قوله: «لو وُجِد يُوجَدُ ذلك المطلوب، ولولاه لا يوجد» مع ما فيه من رِكَّةِ التركيب ليس بجيّد، لأنه لا يلزم من وجود الوجوب وجودُ المصلحةِ المتعلقة من تطهُّرِ المزكِّي إلا إذا فعلَ المكلَّفُ الواجبَ، والمكلَّفُ قد يعصي ويترك الواجب كثيرًا، فكيف يكون مجرَّدُ الإيجاب موجبًا لحصولِ المطلوب؟ فإن المصلحة المتعلقة بالوجوب من تطهير المزكِّي وتمييز المال وتكفير السيئات ومواساة المحتاج وشكر النعمة وغير ذلك من الأمور يَحصُل كثيرًا بدون الوجوب، إمّا بفعلِ الناس على وجه الندب أو بأسبابٍ أُخَر، أو بفِعلِ الله. وإنما الصواب أن يقال: لأن الوجوبَ مُغلِّبٌ لوجودِ تلك المصالح، وعدمُ الوجوب مُقلِّلٌ لها، لأنه إذا وجبَ انبعثَ الداعي إلى الفعل خوفَ العقاب على الترك، فيكثُر الوجود، وإذا لم يجب فَترتِ الهِممُ عن العمل، إلّا نفوسًا تطلبُ الفضائل، وهي قليلةٌ، فيكون حصولُ المطلوب بتقدير الوجوب أكثر، وذلك يوجِبُ اعتقادَ المناسبة. فإن الحكيم كما يسلك طريقًا لا يحصل مطلوبه إلا بها، فيسلك الطريق التي هي أقرب إلى حصولِ مطلوبه.
هذا على ما قرَّره، وإلّا فيمكن تقرير المناسبة على وجه الإيجاب بأن يقال: الوجوبُ محصِّلٌ لهذه المصالح، وعدم الوجوب تَحصُل معه مفاسد، وهو ضررُ المحاويج والحرصُ على حبّ المال وغير ذلك، ولا تندفع هذه المفاسد إلّا بالوجوب، فيكون في الوجوب تحصيلُ المصالح ودَرْءُ المفاسد.
ويمكن تقريرُه على وجهٍ آخر، وهو أن المصالح الحاصلة بالوجوب لا يجوز حصولُها بدونه، إذ لو(1) جاز ذلك لكان فيه تعريضُ العباد للعقوبة من غير مصلحةٍ وحكمةٍ، والله أرحمُ بعبادِه من الوالدة بولدها. ولأن مصلحة--------------------------------------------
(1) في الأصل: «إذا». والمثبت يقتضيه السياق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الوجوب لو سَاوَتْ مصلحة عدم الوجوب لكان الوجوبُ زيادةً عبثًا من غير فائدة، وحكمُ الله لا يجوز خُلوُّه عن فائدة.
قال في تقرير [ق 71] موجبية المناسبة: «لأن الظنّ بالإضافة دار مع المناسبة» إلى آخره، وقد تقدم.
هذا كلامٌ مستدركٌ من وجوهٍ:
أحدها: أن ظنّ الإضافة إلى المطلوب إذا حَصَلَ في صور وجود المباشرة كان ذلك وحدَه دليلًا على صحة إثبات العلة بالمناسبة، وإذا لم يحصل فقد انتقض ركنُ الدوران.
فإن قلتَ: نحن ندَّعي دورانَ كلِّ ظنٍّ مع المناسبة المعتبرة، لدوران الظنّ معها في صورٍ كثيرةٍ وجودًا وعدمًا.
قلتُ: فالظنّ الحاصل في تلك الصور لا بدَّ أن يكون حصولُه ضروريًّا، وإلّا فلو منعَ الخصمُ حصولَ الظنِّ لم يُدفَع إلا بأنه مكابرٌ للحقائق. وإذا كان لا بدَّ من دعوى حصول الظن في بعض صور المناسبات ضرورةً أو في جميعها فإن …(1) وحصول ظن الإضافة إلى الوصف المناسب عند حصول المناسبة المعتبرة أمر ضروري، لا يُمكن العاقلَ أن يدفعه عن نفسه، وذلك أتمُّ من الدوران.
الثاني: أن عدم الدائر مع عدم المدار هنا غير بَيِّن، وذلك لأن الدائر هو ظنُّ إضافة الفعل إلى الأمر المطلوب، والمدار هو مباشرة الفعل المذكور، فإذا عُدِم مباشرة الفعل الصالح فقد عُدِم محلُّ الدائر، لأن ظنّ إضافة الفعل--------------------------------------------
(1) هنا كلمة مطموسة ثم بياض بقدر كلمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
لا يكون إلّا بعد وجود فعل الدوران المعروف أن يبقى محلَّ الدائر حتى يكون انتفاء الدائر عنه تبعًا للمدار دليلًا(1) على أن المدار علة، كما إذا قيل: شرب الدواءَ فأطلَقَه، ثم تَركَه فاحتبَسَ، فإذا عُدِمَ الدواء [عُدِم] الإطلاقُ، والبطنُ موجود.
