على الأقل، وصارت تحكم بالقانون المأخوذ عن الأنجاس الأرجاس الذين قال الله فيهم (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) ، واتخذت ذلك في بلادها والبلاد التي كانت تحت حكمها - ومنها الديار المصرية - فإنها أول من أسست المحاكم الأهلية، فكفرت بذلك كفراً صراحاً، في حال ادعائها الإسلام وحماية حماه، ووجود الخلافة الإسلامية فيها، قبل أن تعلن الكفر والانسلاخ من الإسلام. انتهى كلامه.
فانظر إلى تكفيره الدولة التركية لما حكمت بالقوانين ونبذت الحكم بالشريعة المحمدية وراء ظهورها، وانظر إلى حكمه للمصريين بالإيمان وأنهم هم الطائفة المنصورة!! مع أنهم قد حكموا بالقوانين ونبذوا حكم الشريعة وراء ظهورهم. وهذا تناقض قبيح واتباع للهوى، ونظر إلى الأتراك بعين البصيرة وإلى المصريين بعين العمى.
ويلزمه أن يحكم في حق المصريين بما حكم به في حق الأتراك، لاتحاد سبب الحكم في كل من الدولتين، وإن لم يفعل فهو داخل في حكم هذه الآية: (ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين).
الوجه الرابع: أن الطائفة المنصورة هم أهل السنة والجماعة.
وجزم البخاري في صحيحه أنهم أهل العلم، وقال أيضاً: «باب قول الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة» وهم: أهل العلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
وقال الترمذي في جامعه: قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني هم أصحاب الحديث. وكذا قال ابن المبارك وأحمد بن سنان وابن حبان وغيرهم، وبوب عليه ابن حبان في صحيحه فقال: «ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة» ثم ساق ما يدل على ذلك. وقال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، رواه عنهما الحاكم في «علوم الحديث» ، وقال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
وعن علي بن المديني رواية أنهم العرب، واستدل بحديث «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة».
قال والمراد بالغرب الدلو، أي العرب لأنهم أصحابها لا يستقي بها أحد غيرهم ذكره يعقوب بن شيبة ونقله عنه صاحب «المشارق» وغيره.
قلت: ويؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، وسيأتي ذكره قريباً إن شاء الله تعالى.
وقال النووي: يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض انتهى.
وقد اختلف في محل هذه الطائفة، فقال ابن بطال أنها تكون في بيت المقدس، كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة رضي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
الله عنه قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال: «بيت المقدس».
وقال معاذ رضي الله عنه: هم بالشام.
وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائماً، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قلت يشهد له الواقع وحال أهل الشام وأهل بيت المقدس من أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر بعد شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه - في القرن السابع وأول الثامن - فإنهم في زمانهم على الحق يدعون إليه ويناظرون عليه ويجاهدون فيه، وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقوم مقامهم بالدعوة إلى الحق والتمسك بالسنة؛ والله على كل شيء قدير.
ومما يؤيد هذا أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة وتوافر العلماء في ذلك الزمان وقبله وبعده، لم يكونوا في محل واحد، بل هم في غالب الأمصار: في الشام منهم أئمة، وفي الحجاز، وفي مصر وفي العراق، واليمن، وكلهم على الحق، يناضلون ويجاهدون أهل البدع، ولهم المصنفات التي صارت أعلاماً لأهل السنة والحجة على كل مبتدع.
فعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره، فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
قلت: الظاهر من حديث أبي أمامة وقول معاذ أن ذلك إشارة إلى محل هذه الطائفة في آخر الزمان، عند خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.
والدليل على ذلك: ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه في ذكر الدجال، وفيه فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم» الحديث.
ويدل له أيضاً: ما روه الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي - أو على هامتي - ثم قال: «يا ابن حوالة» إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي المسند أيضاً وجامع الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ستخرج نار من حضرموت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
- أو من نحو بحر حضرموت - قبل يوم القيامة، تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالشام» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وفي المسند أيضاً وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق؛ خير منازل المسلمين يومئذ» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. ولفظ أبي داود «أن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام».
قال المنذري في «تهذيب السنن» قال يحيى بن معين - وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فقال يحيى - ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقة بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق» انتهى.
