وموضوع عنايتهم، فكانوا يهتمون بهما وبأهلهما أعظم من اهتمامهم بعاصمة ملكهم التي كانوا يسكنون فيها وبأهلها حتى صارت المدينة الآن من المدن الكبار في السعودية، متباعدة الأطراف كثيرة السكان معموراً أكثرها بأحسن العمارة الحديثة ومنظمة بأحسن التنظيم.
وقد زاد النجديون في المسجد النبوي منذ سنوات أكثر من مثله في ولاية الترك على المدينة، ولا يزال مع ذلك يضيق بالمصلين فيه، والخيرات في المدينة كثيرة جداً وأهلها في نعمة عظيمة ورخاء من العيش وافر وأمن وطمأنينة.
وقد كثر الوافدون إليها في كل وقت، وخصوصاً لما عبدت الطرق إليها فلا تزال في كثير من الأوقات مزدحمة بالسكان والوافدين. فإن كان المصنف لم يرها في الوقت الحاضر فليقدم إليها ولينظر إليها حتى يعلم بطلان ما قاله فيها وفي أهلها وفيمن لهم الأمر فيها.
الوجه الثالث: أن عمران بيت المقدس، الذي جاء ذكره في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، ليس هو بتضخيم البناء وزخرفته وتنظيمه على الأشكال الحديثة كما توهمه المصنف، وإنما عمرانه بظهور الإيمان وطاعة الله تعالى فيه؛ وإزالة الشرك والبدع وسائر المنكرات منه، وهذا لم يكن إلى الآن، وسيكون ذلك فيما بعد إذا كانت الخلافة في الأرض المقدسة قبل خروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
كما في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر الدجال، وفيه: فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح. فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم …» الحديث. رواه ابن ماجه.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي - أو على هامتي- ثم قال: «يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد قال الله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله). وقال تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها). وفي هاتين الآيتين دليل على أن العمارة في الحقيقة إنما هي بالإيمان وإعلاء كلمة الله. وأن الخراب كل الخراب بضد ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
ويدل على ذلك أيضاً حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ، وذكره الإمام أحمد في كتاب الصلاة مختصراً.
وذكر الإمام أحمد أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال توشك القرى أن تخرب وهي عامرة، قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقها. ورواه أبو موسى المديني في كتاب «دولة الأشرار».
وإذا علم هذا فاليهود لم يعمروا بيت المقدس كما زعمه المصنف، وإنما هم مخربون له، ولا زالوا جادين في تخريبه حتى تنزل الخلافة فيه وتطهره منهم ومن إخوانهم من المشركين والمنافقين.
الوجه الرابع: أن بغض الرسول صلى الله عليه وسلم من نواقض الإسلام فمن أبغضه، أو أبغض شيئاً مما جاء به، فهو كافر، وقد حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الاتفاق على هذا.
ومع هذا فقد زعم هذا الصوفي الملحد في آيات الله تعالى أن النجديين يبغضون الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويعتقدون أن زيارته ومجاورته وتعظيمه بدعة وضلال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
والجواب عن هذه الفرية أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد قال بهذه الفرية قبله غير واحد من سلفه وأشباهه من أهل الزيغ والإلحاد، ورد عليهم المحققون من أهل نجد وغيرهم بما يشفي ويكفي.
وقد قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذكر امرأً بشيء ليس فيه، ليعيبه به، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه» رواه الطبراني، قال المنذري: وإسناده جيد. وفي رواية له «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء، يشينه بها في الدنيا، كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال».
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» رواه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني وزاد: «وليس بخارج».
وكلام المصنف في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه: فيه إجمال. فإن كانت الزيارة بغير سفر فلا خلاف في جوازها، وليس أحد من علماء النجديين يمنع منها، فضلا عن أن يعتقدوها بدعة وضلالا كما زعمه المصنف كذباً وافتراء عليهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
وإن كانت الزيارة تحتاج إلى سفر فهي داخلة فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كما في الصحيحين والمسند والسنن - إلا الترمذي - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجد الأقصى» هذا لفظ البخاري، وفي رواية لمسلم «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء».