الثالث: أن المناسبة تارةً تفيد اليقين، وتارةً تُفيد الظنَّ كالدوران، فإنا إذا رأينا رجلًا قد أضجعَ رجلًا وبيده مُدْيَةٌ حادَّةٌ، فقطعَ بها رقبتَه، نعلم قطعًا أن مباشرتَه للفعل الصالح للزُّهوقِ كان دليلًا على أنه قَصَدَ الزُّهوق، يعني نحكم(2) بأن ذلك [كان] عمدًا، والعمديَّةُ من صفات القلب، ونقتله بذلك. وأمثلتُه كثيرةٌ، فكان ينبغي أن يذكر القدر المشترك بين العلم والظن، وهو الاعتقاد.
الرابع: أن الذي توجبه المناسبةُ قطعًا أو ظاهرًا أو تَستلزِمُه: عِلِّيّةُ الأمر المناسب وإضافة الفعل إليه، بمعنى أن الفاعل قصده. وهذه العليَّة والإضافة أمرٌ ثابت في نفسه، سواء كان هناك من يظنُّ أو لم يكن من يظنُّ. كما أنّ الأكل في نفسِه يستلزم قصد الآكلِ الشبعَ أو التلذذ(3) ونحو ذلك. وكذلك سائر الأمور الدالة هي في أنفسها على صفاتٍ تُوجِب مدلولاتها قطعًا أو ظاهرًا. وإنما ظنُّ الإنسان تابعٌ للدليل عليه في نفسه. هذا مذهب المحققين، بخلاف من اعتقدَ أن [ق 72] الظنون أمورٌ اتفاقية لا مُوجِب لها، ولا تقديم فيها ولا تأخير، وبنَى على ذلك أن لا حُكمَ للهِ في الظنيات إلّا ما--------------------------------------------
(1) في الأصل: «دليل».
(2) كذا الأصل. ولعلها: «حتى نحكم».
(3) العبارة لم تحرر، ولعل هذا صوابها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
أوجبته هذه الظنون. فإنا نعلم بالاضطرار أن إخبار العدلِ على صفةٍ توجب لمن كان خاليًا عن العقائد اعتقادَ رجحانِ صدقه على كذبه وهو ظانٌّ لذلك. فإن العلم بأن الشيء راجحٌ في نفسه شيءٌ، واعتقاد مُوجَب هذا الرجحان ومقتضاه شيء آخر. وإذا كان كذلك فالواجب أن يُجعل المدار علةً للأثر القريب، وهو العلّية والإضافة، ثم يجعل ذلك موجبًا للظن.
الخامس: أنه إنما أثبت بذلك أن المناسبة تُفيد ظنَّ الإضافة، وهذا الظنُّ حاصلٌ بنفس معرفة المناسبة، قبلَ العلم بدوران الظنّ مع المناسبة، فيكون ذكر الدوران ضائعًا، بل ليس الظن الحاصل بهذا الدوران أقوى من المناسبة، وقد يكون بالعكس. والذي دلَّ عليه أكثر الناس أنّ إثباتَ العلّة بالمناسبة أقوى من إثباتها بالدوران، حتى إذا تعارضت علتانِ من هذين النوعين رجحت المناسبة على الدورانية. فإذا كانت المناسبة أقوى كان إثباتها بالدوران يوجب نقصها عن الدوران موجبه في الجملة، وعلى صحة دورانها من غير معارض(1)، وجَعْلُها بحيث تضعفُ عن الدوران غير جائز.
قال المصنف الجدلي(2): (ولئن قال: الحكم في الأصل لا يُضاف إلى المشترك، فإن الأصل راجح على الفرع، وإلّا لما ثبت الحكم فيه بالنافي أو بالقياس على النقض السالم عن معارضة كونه راجحًا، والحكم ثابت فيه فتحقق(3) الرجحان، والرجحانُ مانعٌ من(4) الإضافة أو ملزوم لعدم الإضافة،--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل، والجملة فيها قلق.
(2) «الفصول» (ق 4 ب - 5 أ).
(3) في «الفصول»: «فيتحقق».
(4) في «الفصول»: «عن».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وإلّا لكان الحكم في الأصل مضافًا إلى المشترك بينه وبين النقض بالمناسبة السالمة عن معارضة كون الرجحان مانعًا أو ملزومًا، ولا يضاف بالاتفاق).
