الوجه الخامس: من فساد تصور المصنف جعله تجديد الدين ونشر السنة في البلاد النجدية نشراً للفتنة فيها. وهذا شأن أهل البدع الذين نكست قلوبهم فصاروا يرون الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، عياذاً بالله من عمى البصيرة.
الوجه السادس: من عجيب أمر المصنف حكمه للمصريين بالإيمان، وأنهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، كما تقدم ذكر ذلك - وحكمه على الإمام المجدد للدين بأنه قرن الشيطان، وأنه نشر الفتنة، وتسميته للنجديين بالقرنيين. ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن الأمر في كل من الفريقين بالعكس مما قال فيه.
فأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه فإنه قام بالدعوة إلى الله تعالى أتم القيام، فجعل الله تعالى في قيامه أعظم البركة، وجدد الله به دين الإسلام بعد اندراسه، ونشر به السنة في أرض الجزيرة العربية وغيرها وقمع به البدعة، وطهر به بلاد نجد من أمور الجاهلية.
وكذلك كان أولاده وأحفاده وتلاميذه، وتلاميذ أولاده وأحفاده، وغيرهم من علماء نجد الأعلام، فكلهم كانوا على الصراط المستقيم والمنهج القويم، يدعون إلى الله تعالى على بصيرة ويجاهدون أهل الشرك والبدع وكتبهم ورسائلهم شاهدة بما ذكرته عنهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وأما المصريون فقد تقدم ما ذكرناه عنهم من الافتتان بالقبور، ودعاء أهلها والالتجاء إليهم في طلب الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وأن البدع والخرافات وأنواع المعاصي والمنكرات كانت فاشية عندهم بكثرة، وأنهم نبذوا حكم الشريعة المحمدية وراء ظهورهم واعتاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية، وأنهم افتتنوا بالاشتراكية الخبيثة، مع تمسكهم بالتقاليد الإفرنجية في كل جليل وحقير من أمورهم. إلى غير ذلك مما ذكرناه ولم نذكره مما يطول وصفه.
ومع هذا يقول المصنف عنهم إنهم على الحق، وإنهم الطائفة المنصورة.
ويقول في الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه إنه قرن الشيطان، وإنه نشر الفتنة، وإن النجديين هم قرن الشيطان. وهذا من قلب الحقيقة وعكس القضية في كل من الفريقين.
وما أشبه حال المصنف بالذين قال الله تعالى فيهم (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون).
الوجه السابع: أن المصنف قال عن العلماء إنهم كانوا يحملون الأحاديث الواردة في الخوارج على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى أصحابه. وهذا الكلام فيه إيهام وتلبيس على من جهل حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أن فيه افتراء على علماء الدين وجوابه أن يقال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
أما علماء الزيغ والضلال، من المفتونين بالقبور وأهل البدع والأهواء ومن شاكلهم فإنهم قد أظهروا العداوة للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأصحابه، ورموهم بكل ما يرون أنه يعيبهم ويحط من قدرهم، فقالوا كذباً وزوراً إنهم خوارج، وقالوا إنهم قرن الشيطان، وقالوا إنهم نشروا الفتنة، وقالوا إنهم يبغضون الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلى غير ذلك مما بهتوهم به وافتروه عليهم.
وأما علماء الدين فإنهم شهدوا للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه أظهر توحيد الله؛ وجدد دينه ودعا إليه، واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته، وأثنوا عليه نظما ونثرا.
فمن ذلك ما قاله عالم اليمن الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى.
