من الإجماع على أنَّ معنى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، ونحو ذلك في القرآن: أنَّ ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء، وفيما ذكروه أبلغ رد على من توهَّم عليهم خلاف ما ذكروه من الإجماع.
وقال شيخ الإسلام أيضًا في "شرح حديث النُّزول": ولفظ المعية في كتاب الله جاء عامًّا كما في هاتين الآيتين - يعني قوله - تعالى -: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] إلى قوله: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]- وجاء خاصًّا، كما في قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]، وقوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وقوله: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، فلو كان المراد أنَّه بذاتِه مع كل شيء، لكان التعميم يناقض التخصيص، فإنَّه قد علم أن قوله: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار.
وكذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]، خصهم بذلك دون الظالمين والفُجَّار - إلى أن قال: وأيضًا فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فكان السياقُ يدُلُّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
على أنه أراد أنه عالم بهم، وقد بُسط الكلام عليه في موضع آخر وبُيِّن أن لفظ المعية في اللغة - وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة - فهو إذا كان مع العباد لم ينافِ ذلك علوَّه على عرشه، ويكون حكم مَعيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويَختص بعضهم بالإعانة والنَّصر والتأييد؛ انتهى المقصود من كلامه، وفيه أبلغ رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية.
وقد تقدم في الجواب عن الجملة الرابعة ما ذكره ابنُ القيم عن القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني أنه قال في قول الله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]؛ يعني: بالحفظ والنَّصر والتأييد، ولم يرد أنَّ ذاته معهم، قال: وقوله - تعالى -: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] محمولٌ على هذا التأويل، وقوله - تعالى -: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]؛ يعني أنَّه عالم بهم وبما خفي من سِرِّهم ونجواهم؛ انتهى، وقد أقَرَّه ابنُ القيم على هذا القول، وفيه أبلغ رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية.
وتقدم أيضًا كلامُ ابن كثير على قول الله - تعالى -: {وَهُوَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] إلى قوله: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، وما ذكره من الإجماع على أنَّ المراد بالآية معية العلم، قال: وسمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم؛ انتهى، وفيه أبلغُ ردٍّ على مَن زَعَمَ أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية.
وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسير قوله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]، هذه المعية خاصَّة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق، وأمَّا المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة والعلم ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته - جل وعلا - فالكائنات في يده - جلَّ وعلا - أصغرُ من حبة خردل، وهذه هي المذكورة أيضًا في آيات كثيرة، كقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: 7] الآية، وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] الآية، وقوله: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف: 7]، وقوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] الآية، إلى غير ذلك من الآيات، فهو - جل وعلا - مستوٍ على عرشه، كما قال على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو مُحيط بخلقه كلهم في قبضة يده لا يعزب عنه مِثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين؛ انتهى كلامه، وفيه أبلغُ رد على مَن زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية.
وإذا علم هذا، فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام من ذكر بعده من العُلماء مُوافق لما أجمع عليه سَلَف الأمة وأئمتها، وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى مع العباد عمومًا بالعلم والقدرة والإحاطة والسماع والرُّؤية، وأنه يخص أنبياءه وأولياءه بمعية النصر والتأييد والكفاية، وليس في كلامِهم ما يتعلق به من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية.
وأمَّا قوله: وقد ذكر أنَّ ذلك مقصودُهم الشيخُ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم؛ حيث قال في الفهارس العامة لمجموع الفتاوى إلى آخر كلامه.
فجوابه أنْ يقال: إنَّ الشيخَ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم لم يَجمع الفهارس العامة لمجموع الفتاوى، وإنَّما جمعها ابنه محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، وذلك مذكور في أَوَّل صفحةٍ من كلِ جزء من الفهارس العامة لمجموع الفتاوى، فليراجع.
وأمَّا قول المردود عليه، وإذا أردت أن تعرفَ أن معنى معية الله لخلقه معية حقيقية ذاتية لا تقتضي أن يكون حالاًّ فيهم ولا في أمكنهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
فتأمل ما يأتي:
أ- قول شيخ الإسلام وغيره: إنَّ ما ذكر من معيته لا يُنافي ما ذكر من علوه، وأنه - سبحانه - عليٌّ في دُنُوه، قريب في علوه، فإنَّه لو كان معنى المعية مُجرد العلم ما احتاجوا إلى ذكر ذلك؛ لأنَّ تصور المنافاة بين عموم العلم وعلو الذات غيرُ وارد ولا مورد أيضًا.
