)، لسان العرب (8/ 6)، القاموس المحيط (ص 906).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 701)

والثاني: الانقطاع والكلال، كقولهم: أبدعت الراحلة إذا كلت وعطبت"(1).
والمعنى الثاني داخل في الأول؛ إذ الانقطاع والكلال ابتداء لشيء خارج عما اعتيد عليه(2).
وأما في الشرع:
فقد عرف العلماء البدعة في الشرع بتعريفات كثيرة(3)، وهي وإن كان بينها اختلاف في الألفاظ أدى إلى تفاوتها في استيفاء جزئيات التعريف كاملة، إلا أن مضمونها في الجملة واحد.
وأجمعها تعريف الشاطبي رحمه الله حيث عرفها بقوله: "البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية"(4).
فقد تضمن هذا التعريف ضوابط البدعة، وهي:
الأول: الإحداث والاختراع.
الثاني: التعبد بها.
الثالث: عدم استنادها إلى أصل شرعي بطريق خاص أو عام(5).
ومما سبق يتضح صواب قول ابن حجر رحمه الله في تعريفه البدعة في اللغة والشرع، ومطابقة تعريفه لها لما ذكره أهل العلم في تعريفها وضوابطها، إلا أنه أغفل الإشارة في تعريفه إلى ضابط التعبد بها فلم يذكره وهو مهم.--------------------------------------------
(1) معجم مقاييس اللغة (ص 119).
(2) انظر: النهاية لابن الأثير (1/ 107 - 108).
(3) انظر: الحوادث والبدع للطرطوشي (ص 39)، الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة (ص 85)، مجموع الفتاوى (3/ 195) (4/ 107) (18/ 246) (21/ 317)، الاعتصام للشاطبي (1/ 37)، جامع العلوم والحكم (2/ 127)، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي (ص 81).
(4) الاعتصام (1/ 37).
(5) انظر: جامع العلوم والحكم (2/ 128)، فتح الباري (13/ 254)، وللاستزادة: قواعد معرفة البدع للدكتور محمد الجيزاني (ص 19) وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 702)

‌‌ثانيًا: أقسام البدعة:
لما عرف ابن حجر - عفا الله عنه - البدعة بأنها ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله، بين المراد بالمحدث، وأقسامه، فقال:
"المراد بالمحدث الذي هو بدعة وضلالة: ما ليس له أصل في الشرع، وإنما الحامل عليه مجرد الشهوة والإرادة فهذا باطل قطعًا، بخلاف محدث له أصل في الشرع إما بحمل النظير على النظير أو بغير ذلك فإنه حسن؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ومن ثم قال عمر رضي الله عنه به في التراويح: نعمت البدعة هي(1)، فليس ذلك مذمومًا بمجرد لفظ محدث أو بدعة فإن القرآن باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث في أول سورة الأنبياء وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفته للسنة ودعائه إلى الضلالة"(2).
وقال في شرحه لحديث عائشة رضي الله عنها وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(3).
"قوله: (من أحدث) أي: أنشأ واخترع من قبل نفسه.
(في أمرنا هذا ما ليس منه): مما ينافيه أو لا يشهد له شيء من قواعده وأدلته العامة.
(فهو رد): أي مردود على فاعله؛ لبطلانه وعدم الاعتداد به، سواء كانت منافاته لما ذكر لعدم مشروعيته بالكلية كنذر القيام وعدم الاستظلال ومن ثم أبطل صلى الله عليه وسلم نذر ذلك، أو للإخلال بشرطه أو ركنه عبادة كانت أو عقدًا … أو للزيادة على المشروع فيه في نحو الصلاة دون الوضوء أو لارتكاب منهياته كالصلاة بنحو مغصوب …--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فصل من قام رمضان (2/ 595) برقم (2010).
(2) فتح المبين (ص 221).
(3) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الأقضية، باب نقص الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (3/ 1343) برقم (1718).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 703)

