ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا صَنَعُوا جُبْنًا وَالْجُبْنُ يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ كَانَ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُمْ حَلَالٌ، وَأَنَّ إنْفَحَةَ المَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ المَجُوسِ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا؛ فَإِنَّ المَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ.
قال: وَأَيْضًا فَاللَّبَنُ وَالْإِنْفَحَةُ لَمْ يَمُوتَا، وَإِنَّمَا نَجَّسَهُمَا مَنْ نَجَّسَهُمَا؛ لِكَوْنِهِمَا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ مَائِعًا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ؛ فَالتَّنْجِيسُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: عَلَى أَنَّ الْمَائِعَ لَاقَى وِعَاءً نَجِسًا. وَعَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ نَجِسًا. فَيُقَالُ أَوَّلًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَائِعَ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا عَلَى نَجَاسَتِهِ. وَيُقَالُ ثَانِيًا: إنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل:66]؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ حَمْلُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مَا فِي بَطْنِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
قلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام هو الصواب، والله أعلم.
مسألة [4]: الأكل من الميتة عند الاضطرار.
أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة، ومن سائر المحرمات إذا اضطر إليها.
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 164)
• ويجب عليه الأكل ليدفع عن نفسه الهلاك في مذهب أحمد، ووجه لأصحاب الشافعي وهو قول مسروق؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195].
• وعن أحمد رواية، وهو وجهٌ لأصحاب الشافعي أنَّ ذلك ليس بواجب عليه؛ لأنَّ ذلك رخصة، وله أن يأخذ العزيمة.
والقول الأول أقرب، والله أعلم.(1)
مسألة [5]: هل له أن يأكل حتى يشبع؟
يُباح للمضطر أكل ما يسد الرمق بالإجماع، ويحرم عليه ما زاد على الشبع بالإجماع.
• وفي الشبع قولان:
الأول: لا يُباح له ذلك. وهو الأظهر في مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك، وقول للشافعي؛ لأنه استثنى من الآية ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل.
الثاني: يُباح له الشبع. وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، ومالك؛ لأنه إذا أخذ ما يسد الرمق عاودته الضرورة عن قرب فيجد المشقة في ذلك.
والقول الأول هو الصواب، وهو تصويب الإمام ابن عثيمين؛ لقوله تعالى:--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 330) «المجموع» (9/ 52).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 165)
{غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة:173]، أي: غير مريد تناوله، ولا متجاوز بقدر الضرورة؛ ولأنه محرم فيباح أقل مقدار يسد الضرورة، وأما كونه قد يحتاجه؛ فإنَّ له أن يتزود معه إذا عاودت الضرورة؛ عاود الأكل.(1)
تنبيه: التزود من الميتة جائز في مذهب أحمد، ومالك، وهو الصحيح، وعن أحمد رواية بعدم جواز ذلك.(2)
مسألة [6]: الأكل من بستان الغير.
• جمهور العلماء على عدم جواز ذلك إلا للضرورة كالميتة.
• وأجازه الإمام أحمد للحاجة، وإن لم تكن ضرورة؛ لحديث عبدالله بن عمرو ابن العاص في «مسند أحمد» وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة؛ فلا شيء عليه».(3)
وهذا القول أقرب، وهو مقيد بالحاجة، وبأن لا يتخذ خبنة، وبقي أمر ثالث، وهو أن يناديَ صاحب البستان ثلاثًا قبل أن يأكل؛ فإن أجابه استأذنه؛ لما ثبت في «مسند أحمد» (3/ 8) من حديث أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أتى أحدكم حائطًا، فأراد أن يأكل؛ فليُنادِ: يا صاحبالحائط، ثلاثًا؛ فإن أجابه، وإلا فليأكل، وإذا مرَّ أحدكم بإبل، فأراد أن يشرب من ألبانها؛ فليُنادِ: يا صاحب--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 330 - ) «الشرح الممتع» (6/ 328 - 329) «المجموع» (9/ 52).
(2) «المغني» (13/ 333).
(3) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (1235)، وهو حديث حسن.
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 166)
الإبل، أو: يا راعي الإبل؛ فإن أجابه، وإلا فليشرب».