ففي هذه الأحاديث دليل على أن جل الطائفة المنصورة يكون بالشام في آخر الزمان، حيث تكون الخلافة هناك، ولا يزالون هناك ظاهرين على الحق حتى يرسل الله الريح الطيبة فتقبض كل من في قلبه إيمان، كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» قال معاذ: «وهم بالشام» يعني أنهم يكونون بالشام حين يأتي أمر الله وهو هبوب الريح الطيبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
فأما في زماننا وما قبله فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم، ولا يختص بها مصر من أمصار المسلمين دون المصر الآخر.
ولكنها تكثر في بعض الأماكن أحيانا ويعظم شأنها ويظهر أمرها ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين، كما وقع ذلك في الشام في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه رحمة الله عليهم، وكما وقع ذلك في الجزيرة العربية في زمان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده رحمة الله عليهم أجمعين، ولم يزل أهل الجزيرة العربية في بركة من تجديدهم إلى اليوم.
الوجه الخامس: أن الذين يقاتلون في الملاحم التي ستكون في آخر الزمان ويقاتلون الدجال أيضا هم العرب: من سكان الجزيرة العربية. وليسوا بالذين ينتسبون إلى العربية، وهم بعيدون من أرضها، ولم يتحقق نسبهم إليها.
والدليل على ذلك: ما رواه الحاكم في مستدركه عن حسان بن عطية عن ذي مخمر - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أخي النجاشي - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «تصالحون الروم صلحاً آمناً حتى تغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم، فتنصرون وتغنمون وتنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيقول قائل من الروم: غلب الصليب، ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب، فيتداولانها بينهم فيثور المسلم إلى صليبهم وهو منهم غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
بعيد فيدقه، فيثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله عز وجل تلك العصابة من المسلمين بالشهادة، فيقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب، فيغدرون فيجتمعون للملحمة، فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
والمقصود من هذا الحديث قول الروم لصاحبهم: كفيناك حد العرب، وأنهم يغدرون ويجتمعون للملحمة، وهذا يدل على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب وبين الروم، واسم العرب إذا أطلق فإنما يراد به سكان الجزيرة العربية لا غيرهم.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون - وذلك باطل - فإذا جاؤا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته».
وروى ابن ماجه والطبراني والحاكم في مستدركه عن عمرو بن عوف رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون رابطة من المسلمين ببولان، يا علي - قال المزني يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لبيك يا رسول الله، قال: اعلم أنكم ستقاتلون بني الأصفر، ويقاتلهم من بعدكم من المؤمنين، ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير» الحديث. قال ابن الأثير وابن منظور: فيخرج إليهم روقة المؤمنين أي خيارهم وسراتهم، وهي جمع رائق، من راق الشيء: إذا صفا وخلص.
وفي هذا الحديث والحديث قبله: دليل على أن أهل الجزيرة العربية هم الذين يقاتلون في الملاحم ويقاتلون الدجال.
وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بني تميم: «هم أشد أمتي على الدجال» وبنو تميم: قبيلة كبيرة من قبائل العرب في الجزيرة العربية.
وفي المسند أيضا عن عكرمة بن خالد قال: حدثني فلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: نال رجل من بني تميم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «لا تقل لبني تميم إلا خيرا فإنهم أطول الناس رماحا على الدجال» إسناده صحيح على شرط مسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
وروى البزار في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكر بني تميم فقال - «هم ضخام الهام، ثبت الأقدام، نصار الحق في آخر الزمان، أشد قوماً على الدجال».
وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال - فذكر الحديث بطوله وفيه - فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى عليه السلام: افتحوا الباب؛ فيفتح ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى عليه السلام: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود؛ فلا شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي، إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
قال الجوهري: الساج الطيلسان الأخضر والجمع سيجان.
وقال ابن منظور في «لسان العرب» الساج الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل هو الطيلسان المقور ينسج كذلك، وقيل هو طيلسان أخضر، وقال ابن الأعرابي: السيجان الطيالسة السود واحدها. ساج. والغرقد هو العوسج، قال النووي: الغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود، وقال أبو حنيفة الدينوري: إذا عظمت العوسجة صارت غرقدة.