ب- قول ابن القيم - رحمه الله تعالى - في "مُختصر الصواعق"، والذي يسهل عليك فهم هذا، إلى آخر ما نقلناه عنه في هذه الورقات، وقول الشنقيطي في تفسيره - رحمه الله تعالى -: فالكائنات في يده - جل وعلا - أصغرُ من حَبَّةِ خردل - إلى أنْ قال: فهو - سبحانه - مستوٍ على عرشه، كما قال: على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو مُحيط بخلقه كأنهم (1) في قبضة يده.
ج- قول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فهو قريبٌ من المحسنين بذاتِه ورحمته قربًا ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سمواته على عرشه، فأثبت له القُرب الذَّاتي مع علوه قربًا ليس له نظير.
فالجواب عن أول كلامه من وجهين: أحدهما أنْ يقالَ: إن-----------------------------------
(1) قوله: كأنَّهم، كذا هو بخط المردود عليه، وصوابُه كلهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
آخر كلامه ينقض أوله، وذلك أنه أثبت المعية الذاتية للخلق، وإثباتها يستلزم إثبات الحلول معهم في أمكنتهم، كما أن نفي الحلول مع الخلق يستلزم نفيَ المعية الذاتية لهم، وحيث إنَّ المردود عليه قد أثبت المعية الذاتية للخلق، ونفى الحلول معهم في أمكنتهم، فقد وقع في التناقُض، وإذًا فلا بد له من أحد أمرين: إمَّا أنْ يثبت المعية الذاتية للخلق والحلول معهم في أمكنتم، ويكون من الحلولية الذين يقولون: إنَّ الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كلِّ مكان، وإمَّا أنْ ينفي المعية الذاتية للخلق والحلول معهم في أمكنتهم، ويكون من أهل السنة والجماعة الذين قد أجمعوا على أنَّ الله - تعالى - مستوٍ على عرشه فوق جميع المخلوقات، وأنَّه - تعالى - مع عموم الخلق بالعلم والمشاهدة والسماع لأقوالهم وحركاتهم، وأنه يخص أنبياءه وأولياءه بمعية النصر والتأييد والكفاية، فليختر المردود عليه ما يناسبه من أحد الأمرين.
الوجه الثاني أن يقال: إنَّه ليس في كلام شيخ الإسلام وابن القيم والشنقيطي ما يؤيِّد زعم المردود عليه أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنَّما الذي في كلامهم إثباتُ معية العلم والقُدرة والإحاطة والسماع والرُّؤية لعموم الخلق، وإثبات معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
وأما قولُ شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: إنَّ ما ذكر من معية الله - تعالى - لا ينافي ما ذكر من علوه، فمُراده بالمعية معية العلم والقُدرة والسلطان لعموم الخلق، ومعية الإعانة والنصر والتأييد لأنبياء الله وأوليائه، وهذا واضح في كلامه المنقول من "شرح حديث النُّزول" وقد تقدم ذكره قريبًا فليراجع.
وأمَّا قول ابن القيم: والذي يُسهل عليك فهمَ هذا معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأنَّ السموات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه - سبحانه - يقبض السموات بيده والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق مَن هذا بعضُ عظمته أنْ يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟! فمُراده ما صرح به قبل هذه الجملة، وهو أن الله - تعالى - يقرب من عباده في آخر الليل وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة وهو فوق عرشه، وأنَّ المعية العامة يكون من لازمها العلم والتدبير والقُدرة، وأما المعية الخاصة، فإنه يكون من لازمها النصر والتأييد والمعونة، وقد تقدم قريبًا ما نقله ابن القيم عن القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني أنَّه قال في المعية الخاصَّة: إنَّها بالحفظ والنصر والتأييد، قال: ولم يرد أنَّ ذاته معهم، وقال في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
المعية العامَّة: إنه عالم بهم وبما خفي من سِرِّهم ونجواهم، وقد أقره ابنُ القيم على هذا القول وفيه - مع ما تقدم من كلامِ ابن القيم وما نقله من الإجماع على أنَّ معنى قوله - تعالى -: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، ونَحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأنَّ الله فوق السموات مستوٍ على عرشه كيف شاء - أبلغُ رد على من زَعَم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية.
