قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت: من يقرئني؟ فأقرأني هذا (سورة براءة)، فقال: إنّ الله بريء من المشركين ورسوله، فقلت: أو قد برىء الله من رسوله؟ إن يكن الله برىء من رسوله، فأنا أبرأ منه، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابيّ! قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}، فقال الأعرابيّ: وأنا والله أبرأ ممّا برىء الله ورسوله منه، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرىء الناس إلا عالم باللّغة، وأمر أبا الأسود فوضع النّحو.
وعن عليّ بن الجعد، قال: سمعت شعبة يقول: مثل صاحب الحديث الذي لا يعرف العربية؛ مثل الحمار عليه مخلاة لا علف فيها. وقال حماد بن سلمة: من طلب الحديث، ولم يتعلّم النّحو، أو قال العربية - فهو كمثل الحمار، تعلّق عليه مخلاة ليس فيها شعير. قال ابن عطيّة: إعراب القرآن أصل في الشريعة؛ لأنّ بذلك تقوم معانيه التي هي الشّرع. قال ابن الأنباري: وجاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتابعيهم - رضوان الله تعالى عليهم - من الاحتجاج على غريب القرآن، ومشكله باللغة والشعر، ما بيّن صحّة مذهب النحويين في ذلك، وأوضح فساد مذاهب من أنكر ذلك عليهم.
من ذلك: ما حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن الشريف البزّاز، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أنبأنا ابن فرّوخ، قال: أخبرني أسامة، قال: أخبرني عكرمة أنّ ابن عباس قال: (إذا سألتموني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
عن غريب القرآن، فالتمسوه في الشعر؛ فإنّ الشعر ديوان العرب).
وحدّثنا إدريس بن عبد الكريم، قال: حدّثنا خلف، قال: حدّثنا حمّاد بن زيد، عن عليّ بن زيد بن جدعان، قال: سمعت سعيد بن جبير، ويوسف بن مهران يقولان: سمعنا ابن عباس يسأل عن الشيء فيقول فيه: (هكذا وهكذ، أما سمعتم الشاعر يقول: كذا، وكذا). وعن عكرمة، عن ابن عباس، وسأله رجل عن قول الله عز وجل: {وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ} (4) قال: (لا تلبس ثيابك على غَدْرٍ) وتمثّل بقول غيلان الثقفيّ:
فإنّي بحمد الله لا ثوب غادر … لبست ولا من سوءة أتقنّع
وسأل رجل عكرمة عن الزّنيم، قال: هو ولد الزنا، وتمثّل ببيت شعر:
زنيم ليس يعرف من أبوه … بغيّ الأمّ ذو حسب لئيم
وعنه أيضا: الزّنيم: الدّعيّ الفاحش اللئيم، ثمّ قال:
زنيم تداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عرض الأديم أكارعه
وعنه في قوله تعالى: {ذَواتا أَفْنانٍ} (48) قال: (ذواتا) ظلّ وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر:
ما هاج شوقك من هديل حمامة … تدعو على فنن الغصون حماما
تدعو أيا فرخين صادف طائرا … ذا مخلبين من الصّقور قطاما
وعن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَإِذا هُمْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
بِالسَّاهِرَةِ} قال: (الأرض). وقال أميّة بن أبي الصلت: عندهم لحم بحر، ولحم ساهرة، قال ابن الأنباري: والرّواة يروون هذا البيت:
وفيها لحم ساهرة وبحر … وما فاهوا به لهم مقيم
وقال نافع بن الأزرق لابن عباس: أخبرني عن قول الله جلّ وعزّ: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} ما السنة؟ قال: (النّعاس) قال زهير بن سلمى:
لا سِنَةٌ في طُوال اللّيل تأخذه … ولا ينام ولا في أمره فند
والله أعلم
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
الفصل السادس فيما جاء في فضل تفسير القرآن، وأهله
قال علماؤنا - رحمهم الله تعالى -: وأمّا ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة، والتابعين.
