وقال ابن الأبار: وكان رحالًا في العلم فقيهًا نظارًا أديبًا حافظًا يبصر الحديث ورجاله، صنف وكتب الخط الأنيق، وأخذ الناس عنه.
وقال الحسيني: وكان رحالًا في طلب العلم، حريصًا على لقاء الشيوخ، فقيهًا نظارًا أديبًا حافظًا يبصر الحديث ورجاله، وقد صنف وألف مع براعة الخط وحسن الوراقة، حدث وأخذ عنه الناس.
وقال ابن العماد: كان من الفضلاء الصلحاء، وكان من أئمة أهل المغرب فقيهًا مناظرًا متفننًا حافظًا للحديث بصيرًا بالرجال، صحب علماء الأندلس، وكتابه ضاهى به «مشارق الأنوار» للقاضي عياض.
وفاته:
توفي رحمه الله بمدينة فاس يوم الجمعة أول وقت العصر سادس شوال سنة تسع وستين وخمسمائة.
منهج الحافظ ابن قرقول في كتاب «المطالع»:
لقد سار على نفس طريقة القاضي عياض في كتابه «المشارق» في الترتيب والمضمون، ولذا تجد المصنف ينقل عن «المشارق» نقولات طويلة أحيانًا يشير إلى أنه نقل، وأخرى لا يشير فيها، وربما نقل منها بتصرف مع زيادات وتصويبات.
وذلك يرجع إلى أن عمل ابن قرقول في الأصل مكمل لعمل القاضي عياض، بل إنه استدرك عليه بعض الألفاظ التي كان يجب وضعها، وذكر كثير من الأوهام التي وقعت للقاضي عياض.
وقد بين المصنف منهجه في مقدمة الكتاب وهي مستوحاه من مقدمة القاضي.
قال ابن قرقول: ثم لما جمع عزمي على النظر في ذلك والتفرغ له وقتًا من نهاري وليلي، قسمت له حظًّا من تكاليفي وشغلي بالجلوس
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 895)
للعامة للتذكير والتعليم، ثم للخاصة للرواية والتسميع، رأيت ترتيب هذا الغريب على حروف المعجم أقرب وأفهم، وأخلص من التكرار للألفاظ بحسب تكررها في هذه الأمهات وأسلم، تيسيرًا على الطالب ومعونة للمجتهد الراغب.
فإذا وقف قارئ مصنف من هذه المصنفات على غريب أو كلمة مشكلة أو تسمية مهملة، فزع إلى الحرف الذي في أولها، إن كان صحيحًا طلبه في الصحيح، وإن كان مضاعفًا أو معتلًّا أو مهموزًا طلب كلًّا في بابه، ونسقت أبوابه على نسق حروف المعجم عندنا بالمغرب.
وبدأت في أول كل حرفٍ منه بالألفاظ الواقعة في متون الأحاديث، دون أسماء الرجال والبقاع، ثم إذا فرغت من جميع الحرف عطفت عليه بأسماء الرواة والبقاع، هكذا حرفًا بعد حرفٍ إلى آخر الحروف، مقيدًا كله بما يعصمه إن شاء الله من التغيير والتصحيف والتبديل والتحريف؛ ليكون عصمة لمن اعتصم به، وعتادًا لمن لجأ إليه من أصحابي الآخذين عني.
فمن فاته شيء من التقييد عني بغفلةٍ أو نسيان أو تضييع وإهمال استدركه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ثم ليعلم قارئ هذا الكتاب أني لم أضعه لشرح اللغات وتفسير المعاني وتبيين وجوه الإعراب؛ بل لحفظ الرواية وتقييد السماع، وتمييز المشكل وتقييد المهمل، وفتح ما استغلق من تلك اللغات، وتوجيه ما اختلف فيه الروايات، وجبذ منادها إلى جهة الصواب، على قدر ما فتح لي من مبهم هذه الأبواب.
والكتاب يذكر فيه ابن قرقول اختلاف الروايات، ومصدره في هذه الروايات - في غالب ظني - الكتب والمصادر التي استقى منها مادته العلمية للكتاب، وعلى رأسها كتاب القاضي عياض، ولم يذكر روايته لهذه الكتب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 896)
كما فعل القاضي عياض.
