وأجيب عن الحديث الأول: بأنه ضعيفٌ؛ في إسناده: عيسى بن المسيب، وقد أُنْكِرَ عليه هذا الحديث، كما في «الميزان»، وعيسى ضعيفٌ.
ومع ذلك فقد أجاب عن دليلهم الأول، والثاني الشوكاني، فقال: وأجيب بأنَّ حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس، فيخصص به عموم حديث السباع، بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع، وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية، فلا يستلزم أنها نجس؛ إذ لا ملازمة بين النجاسة، والسبعية. انتهى.
قال ابن عبد البر رحمه الله في «التمهيد» (1/ 325): لا أعلم لمن كره سؤر الهرة حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب، فقاس الهر على الكلب، وقد فرقت السنة بين الهر، والكلب في باب التعبد. انتهى.
قلتُ: وقد صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنهما عند عبد الرزاق (1/ 98)، وأبي عبيد (216)، وغيرهما أنه كره سؤر الحمار، والكلب، والهر.
وصحَّ أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عند عبدالرزاق (1/ 99)، وأبي عبيد (217)، وغيرهما أنه قال: يغسل منه مرة. وجاء ذلك عن الحسن، وابن سيرين، كما في كتاب «الطهور» (280 - 281).
قال أبو عبيد رحمه الله في كتاب «الطهور»: وليس يصح عن واحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيه كراهة، إنما كان ذلك يروى عن أبي هريرة، وابن عمر، ثم جاء عنهما جميعًا خلاف ذلك من الرخصة. اهـ
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 82)
قلتُ: الأثران ثابتان كما في الطهور لأبي عبيد (209، 211) وإسنادهما صحيحان.
تنبيه: إذا أكلت الهرة نجاسة؛ فلا يحكم بطهارة سؤرها مع بقاء تلك النجاسة في فمها، ولكن الحكم بالنجاسة لتلك العين، لا لفمها؛ فإن زالت العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنجس. «السبل» (1/ 55).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 83)
ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [1]: سؤر السِّبَاع.
قال ابن الأثير رحمه الله في «النهاية» (2/ 337): هو ما يفترس الحيوان، ويأكله قهرًا، وقسرًا، كالأسد، و الذئب، والنمر، ونحوها. اهـ
قال أبو عبيد رحمه الله في كتاب «الطهور» (ص 286): وقد اختلف الناس في ذلك، فكان مالك بن أنس، ومن وافقه من أهل الحجار لا يرون بسؤرها بأسًا، وأما سفيان، وأهل العراق من أصحاب الرأي؛ فإنهم يكرهون ذلك، ولكل واحد من الفريقين حجة، فمذهب الكارهين -فيما أحسب- ما روي عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من النهي عن أكل لحومها، فرأوا أنها أنجاس لذلك، ثم ذكر أنهم أيضًا ربما قاسوه على سؤر الكلاب، وذكر أنَّ حجة المترخصين قياسها على سؤر الهرة. انتهى بتصرف.
وقد قال بقول مالك: الحسن، وعطاء، والزهري، ويحيى الأنصاري، وربيعة، وأبوالزناد، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم.
وقد استدلوا بأدلة ضعيفة، أذكرها للتنبيه عليها، منها:
1) حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن الحياض التي بين مكة، والمدينة، تردها السِّباع، والكلاب، والحمر، وعن الطهارة فيها؟ فقال: «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور»، وإسناده ضعيف. أخرجه ابن ماجه (519)، والدارقطني (1/ 31)، والبيهقي (1/ 258) وفي إسناده: عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، وقد أجمعوا على ضعفه.
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 84)
2) حديث جابر رضي الله عنه، أنه قال: سئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنتوضأ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: «نعم، وبما أفضلت السباع كلها» أخرجه الشافعي كما في «المسند» (1/ 22)، وفي إسناده: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو متروك. وله إسناد آخر عند الشافعي في «الأم» (1/ 6)، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، وقد قال بقول سفيان، وأهل الرأي: أحمد، والحنابلة، وأقوى ما استدلوا به هو حديث القلتين.
وقد أجاب عنه الشوكاني رحمه الله في «النيل» (1/ 72)، فقال: ويمكن حمل حديث القلتين المتقدم على أنه إنما كان كذلك؛ لأن ورودها على الماء مظنة لإلقائها الأبوال، والأزبال عليه. اهـ
قلتُ: وكذا فإنها تأكل النجاسات، والميتة، فربما سقط منها في الماء أثناء شربها، وكذا فإنَّ من السباع الكلب، ولعابه نجس.
