فمن ذلك حديث أبي بن العباس بن سهل بن سعد (1) عن أبيه (2) رضي الله عنه في ذكر خيل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم في حائطنا فرس يقال لها اللحيف. قال أبو عبد الله وقال بعضهم: اللخيف (3) .
وأبي هذا قد ضعفه لسوء حفظه أحمد بن حنبل ويحي بن معين والنسائي. ولكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن العباس (4) أخرجه ابن ماجه من طريقه. وعبد المهيمن فيه ضعف. فاعتضد. وانضاف إلى ذلك أنه ليس من أحاديث الأحكام، فلهذه الصورة المجموعة حكم البخاري بصحته (5) . وكذا حكم البخاري بصحة حديث معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد فقال صلى الله عليه وسلم: " جهادكن الحج والعمرة " (6) .
ومعاوية ضعفه أبو زرعة ووثقه أحمد والنسائي (7) .
وقد تابعه عليه عنده حبيب بن أبي عمرة (8) فاعتضد (9) .
في أمثلة كثيرة قد ذكر الحافظ كثيراً منها في مقدمة شرحه للبخاري ويوجد في كتاب مسلم منها أضعاف ما في البخاري.--------------------------------------------
(1) فيه ضعف من السابعة. انظر التقريب ص96، وهدي الساري ص408.
(2) ثقة، مات في حدود (120هـ) وقيل قبل ذلك، انظر التقريب ص293.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار الحديث (2800) ، ج6 ص69 مع الفتح.
(4) ضعيف من الثامنة، مات بعد السبعين ومائة روى له الترمذي وابن ماجه، انظر التقريب ص366.
(5) النكت ص134.
(6) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب جهاد النساء رقم (2875) ج6 ص85.
(7) انظر الكاشف: ج3 ص156 وهدي الساري ص466.
(8) حبيب بن أبي عمرة القصاب أبو عبد الله الحماني، بكسر المهمة، الكوفي، ثقة مات سنة (142هـ) ترجمته في: التقريب ص151.
(9) أخرج البخاري حديثه عقيب حديث معاوية بن إسحاق السابق، رقم (2876) ، ج6 ص89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
وقال الحافظ ابن حجر - مبيناً مراتب الرواة من حيث الضبط - عند الإمام البخاري:
" وأما الغلط فتارة يكثر في الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط، ينظر فيما أخرج له، إن وجد مروياً عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقة فهذا قادح يوجب التوقف فيما هذا سبيله - وليس في الصحيح - بحمد الله، من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط، كما يقال سيء الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك " (1) .
ومن هنا يتبين لنا أن منهج البخاري في تصحيح الأحاديث هو النظر في الحديث بمجموع طرقه وأسانيده، وليس النظر في خصوص كل إسناد على انفراده، وليس هذا منهجاً للإمام البخاري فحسب بل هو منهج كل المحدثين النقاد كالإمام مسلم والترمذي وغيرهم، لذلك نرى الإمام مسلم يورد في صحيحه بعض الأحاديث التي في إسنادها ضعف ثم يورد لها الشواهد والمتابعات فيكون ذلك الحديث صحيحاً بمجموع تلك الطرق، وكذلك الإمام الترمذي فإنه يورد في كثير من الأحيان أحاديث في رواتها ضعف، ويتكلم على أولئك الرواة فيقول مثلاً: " فلان ليس بالقوي "، أو "ليس بذاك " ونحوها من عبارات التليين، ثم يحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو هما معاً، باعتبار شواهده ومتابعاته لأنه يعقب على ذلك الحكم غالباً بقوله وفي الباب عن فلان وفلان وشرح هذا الأمر وذكر الأمثلة عليه يطول، ومن ينظر في الجامع الصحيح للإمام مسلم وجامع الإمام الترمذي بتمعن يتبين له ذلك، والذي أركز عليه هو ذكر أمثلة ونماذج من صحيح الإمام البخاري، قواها البخاري وصححها بمجموع طرقها لا بخصوص أسانيدها.--------------------------------------------
(1) هدي الساري ص403.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
المطلب الرابع: نماذج من أحاديث الضعفاء ومنهج البخاري في تصحيحها
1 - أحاديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي:
له في البخاري ثلاثة أحاديث، ولو نظرنا إلى ترجمته في كتب الرجال (1) نجد أنه ليس من الحفاظ المتقنين الذين هم من شرط الصحيح.