قفي واسألي عن عالم حل سوحها … به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد … فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرت كل الطوائف قوله … بلا صدر في الحق منهم ولا ورد
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه … يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهراً ما طوى كل جاهل … ومبتدع منه فوافق ما عندي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
ويعمر أركان الشريعة هادماً … مشاهد ضل الناس فيها الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله … يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها … كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة … أهلت لغير الله جهراً على عمد
وكم طائف حول القبور مقبل … ويستلم الأركان منهن بالأيدي
لقد سرني ما جاءني من طريقه … وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
وقال عالم الإحساء حسين بن غنام رحمه الله تعالى:
لقد رفع المولى به رتبة الهدى … بوقت به يعلى الضلال ويرفع
سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى … وعام بتيار المعارف يقطع
فأحيا به التوحيد بعد اندراسه … وأقوى به من مظلم الشرك مهيع
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها … سواه ولا حاذى فناها سميدع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وشمر في منهاج سنة أحمد … يشيد ويحيي ما تعفى ويرقع
يناظر بالآيات والسنة التي … أمرنا إليها في التنازع نرجع
فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها … وأمسى محياها يضيء ويلمع
وعاد به نهج الغواية طامساً … وقد كان مسلوكاً به الناس تربع
وجرت به نجد ذيول افتخارها … وحق لها بالألمعي ترفع
فآثاره فيها سوام سوافر … وأنواره فيها تضيء وتسطع
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رحمه الله تعالى:
إمام الورى علامة العصر قدوتي … وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل
محمد ذو المجد الذي عز دركه … وجل مقاماً عن لحوق المطاول
عنيت ابن عبد الوهاب قدوة عصره … سلالة أنجاب زكي الخصائل
عليه من الرحمن أعظم رحمة … تبل ثراه بالضحى والأصائل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه … وقام مقامات الهدى بالدلائل
إمام له شأن كبير ورتبة … من الفضل تثني همة المتطاول
تأخر ميلاداً وفي حلبة العلى … وميدان فخر سابق للأوائل
ويأمر بالمعروف في كل حالة … وعن منكر ينهى وليس بقابل
ولم يأل جهداً في نصيحة مسلم … برأي وتدبير وحسن تعامل
ومن شأنه قمع الضلال ونصره … لمن كان مظلوماً وليس بخاذل
وكم كان في الدين الحنيفي مجاهداً … بماضي سنان دامغ للأباطل
فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزاً … ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل
ولا كان للتوحيد واضح لاحب … يقيم اعوجاج السير من كل عادل
فما هو إلا قائم في زمانه … مقام نبي في إماتة باطل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وقال الشيخ ملا عمران بن علي بن رضوان، نزيل لنجه من بلاد العجم رحمه الله تعالى، في رده على من عارض الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
الشيخ شاهد بعض أهل جهالة … يدعون أصحاب القبور الهمد
تاجاً وشمسان ومن ضاهاهما … من قبة أو تربة أو مشهد
يرجون منهم قربة وشفاعة … ويؤملون كذاك أخذاً باليد
ورأوا لعبّاد القبور تقرباً … بالنذر والذبح الشنيع المفسد
ما أنكر القراء والأشياخ ما … شهدوا من الفعل الذي لم يحمد
بل جوزوه وشاركوا في أكله … من كان يذبح للقبور ويفتدي
فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنـ … ـصح المبين وبالكلام الجيد
يدعوهم لله أن لا تعبدوا … إلا المهيمن ذا الجلال السرمد
لا تشركوا ملكاً ولا من مرسل … كلا ولا من صالح أو سيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا … إلا عجيب عندنا لم يعهد
ما قاله آباؤنا أيضاً ولا … أجدادنا أهل الحجى والسؤدد
إنا وجدنا جملة الآبا على … هذا فنحن بما وجدنا نقتدي
فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من … أهل الزمان اشتد غير مقلد
ناداهم يا قوم كيف جعلتم … لله أنداداً بغير تعدد
قالوا له بل إن قلبك مظلم … لم تعتقد في صالح متعبد
قالوا له غشاش أمة أحمد … وهو النصيح بكل وجه يبتدي
هل قال إلا وحدوا رب السما … وذروا عبادة ما سوى المتفرد
وتمسكوا بالسنة البيضا ولا … تتنطعوا بزيادة وتردد
هذا الذي جعلوه غشاً وهو قد … نطقت به الرسل الكرام لمن هدي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
من عهد آدم ثم نوح هكذا … تترى إلى عهد النبي محمد
وكذلك الخلفاء بعد نبيهم … والتابعون وكل حبر مهتد