والراجح -والله أعلم- هو مذهب مالك، والشافعي، ومن معهما؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يحكم بنجاستها إلا بدليل صحيح، صريح.(1)
مسألة [2]: سؤر الحمار، والبغل.
• اختلف في هذه المسألة كالاختلاف السابق؛ إلا أنَّ أحمد في هذه المسألة له رواية بطهارة سؤرهما.
واستدل القائلون بنجاسة سؤرها بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحمر الأهلية يوم خيبر، وقال: «إنها رجس» متفق عليه.(2)--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (1/ 66 - 67).
(2) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (23).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 85)
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (1/ 68): والصحيح عندي طهارة البغل، والحمار؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يركبها، وتُرْكَب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا؛ لبَيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك، ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبه السِّنَّور، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحمر: «إنها رجس»، أراد أنها محرمة، كقوله تعالى في الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام {رِجْسٌ}، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدروهم؛ فإنه نجس؛ لأن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. انتهى.
مسألة [3]: سؤر ما يؤكل لحمه.
قال أبو بكر بن المنذر رحمه الله في «الأوسط» (1/ 299): أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أنَّ سؤر ما يؤكل لحمه طاهرٌ، يجوز شربه، والتطهر به. انتهى.
مسألة [4]: سؤر الخيل.
قال أبو عبيد رحمه الله في «الطهور» (ص 291): الأمر فيها سهل؛ لأنَّ أهل العراق يرخصون أكل لحمها. اهـ
قلتُ: الخيل مباحة الأكل عند الجمهور، خلافًا للحنفية، والمالكية، فعلى هذا فهي تدخل في المسألة السابقة.
قال ابن المنذر رحمه الله في «الأوسط» (1/ 313): وكان ابن عمر(1)، والحسن، وابن سيرين، والحكم، وحماد لا يرون بسؤر الفرس بأسًا. انتهى.--------------------------------------------
(1) إسناده صحيح كما في «الأوسط» لابن المنذر (1/ 313).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 86)
10 - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ؛ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(1)
قوله: جاء أعرابي.
قال ابن الملقن رحمه الله في «شرح العمدة» (1/ 693): لم أرَ أحدًا ممن تكلم على المبهمات سمَّاه، وقد ظفرت به بحمد الله ومَنِّهِ في «معرفة الصحابة» لأبي موسى الأصبهاني؛ فإنه روى من حديث سليمان بن يسار، قال: اطلع ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلًا جافيًا … ، فذكره.
قلتُ: هو مرسلٌ، والسند إلى سليمان لم يذكره للنظر في حاله؛ فعلى هذا فهو ضعيفٌ، ولا يثبت تسمية هذا الأعرابي، ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في «الفتح» (حديث: 220): هو مرسلٌ، وفي إسناده أيضًا مبهمٌ، بين محمد بن إسحاق، وبين محمد بن عمرو بن عطاء. اهـ
فهذه علة أخرى مع علة الإرسال.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: بول الآدمي.
قال النووي رحمه الله في «شرح المهذب» (2/ 548): فأما بول الآدمي الكبير؛--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (221)، ومسلم برقم (284) واللفظ للبخاري.
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 87)
فنجسٌ بإجماع المسلمين، نقل فيه الإجماع ابن المنذر، وأصحابنا، وغيرهم، ودليله الأحاديث السابقة -وقد كان ذكر منها حديث الأعرابي- مع الإجماع.
وأما بول الصبي الذي لم يطعم؛ فنجسٌ عندنا، وعند العلماء كافة، وحكى العبدري، وصاحب «البيان» عن داود أنه قال: هو طاهرٌ، دليلنا عموم الأحاديث، والقياس على الكبير، وثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نضَحَ ثوبه من بول الصبي، وأمر بالنضح منه، فلو لم يكن نجسًا لم ينضح. انتهى.(1)
ومما يدل على نجاسة البول حديث ابن عباس رضي الله عنهما في «الصحيحين»(2): أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ بقبرين يعذبان، فقال في أحدهما: «كان لا يستتر من بوله»، وحديث: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه».(3)
مسألة [2]: غائط الآدمي.
نقل النووي الإجماع على نجاسته في «شرح المهذب» (2/ 549)، وقال: ولا فرق بين غائط الصغير، والكبير بالإجماع. انتهى.
مسألة [3]: هل يتعين الماء لتطهير الأرض.