هذا اعتراض مجمل من جنس تقرير مناسبة الوصف، لكنه اعتراضٌ جيّد يَقدح في المناسبات العامة. وحاصله أن السائل يقول: الموجِب للحكم في الأصل ــ وهو المضروب مثلًا ــ إما أن يكون هو المشترك بينه وبين الفرع الذي هو المصوغ، وهو ما يشتركان فيه من حصولِ المصلحة بالوجوب؛ وإما أن يكون حق الموجب أو شرط الموجب ما يختص بالأصل. فإن كان ما يختص به الأصل داخلًا في الموجب ــ بأن يكون في الأصل من أسباب الوجوب المقتضية له ما ليس في الفرع ــ امتنع إلحاق الفرع فيه، لعدم تلك الخصيصة فيه، وإن ادَّعى أن الموجب [ق 73] هو القدر المشترك فهذا باطلٌ، لأن موجبية القدر المشترك يُعارضُه ما ينفي الوجوب، وتخلُّفُ الحكم عنه في صورة النقض، وهي ثياب البِذْلة وعبيد الخدمة مثلًا، فإن المشترك موجود فيه مع تخلف الحكم، ولا يلزم ثبوت الحكم في الأصل، لأن ما اختصّ به من الرجحان جاز أن يكون مانعًا عن العمل بالنافي أو بالمعارض في صورة النقض، وذلك المرجح ليس هو موجودًا(1) في الفرع، والتزامه مخالفة الأصل لدليل قويّ لا يلزم منها مخالفته لما هو أضعف منه، فيرجع حاصلُه إلى المعارضة بأن النافي أو المعارض للوجوب في الأصل والفرع قائمٌ، فيجب أن ينفي الوجوب مطلقًا بِتَرك العمل به في(2) الأصل، فيجب أن يكون لمعنًى يختصّ الأصل، فلا يجوز ترك العمل به في الفرع.--------------------------------------------
(1) الأصل: «موجود».
(2) في الأصل: «ترك العمل بنفي».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
وإنما قلنا: إنه لمعنى يختصّ الأصل، لأن ترك العمل به على مخالفة الأصل، وما ثبت على خلاف الأصل فكثرته أيضًا على خلاف الأصل، فلا يلزم من التزام مخالفة الأصل في موضعٍ التزام مخالفته في بقية المواضع، لما فيه من تكثير المحذورات. وهذا معنى قوله: «لا يضاف الحكم إلى المشترك، لأن الأصل راجح على الفرع»، إذ لولا رجحانه عليه لما ثبت الحكم فيه قياسًا له على صورة النقض، وهو عبيد الخدمة مثلًا، وهو قياسٌ سالمٌ عن معارضة الرجحان الثابت فيه، وعملًا بالنافي المانع من الوجوب، وهو استصحاب براءة الذمّة، والنافي للضرر الناشئ من الوجوب بتقدير الفعل أو الترك. وهذا النافي والقياس مانعان من ثبوت الحكم بكل حال، فلو لم يكن الرجحان معارضًا لهما لزمَ العملُ بالنافي السالم عن معارض، وطَرْدُه عند السائل الفرع، فإنه لما لم يكن هذا الرجحانُ ثابتًا فيه عَمِلَ النافي للوجوب عملَه.
فالسائل يقول: القياس على صورة النقض واستصحاب براءة الذمة والنافي للضرر يمنع الوجوب مطلقًا، لكن إنما ترك العمل به عند معارضة ما في الأصل من المعنى الراجح، وذلك المعنى مفقود في الفرع. قال: ولولا الرجحان لزم العمل بهذه الأدلة، فيمتنع الوجوب، والوجوب ثابت، فعُلِمَ وجودُ الرجحان. وإذا كان الرجحان ثابتًا في الأصل امتنعت الإضافة إلى القدر المشترك بين الأصل والفرع، فيكون الرجحان مانعًا من الإضافة أو مستلزمًا لعدم الإضافة، إذ لو لم يكن مانعًا لوجب إضافة الحكم إلى القدر المشترك بين الأصل وبين صورة النقض، لاشتراكهما في المناسبة النافية للوجوب [ق 74] على هذا التقدير، إذ ليس في الأصل رجحانٌ يقتضي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
الوجوب على تقدير عدم الرجحان، فلو جازت الإضافة إلى المشترك بين الأصل وبين صورة النقض لزم انتفاءُ الحكم عن الأصل، وهو باطلٌ بالاتفاق.
وتقرير السائل لمناسبة المشترك بين الأصل وصورة النقض على وجهٍ جملي كتقرير المستدلِّ للمشترك(1) بين الأصل وبين الفرع على وجهٍ جمليّ.
فقد عارض السائل القياس المقتضي للوجوب بقياسٍ يقتضي المنع وبالنافي للوجوب، وبنى الكلام على مقدمتين: إحداهما أن الأصل راجح على الفرع، والثانية أنه إذا كان راجحًا على [الغير فرعًا](2) ونقضًا، فإن ذلك يمنع الإضافة إلى المشترك، إذ لولا ذلك لأضيف إلى المشترك بينه وبين صورة النقض بالمناسبة السالمة عن معارضة كون الأصل راجحًا أو ملزومًا، والإجماع بخلافه، فإنهم أجمعوا على افتراقهما في الحكم والإضافة بلزومه لعدم افتراقه.
فإن قال المستدل: لا أسلّم أن الإضافة إلى المشترك مستلزمة لعدم الافتراق، فإنه إنما يضاف إلى المشترك(3) بين الأصل والفرع، أو يجوز أن تكون صورة النقض اختصَّت بمانعٍ.--------------------------------------------
(1) الأصل: «المشترك».
(2) طمس في الأصل، ولعله ما قدرناه، وانظر (ص 146).