وفي هذه الأحاديث دليل على أن العرب هم الذين يقاتلون الدجال وجنده اليهود، وفيها رد لما زعمه المصنف في غيرهم من بني الأقباط وأصناف الأعاجم، والله أعلم.
الوجه السادس: أن المصريين لم ينتصروا على الإنجليز ومن أعانهم في حربهم مع المصريين كما زعم ذلك المصنف، وإنما قامت الروس بحمايتهم ومنع الإنجليز ومن معهم من محاربتهم بعد أن أخذوا منهم بعض النواحي وكادوا يستسلمون للإنجليز بدون قيد ولا شرط.
وقد كافأ المصريون صنيع الروس معهم بقبول مذهبهم الخبيث في الاشتراكية ودعاء المسلمين إلى قبول هذا المذهب الخبيث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
فصل
وقال المصنف في صفحة (63 - 64) ما ملخصه:
إخباره صلى الله عليه وسلم بتعلم اللغات الإفرنجية واختلاف ألسن العرب بحسب الدول المستعمرة لبلادهم، فطائفة تتكلم بالفرنسية، وأخرى بالإسبانية وأخرى بالإنجليزية، وأخرى بالروسية، وغيرها من ألسن الدول المستعمرة.
روى الطبراني في الأوسط والكبير من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ظهر القول وخزن العمل، واختلفت الألسن، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فاصمهم وأعمى أبصارهم».
وقد ذكر المصنف هذا الحديث أيضا بهذا اللفظ في صفحة (105) ونسبه للأوسط فقط.
ثم قال: فاختلاف الألسن المذكورة في الحديث إنما المراد به اختلاف ألسن العرب باللغات الإفرنجية، وإلا فاختلاف ألسن الخلق موجود من يوم نشر الله نسل آدم عليه السلام في الأرض. ثم قال عن اللغة العربية إنها هي أساس الإسلام.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن الحديث الذي أورده قد وقع فيه تحريف في الكلمة التي استدل بها على تعلم اللغات واختلاف الألسن. والظاهر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
أنه نقله من مجمع الزوائد المطبوع في القاهرة في سنة 1353 من الهجرة النبوية، فإنه فيه كذلك، وهو تحريف بلا شك إما من الذين طبعوا الكتاب وإما من بعض النساخ قبلهم.
والحديث قد رواه الإمام أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سلمان رضي الله عنه موقوفا، ورواه الحسن بن سفيان وأبو نعيم وابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ظهر القول وخزن العمل، وائتلفت الألسن، واختلفت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم».
وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا محمد بن عمار الموصلي حدثنا عيسى بن يونس عن الحجاج بن الفرافصة عن أبي عمر البصري عن سلمان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ظهر القول وخزن العمل، وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم» هذا لفظ الحديث عند الطبراني، والعبرة بهذا اللفظ لا بما حرف في مجمع الزوائد.
وقد روى ابن أبي الدنيا نحوه عن الحسن مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم».
وقد تبين مما ذكرنا أنه لا إشارة في الحديث لما ذكره المصنف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
من تعلم اللغات الإفرنجية واختلاف ألسن العرب بذلك، وأنه إنما بنى كلامه في هذا الفصل على كلمة محرفة.
الوجه الثاني: أن اختلاف ألسن بني آدم إنما كان بعد الطوفان قال علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوما، وإن الله وجه السفينة إلى الجودي فاستقرت عليه، فهبط نوح إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم.
فأما قول المصنف إن اختلاف الألسن موجود من يوم نشر الله نسل آدم في الأرض فهو قول لا دليل عليه، ويلزم عليه أن يكون بنو آدم لصلبه مختلفين في اللسان لكل واحد منهم لغة غير لغة أخيه، وهذا قول بعيد جدا بل ظاهر البطلان، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن أساس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن أتى بها من عربي أو عجمي حكم بإسلامه ولو كان العجمي لا يعرف اللغة العربية. ولو كان الأمر على ما زعمه المصنف من أن أساس الإسلام اللغة العربية لما صح لأحد من الأعاجم إسلام حتى يتعلم اللغة العربية، وهذا قول معلوم البطلان بالضرورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
فصل
وقال المصنف في صفحة (66 وما بعدها) ما ملخصه:
إخباره صلى الله عليه وسلم بالعصريين الملاحدة الزنادقة وذكره أوصافهم التي هم عليها الآن. ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم» وذكر أيضا حديث ابن مسعود رضي الله عنه بنحو حديث علي رضي الله عنه.