• استدل جمهور العلماء بحديث الباب على أنه يتعين لتطهير الأرض أن يكون بالماء، وقالوا: لو كان يحصل التطهير بالجفاف؛ لما حصل التكليف بطلب الماء.--------------------------------------------
(1) وانظر: «سبل السلام» (1/ 56)، و «نيل الأوطار» (1/ 81)، و «شرح مسلم» (3/ 194).
(2) أخرجه البخاري برقم (216)، ومسلم برقم (292).
(3) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (98).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 88)
• وذهب أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف إلى أنَّ النجاسة إذا أُزِيلت بالشمس، أو الريح، حتى ذهب أثرها، صار المحل الذي وقعت فيه النجاسة طاهرًا. وهو قول للشافعي، وقول لمالك، وقولٌ في مذهب أحمد.
• ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (21/ 480)، وأبو البركات ابن تيمية، وابن القيم كما في «إغاثة اللهفان» (1/ 172).
قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في «مجموع الفتاوى» (21/ 475): الرَّاجِحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النَّجَاسَةَ مَتَى زَالَتْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ؛ زَالَ حُكْمُهَا؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةِ زَالَ بِزَوَالِهَا، لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الْأَمْوَالِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا. اهـ
قال الإمام ابن عثيمين رحمه الله في «الشرح الممتع» (1/ 362): وهذا هو الصواب لما يلي:
1) أنَّ النجاسة عين خبيثة، نجاستها بذاتها، إذا زالت عاد الشيء إلى طهارته.
2) أنَّ إزالة النجاسة ليس من باب المأمور، بل من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل بأي سببٍ كان، زالَ الحكم؛ ولهذا لا يشترط لإزالة النجاسة نية، فلو نزل المطر على الأرض المتنجسة، وزالت النجاسة طهرت، والجواب على ما استدل به الحنابلة: أنه لا ينكر أنَّ الماء طهور، وأنه أيسر شيء تطهر به الأشياء، لكن
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 89)
إثبات كونه مطهرًا لا يمنع أن يكون غيره مطهرًا، وأما بالنسبة لحديث أنس، وأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأن يصب عليه الماء فلأجل المبادرة بتطهيره؛ لأن الشمس لا تأتي عليه مباشرة حتى تطهره، بل يحتاج ذلك إلى أيام، والماء يطهره في الحال، والمسجد يحتاج إلى المبادرة بتطهيره؛ لأنه مصلى الناس. انتهى.(1)
مسألة [4]: هل يشترط حفر الأرض، وإلقاء التراب عند تطهيرها.
• ذهب الحنفية إلى اشتراط ذلك، إذا كانت الأرض صلبة، واستدل لهم بما أخرجه أبو داود في «سننه» (381) بإسناد صحيح إلى عبد الله بن معقل، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه قال: «خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماءً».
لكن قال أبو داود: هو مرسلٌ؛ ابن معقل لم يدرك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قلتُ: وقد جاء الأمر بالحفر من حديث ابن مسعود، وواثلة بن الأسقع، وأنس ابن مالك، وكلها منكرة، لا يصح منها شيء.(2)
• وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط الحفر، بل يكفي نضح الماء عليه، سواءٌ كانت الأرض رخوة، أو صلبة.
واستدلوا بحديث الباب، وهو الصحيح، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) وانظر: «السبل» (1/ 56)، و «النيل» (1/ 81)، و «الفتح» (221)، و «شرح العمدة» لابن الملقن (1/ 697)، «مجموع الفتاوى» (21/ 322).
(2) انظر: «التلخيص» (1/ 59 - 60).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 90)
مسألة [5]: غُسالة النجاسة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله -في شرحه لحديث الأعرابي -: وفيه أنَّ غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، ويلتحق به غير الواقعة؛ لأنَّ البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة، فإذا لم يثبت أنَّ التراب نقل، وعلمنا أنَّ المقصود التطهير، تعين الحكم بطهارة البلة، وإذا كانت طاهرة، فالمنفصلة أيضًا مثلها؛ لعدم الفارق. انتهى «الفتح» (221).
قلتُ: في هذه المسألة ثلاثة أوجه عند الشافعية، والحنابلة، والصحيح في مذهب أحمد، والشافعي، هوالطهارة، وهو قول مالك؛ خلافًا لأبي حنيفة.
والراجح ما ذكره الحافظ رحمه الله، لكن محل هذا الخلاف فيما إذا انفصلت غير متغيرة، أما إذا انفصلت متغيرة؛ فهي نجسة بالإجماع.