وأما الشنقيطي، فقد تقدم كلامه قريبًا، وفيه التصريحُ بأن المعية الخاصة هي بالإعانة والنصر والتوفيق، وأمَّا المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته - جلَّ وعلا - قال وهو مستوٍ على عرشه على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، فكلامُ الشنقيطي فيه أبلغ رد على مَن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
وأمَّا قول ابن القيم فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربًا ليس له نظير، وقول المردود عليه فأثبت له القرب الذَّاتي مع علوه قربًا ليس له نظير.
فجوابه أنْ يقال: أما قُربُ رحمةِ الله - تعالى - من المحسنين، فهو ثابت في القرآن؛ قال الله - تعالى -: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]، وأمَّا قرب ذاته منهم، فليس عليه دليل ينص عليه لا مِنَ القرآن ولا من السنة، وما ليس عليه دليلٌ ينص عليه، فليس عليه تعويل، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدُّنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر))، وجاء في حديث مرفوع: ((إنَّ الله - تعالى - يهبط إلى السماء الدُّنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة))، فيجب إثبات ما جاء عن الله - تعالى - وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وإمراره كما جاء وترك ما سوى ذلك من أقوال الناس، وإن كانوا من الأكابر المرموقين؛ قال الله - تعالى -: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]، وقال تعالى: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، والكلام في الصِّفات بابه التوقيف ولا دخلَ للاجتهاد في ذلك.
وإذا علم هذا، فليعلم أيضًا أنَّ من أثبت لله صفةً لم ترد في القرآن ولا في السنة، فقوله مردود عليه كائنًا من كان، والدَّليل على ذلك ما أمر الله به في الآيتين من سورة الأعراف.
وأمَّا قول المردود عليه: وهكذا نقول في المعية، نثبتُ لربنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
معية حقيقية ذاتية تليقُ بعظمته وجلاله، ولا تشبه معية المخلوق للمخلوق، ونثبت مع ذلك علوَّه على خلقه واستواءه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، لا نكيف ذلك ولا نتصور له كيفية؛ لأنَّ تكييفنا له قول على الله بلا علم، وتصورنا لذلك كيفية مُحاولة لما لا يُمكن الوصول إليه ولا نقول به، ونرى أنَّ من زعم أن الله - تعالى - بذاته في كل مكان، فهو كافر أو ضالٌّ إن اعتقده، وكاذب إن نسبه إلى غيره من سَلَفِ الأمة أو أئمتها، فعقيدتنا أنَّ لله - تعالى - معية حقيقية ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وسلطانًا وتدبيرًا، وأنَّه سبحانه منزه أن يكون مختلطًا بالخلق أو حالاًّ في أمكنتهم، بل هو العليُّ بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وأنه على عرشه كما يليق بجلاله، وأنَّ ذلك لا ينافي معيته؛ لأنَّه ليس كمثله شيء وهو السميعُ البصير، قاله مقررًا له ومعتقدًا له منشرحًا له صدره، كاتبه … في 24/ 6 / 1403 هـ التوقيع والختم.
فجوابه من وجهين: أحدهما: أنْ يقال: إنَّ إثباتَ المعية الذاتية لله - تعالى - مع خلقه لم يرد في القرآن ولا في السنة، ولا عن أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدى من بعدهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
ولم أرَ أحدًا أثبتها سوى المردود عليه، وقد ذكرت قريبًا أنَّ مَن أثبت لله - تعالى - صفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، فقوله: مردود عليه، وذكرت الدليل على ذلك مِنَ القرآن.
الوجه الثاني أنْ يقالَ: إنَّ كلامَ المردود عليه قد اشتمل على حقٍّ وباطل، فأمَّا الذي فيه من الحق، فهو إثباتُ عُلُو الله على خلقه واستوائه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، وأنَّ الاستواء لا يكيف ولا يتصور كيفيته، وأنَّ الله - تعالى - هو العليُّ بذاته وصفاته، وأنَّ علوه من صفاته الذاتية التي لا تنفكُّ عنها، وأنه مُحيط بكل شيء علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وسلطانًا وتدبيرًا، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميعُ البصير، ومن الحق فيه أيضًا تكفير وتضليل مَن زعم أن الله - تعالى - بذاته في كلِّ مكان، وتكذيب من نسب ذلك إلى أحد من سلف الأمة وأئمتها، وتنزيه الله - تعالى - عن الاختلاط بالخلق والحلول في أمكنتهم.