أما ما لا ينافي ذلك بأن شهد له شيء من أدلة الشرع أو قواعده فليس يرد على فاعله بل هو مقبول منه، وذلك كبناء نحو الربط وخانات السبيل وسائر أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكالتصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها … وككتابة القرآن في المصاحف ووضع المذاهب وتدوينها …
ومن ثم استجاز كثير من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم في جمع القرآن، فإن عمر أشار به على أبي بكر خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة رضي الله عنهم لَمّا كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف لكونه صورة بدعة ثم شرح الله صدره لفعله لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين وأنه غير خارج عنه …
وكما وقع لعمر رضي الله عنه في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد مع تركه صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال - أعني: عمر -: نعمت البدعة هي، أي لأنها وإن أحدثت ليس فيها رد لِمَا مضى بل موافقة له؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علل الترك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته صلى الله عليه وسلم.
وقال الشافعي - رضي الله تعالى عنه -: "ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو البدعة المحمودة"(1).
والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وهي ما وافق شيئًا مما مرّ ولم يلزم من فعله محذور شرعي … وأن البدعة السيئة هي ما خالف شيئًا من ذلك صريحًا أو التزامًا … "(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (1/ 226) برقم (253)، ومناقب الشافعي له (1/ 469). وأخرجه بنحوه أبو نعيم في الحلية (9/ 113).
(2) فتح المبين (ص 107 - 108).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 704)

التقويم:
دلّت النصوص الشرعية على أن البدع كلها سيئة، وليس فيها شيء حسن، ومنها:
قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
قال الإمام مالك رحمه الله: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا"(1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"(2).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين"(3).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(4).
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: "هذا الحديث من قواعد الدين، لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر، وما أصْرَحَهُ وأدَلّه على إبطال ما ذهب إليه الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام، وتخصيص الرد ببعضها بدون مخصص من عقل ولا نقل"(5).
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان على ذم البدع صغيرها وكبيرها، وتقبيحها والتحذير منها، والنهي عن مجالسة أصحابها، بل والتنفير من الذرائع المؤدية إليها، ولم يُعلم عن السلف توقف في شأن شيء من البدع فضلًا عن القول باستحسانها، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدل دلالة واضحة على أن البدع كلها سيئة ليس فيها شيء حسن(6).--------------------------------------------
(1) ذكره الشاطبي عن الإمام مالك في الاعتصام (2/ 18).
(2) سبق تخريجه (ص 7).
(3) جامع العلوم والحكم (2/ 128).
(4) سبق تخريجه (ص 703).
(5) نيل الأوطار (2/ 69).
(6) انظر: الاعتصام (1/ 42)، وانظر: في سياق أقوال السلف رحمهم الله كتاب ما جاء =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 705)

وعليه فما قرره ابن حجر - غفر الله له - من تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما، النقض: بأن يقال:
أولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح، ومنه ما يذم؛ إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع(1).
ثانيًا: أن القول بذلك يفتح باب الابتداع على مصراعيه، ولا يمكن معه رد أي بدعة؛ لأن كل صاحب بدعة سيدعي أن بدعته حسنة.
ثالثًا: أن قول ابن حجر - غفر الله له - بذلك مناقض لِمَا قرره قبل من كون التحسين والتقبيح شرعيين لا عقليين(2).
رابعًا: أن ما احتج به ابن حجر - عفا الله عنه - على قوله لا يصح، وبيان ذلك فيما يلي:
1 - أن الأمثلة التي ساقها للبدعة الحسنة وقرر عمل الأمة بها، وادعى أنها لم تعهد في الصدر الأول لا تسلم له؛ إذ الأربطة والمدارس وكتابة القرآن وتصنيف الكتب ونحوها من أعمال البر مسبوقة بالصفة ودار الأرقم وكتابة القرآن والحديث في الصدر الأول، وهي أصل مشروعيتها(3).
"وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع … فعلى هذا لا ينبغي أن تسمى … بدعة أصلًا"(4).
2 - أن فعل عمر رضي الله عنه وقوله لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر، وذلك من وجهين:--------------------------------------------
= في البدع لابن وضاح (ص 25) وما بعدها، جزء في اتباع السنن واجتناب البدع للضياء المقدسي (ص 31) وما بعدها، التمسك بالسنن والتحذير من البدع للذهبي (ص 93) وما بعدها، الأمر بالاتباع والنهي عن الإبداع للسيوطي (ص 57) وما بعدها.
(1) انظر: الاعتصام (1/ 142).
(2) انظر: (ص 601).
(3) انظر: جامع العلوم والحكم (2/ 131)، حوار مع المالكي للمنيع (ص 104).
(4) الاعتصام (1/ 38 - 39).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 706)