ثم قال: فهؤلاء الأحداث المذكورون هم هذا الشباب الفاسد الكافر الملحد المارق من الدين: إلى آخر كلامه فيهم.
ثم قال: وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز وأخبر أنهم كافرون غير مؤمنين: فقال تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) وذكر جميع الآيات الواردة في المنافقين في أول سورة البقرة إلى قوله (إن الله على كل شيء قدير).
ثم قال فهذه الآيات يزعم كثير من المفسرين أنها نازلة في المنافقين وليس كما زعموا، بل هي نازلة في هؤلاء الملاحدة المفسدين، كما بينته في كتابي: «بيان غربة الدين، بواسطة العصريين المفسدين» من وجوه تزيد على العشرين كلها قاطعة في تحقيق نزولها فيهم، وأن المنافقين إنما أدخلهم المتقدمون فيها لأنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
لم يكن أمامهم غيرهم، فكانت الضرورة داعية لهم إلى تنزيلها عليهم، كما فعلوا في آيات أخرى واردة في هذا الزمان فحملوها على ما كان موجودا في زمانهم؟ كما قدمناه في قوله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون). وكما فعلوا في قوله تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) الآية وغيرها.
قال: والمقصود أن هذه الآية لم تنزل في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما هي نازلة في هؤلاء المنافقين المارقين الملاحدة المتفرنجين والذين ولدهم الاستعمار الكافر وانتجتهم مدارسه الإفرنجية للقضاء على الإسلام.
والدليل على ذلك أمور:
ثم ذكر ما روي عن سلمان رضي الله عنه في قوله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال سلمان: لم يجيء أهل هذه الآية بعد قال: وقد قال ابن جرير يحتمل أن سلمان رضي الله عنه أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فساداً من الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد. قال المصنف وليس كذلك، بل مراد سلمان أن أهل هذه الآية سيكونون في آخر الزمان، وليس المراد بها أحدا ممن كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنها لا يمكن أن تنطبق عليهم إلا بتأويل وتكلف بخلاف أهلها النازلة فيهم من ملاحدة هذا العصر وشبابه الفاسد فإنها منطبقة عليهم حرفاً حرفاً، قال: ولم يبق أدنى شك في أنهم المراد من الآيات المذكورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
قال: والثاني - وهو من الأدلة القاطعة -: أن كلمة مصلح لم تتداول ولم يعرف الإكثار من ذكرها: بل ولا ذكرها مطلقاً إلا عند ظهور هذا النشء الفاسد المارق، فلا تسمع كلمة مصلح من مؤمن بالله ورسوله، وإنما تسمعها منهم حتى صارت شعاراً لهم. فتعين أن الآية نازلة فيهم لا في منافقي عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يقولون إنهم مصلحون، ولا نقل عن واحد منهم كلمة مصلح.
قال: والثالث أنه لم ينقل عن المنافقين أنهم كانوا يفسدون في الأرض ولا كان لهم كثرة وانتشار حتى يقال إنهم أفسدوا في الأرض، وإنما الذين ملؤوا الأرض فسادا هم المارقون الملاحدة.
قال: وأما منافقو زمانه صلى الله عليه وسلم فلم يحصل منهم فساد في البقعة الصغيرة التي كانوا بها مطلقا، فضلا عن أن يحصل منهم في الأرض، بل ما صدر منهم مما يسمى فسادا في الأرض مقدار شعرة بالنسبة لثور مما صدر من هؤلاء، بل لم يصدر من أولئك فساد أصلا إلا ما كان في نفوسهم من الكفر القاصر عليهم، وهو النفاق، فكيف يمكن حمل الآية عليهم وهم أبرياء منها.
ثم قال: فأقسم بالله تعالى إن الله تعالى ما أراد بالآيات إلا هؤلاء المارقين وأنه لو رآهم المفسرون من السلف لقطعوا بذلك ورجعوا عن تنزيلهم الآية على منافقي عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم أطال الكلام في الذب عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر أنه لم يحصل منهم خداع لمؤمن واحد، وأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
المثلين المذكورين في أول سورة البقرة لا ينطبقان عليهم، وإنما ينطبقان على ملاحدة العصريين وزنادقتهم.