وكتاب «المطالع» له أهميةٌ كبيرةٌ جدًّا عند أهل العلم خاصَّة، ويعتبر من أهم الكتب التي ألفت على «الموطأ» و «الصحيحين».
وقد اعتمد أئمة أهل العلم على كتاب «المطالع» للحافظ ابن قرقول اعتمادًا كبيرًا، ونقلوا عنه واعتبروه مصدرًا رئيسيًّا في ذلك، وقد صرَّح بذلك الكثير من الأئمة في كتبهم.
واعتمد الأئمة عليه في ضبط الروايات وأسماء الرجال والبلدان اعتمادًا كبيرًا، حتى امتلأت مصنفات أكابر علمائنا بالنقل عن هذا الكتاب، كالحافظ ابن الملقن، والحافظ ابن حجر، والإمام النووي، والإمام العيني في شروحهم.
بل واعتمد عليه أهل اللغة، كمصدرٍ أساسيٍّ في تجميع مادة كتبهم، وضبط ما يشكل من الألفاظ، ومنهم من صرَّح بذلك في مقدمة كتابه، كالإمام الزبيدي في مقدمة كتابه «تاج العروس» (1).
كما نقل من الكتاب كل من السيوطي في مصنفاته (2). والإمام الحافظ شمس الدين الذَّهبي (3).
وقد اعتنى بهذا الكتاب بعض أهل العلم:--------------------------------------------
(1) قَال في مقدمة كتابه بعد أن تكلم على منهج كتابه ومحتواه: مستمدًّا ذلك من الكتب التي يَسَّر الله تعالى بفضلِه وُقُوفي عليها، وحَصل الاستمدادُ عليه منها، ونقلْتُ بالمباشرة لا بالوسائط عنها.
وذكر منها: «مشارق الأنوار» للقاضي عياض، و «المطالع» لتلميذه ابن قرقول.
(2) ينظر مثلًا: «تنوير الحوالك شرح موطأ مالك» (1/ 63). «شرح السيوطي لسنن النسائي» (4/ 24).
(3) ينظر مثلًا: «سير أعلام النبلاء» (15/ 12).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 897)
- فقام بنظمه الإمام العلامة محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان بن عبد العزيز، البعلي المولد، الشافعي المذهب، الشيخ شمس الدين، المعروف بابن الموصلي (1).
- وقام بتهذيبه الإمام العلامة، محمود بن أحمد بن محمد النور، الهمذانى، الفيومي الأصل الحموي، الشافعي، المعروف بابن خطيب الدهشة (2).
وأيضًا اختصره الإمام إبراهيم بن محمد الغساني في كتاب سماه «المختار من مطالع الأنوار».
ويوجد للكتاب عدة نسخ خطية منها:
1 - النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية، حفظها الله تحت رقم (86 لغة تيمور).
وهي نسخة خطية، متقنة كاملة عليها بلوغ مقابلات، وناسخها غير معروف، كتبت سنة 822 هـ بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: 273 ورقة،--------------------------------------------
(1) ولد سنة تسع وتسعين وستمائة.
سمع الحديث على شيخ الإسلام جمال الدين يوسف المزي، وعلى الشيخ شمس الدين الذَّهبي، والشيخ بدر الدين ابن مكي، وغيرهم.
ومصنفه هو كتاب «لوامع الأنوار نظم مطالع الأنوار» ينظر: «الدرر الكامنة» (5/ 543)، و «الوافي بالوفيات» (1/ 114).
(2) سمع من جماعة، وتفقه على أهل بلده، وارتحل إلى مصر والشام فأخذ عن أئمتهما، وتقدم في الفقه وأصوله والعربية واللغة وغيرها، وولي قضاء حماة، ثم صرف ولزم منزله متصديًا للإقراء والفتاوى والتصنيف فانتفع به أهل بلده واشتهر ذكره.