وأمَّا الذي فيه من الباطل، فهو إثبات المعية الذاتية لله مع خلقه، ولا يَخفى على من له علم وفهم أنَّ إثباتَ المعية الذاتية لله مع خلقه يستلزم الاختلاطَ بهم والحلول معهم في أمكنتهم، وهذا مما يَجب تنزيه الله عنه، وفيه من الباطل أيضًا زعمُه أنَّ المعية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
الذاتية لله مع الخلق تليق بعظمة الرب وجلاله، وهذا من قلب الحقيقة؛ لأنَّ المعية الذاتية للرب مع خلقه تستلزم مُخالطتهم والحلول معهم في أمكنتهم، وذلك يُنافي عظمة الرب وجلاله وعلوه على جميع خلقه، وفيه من الباطل أيضًا جمعه بين إثباتِ علو الله على خلقه واستوائه على عرشه، وبين المعية الذاتية للخلق، وهذا من الجمع بين النقيضين، وفيه من الباطل أيضًا زعمه أنَّ علوَّ الرب على خلقه واستواءه على عرشه لا ينافي المعية الذاتية للخلق، وهذا من قلب الحقيقة، ولأن علو الرب واستواءه على العرش الذي هو فوق جميع الخلق ينافي المعية الذاتية التي تستلزم مخالطة الخلق والحلول معهم في أمكنتهم، وفيه من الباطل أيضًا تقريره؛ لقوله الباطل في المعية الذاتية، واعتقاده له وانشراح صدره له، فكل هذا باطل وضلال.
والله المسؤول أنْ يردَّ صاحبَ المقال الباطل إلى الحق، وألا يَجعله من دعاة الضلالة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا مُحمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
وقد وقع الفراغ من كتابة هذا الرد في 28/ 3 / 1404 هـ على يد كاتبه الفقير إلى الله - تعالى -: حمود بن عبدالله بن حمود التويجري، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا مُحمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد طلب الشيخُ محمد الصالح العثيمين من الشيخ عبدالعزيز بن باز أنْ يبعثَ إليه بكتابي في الرد على مَن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، فبعث به إليه وبعد قراءته له كتب الكلمة التي سيأتي ذكرها، وطلب أن تنشر مع كتابي، وحيث إنَّ فيها ردًّا على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، فقد أجبت الشيخ محمدًا إلى طلبه، والله المسؤول أنْ يوفق الجميعَ لما يُحب ويرضى وأنْ يُرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتِّباعه، ويرنا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يَجعله ملتبسًا علينا فنضل.
قال ذلك كاتبه الفقير إلى الله - تعالى -: حمود بن عبدالله بن حمود التويجري، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحْدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
وبعد، فقد قرأت الكتابَ الذي ألَّفه أخونا الفاضل الشيخ حمود بن عبدالله التويجري في إثبات علو الله - تعالى - ومباينته لخلقه، والرد على من زعم أنَّ معية الله - تعالى - لخلقه معية ذاتية، فوجدته كتابًا قيمًا قرَّر فيه مؤلفه الحقائق التالية:
الأولى: إثبات علو الله - تعالى - بذاته وصفاته؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على ذلك.
الثانية: إثبات استوائه - تعالى - بذاته على عرشه استواءً حقيقيًّا يليقُ بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تَمثيل؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك.
الثالثة: إثبات معية الله لخلقه بعلمه وإحاطته إن كانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
عامة، وبنصره وتأييده مع العلم والإحاطة إن كانت خاصة، وتأييد ذلك بما نقله عن السلف والأئمة.
الرابعة: إبطال قول الحلولية القائلين بأن الله - تعالى - بذاته في الأرض أو في الأرض وعلى العرش؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على إبطاله.
الخامسة: إنكار القول بالمعية الذاتية.
وكل ما قرره فهو حق، فعلو الله - تعالى - على خلقه بذاته وصفاته دَلَّ عليه القرآن في آيات متعددة، وعلى وجوه متنوعة معلومة لكل من قرأ كتاب الله - تعالى - مُوجبة للعلم القطعي، ودلَّت عليه السنة بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حدَّ التواتر، وعلى وجوه متنوعة.
ودل عليه العقل من وجهين:
أحدهما: أن العلو صفة كمال، والله - تعالى - له صفات الكمال من كل وجه؛ كما قال تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27]، فوجب ثبوتُ العلو له.