(3) في الأصل: «المستدل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
قيل له: هذا السؤال يَقدح في استدلالك، فإنك إنما أثبتَّ الإضافة إلى المشترك بين الأصل والفرع بمثل ما أثبتَّ به الإضافة إلى الأصل وصورة النقض، وجواز اختصاص صورة النقض بمانعٍ كجواز اختصاص الفرع بمانع.
قال الجدلي(1): (فنقول: لا نسلِّم بأن الأصل إذا لم يكن راجحًا لما ثبتَ الحكم فيه، بل يثبت بالمقتضى أو بالقياس على الوجوب في أحدهما، أعني الأصل والفرع)(2).
هذا معارضة لما ينفي الوجوب على تقدير عدم الرجحان بما يثبت الوجوب، فتندفع معارضة السائل بهذه المعارضة، ويبقى الدليل الأول سالمًا عن المعارضة.
وحاصله أن هذا المستدل مع المقدمة الأولى ــ وهي قوله: إن الأصل راجحٌ على الفرع ــ يقول: لا نُسلِّم عدمَ ثبوت الحكم في الأصل على تقدير عدم الرجحان، بل يثبت الحكم فيه بالمقتضي للحكم، وهو قوله سبحانه: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، فإن منع دلالة النصّ على هذا الحكم لم يقبلوا ذلك منه. وبالقياس على الوجوب في أحدهما، أعني الأصل والفرع، أي يقيس على أحدهما بغير عينه، لأن الحكمَ ثابتٌ في أحدهما ضرورة، أما عنده فلأنه ثابت في كليهما، وأما عند المعترض [ق 75] فلأنه ثابتٌ في أحدهما.
وهذا من أفسد القياس، لأنه(3) يريد إثبات الحكم في الأصل على تقدير عدم رجحان الأصل، فقد قاس الشيء على نفسه، فإن قاسَه عليه على تقدير وجود الرجحان فقد قاسه مع تصريحه بالفارق. وأما قياسُه على الفرع--------------------------------------------
(1) «الفصول» (ق 5 أ).
(2) في «الفصول»: «الفرع أو الأصل».
(3) الأصل: «لا» ويقتضي السياق ما أثبتناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
فأبعد وأبعد، فإن الحكم في الفرع ليس بمنصوصٍ ولا مجمع عليه ولا مدلول عليه، لأنه إلى الساعة لم يتم الدلالة عليه، ولأنه إنما يتكلم في إثبات حكم الفرع، فكيف يجعلُ حُكْمه مقدمةً في إثبات نفسه؟ هذه مصادرة على المطلوب.
وليس له أن يقول: قد ثبت الحكم في الفرع بما ذكرناه من القياس، لأن ذلك القياس إنما يجب تسليمُ مدلولِه بعدَ الجواب عن المعارضة، وإنما يحصل الجوابُ عن المعارضة بثبوت الحكم في الفرع.
وإن قال: أقيس على أحدهما غير معين.
قيل له: لا يصحُّ القياس على واحدٍ منهما لا بعينه ولا [بغير](1) عينه لما بيَّناه، لأنه إذا بطل القياس على كل واحدٍ واحدٍ فبطلانُه على أحدهما منهما أظهر.
وأيضًا فإن السائل منع الحكم على التقدير كما سيأتي.
قال المصنّف(2): (ولئن منع الحكم في أحدهما على التقدير(3) فنقول: الحكم متحققٌ في أحدهما، إمّا في الواقع أو على ذلك التقدير، فيتحقق في الأصل على ذلك التقدير بالقياس السالم عن المعارض القطعي، وهو العدم فيهما).
هذا الكلام حاصله أن السائل قد منعَ الحكم في أحدهما على تقدير--------------------------------------------
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) «الفصول»: (ق 5 أ).
(3) في «الفصول»: «ذلك التقدير».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
عدم الرجحان، أما في الفرع فظاهر، وأما في الأصل فلأنه يعتقد أنه إنما ثبت فيه رجحانه على الفرع، فإذا(1) انتفى انتفى الحكم. وهذا منعٌ متوجه. فأجابه المستدل بأن الحكم في أحدهما ثابتٌ إمّا في الواقع أو على تقدير عدم الرجحان، للإجماع على حصول أحدهما. فأنا أقيس الحكم في الأصل على ذلك التقدير على الحكم الثابت في أحد الواقعين من الوجوب في إحدى الصور في إحدى(2) الصورتين، قياسًا سالمًا عن المعارض القطعي، وهو العدم فيهما جميعًا، يعني في الواقع وعلى التقدير.
واعلم أنَّ هذا القياس فيه نظر، وليس بجيّد، ولو(3) كان القياس على حكم يُسلَّم في الجملة، لأن المعترض إذا منع الحكم في المقيس عليه على تقدير عدم رجحان الأصل على الفرع، فإذا قال له المجيب: هو ثابت في الواقع، فيتحقق في الأصل على ذلك التقدير بالقياس السالم عن المعارض القطعي، قال له السائل: لا يكفي سلامة [ق 76] القياس عن المعارض القطعي، بل لا بدَّ أن يسلم عن المعارض القطعي والظني المساوي أو الراجح، لأنه متى عارضَه ما هو راجح منه بطَلَ، وإن عارضَه ما يساويه وقف. وهذا القياس كذلك، لأن ثبوته على ذلك التقدير يعارضه ما تقدم من النافي له على ذلك التقدير.