وصنف تصانيف كثيرة منها: «تهذيب المطالع» في ست مجلدات. ينظر: «البدر الطالع» (2/ 294).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 898)
وعدد الأسطر في كل ورقة 29 سطر.
2 - النسخة الخطية المحفوظة بمعهد المخطوطات تحت رقم (474 حديث)
وهي نسخة خطية متقنة عليها بلوغ مقابلات، والموجود منها الجزء الثاني منها، ويبدأ بحرف اللام.
وناسخها أحمد بن عمر بن رشيد الصواف.
وذلك في سنة 633 هـ بدار الحديث الأشرفية.
بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: 283 ورقة، وعدد الأسطر في كل ورقة 24 سطر.
3 - النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية حفظها الله تحت رقم (474 حديث).
وهي نسخة خطية في مجلدين، كثيرة التحريف، وبها خرم في أول المجلد الثاني.
وناسخها محمد بن علي الدموسي.
وذلك في سنة 778 هـ بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: 424 ورقة، وعدد الأسطر في كل ورقة 24 سطر (1).--------------------------------------------
(1) والكتاب يعمل على إخراجه «مركز الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث» بالفيوم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 899)
خاتمة الباب الثالث
مما سبق يتبين أن عناية الأمة الإسلامية بضبط الاختلافات الواردة بين الروايات لصحيح البخاري، كانت عناية تامةً وتمثلت هذه العناية في أمور:
أولها: الحرص على رواية الصحيح وانتفاء أصح الروايات لتحملها، حتى اشتهر عن المشارقة بعض الروايات، وعند المغاربة روايات أخرى.
ثانيها: الحرص على الجمع بين أكثر من نسخة في كتاب واحد، مثل ما فعله أبو ذر الهروي والإمام اليونيني.
ثالثها: تقييد الاختلافات بين الروايات وتوجيهها، وأفضل من قام بذلك: أبو علي الجياني، والقاضي عياض، وابن حجر العسقلاني، وشهاب الدين القسطلاني.
كما يمكن استخلاص هذه النتائج:
1 - أن عمل اليونيني أفضل عمل حتى الآن يمثل جملة من الروايات مميزةً ومعزوةً إلى أصحابها.
2 - أن الطبعة السلطانية التي طبعت سنة (1411) هـ هي أفضل الطبعات التي تمثل عمل اليونيني، وأفضل المصورات لها مصورة دار طوق النجاة.
3 - من أفضل الطبعات أيضًا طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية المصرية، حيث تم إثبات الاختلافات بين الروايات في الهامش بعد فك الرموز الدالة عليها.
4 - أن المغاربة كان لهم دور بارز في حفظ التراث المتعلق بالصحيح، ويتمثل ذلك في احتفاظهم بنسختين يتمتعان بدرجة عالية من الدقة.
وهما نسخة أبي علي الصدفي (514) هـ ونسخة أبي عمران ابن سعادة (522) هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 900)
النتائج العامة للبحث
هذا البحث يتناول ثلاثة جوانب تتعلق باختلاف الروايات، ولكل جانب باب مستقل:
الأول: التعريف بأصحاب الروايات، وتبين من خلال هذا الباب ما يلي:
1 - إنه لم توجد دراسة تناولت التعريف بهذه الروايات بما يميزها عن غيرها.
2 - أشهر الروايات عن البخاري هي رواية الفربري؛ وذلك لعوامل وأسباب أدت إلى ذلك؛ مما يدل على تواتر «الصحيح» عن البخاري؛ لأن الفربري كان عنده أصل «صحيح البخاري».
3 - أشهر الروايات على الإطلاق رواية أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة.
4 - أن أقدم مخطوط يعرف الآن للصحيح هو القطعة الموجودة في مجموعة المستشرق منجانا وهي برواية أبي زيد المروزي المتوفى سنة (371) هـ عن الفربري وكتبت في حياته.
5 - توجد نسخ مخطوطة لعدة روايات منها رواية ابن السكن ورواية أبي ذر الهروي وهي كثيرة وقد ذكرت كثيرًا منها في موضعه.