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» قوله لا تشد الرحال بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصت به، وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه: «إنما يسافر» انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا». وروى الطبراني في الصغير عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
وفي الموطأ والمسند وسنن النسائي عن بصرة بن أبي بصرة رضي الله عنه أنه قال لأبي هريرة رضي الله عنه وقد أقبل من الطور -: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وقد رواه الإمام أحمد أيضاً وأبو داود الطيالسي والبخاري في التاريخ الكبير من حديث أبي بصرة رضي الله عنه، بنحوه.
وقد تحصل من ألفاظ هذه الأحاديث ثلاث صيغ: النفي، والنهي، والحصر، وكل واحدة من هذه الصيغ تفيد أنه لا يجوز السفر إلى زيارة شيء من القبور ولا المساجد والأماكن المعظمة سوى المساجد الثلاثة. وباجتماع هذه الصيغ الثلاث يزداد المنع شدة، والله أعلم.
وإذا كان شد الرحال إلى زيارة القبور معصية للنبي صلى الله عليه وسلم فما ذنب النجديين إذا نهوا عن ذلك واعتقدوه بدعة وضلالا عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
الصراط المستقيم، فليس النجديون بمخطئين في نهيهم عن الزيارة البدعية، وإنما المخطئ الأثيم من أجازها وارتكب ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، فخالف بذلك قول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب).
وأما تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم: فإن كان ذلك بما أمر الله به، من طاعته ومحبته واحترامه وتوقيره واتباع أوامره واجتناب نواهيه، فذلك واجب على كل مسلم، وجميع المؤمنين من النجديين وغيرهم على هذا المذهب، وليس أحد من مؤمني أهل نجد يخالف في هذا؛ فضلا عن أن يعتقدوه بدعة وضلالا كما زعم ذلك المصنف كذباً وافتراء عليهم.
وإن كان تعظيمه صلى الله عليه وسلم بما نهى عنه من اللغو فيه وإطرائه كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، واتخاذ قبره عيداً والالتجاء إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات كما يفعله كثير من المفتونين بالقبور، فذلك ضلال عن الصراط المستقيم. ومن اعتقد ذلك بدعة وضلالا فهو المصيب، ومن أنكر عليه فهو التائه الضال، والله أعلم.
وأما تسمية المصنف للنجديين بالقرنيين، فمراده أنهم هم قرن الشيطان الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطلوعه. وسيأتي الجواب عن هذا إن شاء الله تعالى عند قوله في صفحة (76): «ولما طلع قرن الشيطان بنجد». والله المستعان؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
فصل
وقال المصنف في صفحة (51) ما نصه:
روى الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك، من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سيكون بعدي سلاطين، الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحداً شيئاً إلا أخذوا من دينه مثله». فسلاطين الفتن هم الموجودون في هذا العصر لا من كان قبلهم، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «على أبوابهم كمبارك الإبل» لأن هذا وصف السيارات ومواقفها، ولم يوجد ذلك إلا في عصرنا هذا على أبواب ملوك الوقت الذين هم منشأ الفتن القائمة الآن في سائر الأقطار الإسلامية كما هو معلوم.
ويؤيد ذلك أيضاً ذكره لبعضهم ووصفه صلى الله عليه وسلم أصحابه بالوصف الذي لم يكن موجوداً قبل وقتنا هذا، فروى الطبراني في الكبير من مرسل عبد الله بن رباح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك أن يؤمر عليهم الرويجل فيجتمع إليه قوم محلقة أقفيتهم بيض قمصهم، فإذا أمرهم بشيء حضروا» فالقوم المحلقة أقفيتهم هم العصريون المتفرنجون الذين يلبسون القمص تحت الملابس الإفرنجية أيضاً ويحلقون أقفيتهم تشبهاً بالكفار، وهم الملتفون حول سلاطين الوقت أهل الفتن. أما من كان قبل هذا العصر فلم يكن فيهم قوم محلقة أقفيتهم ولا على أبوابهم كمبارك الإبل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن حديث عبد الله بن الحارث بن جزء ضعيف جداً لأن في إسناده «حسان بن غالب» قال الدارقطني ضعيف متروك، وكذا قال الذهبي والهيثمي أنه متروك، وذكره ابن حبان فقال: شيخ من أهل مصر يقلب الأخبار، ويروي عن الأثبات الملزقات لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار.