فمن ذلك: أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر جابر بن عبد الله، ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداءك، تصف جابرا بالعلم، وأنت أنت، فقال: (إنّه كان يعرف تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ}). وقال مجاهد أحبّ الخلق إلى الله تعالى، أعلمهم بما أنزل. وقال الحسن (والله ما أنزل الله آية، إلّا أحبّ أن يعلم فيما أنزلت، وما يعنى بها). وقال الشعبي: رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إنّ الّذي يفسّرها رحل إلى الشام، فتجهّز ورحل إلى الشام، حتى علم تفسيرها. وقال عكرمة في قوله جلّ وعزّ: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة، حتى وجدته. وقال ابن عبد البر: هو ضمرة بن حبيب، وسيأتي. وقال ابن عباس: (مكثت سنتين، أريد أن أسأل عمر، عن المرأتين اللّتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يمنعني إلّا مهابته، فسألته، فقال: هما حفصة، وعائشة). وقال إياس بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
معاوية: مثل الذين يقرؤون القرآن، وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا، وليس عندهم مصباح، فتداخلهم روعة، ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير، كمثل رجل جاءهم بمصباح، فقرؤوا ما في الكتاب.
والله أعلم
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
الفصل السابع في بيان مبدأ التفسير، ووضعه
وأوّل ما بدئت دراسات القرآن وتفسيره، زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي عهده نرى أعرابيا يسأله عن معنى بعض ألفاظ القرآن في مثل قوله تعالى: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ} قائلا: وأيّنا لم يظلم نفسه، وفسّره النبيّ صلى الله عليه وسلم بالشرك، واستشهد عليه بقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتب الحديث، كالبخاري، ومسلم، وغيرهما، كثير من الأحاديث التي تتعلّق بتفسير القرآن، وبعضها ينحصر في ذكر فضائله، وتفسير بعض كلماته تفسيرا مختصرا، يبيّن وجه التشريع، أو الموعظة في الآية.
وروي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإنّه ليأتي الرجل العظيم، السمين، يوم القيامة، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا}» على أنّه قد لا يوضع الاعتبار، كلّ ما جاء من الحديث في التفسير، فأحمد ابن حنبل في القرن الثالث الهجري يقول: ثلاثة أشياء لا أصل لها: التفسير، والملاحم، والمغازي، ولعلّه يقصد بالتفسير الذي خلّط فيه الناس بين الصحيح، وغير الصحيح من الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
على أنّ الصحابة وقفوا في صدر الإسلام موقفين:
قسم: متحرّج من القول في القرآن، ومن هؤلاء: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وغيرهم، وكان عبد الله بن عمر يأخذ على ابن عباس تفسيره القرآن بالشعر.
والقسم الثاني: الذين لم يتحرّجوا، وفسّروا القرآن حسب ما فهموا من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حسب فهمهم الخاصّ، بالمقارنة إلى الشعر العربيّ، وكلام العرب، ومن هؤلاء القسم: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب وغيرهم، وتبعهم: الحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة والسدّيّ وغيرهم ممّن لا يحصون.
والله أعلم
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
الفصل الثامن فيما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرّأي، والجرأة على ذلك، وبيان مراتب المفسّرين
فمن ذلك: ما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسّر من كتاب الله، إلّا آيا بعدد ما علّمه إيّاهنّ جبريل). قال ابن عطيّة: ومعنى هذا الحديث في مغيّبات القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا، ممّا لا سبيل إليه إلّا بتوفيق من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به؛ كوقت قيام الساعة، ونحوها، ممّا يقرأ من ألفاظه، كعدد النّفخات في الصّور، وكرتبة خلق السموات والأرض.
ومنه ما روى الترمذي، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتّقوا الحديث عليّ إلا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدا، فليتبوّأ مقعده من النار. ومن قال في القرآن برأيه، فليتبوّأ مقعده من النار».
