معهم، وقال: رَوى عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم، ورَوى أيضًا عن الضحاك بن مزاحم في قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] إلى قوله: {أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، قال: هو على العرش وعلمه معهم، ورواه بإسناد آخر عن مقاتل بن حيان، وهو ثقة في التفسير ليس بمجروح، كما جرح مقاتل بن سليمان.
وذكر أيضًا ما رواه عبدالله بن أحمد عن الضحاك في قوله - تعالى -: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، قال: هو على العرش، وعلمه معهم، وروى أيضًا عن سفيان الثوري في قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، قال علمه، وذكر أيضًا ما رواه حنبل بن إسحاق في كتاب "السنة"، قال: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: ما معنى قوله - تعالى -: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، و {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] إلى قوله: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، قال: علمه، عالم الغيب والشَّهادة، مُحيط بكل شيء، شاهد علام الغيوب، يعلم الغيب، ربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات والأرض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
قلت: قوله: بلا حد ولا صفة، معناه: أنه لا يحد استواء الربِّ على العرش، ولا توصف كيفيته، كما قال ربيعة بن أبي عبدالرحمن، ومالك بن أنس: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول؛ قال شيخ الإسلام: وأيضًا فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فكان السِّياق يدل على أنَّه أراد أنه عالم بهم، ثم ذكر أن لفظ المعيَّة في اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو إذا كان مع العباد لم ينافِ ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كُلِّهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد؛ انتهى.
قول الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي
قد صنف الذهبي - رحمه الله تعالى - في إثبات علو الله على عرشه كتابه المسمى بـ "العلو للعلي الغفار"، وساق فيه أدلَّة العلو من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أكابر العلماء إلى قريب من زمانه، ومنهم مَن حكى الإجماعَ على أن الله - تعالى - فوق عرشه ومع الخلق بعلمه، وقال في أثناء الكتاب: ويَدُلُّ على أن الباري تبارك وتعالى عالٍ على الأشياء فوق عرشه المجيد، غير حالٍّ في الأمكنة: قولُه - تعالى -: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، ثم ساق آيات وأحاديث كثيرة في إثباتِ العلو، فليراجع، وليراجع الكتاب كله، فإنَّه كثير الفوائد عظيم المنفعة.
قول العلامة شمس الدين ابن القيم
قد صنف ابن القيم - رحمه الله تعالى - في إثبات علو الله على خلقه كتابَه المسمى بـ "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية"، وساق فيه أدلة العلو من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء إلى قريب من زمانه، ومنهم من حكى الإجماعَ على أن الله - تعالى - فوق عرشه، وهو مع الخلق بعلمه، فليراجع الكتاب كله، فإنه كثير الفوائد عظيم المنفعة.
ولابن القيم أيضًا فصولٌ في كتابه المسمى بـ "الكافية الشافية"، وفي كتابه المسمى بـ "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، قرَّر فيها علوَّ الرب تبارك وتعالى فوق جميع المخلوقات، ورد فيها على أهل التشبيه والتعطيل، فلتراجع أيضًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
قول الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير
قال في تفسير سورة الحديد، وقوله - تعالى -: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]؛ أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم؛ حيثُ كنتم، وأين كنتم من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السَّواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانَكم، ويعلم سركم ونجواكم، وقال في تفسير سورة المجادلة: ثم قال تعالى مُخبرًا عن إحاطة علمه بخلقه، واطِّلاعه عليهم وسماعه كلامهم، ورُؤيته مكانَهم حيث كانوا وأين كانوا، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} [المجادلة: 7]؛ أي: من سر ثلاثة {إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]؛ أي: مُطَّلع عليهم، يسمع كلامهم وسِرَّهم ونجواهم، ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له؛ ولهذا حكى غيرُ واحد الإجماعَ على أنَّ المرادَ بهذه الآية معيةُ علمه - تعالى - ولا شكَّ في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه وتعالى مُطَّلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
شيء، ثم قال تعالى: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]، قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم؛ انتهى.
فهذا ما تيسر إيراده من أقوالِ أكابر العُلماء في إثبات العلو لله - تعالى - وأنه فوق جميع المخلوقات، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، وأنَّ معيته لخلقه معية العلم والإحاطة والاطِّلاع والسماع والرُّؤية، وأنَّ له معية خاصَّة مع أنبيائه وأوليائه، وهي معيَّة النصر والتأييد والكفاية، ولم يأتِ في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصَّحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ما يدُلُّ على أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنَّما جاء ذلك عن بعض أهلِ البدع، وهم الذين يقولون: إنَّ الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، وهذا قول باطل مَردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في أول الكتاب، فليراجع.