وجاء من حديث الحسن عن سمرة أخرجه أبو داود (2619)، والترمذي (1296)، وفيه: «ماشية»، وهو حسن بشاهده الذي قبله.(1)
تنبيه: الزرع له حكم الثمر في رواية عن أحمد، وهو الأظهر، وعنه رواية بخصوصه في الثمار.
مسألة [7]: الشرب من لبن ماشية الغير.
• مذهب أحمد، وإسحاق جواز ذلك للحاجة بعد أن ينادي صاحبها ثلاثًا؛ للحديث المتقدم.
• ومذهب الجمهور المنع؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية غيره إلا بإذنه … »، أخرجه البخاري برقم (2435)، ومسلم برقم (1726).
وقول أحمد، وإسحاق أقرب، والله أعلم.(2)
مسألة [8]: إذا وجد ميتة وطعامًا للغير؟
• من أهل العلم من قال: يقدم الميتة. وهو قول سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وأحمد، وأبي حنيفة، و الشافعي؛ لأنَّ تحريم الميتة حق لله، وتحريم طعام الغير من حق المخلوق، وحقوق الله مبنية على التسامح.--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 334 - 335) «المجموع» (9/ 54 - ).
(2) «المغني» (13/ 336).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 167)
• وذهب مالك، والشافعي في قول، وهو وجهٌ للحنابلة إلى تقديم طعام الغير ما لم يكن صاحبه مضطرًّا إليه كاضطرار الآخر.
وهذا القول أقرب؛ لأن طعام الغير ليس محرمًا لذاته كالميتة، وإنما محرم لكونه حق الغير، ويستطيع المضطر أن يعوض صاحبه عنه، والله أعلم.(1)
مسألة [9]: إذا اضطر إلى طعام الغير وليس له مال، فهل يلزم صاحب الطعام أن يعطيه بلا عوض؟
• جمهور العلماء على أنَّ له الامتناع من البذل حتى يشتريه بثمن مثله في الذمة.
• وقال بعض أصحاب داود: يجوز للمضطر أن يأكل منه قدر ما تزول به الضرورة، ولا ضمان عليه في ذلك.
وأجاب الجمهور بأنَّ الذمة كالمال، ولو كان معه مال لم يلزم صاحب الطعام بذله مجانًا، وكذلك إذا أمكن الشراء في الذمة.(2)
تنبيه: إذا لم يعطه صاحب الطعام مع استغنائه عنه بثمن المثل؛ فله أن يأخذه قهرًا.(3)
مسألة [10]: إذا وجد المضطر آدميًّا ميتًا؟
• مذهب الشافعية جواز الأكل منه؛ للاضطرار.--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 337) «المجموع» (9/ 53).
(2) «المجموع» (9/ 53).
(3) انظر: «المغني» (13/ 339).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 168)
• ومنع منه مالك، وأحمد، وأصحاب الظاهر.(1)
مسألة [11]: حكم الضيافة.
• مذهب أحمد، والليث وجوبها يومًا وليله؛ لحديث أبي شريح مرفوعًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه جائزته» قالوا: وما جائزته؟ قال: «يومه، وليلته، والضيافة ثلاثة أيام؛ فما كان وراء ذلك؛ فهو صدقة»، أخرجه البخاري برقم (6019)، ومسلم في [كتاب اللقطة] رقم (14).
وفي «مسند أحمد» (4/ 130)، و «سنن أبي داود» (3750)، من حديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليلة الضيف حقٌّ واجبٌ؛ فإن أصبح بفنائه؛ فهو دين عليه، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك».
وإسناده صحيح.
وما زاد على اليوم والليلة؛ فهو متأكد الاستحباب إلى ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك؛ فهو صدقة.
• وعن أحمد رواية بوجوبها على أهل القرى دون الأمصار.
• وأما الجمهور فذهبوا إلى الاستحباب، واحتجوا بأنَّ هذا مال مسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه، وحملوا الأحاديث الواردة بأنها محمولة على الاستحباب، ومكارم الأخلاق. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.--------------------------------------------
(1) انظر: «المجموع» (9/ 53).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 169)
وقول الجمهور ضعيف، والصحيح قول أحمد، والليث، وكيف يكون للاستحباب بعد قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه»، وقوله: «حقٌّ واجب»، وقوله: «فهو دين عليه».(1)
فائدة: قيل لأحمد: إن ضافَ الرجلَ ضيفٌ كافرٌ يضيفه؟ قال: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم»، وهذا الحديث بَيِّنٌ، دلَّ على أن المسلم والمشرك يضاف، وأنا أراه كذلك.