فقد وثقه ابن المديني.
وقال أبو حاتم: صدوق إلا أنه يهم أحياناً.
وقال ابن معين: لا بأس به.
وقال أبو زرعة: منكر الحديث.
وأورد له ابن عدي عدة أحاديث وقال: إنه لا بأس به.
فهذا الراوي واضح أنه ليس في الدرجة العليا من رجال الصحيح، بل ليس من رجال الصحيح حسبما استقرت عليه كتب المصطلح، فإن من قيل فيه صدوق يهم، ولا بأس به، فحديثه حسن، ومن قيل فيه منكر الحديث فحديثه ضعيف، إذن فأحاديث الطفاوي تكون ضعيفة ضعفاً محتملاً أو حسنة على الاصطلاح المتداول، والآن ندرس أحاديثه وكيف صححها الإمام البخاري رحمه الله.
الحديث الأول:
قال البخاري رحمه الله: " ثنا أحمد بن المقدام العجلي ثنا--------------------------------------------
(1) انظر: التاريخ الكبير: ج1 ت465، والجرح والتعديل: ج7 ت 1747، والثقات: ج7 ص442، وتاريخ بغداد: ج2 ص308، وتهذيب الكمال: ج25 ص652، والميزان: ج3 ت 783، وتهذيب التهذيب: ج9 ص309، والتقريب ص493، وهدي الساري ص463 والخلاصة: ج2 ت 6446.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالوا: إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا الله وكلوه " (1) .
لو نظرنا إلى خصوص سند هذا الحديث لحكمنا عليه بالضعف، وفي أحسن الأحوال بالحسن الاصطلاحي، لكن الإمام البخاري صححه وأورده في صحيحه محتجاً به، والجواب على ذلك أنه وإن كان خصوص سنده فيه مقال لكن له متابعات تقويه وترفعه إلى درجة الصحة، وهذه المتابعات هي:
1 - متابعة أبو خالد الأحمر (2) : وصلها المصنف في كتاب التوحيد، قال البخاري رحمه الله " حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قال: قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواماً حديثاً عهدهم بشرك يأتونا بلُحْمَانٍ لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: اذكروا أنتم اسم الله وكلوا ".
تابعه محمد بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن محمد وأسامة بن حفص (3) .
وأبو خالد هو سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، قال فيه الذهبي: " صاحب حديث وحفظ، روى عباس عن بن معين: صدوق ليس بحجة، وقال علي بن المديني: ثقة، وقال أبو حاتم، صدوق، روى له أحاديث خولف فيها - هو كما قال يحي: صدوق ليس بحجة، وإنما أوتي من سوء حفظه.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري في كتاب البيوع، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، رقم (2057) ج4 ص345 مع الفتح.
(2) انظر ترجمته في الجرح والتعديل: ج4 ت 477، وتاريخ بغداد: ج9 ص21، والسير: ج9 ص19، وتهذيب الكمال: ج11 ص394، والتهذيب: ج4 ص181، وهدي الساري ص427.
(3) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها رقم (7398) ، ج13 ص391 مع الفتح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
قلت: الرجل من رجال الكتب الستة، وهو مكثر يهم كغيره " (1) .
وقال فيه الحافظ: " صدوق يخطئ " (2) .
وقد ذكره العقيلي في كتابه الضعفاء (3) ، فهو صالح للمتابعة.
2 - متابعة أسامة بن حفص: وصلها المصنف في كتاب الأضاحي، قال البخاري:
" ثنا محمد بن عبد الله، ثنا أسامة بن حفص المديني عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: " إن قوماً يأتوننا ".