نقل الإجماع النووي في «شرح مسلم» (3/ 194)، وابن قدامة في «المغني» (2/ 503 - 504) «تنقيح التحقيق» (1/ 90).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 91)
مَسَائِلُ مُلْحَقَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالبَابِ
مسألة [1]: أبوال، وأرواث الحيوانات.
• في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: طهارة بول، وأرواث الحيوانات التي يؤكل لحمها دون غيرها، وهو قول: عطاء، والنخعي، والثوري، وأحمد، ومالك، كما في «المغني» (2/ 492)، و «المجموع» (2/ 549)، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في «مجموع الفتاوى» (21/ 541 - وما بعدها)، واستدلوا بما يلي:
1) حديث أنس رضي الله عنه في «الصحيحين»(1): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر العرنيين أن يشربوا من أبوالها، وألبانها.
2) حديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (360): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل: أيصلى في مرابض الغنم؟ فقال: «نعم».
3) طواف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالبيت الحرام على بعير كما في «الصحيحين» مع إمكان أن يبول البعير، وكذا الحمام ملازمٌ للمسجد الحرام، فلو كان ذرقه نجسًا؛ لأمر الناس بإزالته، وتطهيره، قال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج:26].
4) الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يحكم بنجاسته إلا بدليل.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (233)، ومسلم برقم (1671).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 92)
5) واستدلوا بحديث: «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه»، وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، جاء من حديث جابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، أخرجهما الدارقطني (1/ 128)، وفي إسناد الأول: عمرو بن الحصين، وهو متروك، ويحيى بن العلاء، وهو كذاب، وفي إسناد الثاني: سوار بن مصعب، وهو متروك.
المذهب الثاني: نجاسة بول، وأرواث جميع الحيوانات، ما أُكِل، وما لم يؤكل، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، والحنفية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن حزم، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه»، وبقوله: «وأما أحدهما؛ فكان لا يستنزه من البول»، فقالوا: كلمة «البول» تعم جميع الأبوال.
وأُجيب: بأنَّ (أل) عهدية، والمراد به: بول الآدمي. ويؤيده أنَّ في بعض روايات الحديث الثاني «من بوله».
واستدلوا بالقياس على الآدمي؛ فإن مأكوله، ومشروبه يصير نجسًا، مع أنَّ أكله أطيب من أكل الحيوانات، وهذا القياس معارض للنصوص؛ فهو فاسد الاعتبار.
المذهب الثالث: طهارة جميع الأبوال، والأرواث، عدا بول، وغائط الآدمي، وهو قول الشعبي، والنخعي، وحكاه الإسماعيلي وغيره عن ابن وهب، وهو قول الظاهرية عدا ابن حزم، ورجحه الشوكاني.
قال الشوكاني في «النيل» (1/ 92): والظاهر طهارة الأبوال، والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه، تمسكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 93)
حكم شرعي، ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل، والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا لذلك.
ثم قال: و الذي يتحتم القول به في الأبوال، والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي، وزبله. انتهى.
قلتُ: وهذا القول قد استدل له أيضًا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما في «البخاري»، قال: كانت الكلاب تبول، وتقبل، وتدبر في المسجد في زمان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك.
وقد قدمنا في مسألة [حكم لعاب الكلب] ذكر أقوال العلماء في توجيه هذا الحديث.
والراجح في هذه المسألة هو المذهب الأول؛ لعموم حديث: «استنزهوا من البول»، وخُصَّ منه ما يؤكل لحمه بالأدلة المتقدمة؛ ولأنَّ الإنسان كرَّمه الله على الحيوانات، وبوله، وغائطه نجس، فكذلك الحيوانات أبوالها، وأرواثها نجسة؛ إلا ما خُصَّ بدليل كالحيوانات التي يؤكل لحمها كما تقدم، والله أعلم.(1)--------------------------------------------
(1) وانظر: «المحلى» (137)، «المجموع» (2/ 549)، «مجموع الفتاوى» (21/ 541 - ).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 94)
11 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالجَرَادُ وَالحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ(1) وَالكَبِدُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: ميتة الحوت، والجراد.
قال النووي رحمه الله في «شرح المهذب» (2/ 561): أما حكم المسألة، فالسمك والجراد إذا ماتا طاهران بالنصوص، والإجماع، قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة:96]، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل:14].--------------------------------------------
(1) الطحال على وزن كتاب: قال في لسان العرب: لحمة سوداء عريضة في بطن الإنسان وغيره عن اليسار لازقة بالجنب.