منهاجهم هذا عليه تمسكوا … من كان مستناً بهم فليقتد
عجباً لمن يتلو الكتاب ويدعي … علم الحديث مسلسلا في المسند
ويقول للتوحيد غشاً: إن ذا … خطر على من قاله فليشهد
ويجدد الإسلام والإيمان معتقداً … بأن الشيخ خير مجدد
ما ذنبه في الناس إلا أنه … هد القباب وتلك سيرة أحمد
لما نفى الإطراء منهم والغلو … قالوا أتيت بذا الجفاء المبعد
لو كان حبك للنبي محققاً … لفعلت فعلتنا لعلك تهتدي
والله قد ذم الغلو فقال (يا … أهل الكتاب) بغلظة وتهددي
إذ قال (لا تغلوا) بنهي لازم … (في دينكم) فالحكم لم يتردد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
وكذا الرسول نهى وأخبر أنه … فيه الهلاك لراهب متعبد
عجباً لهم لو كان فيهم منصف … لرأى المحب محمداً لمحمد
من حيث إن الاتباع مقارن … للحب في نص الكتاب الأمجد
قالوا صبأتم نحوه قلنا لهم … الحق شمس للبصير المهتدي
ما بيننا نسب نميل به ولا … حسب يقربنا له بتودد
أيضاً ولا هو جارنا الأدنى الذي … نمتار نعمته ولم نسترفد
لكنها شمس الظهيرة قد بدت … لذوي البصائر فاهتدى من يهتدي
فالعالمون العاملون المنصفون … له أقروا بالفضائل واليد
لكن قليل منهم في عصرنا … كالشعرة البيضا بجلد أسود
فان اعتراكم في الذي قد قاله … شك وريب واختلاف يبتدي
فزنوا بميزان الشريعة قوله … تجدوه حقاً ظاهراً للمقتدي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وقال الشيخ أحمد بن محمد الحفظي اليمني رحمه الله تعالى في أرجوزة له:
حركني لنظمها الخير الذي … قد جاءنا في آخر العصر القذي
لما دعا الداعي من المشارق … بأمر رب العالمين الخالق
وبعث الله لنا مجدداً … من أرض نجد عالماً مجتهداً
شيخ الهدى محمد المحمدي … الحنبلي الأثري الأحمدي
فقام والشرك الصريح قد سرى … بين الورى وقد طغى واعتكرا
لا يعرفون الدين والتهليلا … وطرق الإسلام والسبيلا
إلا أساميها وباقي الرسم … والأرض لا تخلو من أهل العلم
وكل حزب فلهم وليجه … يدعونه في الضيق للتفريجه
وملة الإسلام والاحكام … في غربة وأهلها أيتام
دعا إلى الله وبالتهليله … يصرخ بين أظهر القبيله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
مستضعفاً وما له مناصر … ولا له معاون موازر
في ذلة وقلة وفي يده … مهفة تغنيه عن مهنده
كأنها ريح الصبا في الرعب … والحق يعلو بجنود الرب
ولم يزل يدعو إلى دين النبي … ليس إلى نفس دعا أو مذهب
يعلم الناس معاني أشهد … أن لا إله غير فرد يعبد
محمد نبيه وعبد … رسوله إليكم وقصده
أن تعبدوه وحده لا تشركوا … شيئاً به والابتداع فاتركوا
ومن دعا دون الإله أحدا … أشرك بالله ولو محمداً
إن قلتم نعبدهم للقربه … أو للشفاعات فتلك الكذبه
وربنا يقول في كتابه … هذا هو الشرك بلا تشابه
هذي معاني دعوة الشيخ لمن … عاصره واستكبروا عن السنن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
وبعد ما استجيب لله فمن … جادل في الله تردى وافتتن
ومن أجاب داعي الله ملك … ومن تولى معرضاً فقد هلك
وثناء العلماء من سائر الأمصار على الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، واعترافهم بعلمه وفضله ونصيحته لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم: كثير جداً.
بل قد اعترف أعداء الإسلام والمسلمين من كتاب النصارى ومؤرخيهم أن الشيخ محمداً وأتباعه أرادوا تجديد الإسلام وإعادته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
إلى ما كان عليه في الصدر الأول، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في كلام محمد رشيد رضا، وفيما نقله الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن سند عن الكاتب الأمريكي.
قال محمد رشيد رضا في مقدمة كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من علماء ربانيين يجددون لهذه الأمة أمر دينها بالدعوة والتعليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين كما ورد في الأحاديث.
ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
- صلى الله عليه وسلم وترك البدع والمعاصي وإقامة شعائر الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة.
فنهدت لمناهضته واضطهاده القوى الثلاث قوة الدولة الحكام، وقوة أنصارها من علماء النفاق، وقوة العوام الطغام.
وتصدى للطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليه أفراد من أهل الأمصار المختلفة، منهم رجل من أحد بيوت العلم في بغداد، قد عهدناه يفتخر بأنه من دعاة التعطيل والإلحاد.
وكان أشهر هؤلاء الطاعنين مفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفي سنة 1304. ألف رسالة في ذلك تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين: قطب الكذب والافتراء على الشيخ، وقطب الجهل بتخطئته فيما هو مصيب فيه.
وكنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم.
وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر والاطلاع على تاريخ الجبرتي وتاريخ «الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى» فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها ولا سيما تواريخ الإفرنج الذين بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذاً لتجدد مجده وعادت إليه قوته وحضارته. وإن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفا من تجديد ملك العرب وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى.
على أن العلامة الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت كان ألف كتابا في تاريخ الإسلام ذكر فيه الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقال إنها عين ما دعا إليه النبيون والمرسلون، ولكنه قال إن الوهابيين في عهده متشددون. وقد عجبنا له كيف تجرأ على مدحهم في عهد السلطان عبد الحميد؟
ورأيت شيخنا محمد عبده في مصر على رأيه في هداية سلفهم وتشدد خلفهم وأنه لولا ذلك لكان إصلاحهم عظيما ورجي أن يكون عاما، وقد ربى الملك عبد العزيز غلاتهم المتشددين منذ سنتين تربية يرجى أن تكون تمهيداً لإصلاح عظيم.
وأن علماء السنة في الهند واليمن قد بلغهم كل ما قيل في هذا الرجل فبحثوا وتثبتوا كما أمر الله تعالى فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره وعدوه من الأئمة المصلحين المجددين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم، ولا تتسع هذه المقدمة لنقل شيء من ذلك انتهى.
والتشدد الذي أشار إليه إنما وقع في بعض الأعراب في زمن يسير. فأما الحاضرة وكثير من البادية فكانوا على الطريقة السلفية ولم يكن فيهم تشدد كما يزعمه بعض الناس، فإطلاق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
التشدد على العموم متعقب على من ادعاه، كما لا يخفى على من له أدنى معرفة بحال أهل نجد.
وقال محمد رشيد رضا في هامش صيانة الإنسان: من المعلوم بالتواتر أن الشيخ رحمه الله تعالى جدد الإسلام في نجد وغير نجد.
وقال أيضاً في مقدمة رسائل العلامة الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: لا نعرف في تاريخ الإسلام شعباً دخل في جميع الأطوار التي دخل فيها الإسلام في نشأته الأولى: غربة وجهاداً وهجرة وحجاجاً وقوة، غير هذا الشعب النجدي.
فقد ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في وقت كان حال أهله شراً من حال المشركين وأهل الكتاب في زمن البعثة، من شرك وخرافات وبدع وضلالات وجهالة غالبة، فدعا إلى عبادة الله وحده والرجوع إلى أصل الإسلام الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فعاداه في بلاده الأكثرون ووالاه فيها الأقلون، فنصر الله تعالى أولياءه من أمراء آل سعود وأتباعهم على أعدائهم.
ثم تصدى لعداوتهم الترك وأعوانهم فكانت الحرب سجالا بينهم، وعاقب الله السعوديين زمناً ما بما كان من تخاذل بينهم وتقصير في إقامة بعض سنن الله في دولتهم، ثم كانت العاقبة الحسنى لهم عندما تابوا من ذنبهم ورجعوا إلى وحدتهم واعتبروا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
بقول الله تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقوله في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ظهر عليهم المشركون في غزوة أحد (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) وقوله تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
امتحن الله النجديين بتصدي الترك لعدواتهم وتأليب العرب وشرفاء الحجاز والمصريين عليهم لئلا يعيدوا ملك العرب وسلطانهم الذي سلبوه منهم، فحاربوهم باسم الإسلام، ونشروا الكتب والفتاوى في رميهم بالكفر والابتداع، وقد اغتر كثيرون بما فعلوه باسم الإسلام، وشايعهم عليه أفراد وجماعات هم دون الخوارج الذين خرجوا على الإمام أمير المؤمنين الخليفة الرابع للرسول صلى الله عليه وسلم وكفروه وتبرؤوا منه، ودون الذين بغوا عليه وحاربوه مع معاوية، نعم هم دونهم علماً بالدين وعملا به. بل كفرهم وقاتلهم أخلاط منهم المسلم والكافر والزنديق والمنافق، وعسكر لا يقيم الصلاة ولا يؤدي الزكاة ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، من الخمر والزنا واللواط وأكل أموال الناس بالباطل والقتال لطاعة الرؤساء ولو في معصية الله تعالى.