فائدة أخرى: عن أحمد رواية: أنَّ الضيف إذا نزل بقوم ولم يضيفوه؛ فله أن يأخذ من أموالهم بقدر ضيافته، وإن لم يعلموا؛ لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا. قال: «إذا نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا؛ فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم»، أخرجه البخاري برقم (2461)، ومسلم برقم (1727).
وهو ظاهر تبويب البخاري: [باب قصاص المظلوم] من كتاب المظالم.(2)--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 353) «المجموع» (9/ 57).
(2) انظر: «المغني» (13/ 354).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 170)
بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ
الصيد: مصدر صاد يصيد صيدًا، ويطلق على اقتناص الحيوان، سواء كان بريًّا أو بحريًّا، متوحشًا أم غير متوحش، حلالًا أم حرامًا.
ويُطلق أيضًا على المصيد.
والمراد به شرعًا: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مقدور عليه.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «الأطعمة» للفوزان (ص 169).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 171)
1331 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(1)
1332 - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ؛ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْك فَأَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْته قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِك فَكُلْ إنْ شِئْت، وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.(2)
1333 - وَعَنْ عَدِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ، فَقَالَ: «إذَا أَصَبْت بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْت بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.(3)
1334 - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك، فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته، فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.(4)--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (2322)، ومسلم (1575) (58). واللفظ لمسلم.
(2) أخرجه البخاري (5484)، ومسلم (1929) (6).
(3) أخرجه البخاري برقم (5476). وأخرجه أيضًا مسلم (1929) (3)
(4) أخرجه مسلم برقم (1931).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 172)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [1]: شروط إباحة الحيوان بالصيد.
الشرط الأول: أن يكون الصائد ممن تباح ذبيحته.
وهو المسلم، أو الكتابي العاقل؛ لأنَّ الاصطياد أُقِيم مقام الذكاة، والجارح آلة كالسكين، وعقره للحيوان بمنزلة إفراء الأوداج؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإنَّ أخذ الكلب ذكاته».
الشرط الثاني: صلاحية الآلة للصيد، وهي نوعان:
الأول: ما يُرْمَى به الصيد من كل محدد كالرماح، والسيوف، والسهام، وما جرى مجراها مما يجرح بِحدِّه كرصاص البنادق المعروفة اليوم. ويُشتَرط في المحدد ما يُشترط في آلة الذكاة من كونه يقتل بحدِّه، وكونه غير سنٍّ وظفر كما تقدم.
الثاني: الجوارح. وهي الكواسب من السباع، والكلاب، والطير؛ لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} [المائدة:4]، فمنها ما يصيد بنابه كالكلب، والفهد، ومنها ما يصيد بمخلبه كالصقر، والبازي.
ويُشترط في الجوارح أن تكون معلمة بدون خلاف؛ للآية المتقدمة، ولقوله
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 173)
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي ثعلبة الخُشَني: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكل، وإذا أرسلت كلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته؛ فكل» أخرجه البخاري برقم (5478)، ومسلم برقم (1930)، ويُعتبر في المعلَّم أمور:
أحدها: إذا أرسله؛ استرسل.
ثانيها: إذا زجره؛ انزجر.
ثالثها: إذا أمسك لم يأكل. وهذا شرطٌ عند الجمهور خلافًا لمالك، وربيعة.
رابعها: أن يتكرر منه ترك الأكل.
• فمنهم من قال: ثلاث مرات. وهو قول جماعة من الحنابلة، وأبي يوسف، ومحمد.
• ومنهم من قال: مرة. وهو قول بعض الحنابلة.
• وقال أبو حنيفة: مرتين.
• ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات، بل قدَّروه بما يصير به في العرف معلمًا.
• وقد ذهب مالك، وربيعة إلى أنه لا يشترط في الكلب المعلم عدم الأكل؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل وإن أكل»
وأجاب الجمهور بأنَّ العادة في المعلم ترك الأكل؛ فاعتُبِر شرطًا كالانزجار
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 174)
إذا زُجِر.