فإن قال: إنما ذكرت المعارض القطعي لأنه إذا(4) ثبت أنه واقع في--------------------------------------------
(1) في الأصل: «إذا».
(2) الأصل: «أحد» في الموضعين.
(3) الأصل: «لو».
(4) في الأصل: «إنما».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
الواقع ثبت جوازُه على كل تقدير ممكنٍ جائزٍ، فإذا عارضَه قطعي ثبت أن ذلك التقدير غير جائز، لأن(1) معارض القطعي باطل، أما إذا عارضه غير قطعي فيجوز رجحانُه عليه، فيكون رجحانُه عليه من التقديرات الجائزة الممكنة، فإذا كان واقعًا في الواقع قِستُ عليه ثبوتَه على ذلك التقدير السالم عن معارضة القطعي.
قيل: هذا أكثر ما يفيدك جواز وقوعه، أما ثبوت الوقوع فلا يكون حتى يثبت أن ذلك التقدير واقع في الواقع، أما مجرد جوازه فلا. إلّا أن المستدلّ يقول: إنما قصدتُ معارضةَ ذلك النافي ليسلم أصل الدليل، وقد حصل بنفي أن يقال: ثبوته في الواقع ثبوته مع جملة الأمور الواقعة في الواقع، ومن جملة الأمور الواقعة في الواقع عدمُ ذلك التقدير، وهو رجحان الأصل على الفرع على ما ادَّعاه المستدلّ، وإذا كان ثبوته في الواقع ينفي ثبوته على ذلك التقدير لم يصحّ أن يحكم بثبوتِه في حال الحكم بعدم ثبوته. إلا أن المستدل يقول: هذا هو التقدير الذي لا يضرّ منعه، كما تقدم في التلازم، لأنه إن كان هذا التقدير منتفيًا في نفس الأمر فقد صحَّ القياس وبطلت المعارضة، لأن ذلك التقدير هو تقدير رجحان الأصل على الفرع، فإذا لم يكن ثابتًا فقد استويا، وإن كان هذا التقدير ثابتًا في نفس الأمر فهو من جملة الأمور الواقعة، فثبت الحكم على ذلك التقدير، فيتم ما ذكرناه بنفي أن يقال: هَبْ أن المعارضة تبطل على هذا التقدير لكن يبطل معها الدليل الأول، وهو مُبطل للاستدلال.
فيقول المستدل: هذا التقدير يلزم المعترضَ، لأن أحد الأمرين لازم،--------------------------------------------
(1) في الأصل: «لأنه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
وهو صحة دليلي أو بطلان معارضته وبطلان دليلي، وإذا كان أحد الأمرين لازمًا(1) لم يتعيّن أحدهما.
والتحقيق أن هذا إفحامٌ للمعترض وإلزامٌ له، وليس بتصحيح للدليل فينفع في المناظرة، ولا ينفع المناظر، لأنه إذنْ ثبتَ أحد الأمرين: إما صحة دليله أو بطلان معارضته، لكن هذا في هذا الموضع لا ينفع المستدل، فإن قول المستدل: «فيتحقق في الأصل [ق 77] على ذلك التقدير بالقياس السالم عن المعارض القطعي، وهو العدم فيهما» يرجع حاصلُه إلى أنه قاس الحكم على ذلك التقدير على الحكم في الواقع، فإنه لا يُسلَّم له إلّا الحكم في الأصل في الواقع، وما سوى ذلك فهو غير مسلّم [و] لا مدلول عليه، فيكون أثبت الحكم على ذلك التقدير لثبوته في نفس الأمر.
ويَرِدُ عليه من الأسولة الصحيحة ما تقدم في التلازم، وهو أن ذلك التقدير عند المعترض تقدير غير واقع، لأنه تقدير عدم الرجحان، وقد بيَّن أن الرجحان واقع، فلا يكون تقدير عدمه واقعًا، فلا يصحُّ قياسُ الحكم على تقدير غير واقعٍ على الحكم على تقدير واقع.
وإن قال المستدل: بل هو تقدير واقع.
قيل له: إنما يتبيّن أنه واقع إذا تمّ دليلك، [و] إنما يتم إذا أجيب عن معارضته، وإنما يتمّ الجواب عن المعارضة بمقدمةٍ من مقدمات دليلك الأول كنت قد عارضت دليل المستدل …(2) الأول، ولكن ليس لك بهذا--------------------------------------------
(1) الأصل: «لازم».
(2) بعده في الأصل بياض بقدر كلمتين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
انفصالٌ عن معارضته، بل يُوجب انقطاعك.
نعم، لو كانت هذه المعارضة من السائل كَفَتْ، لأن غرض السائلِ وقف الدلالة، وذلك يحصل بمجرد المعارضة.