وروى أيضا: عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ». وقال: هذا حديث غريب، وأخرجه أبو داود، وتكلّم في أحد رواته. وزاد رزين «ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر». قال أبو بكر، محمد بن القاسم بن بشار بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
محمد الأنباريّ، النحويّ، اللغويّ، في كتاب «الردّ»؛ فسّر حديث ابن عباس بتفسيرين:
أحدهما: من قال في مشكل القرآن، بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة، والتابعين؛ فهو متعرّض لسخط الله.
والجواب الآخر: وهو أثبت القولين، وأصحّهما معنى: من قال في القرآن قولا، يعلم أنّ الحقّ غيره؛ فليتبوّأ مقعده من النار.
ومعنى يتبوّأ: ينزل ويحلل. وقال في حديث جندب: فحمل بعض أهل العلم هذا الحديث: على أنّ الرّأي معنيّ به الهوى، أي: من قال في القرآن قولا يوافق هواه، لم يأخذه عن أئمّة السلف، ولا اقتضته قوانين العلم، كالنحو، والأصول، فأصاب؛ فقد أخطأ؛ لحكمه على القرآن برأيه، وليس يدخل في هذا الحديث، أن يفسّر اللغويون لغته، والنحويون نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كلّ واحد باجتهاده المبني على قوانين علم، ونظر، فإنّ القائل على هذه الصفة، ليس قائلا لمجرّد رأيه.
قلت: هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإنّ من قال فيه بما سنح في وهمه، وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطىء، وإنّ من استنبط معناه، بحمله على الأصول المحكمة، المتّفق على معناها فهو ممدوح.
وقال بعض العلماء: إنّ التفسير موقوف على السماع؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وهذا قول فاسد؛ لأنّ النّهي عن تفسير القرآن لا يخلو: إمّا أن يكون المراد به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
الاقتصار على النقلي، والمسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به: أمرا آخر، وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلّم أحد في القرآن إلّا بما سمعه، فإنّ الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - قد قرؤوا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس، وقال: «اللهمّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»، فإن كان التأويل مسموعا، كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك، وهذا بيّن لا إشكال فيه؛ وإنّما النهي يحمل على وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه، وهواه، ليحتّج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي، والهوى، لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتجّ ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، ولكن مقصوده أن يلبّس على خصمه، وتارة يكون مع الجهل، وذلك: إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجّح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسّر برأيه أي رأيه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك. ذكره القرطبي.
والثاني: وقال ابن عطيّة: وكان جملة من السّلف - كثير عددهم - يفسّرون القرآن، وهم أبقوا على المسلمين ذلك رضي الله عنهم فأمّا صدر المفسّرين والمؤيّد فيهم، فعليّ بن أبي طالب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
- رضي الله عنه ويتلوه عبد الله بن عباس، وهو بحر فيه، وتبعه العلماء عليه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما. والمحفوظ عنه في ذلك، أكثر من المحفوظ عن عليّ. وقال ابن عباس: (ما أخذت من تفسير القرآن، فمن عليّ بن أبي طالب). وكان عليّ رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس، ويحضّ على الأخذ عنه. قال ابن عطيّة: وكان جملة من السلف، كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظّمون تفسير القرآن؛ ويتوقّفون عنه؛ تورّعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم، وتقدّمهم. قال أبو بكر الأنباريّ: وقد كان الأئمّة من السلف الماضي، يتورّعون عن تفسير المشكل من القرآن، فبعض يقدّر أنّ الذي يفسّره لا يوافق مراد الله جلّ وعزّ، فيحجم عن القول، وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماما يبنى على مذهبه، ويقتفى طريقه، فلعلّ متأخرا أن يفسّر حرفا برأيه، ويخطىء فيه، ويقول: إمامي في تفسير القرآن بالرأي، فلان الإمام من السلف.