تابعه علي عن الدراوردي، وتابعه أبو خالد والطفاوي (4) .
وأسامه بن حفص شيخ لم يزد البخاري في ترجمته في التاريخ الكبير على ما في هذا الحديث حيث قال: " أسامة بن حفص المديني، عن هشام بن عروة سمع منه محمد بن عبد الله " (5) .
ولم يذكره أبو حاتم في كتابه، وقال فيه الذهبي: " صدوق، ضعفه أبو الفتح الأزدي بلا حجة، وقال اللالكائي: مجهول، قلت روى عنه أربعة " (6) يعني انتفت عنه الجهالة بذلك، فمثله يصلح للمتابعة.
لهذه المتابعات صحح الإمام البخاري هذا الحديث وأورده في كتابه محتجاً به مستنبطاً منه مسائل في الفقه والعقيدة، وقد أخذ منه الحافظ ابن حجر أن تقوية الحديث الذي يرويه الضعيف إذا كانت له متابعات هو أمر يشهد له صنيع البخاري، قال رحمه الله:--------------------------------------------
(1) ميزان الاعتدال: ج2 ص200.
(2) التقريب ص250.
(3) الضعفاء: ج2 ص124.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، رقم (5507) ج9 ص550 مع الفتح.
(5) التاريخ الكبير: ق2 ج1 ص23.
(6) ميزان الاعتدال: ج1 ص174.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
" ويؤخذ من صنيعه أنه وإن اشترط في الصحيح أن يكون راويه من أهل الضبط والإتقان أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك، ووافقه على رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر ذلك القصور بذلك، وصح الحديث على شرطه " (1) .
الحديث الثاني:
قال الإمام البخاري: " حدثنا محمد بن المقدام العجلي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي حدثنا أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطيت مفاتيح الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي" (2) .
وطريق الطفاوي هذا قال فيه البغوي فيما ذكر عنه الإسماعيلي: " لا أعلم حدث به عن أيوب غير محمد بن عبد الرحمن " (3) ، وهذا الحكم من مثل هذا الإمام له قيمته العلمية لأنه مبني على التتبع والاستقراء لذا لم يذكر الحافظ في مقدمة الفتح متابعات لحديث الطفاوي وكذا لم يفعل في شرحه لهذا الحديث في الفتح، مع سعة إطلاع الحافظ رحمه الله وتبحره في معرفة الطرق والروايات، وشدة دفاعه عن الصحيح ورجاله، ومن هنا أستطيع أن أقول إن هذا الحديث لو طبقنا عليه قواعد المصطلح بخصوص إسناده لحكمنا عليه بالغرابة والضعف، لكن الإمام البخاري أورده في جامعه الذي اشترط فيه الصحة معتمداً عليه، والإمام البخاري لم يحكم على خصوص هذا الإسناد وإنما باعتبار ما لهذا الحديث من شواهد منها:
الشاهد الأول: ما رواه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه قال: " حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:--------------------------------------------
(1) الفتح: ج9 ص550.
(2) رواه البخاري في كتاب التعبير، باب رؤيا الليل، رقم (6998) ، ج12 ص406.
(3) نقله الحافظ في فتح الباري: ج9 ص407.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
" بُعثت بجوامع الكلم " (1) .
والشاهد الثاني: ما رواه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه قال: " حدثنا يحي بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت بجوامع الكلم ونُصرت بالرعب " (2) .
فهذه الشواهد أو بعبارة أدق هذه المتابعات القاصرة، تدل على أن هذا الحديث محفوظ عن أبي هريرة يرويه عنه محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب.
ويرويه عن سعيد بن المسيب، ابن شهاب الزهري، ويرويه عن الزهري، إبراهيم بن سعد وعقيل.
وأما محمد بن سيرين فيرويه عنه أيوب، ولم يروه عن أيوب إلا الطفاوي كما تقدم.
فأصل الحديث إذن ثابت وصحيح لا مرية فيه.