6 - هناك روايات كثيرة أخرى اشتهرت بين العلماء ومنها رواية الأصيلي ورواية أبي الوقت ورواية كريمة المروزية.
أما الجانب الثاني فكان في دراسة الاختلافات التي وقعت بين الرواة، وكان ذلك من خلال بيان صورها وأسبابها ونتائجها وعناية العلماء بتوجيهها، وهذا الجانب جعلته الباب الثاني من البحث، وقد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 901)
أظهرت كثيرًا من هذه النتائج في هذا الباب مما يغني عن إعادته هنا.
أما الجانب الثالث فكان في إبراز عناية العلماء بضبط هذه الاختلافات وجعلته في الباب الثالث، وكان من أهم النتائج التي ظهرت من خلال هذا الباب ما يلي:
1 - اعتناء العلماء الأوائل العناية التامة بهذه الاختلافات وذلك من خلال الشروح والمصنفات التي اهتمت بتقييدها.
2 - تعتبر نسخة العلامة شرف الدين اليونيني المتوفى سنة (701) من الهجرة رحمه الله تعالى أجمع النسخ وأصحها لروايات «صحيح البخاري».
3 - تعتبر الطبعة السلطانية التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد الثاني سنة (1311) هـ هي أفضل الطبعات التي تمثل عمل اليونيني.
4 - أن أبا علي الجياني والقاضي عياض يعتبران ممن لهما السبق في تمييز هذه الاختلافات وتوجيهها، ثم تلاهم بعد ذلك شراح «الصحيح» أمثال ابن حجر العسقلاني وغيره.
5 - من أفضل الطبعات الموجودة في «الصحيح» طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية حيث ميزوا بين الروايات بعد ذكر ما تدل عليه الرموز عند شرف الدين اليونيني.
6 - حدث كثيرٌ من الإشكالات وذلك لتجاهل هذه الاختلافات مثل ما حدث في الطبعة السلفية، حيث وضعوا متن «صحيح البخاري» من رواية غير الرواية التي شرح عليها ابن حجر العسقلاني، وقد سبق تفصيل ذلك في الباب الثاني.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 902)
كيفية الوصول إلى نص «صحيح البخاري»
كل كتاب تعددت رواياته يحتاج إلى طريقة خاصة في الوصول إلى النص الذي أراده مصنفه، فنحن أمام كتاب أقبل عليه العلماء من كل الأقطار، وبقي مؤلفه يحدث به فترة زمنية كبيرة، مما جعل عدد السامعين له أكثر من تسعين ألف راو، كما جاء ذلك عن الفربري.
ومع مرور الزمن أصبح كل راو من هؤلاء الرواة عن البخاري له مستمعون يأخذون عنه «الصحيح»، وعن كل راو من هؤلاء الرواة رواةٌ آخرون، وهكذا حتى كثرت الروايات، واعتراها النقص البشري من زيادة ونقصان، وتصحيف وتحريف، وغير ذلك، والتي سبق الحديث عنها بالتفصيل.
وفي هذا الزحام الشديد من الروايات، ظهرت روايات وتميزت عن غيرها من الروايات، لعوامل ساعدت في ذلك، وتعرضت لها بالتفصيل روايةً روايةً كما سبق، وجلها يرجع إلى ضبط الرواية والراوي، وعناية العلماء بالرواية.
وهذه الروايات يوجد بينها اختلاف في الترتيب والزيادة والنقص وغير ذلك؛ وذلك لأسباب قد تعرضت لها فيما سبق، وهي غير قادحة في متن «الصحيح» ولله الحمد، ولكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة: كيف نصل إلى نص صحيح لمتن «صحيح البخاري» رحمه الله تعالى؟
إن الوصول إلى نصٍّ لصحيح البخاري لا يتم إلا بتمييز كل رواية من هذه الروايات على حدة، وذلك بالوقوف على أصح النسخ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 903)
المخطوطة التي نسبت إلى هذه الروايات، وذلك بعد دراسة لهذه الرواية وأهم النسخ التي أخذت عنها.