وكلامُ أكابر العُلماء المتأخرين في المائة الثامنة من الهجرة، فما بعدها في إثبات العلو، والرد على مَن قال بخلاف ما عليه أهلُ السنة والجماعة - كثيرٌ جدًّا، وفيما ذكرته عن المتقدمين كفاية إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
فصل
وقد تعلَّق المردود عليه بجمل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن مثير وابن رجب، وليس في شيء منها ما يُؤيِّد زعمه أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنْ توهم المردود عليه أو توهم غيره أن في شيء منها تأييدًا لقوله الباطل، فهو مَحجوج بإجماع الصحابة والتابعين على أنَّ الله - تعالى - على العرش، وعلمه في كل مكان، وأن معنى قوله - تعالى -: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، ونحو ذلك في القرآن: أنَّ ذلك علمه، وأن الله - تعالى - فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أكابر العلماء، ونقله شيخُ الإسلام ابن تيمية، والذهبي، وابن القيم، عن غير واحد من الأئمة، وتقدم ذكر ذلك في أول الكتاب، وما خالف الإجماع من الأقوال، فهو مردود على قائله كائنًا من كان.
وإذا علم هذا، فمن الجمل التي تعلق بها المردود عليه قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية في صفحة 3 من المجلد الخامس من "مجموع الفتاوى": أنَّ كلمة "مع" إذا أطلقت، فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو مُحاذاة عن يَمين أو شمال،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
فإذا قيدت بمعنى من المعاني، دَلَّت على المقارنة في ذلك المعنى، قال: فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة، ثم هذه المعية تَختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} [الحديد: 4] إلى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، دَلَّ ظاهر الخطاب على أنَّ حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مُطَّلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السَّلف: إنَّه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.
والجواب أن يقال: ليس في هذه الجملة ما يتعلَّق به من زعم أنَّ معيةَ الله لخلقه معية ذاتية، وإنما فيها الرد عليه؛ لأنَّ شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - قد صرح أن المعية المذكورة في قول الله - تعالى -: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، قد دَلَّ ظاهر الخطاب على أن حكمها ومقتضاها أنَّه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، قال: وهذا معنى قول السلف: إنَّه معهم بعلمه، قال: وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته؛ انتهى.
فأما القول بالمعية الذاتية، فإنَّما هو من أقوال الحلولية من الجهمية، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، وتقدم كلامُه في أول الكتاب، فليراجع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
الجملة الثانية من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب له في صفحة 231 من المجلد الخامس من مَجموع الفتاوى: فهو - سبحانه - مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مُختلطة بذواتهم - إلى أن قال: فالله عالم بعباده وهو معهم أينما كانوا، وعِلمُه بهم من لوازم المعية، ثم قال: فمدلول اللفظ مرادٌ منه، وقد أريد أيضًا لازم ذلك المعنى، فقد أريد ما يدل عليه اللفظ في أصلِ اللغة بالمطابقة وبالالتزام، فليس اللفظ مستعملاً في اللازم فقط، بل أريد به مدلوله الملزوم وذلك حقيقة.
والجواب أن يقال: إنَّ المردود عليه قد اختصر كلام شيخ الإسلام، وترك جملةً من أوله فيها بيان المراد من كلامه في المعية، وأنَّها معية العلم لعموم العباد، ومعية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وهذا نص كلام شيخ الإسلام قال: وأما القسم الرابع، فهم سلف الأمة وأئمتها أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنَّهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم، أثبتوا أن الله - تعالى - فوق سمواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضًا مع العباد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مُجيب، ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم أنت الصاحبُ في السفر والخليفة في الأهل))، فهو سبحانه مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أنْ تكونَ ذاته مُختلطة بذواتِهم - إلى أن قال: فالله - تعالى - عالم بعباده، وهو معهم أينما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية؛ انتهى.
وفي قوله: إنَّ الله - تعالى - فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية - أبلغُ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وكذلك قوله: إنَّ في آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم فيه أيضًا رد عليه.