وعن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير حرف من القرآن، فقال: (أيّ سماء تظلّني، وأيّ أرض تقلّني، وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر، والنّقل فيه). وقال ابن عطية: ومعنى هذا: أن يسأل الرجل عن معنى من كتاب الله جلّ وعزّ، فيتسوّر عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء عنه. وكان ابن مسعود يقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
(نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس). وقال عنه علي رضي الله عنه: (ابن عباس: كأنّما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق). ويتلوه عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وكلّ ما أخذ من الصحابة فحسن مقدّم؛ لشهودهم التنزيل، ونزوله بلغتهم. وعن عامر بن واثلة قال: (شهدت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يخطب، فسمعته يقول في خطبته: سلوني، فو الله، لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة، إلّا حدّثتكم به، سلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلّا أنا أعلم أبليل نزلت، أم بنهار، أم في سهل نزلت، أم في جبل، فقام إليه ابن الكوّاء، فقال: يا أمير المؤمنين! ما الذاريات ذروا؟) وذكر الحديث. وعن المنهال بن عمرو قال: قال عبد الله بن مسعود:
(لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منّي تبلغه المطيّ، لأتيته، فقال له رجل: أما لقيت عليّ ابن أبي طالب؟ فقال: بلى قد لقيته). وعن مسروق قال: وجدت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل الإخاذ يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم، وإنّ عبد الله بن مسعود من تلك الإخاذ. ذكر هذه المناقب: أبو بكر الأنباريّ في كتاب «الردّ»، وقال: الإخاذ عند العرب: الموضع الذي يحبس الماء كالغدير.
قال أبو بكر: حدّثنا أحمد بن الهيثم بن خالد، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا سلّام، عن زيد العميّ، عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرحم أمّتي بها أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم لكتاب الله جلّ وعزّ أبيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح، وأبو هريرة وعاء من العلم، وسلمان بحر من علم لا يدرك، وما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء - أو قال البطحاء - من ذي لهجة، أصدق من أبي ذرّ رضي الله عنهم قال ابن عطية: ومن المبرّزين في التابعين: الحسن البصريّ، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعلقمة. قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهّم، ووقوف عند كلّ آية. ويتلوهم: عكرمة، والضحّاك، وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنّما أخذ عن ابن جبير، وأمّا السدّيّ: فكان عامر الشعبيّ يطعن عليه، وعلى أبي صالح؛ لأنّه كان يراهما مقصّرين في النّظر.
قلت: وقال يحيى بن معين: الكلبيّ ليس بشيء. وعن يحيى بن سعيد القطّان، عن سفيان قال: قال الكلبيّ: قال أبو صالح: كلّ ما حدّثتك كذب، وقال حبيب بن أبي ثابت: كنّا نسمّيه: الذّروغزن يعني: أبا صالح مولى أمّ هانىء، والذّروغزن: هو الكذّاب بلغة الفرس.
ثمّ حمل تفسير كتاب الله تعالى: عدول كلّ خلف، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». خرّجه أبو عمر وغيره. قال الخطيب أبو بكر، أحمد بن علي البغداديّ: وهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّهم أعلام الدين، وأئمّة المسلمين؛ لحفظهم الشّريعة من التحريف والانتحال للباطل، وردّ تأويل الأبله الجاهل، وأنّه يجب الرجوع إليهم، والمعوّل في أمر الدين عليهم - رحمهم الله تعالى -. قال ابن عطية: وألّف الناس فيه، كعبد الرزاق، والمفضّل، وعليّ بن أبي طلحة، والبخاريّ، وغيرهم، ثمّ إنّ محمد بن جرير - رحمه الله تعالى - جمع على الناس أشتات التفسير، وقرّب البعيد منها، وشفى في الإسناد، ومن المبرّزين من المتأخّرين: أبو إسحاق الزجّاج، وأبو علي الفارسيّ، وأمّا أبو بكر النقاش، وأبو جعفر النحّاس: فكثيرا ما استدرك الناس عليهما، وعلى سننهما، مكيّ بن أبي طالب رحمه الله، وأبو العباس المهدويّ متقن التأليف، وكلّهم مجتهد مأجور - رحمهم الله تعالى - ونضّر وجوههم.