وأما حديث أبي ثعلبة الخشني فقد أخرجه أبو داود (2852) من طريق: داود بن عمر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة به.
وداود بن عمرو حسن الحديث؛ إلا أنَّ له بعض الأخطاء، والحديث في «الصحيحين» من طريق: ربيعة بن يزيد الدمشقي وهو ثقة عن أبي إدريس الخولاني به، وليس فيه ذكر: «وإن أكل»، ورواه عن أبي إدريس أيضًا يونس بن سيف الكلاعي عند أحمد (4/ 195) وأبي داود (2856)، والوليد بن عبدالرحمن ابن أبي مالك عند الترمذي (1464)، وليس عندهم ذكر الأكل.
وجاء الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بزيادة: «وإن أكل» أخرجه أبو داود (2857)، وأحمد (6725) من طريق: حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب به.
لكن رواه النسائي (7/ 191) من طريق: عبيدالله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب به بدون ذكر الأكل، واختلف في إسناده.
قال البيهقي رحمه الله (9/ 338): وقد روى شعبة عن عبد ربه بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن رجل من هُذيل أنه سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الكلب يَصطاد؟ فقال: «كل، أكل أو لم يأكل» فصار حديث عمرو بهذا معلولًا.
وقال: (9/ 238): وحديث الشعبي عن عدي بن حاتم أصح من حديث
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 175)
داود بن عمرو الدمشقي، ومن حديث عمرو بن شعيب، والله أعلم.
قال ابن كثير رحمه الله في «تفسير المائدة» [آية:4]: وتوسط آخرون، فقالوا: إنْ أكل عقب ما أمسكه؛ فإنه يحرم؛ لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم: «فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه»، وأما إن أمسكه، ثم انتظر صاحبه، فطال عليه، وجاع، فأكل منه لجوعه؛ فإنه لا يؤثر في التحريم، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني، وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح. اهـ
الشرط الثالث: أن لا يأكل الكلب المعلم من الصيد.
• وهو قول الجمهور كما تقدم.
• وذهب مالك، وربيعة إلى عدم اشتراط ذلك، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي؛ لعموم قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة:4]، وبحديث أبي ثعلبة، وعمرو بن شعيب المتقدمين.
واستدل الجمهور بحديث عدي بن حاتم، وهو الصحيح، وتقدم الكلام على حديث أبي ثعلبة، وعمرو بن شعيب، وأما الآية فمجملة بينها حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 263) «المجموع» (9/ 107).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 176)
مسألة [2]: هل يُشترط في الصقر والبازي أن لا يأكل من الصيد؟
• الأصح في مذهب الشافعي اشتراط ذلك؛ لما ورد في حديث عدي عند أبي داود (2851): «فإن أكل الكلب، والبازي؛ فلا تأكل».
• وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط ذلك في جارحة الطير؛ لأنَّ جوارح الطير تعلم بالأكل، ويتعذر تعليمها بترك الأكل؛ فلم يقدح في تعليمها، بخلاف الكلب، والفهد.
وأما الحديث الذي استدلوا به فقد تفرد بذكر زيادة: «البازي» مجالد الهمداني، وهو ضعيف؛ فزيادته منكرة؛ لمخالفته للثقات في ذكرها.
وهذا قول النخعي، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، ومالك، وأحمد، والمزني وغيرهم، وهو الصحيح.(1)
مسألة [3]: إذا شرب الكلب دم الصيد، ولم يأكل منه؟
• كرهه الشعبي، والثوري؛ لأنه في معنى الأكل.
• وأباحه الجمهور، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنه خرج الأكل منه بالنص، وأما الدم فلم يأت نصٌّ في ذلك. وهو الأقرب؛ لأنه لم يأكل من الصيد.(2)--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 266) «المجموع» (9/ 107 - 108).
(2) انظر: «المغني» (13/ 264) «المجموع» (9/ 108).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 177)
تنبيه: الصيود الماضية التي لم يأكل منها مباحة لا تحرم؛ لكونه أكل من صيد حادث عند عامة العلماء، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يحرم جميع ما صاده قبل ذلك؛ لأنه تبين عدم تعليمه. وقوله ضعيف جدًّا.(1)
الشرط الرابع: أن يرسل الجارحة على الصيد.