وفيه أيضاً «ابن لهيعة» ، وهو ضعيف. وعلى هذا فليس هذا الحديث بشيء ولا يعتد به.
الوجه الثاني: لو قدرنا صحة هذا الحديث فهو عام لسلاطين الفتن في هذا الوقت ولم كان قبلهم من زمان بني أمية إلى يوم القيامة وليس فيه ما يدل على تخصيص أهل هذا العصر بذلك.
وأما استدلال المصنف على ما ذهب إليه بقوله على أبوابهم كمبارك الإبل، وأن هذا وصف السيارات ومواقفها على أبواب ملوك الوقت فهو استدلال في غاية البعد والتكلف، إذ ليس بين الإبل وبين السيارات شيء من المشابهة.
وأيضاً فإنه قال في الحديث «الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل» والمبارك: آثار الإبل في الأرض لا أجسام الإبل والمعنى أن الفتن على أبوابهم كثيرة تشبه في كثرتها آثار الإبل التي تناخ عند أبوابهم. ولو كان الأمر على ما ذهب إليه المصنف لقال على أبوابهم كالإبل البروك أو الإبل المناخة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
وأما الحديث الآخر الذي ذكره المصنف عن عبد الله بن رباح. فصوابه: «عبد الله بن وراح» براء ثقيلة ثم حاء مهملة، هكذا ضبطه الحافظ ابن حجر في «الإصابة». وهو معدود في الصحابة فحديثه متصل وليس بمرسل.
وقد ظهر مصداق حديثه في زمنه بل فيه نفسه وفي جزء بن سهيل السلمي رضي الله عنه:
قال جبير بن نفير: كان عبد الله بن وراح قديماً له صحبة، وحدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يوشك أن يؤمر عليكم الرويجل، فيجتمع عليه قوم محلقة أقفيتهم بيض قمصهم، فإذا أمرهم بشيء حضروا» ثم إن عبد الله بن وراح ولي على بعض المدن، فاجتمع إليه قوم من الدهاقين محلقة أقفيتهم بيض قمصهم، فكان إذا أمرهم بشيء حضروا فيقول: صدق الله ورسوله. رواه الطبراني، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وعن جبير بن نفير أيضاً قال: قال ابن حوالة رضي الله عنه كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوا إليه الفقر والعري وقلة الشيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أبشروا فوالله لأنا لكثرة الشيء أخوف عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح لكم جند بالشام وجند بالعراق وجند باليمن حتى يعطي الرجل المائة فيسخطها» قال عبد الله بن حوالة: ومتى نستطيع الشام مع الروم ذات القرون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليفتحها لكم ويستخلفكم فيها حتى تظل العصابة منهم، البيض قمصهم، المحلقة أقفاؤهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
قياماً على الرويجل الأسيود منكم، ما أمرهم بشيء فعلوه، وإن بها اليوم رجالا لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل» رواه الطبراني بإسنادين قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح غير نصر بن علقمة وهو ثقة. وقد رواه البيهقي بنحوه وزاد: قال أبو علقمة نصر بن علقمة سمعت عبد الرحمن بن جبير ابن نفير يقول: فعرف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا من المسجد نظروا إليه وإليهم قياماً حوله، فيعجبون لنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وفيهم، ورواه ابن عساكر في تاريخه وثابت بن قاسم في الدلائل بنحوه وزادا - بعد قوله وكان على الأعاجم -: وكان أسود قصيراً، فكانوا يرون تلك الأعاجم وهم حوله قيام، لا يأمرهم بشيء إلا فعلوه، فيتعجبون من هذا الحديث.