لكن ما هو الغرض العلمي الذي دفع البخاري إلى إخراج هذا الحديث من طريق الطفاوي؟ ظهر لي غرضان هما:
أولاً: هذا الإسناد رواته كلهم بصريون، كما صرح به الحافظ وكما يعلم من تراجمهم، إذن فهذا الإسناد وإن كان فيه تفرد محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب، الذي قد يثير شبهة الغرابة، وخاصة أن المتفرد ليس من الحفاظ، لكن لما كان هذا المتفرد إنما انفرد به شيخه وبلديه، والحديث مشهور بالبصرة متداول بين علمائها، فهذه الشهرة تدفع تلك الغرابة الآتية من تفرد الطفاوي به.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " بعثت بجوامع الكلم " رقم (7273) ، ج13 ص261 مع الفتح.
(2) كتاب الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب مسيرة شهر " رقم (2977) ج6 ص149.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
ثانياً: هذا الطريق أعلى سنداً من غيره فبين البخاري والنبي صلى الله عليه وسلم خمسة رجال، بينما الطريق الذي أورده في كتاب الجهاد فبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستة رجال، فطريق الطفاوي جمع بين العلو وتسلسل الرواة باعتبار بلدهم وهذا مما يُعنى به المحدثون، ولا يكون هذا كله إلا إذا تأكد لديهم صحة أصل الحديث، والله تعالى أعلم.
وأما الحديث الثالث فهو حديث ابن عمر " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.. ".
قال البخاري: " حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو المنذر الطفاوي عن سليمان أو عمش قال: حدثني مجاهد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيميني فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " (1) .
قال الحافظ: " فهذا الحديث قد تفرد به الطفاوي وهو من غرائب الصحيح وكأن البخاري لم يشدد فيه لكونه من أحاديث الترغيب والترهيب " (2) .
" وقد أخرجه أحمد والترمذي من رواية سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وأخرجه ابن عدي في الكامل من طريق الحماد بن شعيب عن أبي يحي القتات عن مجاهد، وليث وأبو يحي ضعيفان والعمدة على طريق الأعمش وللحديث طريق آخر أخرجه النسائي من رواية عبدة بن أبي لبابة عن ابن عمر مرفوعاً وهذا مما يقوي الحديث المذكور " (3) .
2 - أحاديث فضيل بن سليمان النميري: أبو سليمان البصري، تكلم في حفظه كثير من الأئمة (4) .--------------------------------------------
(1) رواه البخاري كتاب الرقاق باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " رقم (6416) ج11 ص237.
(2) هدي الساري ص463.
(3) فتح الباري: ج11 ص238.
(4) انظر: هدي الساري ص456 - 457.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
قال الساجي: كان صدوقاً، وعنده مناكير.
وقال عباس الدوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: لين الحديث.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بالقوي. وقال النسائي: ليس بالقوى.
وقد لخص الحافظ حاله فقال: " صدوق له خطأ كثير " (1) .
فواضح أن مثل هذا الراوي ليس من شرط الصحيح، ومع ذلك نجد الإمام البخاري قد انتقى من حديثه ما يتابعه عليه غيره، منها:
1 - حديثه عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر في إجلاء اليهود.
ساق البخاري سنده فقط في كتاب الحرث والمزارعة وذكر عقبة متابعة ابن جريج من طريق عبد الرزاق معلقاً (2) وقد وصل مسلم طريق ابن جريج، وأخرجها أحمد عن عبد الرزاق عنه بتمامها (3) ، وقد ساق البخاري لفظ فضيل بن سليمان في كتاب الخمس (4) .
2 - وحديثه بهذا الإسناد أيضاً في قصة زيد بن عمرو بن نفيل (5) تابعه عليه عبد العزيز بن المختار عند أبي يعلي (6) .
3 - وحديثه عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عمن--------------------------------------------
(1) التقريب ص447.
(2) كتاب الحرث والمزارعة، باب إذا قال رب الأرض أقرك، ما أقرك الله رقم (2838) ، ج265.
(3) الفتح: ج5 ص27.