تتمّة في بيان الفرق بين التفسير، والتأويل
والتفسير لغة: الكشف والإبانة.
والتأويل لغة: الرجوع والكشف.
والتفسير اصطلاحا: علم يبحث فيه، عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالته، على مراد الله - تعالى بحسب الطاقة البشريّة، ثمّ هذا العلم قسمان:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
تفسير: وهو ما لا يدرك إلّا بالنقل، كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.
وتأويل: وهو ما يمكن إدراكه بالقواعد العربية، ويسمّى الأول رواية، وهذا دراية. والسرّ في جواز التأويل بالرّأي بشروطه، كما تقدّم دون التفسير: أنّ التفسير كشهادة على الله، وقطع بأنّه عنى بهذا اللفظ هذا المعنى، ولا يجوز إلّا بتوقيف، ولذا جزم الحاكم أنّ تفسير الصحابيّ مطلقا في حكم المرفوع، والتأويل: ترجيح لأحد المحتملات بلا قطع فاغتفر.
والله أعلم
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
الفصل التاسع في بيان ما جاء في حامل القرآن، ومن هو، وفيمن عاداه
قال أبو عمر: روي من وجوه فيها لين: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «ومن تعظيم جلال الله إكرام ثلاثة، الإمام المقسط، وذي الشّيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه».
وقال أبو عمر: وحملة القرآن: هم عالمون بأحكامه، وحلاله، وحرامه، والعاملون بما فيه.
وروى أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن أفضل من كلّ شيء، فمن وقّر القرآن، فقد وقّر الله، ومن استخفّ بالقرآن، استخفّ بحقّ الله تعالى، حملة القرآن: هم المحفوفون برحمة الله، المعظّمون كلام الله، الملبسون نور الله، فمن والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم، فقد استخفّ بحقّ الله تعالى.
والله أعلم
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
الفصل العاشر في بيان ما يلزم قارىء القرآن، وحامله من تعظيم القرآن وحرمته
قال الترمذي الحكيم، أبو عبد الله في «نوادر الأصول»: فمن حرمة القرآن: أن لا يمسّه إلّا طاهرا.
ومن حرمته: أن يقرأه وهو على طهارة.
ومن حرمته: أن يستاك، ويتخلّل، فيطيّب فاه إذ هو طريقه.
قال يزيد بن أبي مالك: إنّ أفواهكم طرق من طرق القرآن، فطهّروها، ونظّفوها ما استطعتم.
ومن حرمته: أن يتلبّس كما يتلبّس للدخول على الأمير؛ لأنّه مناج.
ومن حرمته: أن يستقبل القبلة لقراءته، وكان أبو العالية: إذا قرأ اعتمّ، ولبس، وارتدى، واستقبل القبلة.
ومن حرمته: أن يتمضمض كلّما تنخّع. روى شعبة عن أبي حمزة، عن ابن عباس: أنّه كان يكون بين يديه تور، إذا تنخّع مضمض، ثمّ أخذ في الذكر، وكان كلّما تنخّع مضمض.
ومن حرمته: إذا تثاءب، أن يمسك عن القراءة؛ لأنّه إذا قرأ فهو مخاطب ربّه، ومناج، والتّثاؤب من الشيطان. قال مجاهد:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
إذا تثاءبت، وأنت تقرأ القرآن، فأمسك عن القرآن تعظيما، حتى يذهب تثاؤبك. قال عكرمة: يريد أنّ في ذلك الفعل إجلالا للقرآن.
ومن حرمته: أن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم، ويقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)} إن كان ابتداء قراءته من أوّل السورة، أو من حيث بلغ.
ومن حرمته: إذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميّين من غير ضرورة.
