القرينة الثانية عشرة: نقول العلماء منه وهي كالتالي:
- تلميذه ابن عبد الهادي (ت 744 هـ) نقل خطبة الكتاب كاملة في «العقود الدرية» (ص 45 - 51)، ولأن الأوراق الأولى من المخطوط قد فقدت؛ لم توجد هذه المقدمة ولا أوائل الردّ على كتاب النسفي. وقد دللّنا في أوائل هذا المقال أن هذه المقدمة التي حفظها لنا ابن عبد الهادي هي لنفس المخطوط الذي نشرناه وهو «التنبيه» بدلائل كالشمس وضوحًا، ومن تعاشى عن الشمس «ففي التعاشي الداءُ»!!
- تلميذه ابن قيم الجوزية (ت 751) نقل من كتابنا هذا «التنبيه» (ص 529 - 567) بحثَ الاحتجاج بقول الصحابة، نقله حذو القذّة بالقذّة مع بعض الإضافات في كتابه «إعلام الموقعين»: (5/ 546 - 581، 6/ 5 - 40) دون إشارة إلى شيخه. وهذه طريقة معروفة لابن القيم في النقل من كتب شيخه، ففي كتاب «إعلام الموقعين»: (1/ 350 - 383) أيضًا نقل رسالة «قاعدة في شمول النصوص للأحكام» وهي لشيخه (انظرها ضمن «جامع المسائل»: 2/ 253 - 351) دون أيّ إشارة إليه. ونقل فيه أيضًا (2/ 135 - 146) من «فصل في آيات الربا» لشيخه، ولم يشر إليه ولو مرةً واحدةً. وينقل عنه أحيانًا أخرى ويسميه، وقد يسمي كتابه، وهذا أمرٌ يعرفه الممارسون لكتب الشيخين.
- علاء الدين المرداوي (ت 885) نقل منه في كتابه «التحبير في شرح التحرير: 1/ 212 - 213» نصًّا في نحو صفحة كاملة في معاني النظر، وسمى الكتاب «الرد على الجست» (تصحفت في المطبوع: الجشت). وقد سبق لنا في أول المقال التدليل على أن كتابنا هذا «التنبيه» هو نفسه الرد على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
الجست. لكن هذا النقل ليس في مخطوطتنا بسبب الخرم المشار إليه، ونحن نرجح أن الشيخ ذكر معاني النظر التي نقلها المرداوي عند شرحه قول صاحب الفصول في أوائله: «المعنيّ من الدليل ما لو جرد النظر إليه … ».
القرينة الثالثة عشرة: هي ما كتبه المشكّكون السالف ذِكرهم في صدر المقالة في نسبة الكتاب، فإن قيل: يا لله العجب، كيف يكون تشكيكهم دليلا على ثبوت الكتاب؟! فنقول: لقد جهِد الناقدون ليجدوا دليلا على نفي صحة الكتاب من داخل الكتاب أو خارجه، فلم يعثروا بعد هذا الجهد إلا على جملة تشكيكات لا أثر فيها للدليل أو الحجة.
وأفضل ما يمكن أن يُنظر فيه في محاولة التشكيك هو ما ذكره د. عبد العزيز العبد اللطيف فقد ذكر سبعة أمثلة على مخالفة ما في الكتاب لأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه المعروفة، وأن هذه المخالفة دليل على عدم الثبوت.
فيجاب عن ذلك بجوابين مجمل ومفصل: أما المجمل فهو أنه لا مانع أن يكون شيخ الإسلام قد تغير اجتهاده في بعض المسائل الفقهية أو الفروع العقدية، وهذا واقع في مجموع الفتاوى نفسها وفي غيرها من كتبه كما صرّح هو بذلك في مواضع عديدة، وهو أكثر ظهورًا في «شرح العمدة» وهو من أوائل مؤلفاته، ويفسح المجال لهذا الاحتمال أن هذا الكتاب من أوائل مؤلفاته، فقد كتبه وهو في أوائل العشرينات من عمره، فلا غرابة أن يتغيّر اجتهاده! وقد ذكرنا نحن في هوامش الكتاب بعض آرائه واجتهاداته التي خالفها في كتبه الأخرى المتأخرة.
أما الجواب المفصّل، فقد رجعنا إلى تلك الأمثلة المذكورة فلم نجد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
واحدًا منها يصلح مثالًا على تلك المخالفة المزعومة، فبعضها ينص شيخ الإسلام على خلافها في صفحة سابقة أو لاحقة، وبعضها سيق مساق الاعتراض والمناظرة، أو ساقه على لسان الخصم ثم نقضه.
ولنذكر مثالًا واحدًا يكشف ما ذكرنا:
ذكر الباحث أن المؤلف ساق في كتاب «التنبيه»: (2/ 596 و 666 من الطبعة الأولى) [ص 563 و 628 من هذه الطبعة] حديثَ «أصحابي كالنجوم .. » مساق الاحتجاج، بينما ضعفه شيخ الإسلام في «الفتاوى».