(4) كتاب الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيره من الخمس وغيره رقم (3134) ، ج6 ص290.
(5) كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل رقم (3826) ، ج7 ص176.
(6) هدي الساري ص457.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
سمع النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه عليه عند البخاري سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر وسمي المبهم أبا بردة بن نيار (1) .
4 - وحديثه عن منصور بن عبد الرحمن عن صفية عن عائشة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من الحيض " (2) تابعه عليه ابن عيينة ووهيب وغيرهما (3) .
5 - وحديثه عن أبي حازم عن سهل بن سعد في حفر الخندق قال البخاري رحمه الله:
" حدثني أحمد بن المقدام العجلي حدثنا الفضيل بن سليمان حدثنا أبو حازم حدثنا سهل بن سعد الساعدي قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب، وبصر بنا، فقال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة " (4) .
وقد تابعه على حديثه هذا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل (5) .
6 - وحديثه أيضاً بهذا الإسناد " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً " (6) .--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه ص457.
(2) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل رقم (7357) ، ج13 ص341.
(3) متابعة ابن عيينة في كتاب الحيض، باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من الحيض رقم (314) ، ومتابعة وهيب في كتاب الحيض أيضاً، باب غسل الحيض رقم (315) ، ج1 ص494 و 496.
(4) كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة رقم (6414) ، ج11 ص233.
(5) كتاب مناقب الأنصار، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " أصلح الأنصار والمهاجرة " رقم (3797) ، ج7 ص148.
(6) كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة رقم (3247) ، ج6 ص367.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
تابعه عليه عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أيضاً (1) .
فهذه أمثلة ونماذج لم أقصد منها الاستيعاب، وإنما قصدت توضيح منهج البخاري في تقوية أحاديث الضعفاء، وأنه لا يعتمد على خصوص الأسانيد وإنما يحكم للحديث بمجموع طرقه.
والسؤال الذي يمكن أن يُطرح: لماذا يخرج البخاري لمثل هؤلاء الضعفاء مع أن الحديث قد يكون مروياً بإسناد آخر أقوى منه؟ ونفس الإشكال يُطرح أيضاً على الإمام مسلم.
وقد أجاب الإمام ابن الصلاح عن هذا فقال ما ملخصه:
" عاب عائبون مسلماً بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح.
والجواب: أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها.
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده.
الثاني: أن يكون ذلك واقع في الشواهد والمتابعات.
الثالث: أن يكون صنف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه، باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته.
الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفياً بمعرفة أهل الشأن بذلك، ولما أنكر أبو زرعة (2) على مسلم روايته عن أسباط بن نصر (3) ،--------------------------------------------
(1) كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار رقم (6553) ، ج11 ص324.
(2) هو الإمام العلم الحافظ أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد القرشي المخزومي الرازي، روى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، قال إسحاق بن راهوية: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي ليس له أصل، توفي سنة (264هـ) ، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج2 ص557، والعبر: ج2 ص28.
(3) " صدوق كثير الخطأ، يغرب، من الثامنة / خ ت م4 " التقريب ص98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
وقطن بن نسير (1) ، وأحمد بن عيسى المصري (2) ، قال: إنما أدخلت من حديث أسباط، وقطن، وأحمد، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول، فاقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات " (3) .
وما أجاب به ابن الصلاح عن الإمام مسلم هو نفسه الجواب عن الإمام البخاري.
* * *--------------------------------------------
(1) " صدوق يخطيء، من العاشرة / م د ت " التقريب 456.
(2) " صدوق تكلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة، من العاشرة / خ م س ق " التقريب ص83.
(3) صيانة صحيح مسلم ص94 - 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
المبحث الثالث: اتصال السند
المطلب الأول: تعريفه وأهميته.
المطلب الثاني: طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري.
المطلب الثالث: العنعنة وموقف البخاري منها.
المطب الرابع: نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع في صحيح البخاري.