أ - أنه قال ذلك عندما جمع الناس في صلاة التراويح وصلاة التراويح ليست ببدعة، بل هي عين السنة، بدليل ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمع من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح، قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان"(1).
فبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلة التي من أجلها ترك الجماعة في صلاة التراويح، فلما رأى عمر رضي الله عنه أن العلة قد زالت، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، أعاد صلاة التراويح جماعة، فالذي فعله عمر رضي الله عنه ليس بدعة وإنما هو عين السنة(2).
ب - أن المراد بالبدعة في قول عمر رضي الله عنه البدعة بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الشرعي؛ إذ صلاة التراويح جماعة قد ثبت فعلها في عهده صلى الله عليه وسلم كما سبق - فإطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه الشرعي لا يصح، ولكن لَمّا كانت قد تركت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم للعلة المذكورة وفي عهد أبي بكر وصدر عهد عمر رضي الله عنهما ثم فعلت بعد صح إطلاق لفظ البدعة عليها بمعناه اللغوي إذ ليس لها مثال سابق(3).
3 - أن قول الإمام الشافعي رحمه الله لا يدل على ما ذهب إليه ابن حجر - غفر الله له - وذلك من وجهين:
أ - أن الإمام الشافعي رحمه الله لا يمكن أن يقول بتقسيم البدعة بمعناها الشرعي إلى قسمين حسنة وسيئة؛ إذ ذلك معارض لأصوله، ومنها إنكاره--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل (1/ 337) برقم (1129).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (22/ 234)، اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 588، 591)، جامع العلوم والحكم (2/ 128)، الاعتصام (1/ 194).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (10/ 371) (22/ 224، 234)، اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 589 - 590)، الاعتصام (1/ 195)، جامع العلوم والحكم (2/ 128).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 707)

الاستحسان الذي لا يستند إلى دليل شرعي، ومن مشهور قوله: "من استحسن فقد شرع"(1)، ومما سطره في رسالته قوله: "ليس لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول إلا بالاستدلال … ولا يقول بما استحسن؛ فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سابق"(2).
ب - أن المراد بالبدعة في قول الإمام الشافعي رحمه الله المتقدم البدعة بمعناها اللغوي لا بمعناها الشرعي، ويدل لذلك سياقه لقول عمر رضي الله عنه المتقدم.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: "مراد الشافعي رضي الله عنه ما ذكرناه قبل، أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السنة"(3).

ثانيهما: النقض:
بما تقدم من الأدلة الدالة على أن البدعة كلها سيئة، وقد جاءت على كثرتها مطلقة ولم يستثن منها شيء(4).

‌‌ثالثًا: حكم البدعة:
يرى ابن حجر - غفر الله له - أن البدعة تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة، حيث قال:
"البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة؛ لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية لم تخل عن واحد من تلك الأحكام.
فمن البدع الواجبة على الكفاية: الاشتغال بالعلوم العربية المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة … وبالجرح والتعديل وتمييز صحيح الأحاديث--------------------------------------------
(1) نقله عنه الشاطبي في الاعتصام (2/ 137).
(2) الرسالة (ص 25)، وانظر: (ص 504، 507، 508).
(3) جامع العلوم والحكم (2/ 131).
(4) انطر: مجموع الفتاوى (10/ 370)، اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 588)، الاعتصام (1/ 141 - 142).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 708)

من سقيمها، وتدوين نحو الفقه وأصوله وآلاته، والرد على نحو القدرية والجبرية والمرجئة … لأن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين كما دلت عليه القواعد الشرعية ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، ولأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب.
ومن البدع المحرمة: مذاهب سائر أهل البدع المخالفة لِمَا عليه أهل السنة والجماعة.
ومن المندوبة: إحداث نحو الربط، والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول …
ومن البدع المكروهة: زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف.
ومن المباحة: التوسع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس"(1).
التقويم:
القول بأن البدعة مما تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة من الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة قول حادث، وأول من عرف عنه القول به العز بن عبد السلام(2)، وتبعه عليه القرافي(3) - غفر الله لهما - وتلقفه عنهما بعض فقهاء المذاهب المتأخرين(4)، ومن هؤلاء ابن حجر - عفا الله عنه -.
وهو قول باطل، والرد عليه من طريقين:
أحدهما: النقض: وذلك بأن يقال:
أولًا: أن متعلق البدعة يقتضي القول ببطلان هذا التقسيم؛ لأنها من باب مضادة الشارع وإطراح الشرع، وما كان بهذه المثابة، فلا يصح أن ينقسم إلى هذه القسمة وتجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة(5).--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 221 - 222)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص 203).
(2) انظر: قواعد الأحكام (2/ 172 - 174)، وفتاواه (ص 116).
(3) انظر: الفروق (4/ 202).
(4) انظر: قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص 19)، المنثور في القواعد للزركشي (1/ 218)، الحاوي للسيوطي (1/ 192، 348).
(5) انظر: الدين الخالص (3/ 23 - 25).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 709)