ثم إنه إذا قاس على الواقع فالواقع إمّا الرجحان أو عدمُه، فإن كان الأول فقد قاس مع وجود الفارق المانع، وإن كان الثاني فقد قاس الشيء على نفسه. والقياس كلُّه يدور على هذه النكتة، وإن كان في ظاهر الأمر إنما يريد به أن الحكم في أحدهما هو ثابت إمّا في نفس الأمر أو على ذلك التقدير، وأيهما كان فأنا أقيسُ الحكمَ في الأصل إذا لم يكن راجحًا على الحكم في أحدهما، سواء كان ثابتًا في نفس الأمر أو على ذلك التقدير. وهذا القياس سالم عن معارضة القطعي، وهو عدم الحكم فيهما، لأن عدم الحكم عن الفرع عليه وعن الأصل في الواقع، وعلى ذلك التقدير ليس قطعيًّا.
فهذا أيضًا ليس بجيد، لأنه إذا ثبت الحكم إما في نفس الأمر أو على ذلك التقدير وقاس عليه، فإما أن يقيس على أحدهما مبهمًا أو على كلٍّ منهما بعينه أو عليهما مجتمعين:
فإن قاس على كلٍّ منهما بعينه عادت الحال الأولى جذعةً، لأن المعترض يمنع الحكم على التقدير، فلا يكون القياس على كل منهما، بل على أحدهما، وهو القياس على الحكم المتحقق في الواقع. وذلك لا ينفعه كما تقدم، لأن المعترض يقول: هو واقع في الواقع، وليس واقعًا على تقدير عدمِ الرجحان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
وإن قاس عليهما مجتمعَين فهو أبعدُ عن الصحة كذلك.
وإن قاس [ق 78] على أحدهما لا بعينه، وهو مقصوده، فإن قال(1): الحكم ثابت في نفس الأمر أو ثابتٌ على ذلك التقدير، وأيهما كان فأنا أقيس عليه.
قيل له: إنما ينفعك القياسُ على أيهما كان إذا كان القياس يفيدك على كل واحدٍ من التقديرين، أعني تحققَ الحكم في نفس الأمر وتحقُّقه على ذلك التقدير، لأنه لو كان متحققًا على ذلك التقدير ولم يكن متحققًا في نفس الأمر، أو كان متحققًا في نفس الأمر ولم يكن متحققًا على التقدير= لم ينفعْك القياس على أحدهما غير معيَّن، لأنه حينئذٍ يجوز أن يكون الحكم متحققًا، ويجوز أن يكونَ غير متحقق، والقياسُ على حكم متردّدٍ بين التحقق وعدمِه غيرُ جائز، لأن العلم بثبوت حكم الأصل المقيس عليه أول شروط صحة القياس، وإذا اشترط في القياس على أحدهما تحققُه للحكم على التقديرين، فالخصم المعترض قد منعه الحكم على التقدير، وإن كان مسلِّمًا له الحكم في نفس الأمر لم يدلّ على ثبوته على ذلك التقدير إلّا بالدليل الأول الذي قد عارضه المعترض وأخذ هو يعارض المعترض بما لا يتم إلّا بالدليل الأول، وذلك غير جائز، كما تقدم مثلُ ذلك.
وهذا اعتراض قادح ليس عنه جواب محقَّقٌ، لأن غاية ما يقول: الحكم ثابت في نفس الأمر أو على التقدير، فأقيسُ حكم الأصل عليه.
فيقال له: لا نسلِّم أنه ثابت على التقدير، وثبوته في نفس الأمر لا ينفعك--------------------------------------------
(1) في الأصل: «بل يقال»، والمثبت يقتضيه السياق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
إذا منعتُك ثبوتَه على التقدير الذي قِسْتَ عليه، وأنا قد بينتُ أنه تقدير غير واقع، فتكون قد قستَ على تقدير غير واقع، فلا يكون الحكم ثابتًا على تقدير غير واقع، فلا ينفعك ثبوته في نفس الأمر حينئذٍ.
فتبيَّن بهذا أن أصل التقدير وإن كان غيرَ واقعٍ مقبولٌ على ما بيَّناه، لكن إذا قُبِل فالسؤال الوارد عليه من جنسه جيّد، والتفصِّي عنه غير مستقيم، بل السؤال يَقدح في ذلك التقدير.
قال المصنف(1): (على أن الأصل لا يكون راجحًا، إذ لو كان راجحًا لكان الرجحان مختصًّا بالأصل، على معنى أنه يكون راجحًا على الغير فرعًا ونقضًا، بخلافِ كلّ واحدٍ منهما، ولا يكون الرجحان مختصًّا بالأصل، لأن الغير راجح أو هو غير راجح، لقيام الدليل على أحدهما، وهو المناسبة مثلًا)(2).
هذا جوابٌ ثانٍ من المستدل للمعترض عما قرَّره من أن الحكم في الأصل لا يُضاف [ق 79] إلى المشترك، لما فيه من الرجحان على الفرع، ومعناه أنه لو كان الأصل راجحًا لكان الرجحانُ مختصًّا به، بمعنى أنه راجحٌ على صورة الفرع وراجحٌ على صورة النقض، وهو الحُلِيُّ وثياب البِذْلة مثلًا. أما رجحانُه على صورة النقض فبالاتفاق، وأما رجحانه على الفرع فلأن التقدير ذلك هو تقدير رجحانِه على الفرع، فعُلِمَ أنه لو كان راجحًا على الغير الذي هو الفرع والذي هو صورة النقض بخلاف كلّ واحدٍ منهما فإنه--------------------------------------------
(1) في الأصل: «إنه هو».