ويكون كل راو عن البخاري بمثابة أصل تجتمع عنده الروايات.
فعلى سبيل المثال: إخراج رواية الفربري تكون على حدة، وذلك من خلال جمع النسخ التي رويت عنه من خلال أشهر تلاميذه، فيذكر مثلًا: رواية أبي زيد المروزي (371) هـ، ورواية ابن السكن (353) هـ ورواية أبي محمد السرخسي (381) هـ، ورواية أبي إسحاق المستملي (376) هـ، ورواية أبى الهيثم الكشميهني (389) هـ، وغير ذلك فتُجمع هذه الروايات أو ما يتيسر الوقوف عليه، ثم يُقارن بينها، وإذا لم يتيسر الوقوف على نسخ مخطوطة لهذه الطبقة، يمكن الاعتماد على الطبقة التي تليها، حيث اشتهر في كل طبقة بعض الروايات التي عرفت بضبط رواتها، وعنايتهم بها، وهم بدورهم قد قارنوا بين أكثر من راوٍ عن الفربري.
فمثلًا: أشهر الروايات في الطبقة الثالثة من الرواة عن البخاري:
رواية أبي ذر الهروي (434) هـ حيث جمع بين ثلاث روايات من الطبقة الثانية، وهي: رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني.
وقد سبق ذكرُ كثيرٍ من المخطوطات عند الحديث عن رواية أبي ذر الهروي وأشهر الرواة لها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 904)
ومن هذه الروايات: رواية أبى محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلى (392) هـ عن الإمام أبى زيد المروزي (371) هـ وقد سبق الحديث عن أماكن وجودها.
ومنها أيضًا: رواية كريمة المروزية (463) هـ وهي عن أبي الهيثم الكشميهني وهكذا.
ويمكن الاقتصار على رواية واحدة، أو الجمع بين روايتين فأكثر على المنهج الذي سيأتي الحديث عنه في المقارنة بين الروايات.
كما يمكن أيضًا الاعتماد على نسخ أخرى من الطبقة الرابعة في الرواة عن البخاري مثل: رواية أبي الوقت عبد الأول الهروي (458 - 553) هـ التي رواها عن أبي الحسن الداودى (374 - 467) هـ عن أبي محمد السرخسي (293 - 381) هـ عن أبي عبد الله الفربري، عن البخاري.
ورواية أبي الوقت هذه رواها عنه أبو عبد الله الحسين بن بكر الزبيدي (545 - 631) هـ وهي من الروايات التي اعتمد عليها شرف الدين اليونيني (621 - 701) هـ وهي أصل سماعه أيضًا، واعتمد عليها بعض شراح «الصحيح» ومنهم العلامة سراج الدين ابن الملقن (723 - 804) هـ.
ويمكن الاعتماد أيضًا على نسخ في الطبقات المتأخرة مثل نسخة أبي علي الصدفي (454 - 514) هـ التي رواها عن شيخه أبى الوليد الباجي (474) هـ عن أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة، عن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 905)
الفربري، عن البخاري. والتي كتبها بخطه، وقد سبق الحديث عن مكانها وأهميتها.
كما اعتمدت نسخة أبي عمران موسى بن سعادة المتوفى سنة (522) هـ أو بعدها، على نسخة أبي علي الصدفي وقد سبق الكلام عليها، وعلى أهميتها وأماكن وجودها.
كما توجد أيضًا نسخة أبي زرعة العراقي المتوفى سنة (826) هـ وهي النسخة العراقية، حيث ساق أبو زرعة فيها أسانيده إلى كريمة المروزية، ثم إلى أبي ذر الهروي (434) هـ ثم إلى أبي الوقت عبد الأول (553) هـ واعتمد ذكر متن إحدى الروايات، وذكر في الهامش فروق النسخ، وتوجد عندي منها صورة كاملة لـ «الصحيح» كله، وهي من أكمل وأحسن النسخ المخطوطة التي اطّلعتُ عليها.