الثاني: أنَّه إذا انتفت صفةُ العلو ثبتت صفة السفل؛ لتقابلهما،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
وصفة السفل صفة نقص والله - تعالى - مُنَزَّه عن كل نقص.
ودلَّت الفطرة أيضًا على علو الله - تعالى - دلالة ضرورية فطرية، فما من داعٍ أو خائف إلا فزع إلى ربه - تعالى - نحو السماء لا يلتفت عنه يَمنه ولا يسرة، والمسلمون في سجودهم يقول القائل منهم: سبحان ربي الأعلى، فلا يَجد من قلبه إلَاّ الاتجاه نحو السماء.
وقد أجمعَ سلف الأمة وأئمتها على ما اقتضته هذه الأدلة من علو الله - تعالى - بذاته وصفاته، ولم يُخالف في ذلك إلَاّ مَن اجتالته الشياطين من الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، أو مَن سلكوا سبيل التعطيل المحض في هذا الباب، فقالوا: إنَّه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه، وقد قال بعض العلماء: لو قيل: صفوا الله بالعدم ما كان أبلغ لوصفه بذلك من هذا القول، تعالى الله عنه عُلُوًّا كبيرًا.
واستواء الله - تعالى - على عرشه بذاته حقيقة هو عُلُو الله علوًّا خاصًّا يليق بجلاله وعظمته، وفيه عن السلف أربعة معانٍ، هذا أحدها، والثاني الصُّعود، والثالث الارتفاع، والرابع الاستقرار، وكلُّها حق لا تناقض بينها، ولا تنافي ما يَجب لله - تعالى - من الكمال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
ولم يُخالف السلف في ذلك إلَاّ أهل التحريف والتعطيل الذين قالوا: إنَّه بمعنى الاستيلاء عليه، وهو قولٌ باطل مُخالف لصريح القرآن والسنة، فقد ذكر الله - تعالى - الاستواء على العرش في سبعة مواضع من القرآن، لم يأتِ في واحد منها بلفظ الاستيلاء حتى يفسر به الباقي، ثم إنَّه ذكر بلفظ الفعل مقرونًا بـ"ثم" في ستةِ مواضع، مذكورًا بعدَه عمومُ الملك في الموضع السابع مما يَمنع منعًا ظاهرًا أنْ يكون بمعنى الاستيلاء، وجاءت السنة بالتصريح بأنَّ الله فوق العرش، ولا يخفى أيضًا ما يلزم على تفسيره بالاستيلاء من اللوازم الباطلة.
وتفسير معية الله - تعالى - لخلقه بعلمه بهم وإحاطته في المعية العامة، وبنصره وحفظه مع العلم والإحاطة في المعية الخاصَّة - أمرٌ مشهور بين السلف، حكى الإجماعَ عليه غيرُ واحد من أهل العلم، واقتضاء المعية ذلك ظاهر من سياق الآيات الواردة فيها.
ففي المعية العامَّة ذكرها الله - تعالى - في سورة المجادلة بين علمين، وفي آية الحديد ذكرها بعد العلم وقبل قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4].
وفي المعية الخاصة ذكرها الله - تعالى - في سورة محمد حين نهى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
المؤمنين عن الوهن في قتال الأعداء، وفي سورة التوبة حين قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أنَّ أحدَهم نظر إلى قدميه، لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، وهكذا بقية الآيات التي فيها ذكر المعية بنوعيها.
وبطلان القول بالحلول معلوم بدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع، وذلك لأنَّ القولَ به مناقض تمام المناقضة للقول بعلو الله - تعالى - بذاته وصفاته، فإذا كان علو الله - تعالى - بذاته وصفاته ثابتًا بهذه الأدلة كان نقيضه باطلاً بها.
وإنكار القول بالمعية الذاتية واجبٌ؛ حيث تستلزم القولَ بالحلول؛ لأنَّ القول بالحلول باطل، فكل ما استلزمه، فهو باطل يَجب إنكاره، ورده على قائله كائنًا من كان.
وأسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعًا من المتعاونين على البر والتقوى، وأنْ يهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن ينصرنا بالحق، ويَجعلنا من أنصاره؛ إنه ولِيُّ ذلك والقادر عليه، وهو القريب المجيب.
قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في 15/ 4/ 1404 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)