بهذا كان علماؤهم وأمراؤهم في حال تشبه حال مسلمي الصدر الأول: في مقاومة المشركين الذين يدعون غير الله ويجعلون لله أنداداً كالذين جاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي مقارعة تاركي الصلاة ومانعي الزكاة كالذين قاتلهم أبو بكر الخليفة الأول رضي الله عنه، وفي مجالدة البغاة كالذين قاتلهم الخليفة الرابع علي رضي الله عنه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
وفي مجادلة المبتدعين من الروافض والجهمية كالذين ناضلهم الإمام أحمد وإخوانه أئمة السنة بالحجة.
فأعادوا نشأة الإسلام العملية سيرتها الأولى في الصدر الأول من ولاية وبراءة وهجرة وجهاد بالسيف والسنان، وبالحجة والبرهان. على حين صارت النصوص الخاصة بهذه الأحوال منسية أو كالمنسية عند غيرهم من شعوب الإسلام ودوله، لا يتعلق بها عمل من الأعمال ولا حكم من الأحكام.
وقد عده أحمد أمين في كتابه يوم الإسلام من المجددين للدين وقال: كان من بني تيم ظهر في أواخر القرن الثامن عشر - أي الميلادي - وكان أهم مبادئ إصلاحه الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، ودافع عن مبدأ الأخذ بالحديث والاعتماد عليه اعتمادا كليا عكس ما فعله الفقهاء السابقون من أخذهم بالرأي، واقتنع بمذهب أحمد بن حنبل في اعتماده على الحديث، ودرس مؤلفات ابن تيمية، وأعاد الرجم للزاني والزانية واكتسبت تعاليمه أنصارا كثيرين وأبطل الأضرحة وهدمها، وحرم لبس الحرير، وأي زينة وزخرف في المساجد، كما تشدد في تحريم المسكرات وتحريم التدخين، إلى أن قال إصلاحات محمد بن عبد الوهاب هي إصلاحات دينية لا دنيوية انتهى.
وقال محمد رشيد أيضا في مقدمة مجموعة الحديث النجدية:
وقد كان مما استعمل الله به الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
الدين في نجد وما حولها أن أحيا مدارسة السنة النبوية فيها للاهتداء بها لا لمجرد التبرك بألفاظها، ولا لأجل الاستقلال فيها دون ما كتب المحدثون والفقهاء في شرحها والاستنباط منها بل نرى من هداهم الله تعالى بدعوته وأنقذهم من الجاهلية التي عادت إلى أكثر أهل جزيرة العرب ما زالوا يحيون كتب فقه شيخ السنة الأكبر الإمام أحمد رضي الله عنه، مع خيار كتب التفسير والحديث لغير الحنابلة من علماء السنة فكانوا من أجدر المسلمين بلقب أهل السنة.
وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن سند، في رده على الراوي العراقي: لقد نهض الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نهضة أكرم بها من نهضة، وقد بلغ من أمر تلك النهضة أن عرفها الباحثون في علل رقي الأمم وانحطاطها حتى من غير علماء الإسلام.
وإليك نظرية أحد علماء الغرب في تلك النهضة الإصلاحية التي نهض بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
قال لو ثروب ستودارد الأمريكي في كتابه حاضر العالم الإسلامي المترجم إلى اللغة العربية بقلم الأستاذ عجاج نويهض- الفصل الأول من الكتاب، في اليقظة الإسلامية -:
في القرن الثامن عشر - أي الميلادي - كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ ومن التدلي والانحطاط أعمق دركة، فاربدجوه وطبقت الظلمة كل صقع من اصقاعه، ورجاً من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب وتلاشى ما كان باقيا من آثار التهذيب العربي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل وانطفأت قبسات العلم الضئيلة.
وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال فليس يرى في العالم الإسلامي في ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين كسلطان تركيا وآخر ملوك المغول في الهند يحكمون حكما واهناً فاشي القوة متلاشي الصبغة، وقام كثير من الولاة والأمراء يخرجون على الدولة التي هم في حكمها وينشؤون حكومات مستقلة ولكن مستبدة كحكومة الدولة التي خرجوا عليها، فكان هؤلاء الخوارج لا يستطيعون إخضاع من في حكمهم من الزعماء هنا وهناك، فكثر السلب والنهب، وفقد الأمن، وصارت السماء تمطر ظلماً وجوراً.
وجاء فوق جميع ذلك رجال الدين المستبدون يزيدون الرعايا إرهاقا فوق ارهاق، فغلت الأيدي، وقعد عن طلب الرزق، وكاد العزم يتلاشى في نفوس المسلمين، وبارت التجارة بوراً شديداً، وأهملت الزراعة أي إهمال.
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين، يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)