ومن أجود الأعمال وأحسنها في الجمع بين أكثر من نسخة ما قام به الإمام شرف الدين اليونيني (701) هـ حيث استنسخ «الصحيح» وحرره وقابله على أصول أخرى عرفت بالصحة، هي: أصل مسموع على الحافظ أبي ذر الهروي، وأصل مسموع على الأصيلي، وأصل مسموع على أبي الوقت السجزي (553) هـ، وأصل مؤرخ الشام الحافظ ابن عساكر (571) هـ.
ثم اجتهد فبالغ في التحري لما قابلها بحضرة إمام اللغة جمال الدين بن مالك، فكان يضبطها على الأوجه في اللغة، ويعلل ما وقع فيها من ضبط، قد يشكل على أصحاب اللغة، وقد سبق الحديث عنها بالتفصيل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 906)
ومن الجدير بالملاحظة هنا أن الطبعة السلطانية وفروعها المأخوذة منها تعتبر فرعًا عن «اليونينية» وليست نسخة منها، حيث اعتمد المحققون عليها وعلى نسخ أخرى معها، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل.
وهكذا يمكن الاقتصار على رواية من الروايات التي عُرف أصحابها بالدقة والإتقان، وذلك من خلال النسخ المأخوذة عنها، أو الجمع بين أكثر من رواية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 907)
منهج الجمع بين أكثر من رواية من روايات «الصحيح»
الأصل في الوصول إلى نص المؤلف هو الرجوع إلى نسخته التي كان يروي منها، فإذا لم يتيسر ذلك كما هو الحال في «الجامع الصحيح» فينظر هل تعددت الروايات عن هذا المؤلف أم لا؟
فإن لم تتعدد فالأمر سهل وهين؛ حيث لا يوجد اختلاف على المؤلف، أما إذا تعدد الرواة عن هذا المؤلف، ثم تعدد الرواة عن هؤلاء الرواة وهكذا .. - وذلك كما هو الحال في «الجامع الصحيح» - فإنه يجب مراعاة الآتي عند إخراج النص الأصلي:
أولًا: تحديد الروايات التي سيتم الاعتماد عليها: وذلك بالوقوف على النسخ الخطية التي سيتم الاعتماد عليها، ويراعى أن تكون هذه الروايات مما عُرف أصحابها بالدقة والضبط والعناية بهذا الشأن.
وللوصول إلى ذلك يفضل القيام بعمل مسح شامل على مظان المخطوطات، لأهم المكتبات في مصر والعالم العربي، والمجموعات العالمية لبعض المستشرقين، وذلك بغرض الوصول إلى أصح الروايات.
ويكون ذلك بالقيام بفحص كل المخطوطات التي نسبت لـ «الصحيح»، من خلال فريق متخصص، لدية الخبرة والإمكانيات التي تساعده على تمييز المخطوطات التي لها قيمة تاريخية عن غيرها.
ثانيًا: وضع رموز مناسبة يراعى فيها الاختصار والدلالة على صاحب الرواية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 908)
ثالثًا: تمييز الزيادة والنقص أو الإبدال أو الاختلاف في الألفاظ أو الشكل أو الترتيب، سواء أكان ذلك في العناوين والكتب، أم في الأحاديث، وسواء أكان ذلك في الأحاديث المسندة، أم في المعلقات من الأسانيد أو المتون أو غير ذلك.
ويمكن فعل ذلك بأحد ثلاث طرق:
الأولى: تقسيم النص إلى: أصل وحاشية، فيوضع في الأصل الرواية المختارة، ثم في الحاشية اختلاف باقي الروايات زيادًة ونقصًا وغير ذلك، فيكون القدر المتفق عليه بين الروايات في صلب المتن دون تعليق، وذلك كما هو الحال في مناهج الطباعة الحديثة، ويمكن اعتبار طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر مثالًا لهذه الطريقة، حيث أخرجوا الطبعة السلطانية بعد فك الرموز والتعبير عنها بالألفاظ، وقد سبق الكلام على هذه الطبعة بالتفصيل.