وأما المعية المذكورة في قوله: فهو مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه - فهي معية الاطلاع والحفظ والكفاية، وليست معية ذاتية كما قد توهَّم ذلك المردود عليه، وقد أوضح ذلك شيخُ الإسلام بقوله: ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مُختلطة بذواتِهم، ومن تأمل كلام شيخ الإسلام في المعية، وجده يدور على أنَّها معية العلم والإحاطة والاطِّلاع والسماع والرُّؤية لعموم الخلق، وأنَّ لله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
معية خاصة مع أنبيائه وأوليائه، وهي معية النصر والتأييد والكفاية.
الجملة الثالثة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية"، وكل هذا الكلام الذي ذكره - تعالى - من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته لا يَحتاج إلى تحريف، وقال في الفصل الذي يليه: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه - سبحانه - ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه.
والجواب أن يقال: إنَّ شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - لم يقل: إنَّ معيةَ الله لخلقه معية ذاتية، حتى يكون للمردود عليه تعلق بكلامه، وقد تقدم في الجواب عن الجملة الثانية ما نقله شيخُ الإسلام عن سلف الأمة وأئمتها أنَّهم أثبتوا أن الله - تعالى - فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عمومًا بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وأنَّ في آية النجوى دلالةً على أنه عالم بهم، فكلام شيخ الإسلام في "الفتاوى" يوضح كلامه في "العقيدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الواسطية"، ويبين أنه أراد بالمعية معية العلم، ولم يرد المعية الذاتية التي تستلزم مُخالطة الخلق في كل مكان.
وأمَّا قول شيخ الإسلام: وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه، فمُراده بالدنو: نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدُّنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، كما جاء ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك دنوه من أهل الموقف عشية عرفة، فقد جاء في حديث مرفوع: ((إنَّ الله - تعالى - يهبط إلى سماء الدُّنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة))، وليس في نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدُّنيا في آخر الليل، وفي عشية عرفة ودنوه من خلقه ما يقتضي أن تكونَ معيته لهم معية ذاتية، وليس في كلام شيخ الإسلام ما يدُلُّ على ذلك، وقد ذكرت كلامه في المعية مما ذكره في الفتاوى وغيرها من كتبه، وما نقله من إجماع المسلمين من أهل السنة على أنَّ معنى قوله - تعالى -: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، ونحو ذلك في القرآن: أنَّ ذلك علمه، فليراجع ما تقدم من النقول عنه، ففيها كفاية في الرد على من توهم من كلامه في "العقيدة الواسطية" خلاف ما أجمع عليه الصَّحابة والتابعين في المعية، وأنَّها معية العلم، وليست معية ذاتية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
الجملة الرابعة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ ابن القيم في "مختصر الصواعق"، المثال التاسع مما ادُّعِيَ فيه المجاز قوله - تعالى -: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وذكر آيات فيها المعية، ثم قال: قالت المجازية: هذا كله مَجاز يَمتنع حمله على الحقيقة؛ إذ حقيقة المخالطة والمجاورة وهي منتفية قطعًا، فإذًا معناه العلم والقُدرة والإحاطة، ومعية النصر والتأييد والمعونة، وكذلك القُرب، قال أصحابُ الحقيقة: والجواب عن ذلك من وجوه - إلى أن قال: الوجه الرابع أنَّه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنَّه مُختلط بالمخلوقات مُمتزج بها - إلى أن قال: وغاية ما تدل عليه "مع" المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمُه لوازم بحسب مُتعلقه، فإذا قيل: الله مع خلقه بطريق العموم، كان من لوازم ذلك علمه بهم، وتدبيره لهم وقدرته عليهم، وإذا كان ذلك خاصًّا، كقوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]، كان من لازم ذلك معيته لهم بالنصر والتأييد والمعونة؛ قال: وقد أخبر الله - تعالى - أنَّه مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه - إلى أن قال: فعُلُوُّه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه، ثم تكلم على قرب الله - تعالى - وقال: فهو قريب من المحسنين بذاتِه ورحمته قربًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
ليس له نظير، وهو سبحانه مع ذلك فوق سمواته على عرشه.
كما أنَّه - سبحانه - يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة وهو على عرشه، قال: وهو سبحانه قريب في علوه، عالٍ في قربه، قال: والذي يسهل عليك فهمَ هذا معرفةُ عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأنَّ السموات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه - سبحانه - يقبض السموات بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حقِّ مَن هذا بعض عظمته أنْ يكونَ فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟! اهـ.
والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أنْ يقال: إنَّ أهلَ السنة والجماعة أجمعوا على أنَّ الله تبارك وتعالى مستوٍ على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه، وأجمعوا على أنَّ معنى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، ونحو ذلك في القرآن أنَّ ذلك علمه، وأن الله - تعالى - فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء، وقد نقل ابن القيم هذا الإجماع في كتابه المسمى ب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، والعمدة على هذا الإجماع ولا عبرة بما خالفه من أقوال الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
الوجه الثاني أنْ أقول: إنِّي لم أرَ في شيء من كتب ابن القيم التصريح بأن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنَّما كان كلامه يدور على إثبات معية العلم والقدرة والإحاطة والرُّؤية لعموم الخلق، وعلى معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وقد ذكر في كتابه المسمى بـ"اجتماع الجيوش الإسلامية" آياتٍ كثيرة في إثبات علو الرب تبارك وتعالى واستوائه على عرشه، ومنها قوله - تعالى - في سورة الحديد: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]، ثم قال: فذكر عموم علمه، وعموم قُدرته، وعموم إحاطته، وعموم رُؤيته، وذكر أيضًا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني أنه قال في قول الله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]؛ يعني: بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أنَّ ذاته معهم.
قال: وقوله - تعالى -: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] مَحمول على هذا التأويل، وقوله - تعالى -: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]، يعني: أنه عالم بهم وبما خفي من سِرِّهم ونجواهم؛ انتهى، وقد أقره ابن القيم على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
هذا القول، وذلك يدُلُّ على الرضا به والموافقة عليه، وفيه ردٌّ لما تشبث به المردود عليه من كلام ابن القيم في كتاب "الصواعق المرسلة"، وقد قال ابنُ القيم في كتاب "الصواعق المرسلة" قبل كلامه الذي نقله المردود عليه بأقل من صفحة: الوجه الثاني: أنَّ الله - سبحانه - قد بيَّن في القرآن غاية البيان أنه فوق سمواته، وأنه مستوٍ على عرشه، وأنه بائن من خلقه، وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه رفع المسيح إليه، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب، إلى سائر ما دلت عليه النصوص من مباينته لخلقه وعُلُوِّه على عرشه، وهذه نصوص مُحكمة، فيجب رد المتشابه إليها؛ انتهى.
قلت: وفي النُّصوص المحكمة الدالة على علو الله تبارك وتعالى فوق سمواته، ومباينته لجميع خلقه - أبلغ رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية؛ لأن هذا القول الباطل يستلزم الحلول مع الخلق في أماكنهم، وذلك من أبطل الباطل.
وأما دنو الرب تبارك وتعالى من عباده، فهو ثابت في حديث النُّزول المتفق على صحته، وجاء في حديث مرفوع: أنَّ الله - تعالى - يهبطُ إلى سماء الدُّنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة، وهذا الحديث وحديث النُّزول في آخر الليل وغيرهما مما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
جاء في الصفات، وهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّه يَجب الإيمان به وإمراره كما جاء، قال الأوزاعي: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث - أي: التي جاءت في الصفات - فقالا: أمرُّوها كما جاءت، رواه الخلال في كتاب "السنة"، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى".
وروى الخلال أيضًا عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت، وفي رواية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، وقد نقل هذه الرواية أيضًا شيخُ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى"، ثم قال: والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ونقل الشيخ أيضًا عن أبي سليمان الخطابي أنه قال في رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله": فأمَّا ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإنَّ مذهب السلف إثباتُها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها؛ انتهى.
وإذا علم هذا، فليس من مذهب السلف أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، ولم يقل ذلك أحد من علماء أهل السنة والجماعة فيما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
علمت، وإنَّما هو من أقوال أهل البدع وهم الذين يقولون: إنَّ الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وتقدم في أول الكتاب فليراجع، ومن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، واستدل على ذلك بنزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدُّنيا في آخر الليل، ودنوه من أهل الموقف في عشية يوم عرفة، فقد أبعد النجعة، وقال على الله بغير علم.