وفي هذا الحديث والذي قبله رد لما ذهب إليه المصنف في معنى حديث عبد الله بن وراح رضي الله عنه، وان المراد به العصريون المتفرنجون الذين يلبسون القمص تحت الملابس الإفرنجية ويحلقون أقفيتهم تشبهاً بالكفار.
وفيهما أيضاً رد لقوله إن الوصف المذكور في حديث عبد الله بن وراح رضي الله عنه لم يكن موجوداً قبل وقتنا هذا، وأن من كان قبل هذا العصر لم يكن فيهم قوم محلقة أقفيتهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
فصل
وفي صفحة (52):
ذكر المصنف إنشاء دولة اليهود، وأن دولتهم إنما كونها لهم الإنجليز والأمريكان، وأن الله تعالى أخبر بذلك في قوله تعالى (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس) قال: فالحبل هو العهد والسبب، والناس هم الإنجليز والأمريكان.
ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك في حديث معاذ السابق قريباً حيث قال «عمران بيت المقدس خراب يثرب» الحديث.
قال: وبيت المقدس ما عمر تمام العمارة إلا بعد إنشاء دولة اليهود.
والجواب عن حديث معاذ وكلام المصنف عليه قد تقدم قريباً (في صفحة 80) فليراجع.
وأما قوله إن الناس الذين قال الله تعالى فيهم (وحبل من الناس) هم الإنجليز والأمريكان. فهو من القول في القرآن بمجرد الرأي، وذلك حرام.
وجوابه: أن يقال إن الآية عامة لكل من كان اليهود تحت ولايتهم في قديم الدهر وحديثه، من ملوك اليونان والروم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
والفرس فيما قبل الإسلام، ثم ملوك المسلمين بعد ذلك، وغيرهم من ملوك النصارى الذين كانت طوائف اليهود عندهم، فإنهم بعد ضرب الذلة عليهم لم يكونوا يأمنون إلا بحبل من الله، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم، وحبل من الناس أي أمان منهم لهم.
وليست الآية نازلة في الإنجليز والأمريكان، ولا خاصة فيهم، كما توهمه المصنف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
فصل
وفي صفحة (54 - 55):
تخبيط كثير في شأن المصريين زعم فيه المصنف أنهم هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة على الحق ظاهرين على من ناوأهم، كالإناء بين الأكلة، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». وأنهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم «لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه» قال: وهذا قد تحقق الآن في المصريين مع الإنجليز والفرنسيين واليهود والأمريكان.
ثم ذكر تخبيطاً كثيراً حاصله تأييد ما ذهب إليه من أن المصريين هم الطائفة المنصورة، وأنهم هم الذين يقاتلون الدجال وجنده اليهود. قال: وفي هذا بشارة لهم بالإيمان والعصمة من فتنة الدجال وأن الله تعالى سيظهر لهم كرامة، وهي كلام الشجر والحجر معهم فيقول الشجر والحجر للمؤمن: يا عبد الله هذا كافر ورائي فتعال فاقتله. قال: والمؤمن من جيش مصر والاتحاد العربي فدل على بقاء إيمانهم في ذلك الوقت، وأن فتنته غير ضارة بهم إلا من شاء الله خذلانه.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وإذا عرضنا أعمال الكثيرين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
من المصريين الآن على ما يأمر به الإيمان ويقتضيه وجدنا بينهم وبين الإيمان كما بين المشرق والمغرب، بل أبعد من ذلك بكثير.
الوجه الثاني: أن الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية من هم؟ فقال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ، وهذا يدل على بعد المصريين عن وصف الطائفة المنصورة غاية البعد، وذلك لمخالفتهم لمنهاج الرسول صلى الله عليه وسلم وبعدهم عما كان عليه هو وأصحابه غاية البعد.