الثانية: وضع النص بجميع زياداته في كل النسخ في نص واحد، مع الرمز على الكلمات أو الجمل المحذوفة في بعض الروايات لمن سقطت عندهم هذه الكلمات أو الجمل أو غير ذلك من أنواع الاختلاف، مع الإشارة في الحاشية لما يتعذر حكايته في المتن.
وهذه الطريقة تتميز بالاحتياط في جمع النص من جميع الروايات، وإن سقط من بعض الروايات بعض الألفاظ والكلمات - وذلك عكس الطريقة الثالثة كما سيأتي.
ويعد عمل الحافظ شرف الدين اليونيني مثالاً لهذه الطريقة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 909)
الثالثة: هي الاقتصار على القدر المتفق عليه بين الروايات، ويعتمد في الترتيب أصح الروايات، ثم نضع في الحاشية الكلمات أو الجمل المختلف فيها معزوةً إلى أصحابها. وهذه الطريقة تختلف عن الأولى بعدم اختيار نسخة معينة في الأصل إلا في الترتيب، وهي عكس الثانية حيث لا يتم هنا الاقتصار إلا على القدر المتفق عليه بين الروايات التي سُيعتمد عليها في النص، وهذه الطريقة تمتاز عن غيرها بقدرتها على استيعاب أكبر عدد ممكن من الروايات.
رابعًا: اعتماد منهج في الدلالة على الزيادة والنقصان والتقديم والتأخير وتعدد الشكل في الكلمة الواحدة وغير ذلك، وقد سبق بيان منهج العلماء القدامى في كتابة الحديث؛ ومنهج القوم أولى بالاتباع ما دام فيه الدلالة الكافية على المراد.
ومما ينبغي مراعاته في ذلك الرجوع إلى كتب الشروح حيث اعتمد الشراح - وخاصة الإمام القسطلاني وابن حجر - على روايات في غاية الصحة، كما تناولوا توجيه هذه الروايات وإزالة الإشكالات التي بينها.
كما يجب الرجوع إلى الكتب التي لها عناية خاصة برجال «الصحيح» مثل: كتاب الكلاباذي (398) هـ وكتاب «تقييد المهمل» لأبي علي الجياني (498) هـ قسم رجال البخاري منه، كما يجب الرجوع إلى الكتب التي لها عناية بألفاظ الصحيح مثل كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (544) هـ وغير ذلك من كتب الأطراف وخاصة «تحفة الأشراف» للمزي (742) هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 910)
وهذا المنهج السابق يجعل «صحيح البخاري» كله في متناول يدك، بالإضافة إلى تمييز المتفق عليه بين الروايات والمختلف فيه ونسبة كل اختلاف إلى المروي عنه، بحيث تستطيع لو أردت أن تجمع كل رواية على حدة لفعلت.
أما أن تجمع كل الروايات في متن واحد مع عدم التمييز بينها، فهذا كمن يعمد إلى كتاب من الكتب، ويجمع فيها كل الزيادات والفروق بين النسخ ولا يميز بينها، وهو ما لا يليق بهذا الكتاب وهو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.
وكتاب «الجامع الصحيح» للبخاري يستحق الرجوع به إلى الرواة الأول عنه، فتميز رواية الفربري، عن رواية حماد بن شاكر، عن رواية إبراهيم بن معقل النسفي، وهكذا، وتجاهل هذه الفروق بين النسخ أوقع كثيرًا من الإشكالات الكبرى التي نجدها تزول بمجرد الرجوع إلى الروايات الأولى، والتي حدثت نتيجة لخلط المتأخرين بين الروايات.
ولعل الله يهيئ لهذا الكتاب جهة من الجهات المعنية بتحقيق التراث أو الحديث، وتخرج لنا عملًا متكاملًا بإسناده إلى فريق من المتخصصين في التراث وفي الحديث مع توفير الإمكانات اللازمة لجمع أكبر عدد ممكن من المخطوطات التي ترجع إلى الروايات الأولى، نسأل الله ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وفي الختام أقول: إن هناك كثيرًا من النتائج التي تتبين للقارئ وتظهر في ثنايا البحث مما يغني عن إعادته هنا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 911)
والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 912)
قائمة المصادر والمراجع
1 - الآحاد والمثاني: لأحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد، ابن أبي عاصم. تحقيق: باسم فيصل الجوابرة. الطبعة الأولى (1411 هـ). دار الراية - الرياض.