ثم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سماهم مارقين من الدين أي خارجين منه بعد أن كانوا داخلين فيه، والمنافقون لم يدخلوا فيه يوماً ما، فتعين أن هؤلاء هم المراد في الآيات الكريمة.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن الأحاديث التي ذكرها عن علي وابن مسعود وأنس وأبي ذر ورافع بن عمرو وأبي سعيد رضي الله عنهم كلها واردة في الخوارج الذين قتلهم علي رضي الله عنه يوم النهروان، وليست واردة في ملاحدة العصريين وزنادقتهم كما توهمه المصنف. وكل من جاء بعد أهل النهروان وهو على شاكلتهم فعموم الأحاديث الواردة فيهم يشمله معهم.
وقد جاء في بعض الروايات التي ذكر المصنف أطرافاً منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخوارج «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم» وليست حال ملاحدة العصريين كذلك، فإن الغالب عليهم الجفاء والتفريط في أمور الدين كالصلاة والصيام وغير ذلك من أنواع العبادة. وأما الخوارج فالغالب عليهم الغلو والإفراط والتعمق في الدين.
وأيضاً فقد جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر» وقد وجد هذا الرجل مع الخوارج يوم النهروان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
وعلى هذا فلا ينبغي حمل الأحاديث الواردة في الخوارج على ملاحدة العصريين وزنادقتهم وإن كانوا مثل الخوارج أو شراً منهم، لأن في حملها على الملاحدة وصرفها عن الخوارج صرفاً لها عن المراد منها، وذلك نوع من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: من عجر المصنف وبجره تبرئته للمنافقين الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مما نزل فيهم من الآيات من الإفساد في الأرض وأنه لم يصدر منهم فساد أصلا ولا حصل منهم خداع لمؤمن واحد.
وهذا خطأ كبير وغلط فاحش يستغرب صدوره من رجل مسلم فضلا عمن يدعي العلم والكمال كما سيأتي في آخر كتابه.
الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جادل عن بعض المنافقين ظاناً براءته مما رمي به من السرقة نهاه الله تعالى عن ذلك وأمره بالاستغفار مما فعل، فقال تعالى (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا).
ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن المصنف قد جادل عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أشد الجدال،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
حيث برأهم مما نزل فيهم من القرآن وبرأهم من الإفساد في الأرض ومن الخداع بالكلية، فالواجب عليه الرجوع عما قال والاستغفار مما فعل.
الوجه الرابع: أن المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء التفسير أجمعوا على نزول الآيات من أول سورة البقرة في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم. وقد خالفهم المصنف فبرأ المنافقين منها بغير مستند صحيح، فكان الأمر فيه كما قال الشاعر:
خلافاً لقولي من فيالة رأيه … كما قيل قبل اليوم خالف لتذكرا
قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى في الكلام على قول الله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين): أجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق. وأن هذه الصفة صفتهم.
ثم روى بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم.
قال ابن كثير: وكذا فسرها بالمنافقين من الأوس والخزرج أبو العالية والحسن وقتادة والسدي.
قال ابن جرير: وقد سمي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبي بن كعب، غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
قلت قد ذكر أسماءهم محمد بن إسحاق في السيرة، وكذلك ابن هشام وغيره ممن صنف في السيرة.
وقال البغوي في تفسيره نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير وجد بن قيس وأصحابهم، حيث أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واعتقدوا خلافها.
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن صدر سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال أسماهم بأعيانهم وأنسابهم، من أحبار يهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج، قال ابن جرير: كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم.
وروى ابن جرير أيضاً عن قتادة في قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين - حتى بلغ - فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) قال هذه في المنافقين.
وروى ابن جرير أيضاً عن مجاهد قال: هذه الآية إلى ثلاث عشرة في نعت المنافقين.
وروى ابن جرير أيضاً من طريق إسماعيل السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة عن ابن مسعود رضي الله عنه، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين): هم المنافقون. وروى ابن جرير أيضاً عن الربيع بن أنس في قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر - إلى - فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم) قال هؤلاء أهل النفاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)