وبيان ذلك من وجوه:
1 - أحدها: أن الله تعالى بعث رسوله ? بالتوحيد، وأمره بمحق الأوثان وجميع المعتقدات التي يتعلق بها المشركون من دون الله تعالى. وقد خالف المصريون هذا فغلوا في القبور غلواً عظيماً، واتخذوا كثيراً منها أوثانا تعبد من دون الله، ولا سيما مشهد البدوي ومشهد الحسين والرفاعي والدسوقي والحنفي ونفيسة وزينب وأمثالهم من المعتقدين المعبودين من دون الله.
وقد رأيت في بعض الصحف المصرية منذ سنوات أن الزوار للبدوي في يوم مولده بلغوا خمسمائة ألف تقريباً، وأنه تزوج في ذلك المجمع عشرة آلاف تقريباً، وختن فيه من الأطفال أكثر من ذلك، يرجون بذلك البركة من البدوي. وهذا هو نفس ما بعث النبي ? بمحقه ومجاهدة أهله.
ولولا خشية الإطالة لذكرت كثيراً مما يفعله المصريون عند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
القبور وغيرها من المواضع التي يعتقدون فيها النفع والضر، وما يصرفونه لبعض الأموات من خصائص الربوبية والألوهية.
2 - ثانيها: أن المصريين قد نبذوا حكم الشريعة وراء ظهورهم، واعتاضوا عنه بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية، وزعموا أن الحكم بالشريعة يؤخرهم عن اللحاق بدول الكفر من الإفرنج وأضرابهم. وقد قال الله تعالى (من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) وقال تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) وقال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما).
3 - ثالثها: افتتانهم بالاشتراكية الخبيثة التي شرعها لهم الشيوعيون، وزعمهم كذبا وزوراً أنها من دين الإسلام. وهي من أعظم الظلم الذي حرمه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ?.
4 - رابعها: قتالهم لأهل اليمن بغير سبب شرعي، وضربهم بالقنابل، وإلقائها أيضاً على المستضعفين في القرى من شيوخهم ونسائهم وأطفالهم. وهذا من أعظم البغي والعدوان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
5 - خامسها: تركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلية.
6 - سادسها: تقليدهم لدول الإفرنج، واتباع سننهم حذو النعل بالنعل في كل شيء حتى في قبائحهم ورذائلهم.
7 - سابعها: انتهاكهم لكثير مما حرمه الله ورسوله، وقد تواترت الأخبار بما فشى وظهر عندهم من كبائر الإثم، ولا حاجة إلى تفصيل أنواع ذلك، إذ لا فائدة في ذكرها وهي معلومة عند كل عاقل نبيه.
وإذا كان الأمر كما ذكرنا عنهم - مع أنه أعظم مما ذكرنا بكثير - وعلم أنهم بعيدون غاية البعد عما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهل يقول عاقل بعد هذا إنهم هم الطائفة المنصورة؟
كلا، لا يقول هذا عاقل، وإنما يقوله من أعمى الله بصيرته.
الوجه الثالث: أن المصنف نقض ما ادعاه في المصريين، فقال في صفحة (82) من كتابه ما نصه: وبسبب هؤلاء الملاحدة المارقين انتشر الكفر والإلحاد حتى بين طلبة علم الدين فصاروا أكفر من طلبة المدارس، وألحد من رؤوس هؤلاء الزنادقة، تقليداً لهم وعملا بدعايتهم، وصار معهد القرويين معهداً للإلحاد والكفر بالله ومحاربة القرآن والسخرية من العقائد الإسلامية، والاستهانة بالدين وبأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم ، مع تعظيم شأن الملاحدة ومشاهير الكفار، حتى صاروا يمنعون المدرس أن يستدل بالقرآن أو يذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، ويأمرونه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
إذا ذكره أن يقول: «قال محمد» فقط بل صار المدرس منهم ينادي بأن تفكيره هداه إلى أن دين الإسلام غير صحيح، وأنه حر في عقيدته، في أمثال هذا مما هو معروف.