2 - الأحاديث المائة المشتملة على مائة نسبة إلى الصنائع، لمحمد بن علي بن طولون، تحقيق: مسعد عبد الحميد السعدني، الناشر: دار الطلائع.
3 - الأحاديث المختارة، لضياء الدين محمد بن عبد الواحد الحنبلي المقدسي، الضياء المقدسي، تحقيق: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، الطبعة الأولى (1410 هـ - 1412 هـ). مكتبة النهضة الحديثة - مكة المكرمة.
4 - أحاديث الموطأ وذكر اتفاق الرواة عن مالك واختلافهم فيه وزيادتهم ونقصانهم، لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (385 هـ)، تحقيق: أبو الوليد هشام بن علي السعيدني، الناشر: مكتبة أهل الحديث الشارقة الإمارات.
5 - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: تأليف علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط. الطبعة الأولى (1408 هـ - 1412 هـ). مؤسسة الرسالة - بيروت.
6 - الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي ابن أحمد ابن حزم، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1405 هـ، 1985 م.
7 - اختلاف الحديث، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، دارسة وتحقيق: أحمد عطية طافش الشقيرات.
8 - الاختلاف بين رواة البخاري عن الفربري، ليوسف ابن عبد الهادي (909 هـ) تحقيق: صلاح فتحي هلل، الناشر: دار الوطن بالرياض 1420 هـ.
9 - أدب الإملاء والاستملاء، لأبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني (562 هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
10 - أدب الكاتب: لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (276 هـ)، تحقيق / محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الرابعة 1382 هـ / 1963 م. مطبعة السعادة بمصر.
11 - أدب الكتاب، لأبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي (335)، شرح وتعليق: أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1415 هـ، 1994.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 933)
12 - الأربعون في الحث على الجهاد، لأبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر، تحقيق: عبد الله بن يوسف، الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1404 هـ، 1984 م.
13 - الأربعين في الجهاد والمجاهدين، لأبي الفرج محمد بن عبد الرحمن المقرئ، تحقيق: بدر عبد الله البدر، الناشر: دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى، 1413.
14 - الأربعين من مناقب أمهات المؤمنين، لأبي أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن هبة الله بن عساكر، تحقيق: محمد مطيع الحافظ ، غزوة بدير، الناشر: دار الفكر - دمشق، الطبعة الأولى، 1406.
15 - إرشاد الساري إلى صحيح البخاري، لأبي العباس أحمد بن مجمد بن عبد الملك شهاب الدين القسطلاني (923 هـ)، واعتمدت فيه على ثلاث طبعات:
الأولى: طبعة المطبع الأميرية ببولاق 1304 هـ.
الثانية: طبعة المكتبة الميمنية بمصر.
الثالثة: طبعة دار الكتب العلمية.
16 - الإرشاد في معرفة علماء الحديث، لأبي يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن الخليل. القزويني، الخليلى (446 هـ)، تحقيق: الدكتور محمد سعيد بن عمر إدريس، الطبعة الأولى 1409 هـ، مكتبة الرشد الرياض.
17 - أسامي من روى عنهم البخاري: لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، واعتمدت فيه على طبعتين: الأولى: تحقيق: د / عامر حسن صبري، الناشر: دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى 1414 هـ، 1994 م. الثانية: تحقيق بدر بن محمد العماش، الناشر: دار البخاري، المدينة المنورة، الطبعة الأولى 1415 هـ.
18 - الأسامي والكنى، لأبي أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحاكم (378 هـ)، دراسة وتحقيق: يوسف بن محمد الدخيل، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1414 هـ، 1994 م.
19 - الاستذكار، لأبي عمر يوسف ابن عبد البر القرطبي (463 هـ)، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار قتيبة دمشق، ودار الوعي حلب، الطبعة الأولى 1414 هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 934)