• مذهب الجمهور اشتراط ذلك؛ فإن استرسل بنفسه، فقتل؛ لم يبح، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وربيعة، وأبي ثور، وابن المنذر وغيرهم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أرسلت … »، ولأنَّ الإرسال قام مقام التذكية.
• وذهب عطاء، والأوزاعي إلى أنه يُباح إن كان أخرجه للاصطياد.
• وقال إسحاق: إذا سمَّى عند انفلاته؛ أبيح صيده.
وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح العثيمين، والفوزان.(2)
مسألة [4]: إذا سمَّى عند انفلاته، وزجره فزاد الكلب في عدوه؟
• مذهب أحمد، وأبي حنيفة، ومالك في رواية أنه يحل، وهو قول إسحاق؛ لوجود النية، والتسمية والإغراء الذي أثر في عدو الكلب قبل الاصطياد.
• وذهب الشافعي، ومالك في رواية إلى أنه لا يحل؛ لأنَّ الكلب استرسل بنفسه،--------------------------------------------
(1) «المجموع» (9/ 108).
(2) انظر: «المغني» (13/ 261) «المجموع» (9/ 103) «الأطعمة» (ص 182) «الشرح الممتع» (6/ 379).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 178)
وهو مانع، والإغراء مبيح، فيغلب جانب الحظر، ولأنَّ الإغراء يشترط أن يكون من حين الإرسال.
ورجَّح الإمام ابن عثيمين، والإمام الفوزان القول الأول، والله أعلم.(1)
الشرط الخامس: أن يجرح الصيد.
وعليه: فإنْ أصابه بثقله فقتله، أو خنقه؛ فلا يباح عند أكثر العلماء، بل يصير موقوذًا.
وقال الشافعي رحمه الله في قولٍ له وهو الأصح عند أصحابه: إنه يباح؛ لأنه تشمله الآية {مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}، ولم يفصل بين جرحه وعدم ذلك.
وأُجيب عنه بأنه لم يذكر ذلك؛ لكون الكلب، والصقر، وما أشبهها من شأنها أن تجرح الصيد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المعراض: «وإذا أصابه بعرضه؛ فإنه وقيذ، فلا تأكل»، وقد رجح ابن كثير رحمه الله في تفسير المائدة [آية:3] قول الجمهور، وتوسع في ذكر أدلة الشافعي ومناقشتها.(2)
الشرط السادس: أن يرسله على صيد يراه.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (13/ 265): فَإِنْ أَرْسَلَهُ وَهُوَ لَا يَرَى شَيْئًا،--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 261) «المجموع» (9/ 103) «الأطعمة» (ص 183) «الشرح الممتع» 6/ 379).
(2) انظر: «المغني» (13/ 264) «المجموع» (9/ 103).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 179)
وَلَا يُحِسُّ بِهِ، فَأَصَابَ صَيْدًا؛ لَمْ يُبَحْ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى الصَّيْدِ، وَإِنَّمَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ. وَهَكَذَا إنْ رَمَى سَهْمًا إلَى غَرَضٍ، فَأَصَابَ صَيْدًا، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى فَوْقِ رَأْسِهِ فَوَقَعَ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ؛ لَمْ يُبَحْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِرَمْيِهِ عَيْنًا، فَأَشْبَهَ مَنْ نَصَبَ سِكِّينًا، فَانْذَبَحَتْ بِهَا شَاةٌ. اهـ
الشرط السابع: التسمية عند إرساله.
• ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط التسمية؛ لحديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة.
• وخالف الشافعي فقال بالاستحباب، وسنذكر إن شاء الله أدلته عند الكلام على التسمية في الذبيحة.
ثم اختلف الجمهور على أقوال:
• فمنهم من قال: هي شرطٌ مطلقًا على الذاكر والناسي في حالة إرسال الجارح، أو حالة إرسال السهم. وهذا قول الشعبي، وأبي ثور، وداود، وأحمد.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه إن نسي التسمية فله الأكل؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»(1)، وقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].
• وعن أحمد رواية عدم اشتراطه في الناسي يرمي السهم؛ لأنه يشبه الذبح.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (1077).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 180)
والصحيح أنَّ التسمية شرطٌ للذاكر والناسي، ولا يُباح الصيد لمن نسي التسمية، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين رحمه الله.(1)
مسألة [5]: كيفية التسمية.