ومن حرمته: أن يخلو بقراءته، حتّى لا يقطع عليه أحد بكلام، فيخلطه بجوابه؛ لأنّه إذا فعل ذلك، زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء.
ومن حرمته: أن يقرأ على تؤدة، وترسيل، وترتيل.
ومن حرمته: أن يستعمل فيه ذهنه، وفهمه، حتى يعقل ما يخاطب به.
ومن حرمته: أن يقف على آية الوعد، فيرغب إلى الله تعالى، ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد، فيستجير بالله منه.
ومن حرمته: أن يقف على أمثاله، فيتمثّلها.
ومن حرمته: أن يلتمس غرائبه.
ومن حرمته: أن يؤدّي لكل حرف حقّه من الأداء، حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإنّ له بكلّ حرف عشر حسنات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ومن حرمته: إذا انتهت قراءته، أن يصدّق ربّه، ويشهد بالبلاغ لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويشهد على ذلك أنّه حقّ، فيقول: صدقت ربّنا، وبلّغ رسولك إلينا ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهمّ! اجعلنا من شهداء الحقّ القائمين بالقسط، ثمّ يدعو بدعوات.
ومن حرمته: إذا قرأه أن لا يلتقط الآي من كلّ سورة فيقرأ؛ فإنّه روي لنا: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّه مرّ ببلال وهو يقرأ من كل سورة شيئا، فأمره أن يقرأ على السّور، أو كما قال.
ومن حرمته: إذا وضع الصحيفة أن لا يتركه منشورا، وأن لا يضع فوقه شيئا من الكتب، حتى يكون أبدا عاليا، لسائر الكتب علما
كان، أو غيره.
ومن حرمته: أن يضعه في حجره إذا قرأه، وعلى شيء بين يديه، ولا يضعه بالأرض.
ومن حرمته: أن لا يمحوه من اللّوح بالبصاق ولكن يغسله بالماء.
ومن حرمته: إذا غسله بالماء، أن يتوقّى النجاسات من المواضع التي توطأ، فإنّ لتلك الغسالة حرمة، وكان من قبلنا من السلف منهم: من يستشفى بغسالته.
ومن حرمته: أن لا يتّخذ الصحيفة إذا بليت ودرست، وقاية للكتب، فإنّ ذلك جفاء عظيم، ولكن يمحوها بالماء.
ومن حرمته: أن لا يخلّي يوما من أيّامه من النظر في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
المصحف مرّة، وكان أبو موسى يقول: (إنّي لأستحيي أن لا أنظر كلّ يوم في عهد ربّي مرّة).
ومن حرمته: أن يعطي عينيه حظّهما منه، فإنّ العين تؤدّي إلى النّفس، وبين النّفس والصدر حجاب، والقرآن في الصّدر، فإذا قرأه عن ظهر القلب، فإنّما يسمع أذنه فتؤدّي إلى النّفس، فإذا نظر في الخطّ، كانت العين، والأذن قد اشتركتا في الأداء، وذلك أوفر للأداء، وكان قد أخذت العين حظّها كالأذن. روى زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا أعينكم حظّها من العبادة»، قالوا يا رسول الله: وما حظّها من العبادة؟ قال: «النّظر في المصحف، والتّفكّر فيه، والاعتبار عند عجائبه». وروى مكحول، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل عبادة أمّتي قراءة القرآن نظرا».
ومن حرمته: أن لا يتأوّله عند ما يعرض له شيء من أمر الدنيا. حدّثنا عمر بن زياد الحنظليّ قال: حدثنا هشيم بن بشير، عن المغيرة عن إبراهيم قال: كان يكره أن يتأوّل شيء من القرآن، [عند ما] يعرض له شيء من أمر الدنيا، والتأويل مثل قولك للرجل: إذا جاءك، جئت على قدر يا موسى.
ومثل قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (24)} هذا عند حضور الطعام، وأشباه هذا.
ومن حرمته: أن لا يقال سورة كذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)