الجملة الخامسة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ ابن رجب في شرح الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية: فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله - تعالى -: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] إلى قوله: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] إلخ، فإنَّ هذه المعية تقتضي علمه واطِّلاعه ومُراقبته أعمالهم؛ اهـ.
والجواب أنْ يقال: إنَّ كلام ابن رجب - رحمه الله تعالى - مُوافق لما أجمع عليه أهلُ السنة والجماعة من أنَّ المعية العامَّة معية العلم والاطلاع والمراقبة، وأنَّ المعية الخاصة معية النصر والتأييد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
والحفظ والإعانة، وليس في كلامه ما يتعلَّق به من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية.
الجملة السادسة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ ابن كثير في تفسير سورة الحديد: أيْ: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث كنتم، وأين كنتم من بَرٍّ أو بَحر، في ليل أو نَهار، الجميع في علمه على السَّواء وتحت سمعه وبصره، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سِرَّكم ونَجْواكم، وقال في سورة المجادلة: وقد حكى غيرُ واحد الإجماعَ على أنَّ المراد بهذه الآية معية علمه، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيبُ عنه من أمورهم شيء؛ اهـ.
والجواب أن يقال: ليس في كلام ابن كثير ما يتعلَّق به من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وفيما ذكره ابن كثير من الإجماع على أنَّ المعية معية العلم أبلغ رد على صاحب الزعم المخالف للإجماع.
وأمَّا قول المردود عليه بعد ما ذكر كلامَ شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب، ففي كلام هؤلاء العلماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
الأجلاء إشارة، بل في بعضه تصريح بأنَّ تفسير معية الله - تعالى - لخلقه بعلمه تفسيرٌ بلازمها أو حُكمها ومُقتضاها، كما في كلام شيخِ الإسلام ابن تيمية، واللازم غير الملزوم، والمقتضى غير المقتضي، فلهذا قال شيخ الإسلام: ففرق بين معنى المعية ومقتضاها، وربَّما صار مقتضاها من معناها، ووجه ذلك أنَّ دلالة اللفظ على مدلوله تارة تكون بالمطابقة، وتارة بالتضمن، وتارة بالالتزام، فدلالة المعية على العلم من دلالة الملزوم على اللازم، كما نص عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية، ولهذا قال: وعلمه بهم من لوازم المعية، ومن للتبعيض؛ وذلك لأنَّ العلمَ ليس وحدَه لازم المعية، بل لها لوازم أخرى، كالاطلاع والسَّمع والرقابة والهيمنة والقدرة والسُّلطان، وغير ذلك مما تقتضيه المعية، وقد مثل بهذه اللوازم الزائدة على العلم شيخُ الإسلام وابن القيم وابنُ كثير وابن رجب - رحمهم الله تعالى - وأشار إلى مثل ذلك الشيخ الشنقيطي؛ حيثُ قال: وأمَّا المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة والعلم ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته، فدَلَّ ذلك على أن تفسير السلف لها بالعلم تفسير ببعض لوازمها، وليس وحدَه هو معناها، وأن مَقصودهم بذلك خوف توهم حلول الباري - جل وعلا - في أماكننا في الأرض، أو دفع دعوى من ادَّعى ذلك من الحلولية الجهمية، وقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
ذكر أنَّ ذلك مقصودهم الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم؛ حيث قال في الفهارس العامة لمجموع الفتاوى ص 90: فسر بعضُ السلف بعض نصوص المعية بالعلم، وهو بعض مقتضاها دفعًا لاستدلال الحلولية بها؛ اهـ.
فجوابه أنْ يقال: إنَّ العلماء الذين ذكرهم المردود عليه في هذه الجملة لم يقل أحد منهم: إنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنَّما كان كلامُهم يدور على إثبات معية العلم والقدرة والإحاطة والسماع والرُّؤية لعموم الخلق، وعلى إثبات معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وقد ذكرت كلامَ شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير في ذلك قريبًا فليراجع، وأما كلام ابن رجب الذي تقدم ذكره، فهو مُوافق لكلام شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير.
وقد تقدَّم في الجواب عن الجملة الثانية من الجمل التي تعلق بها المردود عليه ما ذكره شيخ الإسلام عن سَلَف الأمة وأئمتها، أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة - أنَّهم أثبتوا أن الله - تعالى - فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه وهم منه بائنون، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وتقدم أيضًا ما ذكره شيخُ الإسلام والذهبي وابن القيم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)