أما الصلاة فهم أبعد الناس منها وهي أبغض شيء إليهم، وهكذا كان حال طلبة الأزهر بالنسبة إلى الصلاة، فكنت ترى الناس يصلون وهم يأكلون ويمزحون ويمرحون ويضحكون. انتهى كلامه.
فانظر إلى ما ذكره عن طلبة الأزهر من تضييع الصلاة والاستخفاف بشأنها، وإذا كان هذا حال الطلبة فما الظن بغيرهم؟
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وغيرهم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ مسلم. «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة».
وروى الإمام أحمد وابنه عبد الله والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والآجري عن بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه أيضا ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. والأحاديث في تكفير تارك الصلاة كثيرة جدا وليس هذا موضع ذكرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا إسلام لمن ترك الصلاة وفي رواية: لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. رواه مالك وغيره. والآثار عن الصحابة في تكفير تارك الصلاة كثيرة جداً، وليس هذا موضع ذكرها.
وإذا كان طلبة الأزهر قد أضاعوا عمود الإسلام وأعظم أركانه بعد الشهادتين فهم لما سوى ذلك من شعائر الإسلام أشد تضييعا!!
وقد روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق الأوزاعي قال كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عماله: اجتنبوا الاشتغال عند حضرة الصلاة فمن أضاعها فهو لما سواها من شعائر الإسلام أشد تضييعا.
وإذا علم هذا فمن أبطل الباطل أن يقال فيمن أضاع الصلاة واستخف بها إنهم هم الطائفة المنصورة!!
وقال المصنف أيضاً في صفحة (84) ما نصه: حدثني شيخنا شيخ الديار المصرية وعالمها الشيخ محمد بخيت قال: لما قامت الحركة الوطنية عقب الحرب العظمى السابقة، واتحد هؤلاء المارقون مع الأقباط ليطالبوا بالاستقلال كان مقر اجتماعهم وقطبهم الجامع الأزهر ومنه كانت تنظم المظاهرات فكان يعمر بالأقباط، والقسس منهم يصعدون إلى المنبر خطباء مناوبة مع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
المصريين قال وذات يوم كان المسمى مصطفى القاياتي، وهو من المدرسين في الأزهر - هو القائل إن سعداً أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم وإنه جاء بما لم يأت به النبي صلى الله عليه وسلم وإنه رسول الوطنية - كان هذا اللعين حاضراً معهم؛ فأخذ الصليب ووضعه في محراب الأزهر، وقام لعنه الله خطيباً، فدعا إلى اتحاد الإسلام والنصرانية القبطية؛ ودعا الحاضرين إلى صلاة ركعتين جميعاً - مع وضع الصليب في المحراب - وكبر وصلى ركعتين والصليب أمامه يصلي له ولله معا في زعمه، لعنه الله تعالى.
قال المصنف وقد شاهدت كثيراً من اجتماعاتهم في الأزهر وخطبهم، فكان الأزهر يكون كأعظم سوق مختلطاً باليهود والنصارى والملاحدة والفسقه، والخطباء منهم يعلون المنابر واحداً تلو الآخر. انتهى كلامه.
وإذا كان الجامع الأزهر - الذي هو قطب العلم والدين عند المصريين، والذي هو الموضع المرموق المحترم عند المصريين وعند غيرهم من الدول الإسلامية - قد انتكس إلى هذه الحالة السيئة التي ذكرها المصنف عن مشاهدته ومشاهدة شيخه محمد بخيت، فكيف يصح مع هذا أن يقال إنهم على الإيمان وإنهم الطائفة المنصورة؟! هذا لا يقوله من يعلم ما يقول.
وقال المصنف أيضاً في صفحة (108 - 109) ما نصه:
وقد نبذت الدولة التركية أواخر أيام إسلامها الحكم بالفقه الإسلامي المأخوذ من الشريعة أو من القواعد المنسوبة إليها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)