• ذكر أهل العلم أنه يقول: (باسم الله)، ولا يقوم غيرها من الذكر مقامها، كالتهليل، والتعظيم، والتسبيح، وهذا قول أحمد، والشافعي.
• ومذهب الحنفية، والمالكية جواز أي ذكر لله؛ لأنه يكون قد ذكر اسم الله عليها.
وأجاب أحمد، والشافعي أنَّ السنة قد بينت التسمية عند الذبيحة بقوله: (باسم الله)؛ فكذلك في الصيد.
وهذا هو الصحيح.
• وأجاز بعض الفقهاء أن يزيد: (والله أكبر) كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الأضحية، والأولى الاقتصار على (باسم الله).
• واستحبَّ الشافعي زيادة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكذا أبو إسحاق بن شاقلا.
• ومذهب أحمد، والليث عدم مشروعية ذلك، وهو الصحيح.(2)--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 258) «المجموع» (9/ 102) «الأطعمة» (ص 189) «الشرح الممتع» (6/ 381).
(2) انظر: «المغني» (13/ 260) «الأطعمة» (ص 133).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 181)
فائدة: قال الإمام ابن عثيمين رحمه الله (6/ 380): الصحيح جواز إضافة كلمة (اسم) إلى اسم آخر (كالرحمن، والعزيز، والجبار) وما أشبه ذلك؛ لأنَّ قوله (باسم الله) أي: باسم هذا المسمى، فإذا أُضيفت كلمة اسم إلى ما يختص بالله عزوجل فلا فرق بين لفظ الجلالة (الله) وغيرها. انتهى بتصرف.
مسألة [6]: جوارح الطير، والسباع غير الكلب.
• الصيد بجوارح الطير والسباع التي تقبل التعلم ويمكن الاصطياد بها جائز، كالكلب عند عامة أهل العلم، كالفهود، والصقور، والبازي.
• وحُكي عن ابن عمر رضي الله عنهما، ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب، ونحوه عن سعيد بن جبير.
واستدل الجمهور بعموم الآية؛ لأنها من الجوارح، وقوله: {مُكَلِّبِينَ} [المائدة:4] قيل: إنها حال من الجوارح، أي: وما علمتم من الجوارح حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها، أو أنيابها.
وقيل: إنه حال من الضمير في قوله: {عَلَّمْتُمْ}؛ فيكون من التكليب، أي: الإغراء، وجمعه وحثه على الشيء.
وأما أثر ابن عمر رضي الله عنهما فقد أخرجه ابن جرير في تفسيره لسورة المائدة [آية:4]، وعبدالرزاق (8519)، وابن أبي شيبة (5/ 365)، وفي إسناده عنعنة ابن
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 182)
جريج. والصحيح قول الجمهور.(1)
مسألة [7]: هل يباح صيد الكلب الأسود البهيم؟
• مذهب الحسن، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق عدم إباحة صيده؛ لأنه مأمور بقتله، فلا يجوز اقتناؤه، فكيف يُباح صيده؟!.
• ومذهب مالك، والشافعي، والحنفية جواز صيده؛ لعموم الآية، ولا يلزم من الأمر بقتله أن لا يباح صيده.
والصحيح القول الأول، والآية مخصوصة بالحديث، والله أعلم.(2)
مسألة [8]: إن أدرك الصيد وفيه حياة مستقرة؟
• إن لم يتسع الوقت لتذكيته؛ يحل عند الجمهور.
• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحل؛ لأنه قد تعلقت به الذكاة؛ فهو كما لو اتَّسَع الوقت، فتوانى في ذبحه، فمات.
والصحيح قول الجمهور؛ لأنه معذورٌ غير مفرط.
وأما ما لم تكن فيه حياة مستقرة، كحركة المذبوح، فيباح عند الجميع بدون تذكية.
وأما إذا أُصيب الصيد بجرح يعيش به طويلًا، فلم يذكه حتى مات؛ فلا يباح--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (13/ 265) «المجموع» (9/ 95).
(2) انظر: «المغني» (13/ 267) «المجموع» (9/ 95).
(খণ্ড: 410) (পৃষ্ঠা: 183)