(2) «الفصول» (ق 5 أ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
غير راجح، فإن الفرع على هذا التقدير لا يكون راجحًا على الأصل ولا على صورة النقض، لمساواة صورة النقض في العدم، وكذلك موضع النقض لا يكون راجحًا على الأصل بالضرورة، ولا على الفرع لاستوائهما في عدم الحكم، فثبتَ أنه هو الراجح دون كلّ منهما، ولا معنى للاختصاص إلّا الانفراد بالشيء وانقطاع الشركة.
وقول المصنف «فرعًا ونقضًا» ليس بجيّد في العربية، لأن النقض ليس هو الحكم ولا محل الحكم، وإنما هو التخلف، وذلك معنى لا يترجح عليه، بخلاف الفرع. وإنما حقه أن يقول: راجح على الغير فرعًا وصورةَ نقضٍ، على أن النصب في «فرع ونقض» ليس في فصيح الكلام، وإنما يثبت بنوع تكلف، [و] لو كان المصنف ممن يجري في كلامه على سنن العربية لتكلَّفنا له وجهًا، وإنما ألحقناه بنظائره.
ثم قال: واللازم منتفٍ فإن الرجحان ليس بمختصّ بالأصل، لأن الغير راجح، والأصل غير راجح، وإذا كان الغير راجحًا والأصل غير راجح على الأصل لم يكن الرجحان مختصًّا به. وإنما قلت: الغير راجح والأصل غير راجح، لقيام الدليل على أحدهما، وهو المناسبة مثلًا.
واعلم أن المستدلّ متى أقام دليلًا صحيحًا على رجحان الغير الذي هو الفرع أو الذي هو أحد الأمرين ــ إما الفرع أو صورة النقض ــ أو على رجحان صورة النقض على الأصل بتقدير رجحان الأصل على الفرع أو على عدم رجحان الأصل= فقد أقام دليلًا على المساواة بينه وبين الفرع أو برجحان الفرع عليه، وذلك يُبطِل ما ادعاه المعترض من إضافة الحكم إلى المختص، ويُحقق ما ادعاه المستدلّ من إضافة الحكم إلى المشترك،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
وذلك دخول في فقه المسألة، ولم يذكره المصنّف، لأنه يحتاج إلى بحث عن مادة المسألة ومأخذها، بأن يقول المستدلّ: ليس المضروب راجحًا على الحُليِّ، إذ لو كان راجحًا لكان الرجحانُ مختصًّا به، وليس مختصًّا به، لأن الغير الذي هو الفرع راجح بأن الحليّ فضل هو [ق 80] مستغنًى عنه، إذ ليس هو من الحاجات الأصلية، بخلاف المضروب، فإنه قد يكون معدًّا للنفقة مظنّة الحاجة إليها.
أو يقول: ليس المضروب راجحًا، لأن الزكاة إنما وجبت باعتبار حقيقة النقدين، لا باعتبار صيغهما وصورهما، فيجب في جميع أنواعهما، كالربا الواجب فيهما، فإنه لا يختلف باختلاف صورهما. وإذا كان الموجب للزكاة هو الحقيقة الذهبية أو الفضية، وتلك لا تختلف ولا تتفاضل، فلا رجحان للمضروب على التِّبر.
أو يقول: المناسبة دلَّت على المساواة بين الأصل والفرع، وما دلَّ على المساواة دلَّ على عدم الرجحان.
ونحو ذلك من الكلام الذي هو بحث عن المآخذ الحكمية والمدارك العلمية من المناسبات والتأثيرات ودلالات النصوص.
واعلم أن قوله: «لا يكون راجحًا إذ لو كان(1) راجحًا لكان راجحًا على الغير فرعًا ونقضًا»، ثم قال: «ولا يكون الرجحان مختصًّا بالأصل» يدلُّ ظاهره على أنه لا يختصّ بالرجحان عن الفرع وصورة النقض. أما كونه لا يختص عن الفرع فهذا نفس موجب الدليل، فلا كلام فيه. وأما كونه لا--------------------------------------------
(1) الأصل: «يكون راجحًا لو كان» والصواب ما أثبتناه. انظر (ص 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
يختص به عن صورة النقض فهذا باطل بل مخالف للإجماع، لأنه لو لم يختص بالرجحان عن صورة النقض للَزِمَ أن يساويها، ولو ساواها لم يختلف الحكم بينهما، واختلاف القضيتين في الحكم بالإجماع يدلُّ على تفاوتهما في الموجِب والمقتضي.
فإن قال: قد يستويان في الموجب، وتمتاز صورة النقض بمانعٍ يمنع الوجوب.