ثانيًا: "أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة، لَمَا كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلًا في عمومٍ الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين.
أما المكروه والمحرم منها فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى؛ إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم"(1).
ثالثًا: أن جميع الأمثلة التي مثل بها ابن حجر - غفر الله له - لا تصح دليلًا على التقسيم المذكور، سوى مثاله للبدع المحرمة.
"أما قسم الواجب: فجميع ما ذكر فيه من أمثلة من قبيل المصالح المرسلة(2) لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول وإن كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يُعد ذلك قدحًا على ما نحن فيه …
وأما قسم المندوب: فليس من البدع بحال، ويتبين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها …
وأما القسم المباح: فليست في الحقيقة من البدع، بل هي من باب التنعم، ولا يقال فيمن تنعم بمباح إنه قد ابتدع …--------------------------------------------
(1) الاعتصام (1/ 191).
(2) المراد بالمصالح المرسلة: "كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الكلية دون أن يكون لها شاهد جزئي بالاعتبار أو الإلغاء".
انظر: المحصول (1/ 218)، المستصفى (1/ 284)، الاعتصام (2/ 114)، المصالح المرسلة للشنقيطي (ص 9 - 10)، وللاستزادة: البدعة والمصالح المرسلة للدكتور توفيق الواعي (ص 241) وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 710)

وأما القسم المكروه: ففيه أشياء هي من قبيل البدع"(1) المحرمة لا المكروهة.
والثاني: المعارضة:
بما تقدم من الأدلة الدالة على تحريم البدع كلها، والحكم ببطلانها.

‌‌رابعًا: موقفه من بعض البدع المنتشرة في عصره:
حذر ابن حجر رحمه الله من جملة من البدع الحادثة في مواضع متعددة من كتبه، سواء من البدع العقدية(2) أو البدع العملية(3).
وفيما يلي دراسة لموقفه من أشهر بدع عصره.

‌‌1 - الاحتفال بالمولد النبوي:
عرف ابن حجر - غفر الله - المولد، بقوله: "المولد: بكسر اللام زمن الولادة، وبفتحها: مكانها"(4).
وذكر اختلاف المؤرخين في تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم، وأرجح أقوالهم، فقال: "اختلفوا في مولده ويومه على أقوال كثيرة، ولا خلاف أنه ولد يوم الاثنين، والأشهر أنه ولد في شهر ربيع الأول، والأشهر أيضًا أنه ولد في ثاني عشر، وكثيرون أئمة حفاظ متقدمون وغيرهم على أنه يوم ثامنه"(5).
وبين حكم الاحتفال به، فقال: "اعلم أنه بدعة؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة التي شهد النبي صلى الله عليه وسلم بخيريتها، لكنها بدعة حسنة لِمَا اشتملت عليه من الإحسان الكثير للفقراء، ومن قراءة القرآن، وإكثار الذكر، وقراءة مولد وما اشتمل عليه من كراماته وكثير من معجزاته، وإظهار السرور والفرح به …--------------------------------------------
(1) الاعتصام (1/ 191 - 197).
(2) سبق ذكرها في مواضعها من الرسالة.
(3) انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (1/ 397، 398، 413، 422، 431) (4/ 216)، تحفة المحتاج (1/ 432، 433، 438)، الإفادة لما جاء في المرض والعيادة (ص 38، 39)، الدر المنضود (ص 171).
(4) المنح المكية (1/ 179).
(5) مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 49)، وانظر: المولد الشريف (ص 53)، أشرف الوسائل (ص 38).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 711)