المطلب الخامس: التدليس وموقف البخاري منه.
المطلب الأول: تعريف السند وأهميته
تعريف السند لغة:
هو ما ارتفع من الأرض وما قابلك من الجبل وعلا عن السفح، والجمع أسناد، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو مسند، ويقال أسند في الجبل إذا ما صعده، ويقال فلان سند أي معتمد (4) .--------------------------------------------
(4) انظر: لسان العرب مادة (سند) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
واصطلاحاً:
هو طريق المتن، أي سلسلة الرواة الذين نقلوا المتن عن مصدره الأول، وسمي هذا الطريق سنداً إما لأن المسند يعتمد عليه في نسبة المتن إلى مصدره، أو لاعتماد الحفاظ على السند في معرفة صحة الحديث وضعفه (1) .
والمراد باتصال السند: أن لا يكون هناك انقطاع في سلسلة الإسناد بسقوط راو أو أكثر عمداً من بعض الرواة أو من غير عمد، من أول السند أو من آخره أو من أثنائه سقوطاً ظاهراً أو خفياً.
أهميته:
إن اتصال السند شرط أساسي وضروري في صحة الحديث (فمدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل) (2) ولهذا الأهمية العظيمة اعتبر الإسناد من الدين، قال الإمام ابن المبارك: " الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء " (3) .
وقال سفيان الثوري: " الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل " (4) .
فالإسناد خصيصة من خصائص هذه الأمة، وفضيلة تمت لله عز وجل عليهم بها النعمة، به عرف الصحيح من السقيم، وصان الله دينه عن قول كل أفاك أثيم، وليس لمن قبل هذه الأمة غير صحف اختلط منكرها بمقبولها، واشتبه صحيحها بمعلولها، فلا تمييز عند أحد منهم بين ما جاء به أنبياؤهم المرسلون، وبين ما أدخل في ذلك، وألحق به الغواة المبلطون (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: تدريب الراوي ص 5 - 6، وشرح الزرقاني على البيقونية ص9.
(2) هدي الساري ص13.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي: ج1 ص77.
(4) رواه ابن حبان في كتاب المجروحين: ج1 ص27.
(5) الحافظ صلاح الدين العلائي: بغية الملتمس، حققه وعلق عليه - حمدي عبد المجيد السلفي - عالم الكتب، طبعة أولى، 1405هـ - 1985م، ص36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
وقد سبق في الفصل الأول أن الإمام البخاري سمى كتابه " الجامع الصحيح المسند ".
وأنه قصد جمع الأحاديث المرفوعة المتصلة الإسناد، وقد أورد فيه الآيات والموقوفات والآثار على سبيل التبع والاستشهاد والكثير منها معلق غير مسند، وهذه لا أتكلم عنها في هذا الحديث، لأنها ليست على شرط الكتاب، وسأتكلم على قضايا لها علاقة مباشرة بصحة الحديث وتعليله، كطرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري، والعنعنة وموقف البخاري منها، ثم دراسة نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع وهي في صحيح البخاري، ثم أتعرض للتدليس وموقف الإمام البخاري من رواية المدلسين.
* * *
المطلب الثاني: طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري
ذكر الإمام البخاري في " صحيحه " الطرق المعتمدة عنده في النقل والتحمل وهي:
1 - السماع من لفظ الشيخ.
2 - القراءة والعرض على المحدث.
3 - المناولة.
4 - المكاتبة.
أولاً: السماع من لفظ الشيخ:
وقد ترجم له بقوله: " باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا " وهي الصيغ المستعملة للتعبير عن السماع، وأورد في هذا الباب ما يلي: " قال لنا الحميدي، كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا واحد ".
واستدل البخاري، على أنه لا فرق بين هذه الألفاظ، بأن الصحابة -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
رضوان الله عليهم - كانوا يستعملون جميع هذه الألفاظ فيما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم وأورد ثلاثة تعاليق تنبيهاً على أن الصحابي تارة كان يقول حدثناً، وتارة كان يقول سمعت، فيدل على أنه لا فرق بينهما، وهذه التعاليق هي:
الأول: قال ابن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق (1) .