وقال صاحب «توضيح الأحكام»: هو عضو يقع بين المعدة والحجاب الحاجز في يسار البطن وظيفته تكوين الدم، وإتلاف القديم من كريَّاته.
(2) ضعيف، وصح موقوفًا، وله حكم الرفع. أخرجه أحمد (2/ 97)، وابن ماجه (3314) من طريق عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر به.
وإسناده ضعيف؛ لضعف عبدالرحمن بن زيد بن أسلم. وقد تابعه أخواه أسامة وعبدالله، وكلاهما ضعيف، وعبدالله أحسن حالًا.
وخالفهم جميعًا سليمان بن بلال فرواه عن زيد بن أسلم عن ابن عمر موقوفًا. ورجح الموقوف أبوزرعة وأبوحاتم والدارقطني والبيهقي.
انظر «التلخيص الحبير» (1/ 35)، و «سنن البيهقي» (1/ 254) (10/ 7). وهو مع وقفه له حكم الرفع؛ لأن التحليل والتحريم لا يقال بالرأي، والله أعلم.
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 95)
وثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سبع غزوات نأكل الجراد. متفق عليه(1)، وسواءٌ عندنا الذي مات بالاصطياد، أو حتف نفسه، والطافي من السمك وغير الطافي، وسواء قُطِع رأس الجراد، أم لا، وكذا باقي ميتات البحر، إذا قلنا بالأصح في الجميع، أنها حلال، فميتتها طاهرة. اهـ
قال عبد الله البسَّام في «توضيح الأحكام» (1/ 146): الحديث دليل على أنَّ السمك، والجراد إذا ماتا في ماء؛ فإنه لا ينجسه، قليلًا كان الماء، أو كثيرًا، ولو تغير طعمه، أو لونه، أو ريحه؛ فإنه لم يتغير بنجاسة، وإنما تغير بشيء طاهر، وهذا وجه سياق الحديث في باب المياه. انتهى.
مسألة [2]: حكم الطحال، والكبد.
يدل حديث الباب على طهارتهما؛ لأنه أحل أكلهما، ولو كانا نجسين لما أحل أكلهما، وقد نقل النووي في «شرح المهذب» (2/ 560) الإجماع على طهارتهما.--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه إن شاء الله في [كتاب الأطعمة].
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 96)
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [1]: ميتة غير الجراد، والحوت، والآدمي.
نقل النووي في «شرح المهذب» (2/ 562) الإجماع على نجاستها.
قلتُ: ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دُبِغ الإِهاب؛ فقد طَهُر»(1)، وجلد الميتة هو جزء منها، وقوله: «فقد طَهُر» يدل على أنه نجس، والله أعلم.
مسألة [2]: ميتة الآدمي.
أما ميتة المسلم، فقد قال النووي رحمه الله في «شرح مسلم» (371): فأما الحي؛ فطاهرٌ بإجماع المسلمين.
ثم قال: وأما الميت، ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان، الصحيح منهما: أنه طاهرٌ. اهـ
وما صححه الإمام النووي رحمه الله هو الصحيح، وهو مذهب أحمد، ومالك، وداود، كما في «شرح المهذب» (2/ 563)، ويدل عليه عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ المسلم لا ينجس».
وخالف أبو حنيفة، فقال: ينجس. وهو رواية عن أحمد، ومالك، وقول للشافعي، ومما استدلوا به: أن زنجيًّا سقط في بئر زمزم، فمات، فأمر ابن الزبير، وابن عباس أن ينزح الماء منها. وقد أنكر النووي هذه القصة في «المجموع»--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه برقم (16).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 97)
(1/ 116)، وقال: إنَّ هذا الذي زعموه باطلٌ لا أصل له.
قال الشافعي: لقيت جماعة من شيوخ مكة، فسألتهم عن هذا، فقالوا: ما سمعنا هذا.
وروى البيهقي وغيره عن سفيان بن عيينة إمام أهل مكة، قال: أنا بمكة منذ سبعين سنة، لم أرَ أحدًا، لا صغيرًا، ولا كبيرًا يعرف حديث الزِّنْجِي الذي يقولونه، وما سمعت أحدًا يقول: نزحت زمزم.
والقول الأول هو الراجح، وقد رجحه البخاري في «صحيحه»، وقد صح عن ابن عباس أنه قال: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًّا، ولا ميتًا. أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 267) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس به.
وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه حنط ابنًا لسعيد بن زيد. أخرجه مالك في الموطأ (1/ 25) عن نافع، عنه. وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسًا ما مسسته. أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 268) عن يحيى بن سعيد القطان، عن الجعيد بن عبدالرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها به. وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات.
وهذه الآثار علَّقها البخاري في «صحيحه»، وهي صحيحة.
قال الحافظ رحمه الله في «الفتح» (1253): وقيل تعلق هذا الأثر، وما بعده بالترجمة من جهة أن المصنف يرى أنَّ المؤمن لا ينجس بالموت، وأنَّ غسله إنما هو للتعبد؛ لأنه لو كان نجسًا لم يطهره الماء، والسدر، ولا الماء وحده. اهـ
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 98)
وأما الكافر، فقد قال ابن الملقن في «شرح العمدة» (2/ 18): وأما الكافر؛ فحكمه في الطهارة، والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير من السلف، والخلف.
قلتُ: ويدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في «الصحيحين»(1): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ربط ثمامة بن أُثال في المسجد قبل أن يسلم. وحديث عمران بن حصين في «الصحيحين»(2): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استعمل مزادة امرأة مشركة هو، وأصحابه.
وكذلك إباحة ذبائح أهل الكتاب، وإباحة نسائهم في قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة:5].
وقد خالف في هذه المسألة بعض الظاهرية، فقالوا: إن المشرك نجس العين، واستدلوا بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28].
والجواب عن هذا الاستدلال: بأن النجاسة ههنا محمولة على النجاسة المعنوية، وهو خُبْثُ، ونجاسة معتقده، جمعًا بين هذا الدليل، وبين الأدلة المتقدمة، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن المؤمن لا ينجس»(3)، وقالوا: مفهومه أنَّ الكافر ينجس.--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (107).
(2) سيأتي تخريجه برقم (20).
(3) أخرجه البخاري (283)، ومسلم (371) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 99)
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ المراد بالحديث أنَّ المؤمن طاهر الأعضاء؛ لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك؛ لعدم تحفظه عن النجاسة.
واستدلوا بمرسل الحسن، أنَّ وفد ثقيف لما أتوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ضُرِبت لهم قبة في مؤخرة المسجد؛ لينظروا إلى صلاة المسلمين، فقال الصحابة: يا رسول الله، أتنزلهم المسجد، وهم مشركون؟ فقال: «إنَّ الأرض لا تنجس، إنما ينجس ابن آدم». أخرجه عبد الرزاق (1620)، وأبو داود في «المراسيل» (17)، وإسناده صحيح إلى الحسن، ولكن مراسيل الحسن ضعيفة، من أضعف المراسيل كما جزم بذلك الذهبي في «الموقظة».
واستدلوا بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسل آنية المشركين، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني في «الصحيحين».(1)
وأجاب عنه الشوكاني في «السيل» (1/ 36)، فقال: المراد بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل أن يزيلوا منها أثر ما يحرم أكله، وشربه، ولا ملازمة بين التحريم، والنجاسة.
وأما حكم ميتة الكافر؛ فقيل: إنَّ مفهوم حديث: «إنَّ المؤمن لا ينجس» يدل على نجاسته في حال موته.
ولا يُعلَم دليلٌ يعارض هذا المفهوم؛ فلذلك فميتة الكافر تعتبر نجسة، وقد نقل القرطبي في «المفهم» (2/ 629) عن بعض المتأخرين أنه نقل الاتفاق على--------------------------------------------
(1) سيأتي برقم (19).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 100)
نجاسة الكافر الميت.
وهذا الاتفاق ليس بصحيح؛ فالأشهر في مذهب الحنابلة كما في «الإنصاف» (1/ 318)، وكذا في مذهب الشافعية كما في «المجموع» (2/ 562) القول بطهارته كالمسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في «الاختيارات» (ص 22): ولا ينجس الآدمي بالموت، وهو ظاهر مذهب أحمد، والشافعي، وأصح القولين في مذهب مالك. اهـ
قلتُ: ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء:70].
وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليًّا أن يدفن والده، وأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتلى المشركين يوم بدر، فسحبوا إلى طوي من أطواء بدر، ولو كانوا نجسين؛ لأمر بعدم مباشرة أجسامهم، فالذي يظهر -والله أعلم- هو عدم نجاسة الآدمي مطلقًا، وبالله التوفيق.(1)--------------------------------------------
(1) وانظر: «المحلى» (139)، «مجموع الفتاوى» (21/ 555).
(খণ্ড: 41) (পৃষ্ঠা: 101)