قيل: عدم ذلك المانع في الأصل إما أن يكون نفسه رجحانًا أو يوجب له معنى ثبوتيًّا يقتضي الرجحان، على الاختلاف بين القائلين بتخصيص العلة والمانعين منه، وعلى التقدير [ين] فلا يجوز أن يقال: إن الأصل راجح في الجملة، سواء كان هو الفرع أو موضع النقض، ويكفي في ذلك عدم الرجحان على الفرع. وهذا كلام صحيح.
قال المصنف(1): (أو نقول: الأصل لا يكون راجحًا، لكونه قاصرًا أو مساويًا، لما مرّ).
هذه عبارة ثانية في توجيه المعارضة التي قبل هذه، وهو كلام صحيح، لكن الشأن كل الشأن في تمكّن المستدلِّ من تقرير قصورِه أو مساواته، فإن هذا إذا صحَّ فهو القياس الصحيح الذي يجب القول به، ولا ينكره أحدٌ من القياسيين، والدالُّ على رجحان الفرع دالٌّ على قصوره، والدالُّ على عدم رجحانِه دالٌّ على مساواته كما مرَّ.--------------------------------------------
(1) «الفصول» (ق 5 أ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
قال المصنف(1): (أو نقول ابتداءً كما قال [ق 81] السائل في التلازم).
معناه ــ والله أعلم ــ أن المستدلّ يقول: يجب في الأصل بتقدير عدم الرجحان، لأجل المقتضي لوجوبها الواقع في الواقع، فإن المقتضي لوجوبها لو لم يكن واقعًا في الواقع لما وجبت للنافي لوجوبها السالم عن معارضة المقتضي، وقد وجبت، فثبتَ وجود المقتضي لوجوبها، وأنه واقع في الواقع، وإذا كان المقتضي لوجوبها موجودًا في الواقع ثبت الوجوب.
أو يقول: الوجوب ثابت في الأصل على هذا التقدير بما يدلّ عليه في الأول، وهذا مثل السؤال الذي أورده في التلازم حيث منعه عدمُ الوجوب على الفقير على تقدير الوجوب على المدين، فقال السائل: «المانع المستمر واقعٌ في الواقع» إلى آخره.
وفي الحقيقة هذا هو الجواب الأول …(2) ثبت الحكم في الأصل إذا لم يكن راجحًا بالمقتضي، فإن كلاهما(3) يعود إلى استصحاب الواقع، وذلك بأن نقول: ما يدلُّ على الوجوب في الواقع فلا بدّ أن يكون مستمرًّا، والمستمرّ هو النافي على التقدير، إذ لو لم يكن كذلك لما ثبت الوجوب فيه بالنافي السالم عن معارضة الموجب المستمر، وقد وجب، فيكون منتقضًا بالاستمرار، فينفى على التقدير، فيكون الموجب ثابتًا على ذلك التقدير.
ثم يمكن السائل أن يقول هنا كما قال المستدل هنالك وهو أن ما ذكرتم--------------------------------------------
(1) «الفصول» (ق 5 أ).
(2) هنا بياض في الأصل بقدر كلمتين.
(3) كذا الأصل. وهو أسلوب معروف لشيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كُتبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
من الدليل وإن دلَّ على وجود الموجب على ذلك التقدير، لكن عندنا ما ينفيه، لأن الدليل على عدم الوجوب متحقق على تقدير عدم الرجحان، فلو تحقق الدالُّ على الوجوب للَزِمَ التعارض على ذلك التقدير، وهو على خلاف الأصل، لاستلزامه تركَ العمل بأحد الدليلين. وقد مضى الكلام على مثل ذلك في التلازم، وبيّنا فسادَه، وأنه لا يلزم من قيام المقتضي أو المانع إثباته لموجبه على كل تقدير، بل على كل تقدير واقع أو جائز، أو على كل تقدير لا ينافيه، فعلى المستدلّ به أن يبيّن وقوع ذلك التقدير أو جوازه أو عدم منافاته، وحينئذٍ لا يمكنه بيان ذلك إلّا ببيان أن الواقع عدم الرجحان، ولو بيَّن ذلك لاستغنى عن الاستدلال بالمقتضي وعن استصحاب الواقع. ثم للمعترض أن يقول: الموجب موجب له على كلّ تقدير واقع، وعدم الرجحان غير واقع لما ثبت في المعارضة.
قال المصنف(1): (ولئن قال: الحكم في الأصل يُضاف إلى ما هو جائز العدم في إحدى الصورتين، وذاك(2) لا يكون مشتركًا، إذ المشترك ما(3) هو الثابت فيهما قطعًا. فنقول: الحكم يضاف [ق 82] إلى ما هو اللَّازم فيهما قطعًا(4) أو في الفرع على تقدير اللزوم في الأصل، وأنه هو المشترك بينهما).
هذا سؤال ثانٍ من المعترض، وهو معارضة في كون المشتركِ مناطَ الحكم وكونِ الحكم مضافًا إليه. قال المستدل: الحكم في الأصل لا--------------------------------------------
(1) «الفصول» (ق 5 أ).
(2) في «الفصول»: «وذلك».
(3) «ما» ساقطة من «الفصول».
(4) «قطعًا» ساقطة من «الفصول».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)