الثاني: قال شقيق عن عبد الله: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم (2) .
الثالث: وقال حذيفة حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين (3) .
ثم ذكر حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي، فوق الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: هي النخلة " (4) .
قال الحافظ ابن حجر: " فإن قيل: فمن أين تظهر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومحصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصرحية وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور، فالجواب أن ذلك يستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظ عبد الله بن دينار المذكور في الباب " فحدثوني ما هي " وفي رواية نافع عند المؤلف في التفسير " أخبروني " وفي رواية عند الإسماعيلي " أنبئوني " وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم " حدثوني ما هي " وقال فيها " فقالوا أخبرنا بها " فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم--------------------------------------------
(1) هذا التعليق طرف من الحديث المشهور الذي يرويه ابن مسعود، أوصله البخاري في كتاب القدر.
(2) هذا التعليق رواه أبو وائل شقيق عن عبد الله بن مسعود، أوصله البخاري في كتاب الجنائز.
(3) هذا التعليق رواه حذيفه بن اليمان، أو صله البخاري في كتاب الرقاق.
(4) رواه البخاري في كتاب العلم، باب قول المحدث " حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا " رقم (61) ج1 ص175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة (*) .
ومن أصرح الأدلة فيه قوله تعالى: (يومئذ تحدث أخبارها ((1) وقوله تعالى: (ولا ينبئك مثل خبير ((2) .
وأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: فمنهم من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري ومالك وابن عيينة ويحي القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في مختصره، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده حيث يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن راهوية والنسائي وابن حبان وابن منده وغيرهم، ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل: فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج الأوزاعي والشافعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلاً آخر: فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: " حدثني " ومن سمع مع غيره جمع، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: " أخبرني " ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب، فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته، نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط، لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فمن تجوز عنها احتاج إلى--------------------------------------------
(1) سورة الزلزلة، الآية: 4.
(2) سورة فاطر، الآية: 14.
(*) تعقب العلامة العيني الحافظ ابن حجر في هذا وبين أن هناك فرقاً من جهة اللغة حاصلة: أن الخبر يرجع إلى العلم، وإنما استواء هذه الألفاظ من حيث الاصطلاح (عمدة القارئ 2/ 11) .
وهذا التعقيب ليس بشيء، فقد قال الخطيب في الكفاية ص287 " وقد قال بعض أهل العلم بالعربية هذه الألفاظ الثلاثة بمنزلة واحدة في المعنى، ثم ذكر بالسند عن ثعلب إمام اللغة أو حدثنا وأخبرنا وأنبأنا في اللغة سواءً ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
الإتيان بقرينة تدل على مراده، وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين " (1) .
ثانياً: القراءة والعرض على المحدث:
وقد بوّب الإمام البخاري في كتاب العلم بهذا " باب القراءة والعرض على المحدث "، قال الحافظ رحمه الله:
" إنما غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره. ولا يقع العرض إلا بالقراءة. لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه، ومع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة، وتوسع فيه بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته، وأذن له من غير أن يحدث به، أو يقرأه الطالب عليه. والحق أن هذا يسمى عرض المناولة بالتقييد لا بالإطلاق. وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم.
ولهذا بوّب البخاري على جوازه، وأورد فيه قول الحسن - وهو البصري - لا بأس بالقراءة على العالم، وكذا ذكر عن سفيان الثوري ومالك أنهما يسويان السماع مع العالم والقراءة عليه " (2) .
وقد ذهب، العلامة العيني إلى أنه لا فرق بين القراءة والعرض وأنهما متساويان، واعتمد على كلام الكرماني لأنه قال المراد بالعرض عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة ثم قال: فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يصح--------------------------------------------
(1) فتح الباري: ج1 ص175، وانظر: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع - للقاضي عياض - تحقيق السيد أحمد صقر، ط أولى - مكتبة دار التراث - القاهرة، ص69، والكفاية، للخطيب البغدادي، ط دار الكتب العلمية، سنة 1409هـ - 1988م، ص283 - 286.
(2) فتح الباري: ج1 ص179 - 180.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
عطف العرض على القراءة لأنه نفسها. قلت: العرض تفسير القراءة ومثله يسمى بالعطف التفسيري (1) .
والتحقيق أن العرض في كلام أئمة الحديث يطلق على معنيين: عرض القراءة، وعرض المناولة.
وهذه أقوال الأئمة التي تشهد على هذا:
قال الإمام الحاكم النيسابوري رحمه الله:
" وبيان العرض أن يكون الراوي متقناً فيقدم المستفيد إليه جزءاً من حديثه أو أكثر من ذلك فيتناوله، فيتأمل الراوي حديثه، فإذا أخبره وعرف أنه من حديثه، قال المستفيد: قد وقفت على ما ناولتنيه، وعرفت الأحاديث كلها وهذه رواياتي عن شيوخي فحدث بها. فقال جماعة من أئمة الحديث أنه سماع " (2) .
ثم ذكر جماعة من علماء المدينة ومكة والبصرة والكوفة ومصر وأهل الشام وخراسان ثم قال: " وقد رأيت أنا جماعة من مشايخي يرون العرض سماعاً " (3) .
وذكر الحجة على ذلك ثم قال: " قد ذكرنا مذاهب جماعة من الأئمة في العرض فإنهم أجازوها على الشرائط التي قدمنا ذكرها، ولو عاينوا ما عايناه من محدثي زماننا لما أجازوه. فإن المحدث إذا لم يعرف ما في كتابه، كيف يعرض عليه؟ " (4) فالعرض هنا يقصد به المناولة.
وقال الإمام الخطيب البغدادي: " ذهب بعض الناس إلى كراهة العرض: وهو القراءة على المحدث ورأوا أنه لا يعتد إلا بما سمع من لفظه، وقال جمهور الفقهاء والكافة من أئمة العلم بالأثر إن القراءة على--------------------------------------------
(1) عمدة القارئ: ج2 ص16 - 17.
(2) معرفة علوم الحديث ص256.
(3) المصدر نفسه ص258.
(4) المصدر نفسه ص259.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
المحدث بمنزلة السماع منه " (1) .
وقال القاضي عياض (544هـ) وهو يتحدث عن الضرب الثاني من أصول الرواية وهو القراءة على الشيخ وأكثر المحدثين يسمونه " عرضاً " لأن القارئ يعرض ما يقرؤه على الشيخ كما يعرض القرآن على إمامه، وحكاه البخاري عن الحسن والثوري ومالك " (2) .
فالعرض عند الخطيب البغدادي والقاضي عياض بمعنى القراءة على المحدث، ونسب القاضي عياض التسوية بينهما إلى البخاري.
والذي يتبين لي أن الإمام البخاري سوّى بين القراءة والعرض من حيث الاستعمال وأن العطف بينهما تفسيري كما ذهب إليه العلامة العيني رحمه الله وهذا من خلال الحجج التي ذكرها في هذا الباب على صحة القراءة وهي قوله:
" 1 - واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبه قال للنبي صلى الله عليه وسلم آلله أمرك أن تصلي الصلوات؟ قال نعم.
قال البخاري رحمه الله فهذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه.
2 - واحتج مالك بالصك يقرأ على القوم فيقولون أشهدنا فلان، ويقرأ ذلك قراءة عليهم.
3 - ويقرأ على المقرئ فيقول القارئ: أقرأني فلان " (3) .
فهذه الحجج واضحة أنها في القراءة وليست في عرض المناولة.
ثم ذكر الإمام البخاري كيفية التعبير عن التحمل بالقراءة فقال:--------------------------------------------
(1) الكفاية ص296.
(2) الإلماع ص71.
(3) صحيح البخاري كتاب العلم، باب القراءة والعرض على المحدث ج1 ص179 مع الفتح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)