وحينما رجعنا للموضعين وجدنا الواقع غير ما ذكرَه، ففي الموضع الأول استدل النسفي صاحب كتاب «الجدل» المردود عليه بالحديث، ثم ذكر شيخ الإسلام في تلك الصفحة أن الحديث مشهور في أصول الفقه، ثم بعده بصفحتين (ص 598) [ص 565] ذكر أنه يُعترض على النسفي باستدلاله بالحديث من وجوه أولها: الطعن في إسناده. ثم ذكر وجوهًا أخر. هذا بالنسبة للموضع الأول، فأين الاحتجاج المزعوم؟!
أما الموضع الثاني فالإحالة خطأ محض؛ لأنها إحالة على كتاب النسفي «فصول في الجدل» حيث ألحقناه في آخر كتاب «التنبيه» من (ص 641 - 668) [ص 603 - 629]. فليس هذا الموضع من كلام شيخ الإسلام أصلًا.
وسنكتفي هنا بذكر هذا المثال الذي يكشف ما وراءه من أمثلة، وندعُ استكمال نقد بقية الأمثلة إلى مقال سينشر في مجلة «الأصول والنوازل» إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
فبان بهذه القرائن مجتمعة ثبوتُ نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذهبت تشكيكات من شكك أدراج الرياح، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ونختم أخيرًا بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بما يناسب ما نحن فيه، إذ هذه الأدلة والقرائن التي سقناها «تفيد الاعتقاد القوي والظن الغالب. وهذا فيه إنصاف وعدل، وهو خير من دعوى البراهين القطعية التي يظهر عند التحقيق أنها شبهات وخيالات فاسدة!!
ومن قال: لا يجوز أن يحتج في هذا الباب إلا بالقطعي الذي لا يحتمل النقيض، قيل له: أولًا أنت أول من خالف هذا، فأنت دائمًا تحتج بما لا يفيد الظن الغالب فضلًا عن اليقين.
وقيل له ثانيًا: لا نسلّم، بل الواجب على كل إنسان أن يأتي بما هو الحق، فإن كان عنده علمٌ قاطع قال به، وإن كان عنده ظنٌّ غالب قال به، والمسائل التي تنازع بنو آدم فيها لأن يحصل للإنسان فيها ظنٌّ غالب خير من أن يكون في الحيرة والجهالة، أو يكون في التقليد أو الحجج الفاسدة كما هو الواقع كثيرًا»(1) اهـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد و آله وصحبه أجمعين.
* * *--------------------------------------------
(1) «بيان تلبيس الجهمية»: (2/ 371).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.
وبعد؛ فهذا أثَر جديد من آثار شيخ الإسلام أبي العباس أحمد ابن تيمية النُّميري الحرَّاني ــ رحمه الله تعالى ــ يظهر لأول مرة، بعد أن ظل دهرًا طويلًا طيّ الجهالة والنسيان، لم يُعْرَف له أَثَر، ولم يُسمع له بوجود في خزائن الخافقين، إلى أن يسَّر الله العثورَ عليه في زُوَيَّة من زوايا إحدى الخزائن الهنديَّة متجلببًا غير جلبابه، فالحمد لله على ما وفَّق ويسَّر.
ونرى في حفظ الله لهذا الكتاب وغيره من كتب الشيخ تصديقًا لما قاله تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي (ت 744): «ولولا أن الله تعالى لطف وأعان ومنَّ وأنْعَم، وخَرَق العادة في حِفظ أعيان كتبه وتصانيفه= لما أمكن أحدًا أن يجمعها. ولقد رأيتُ مِن خَرْق العادة في حِفظ كتبه وجمعها، وإصلاح ما فسد منها، وردِّ ما ذهب منها ما لو ذكرته لكان عجبًا، يعلمُ به كل منصفٍ أن لله عناية به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم تحريف الغالِين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»(1).
وكان من العناية الإلهية أن حَفِظَ لنا خُطبة هذا الكتاب ــ وهي عدة صفحات ــ في كتاب ابن عبد الهادي (العقود) كاملة؛ إذ سقطت من نسخة الكتاب الوحيدة، فبقيت لنا لِنُلحقها بمكانها.
وكتابنا هذا ردُّ كتاب معاصره برهان الدين النسفي الحنفي (ت 687)--------------------------------------------
(1) «العقود الدرية» (ص 109 - 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
في الجدل، ويعرف بـ «فصول في الجدل»، أو «مقدمة في الجدل» أو «المقدمة البرهانية». وهذا الكتاب يمثِّل مرحلة متأخرة من مراحل التأليف في (علم الجدل)، إذ مُزِج علم الجدل بكثير من مصطلحات ومباحث المنطق والفلسفة، وعُرف هذا المنهج بتطويل العبارة وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة والمجازية في المقدمات، ووضع الظنيات موضع القطعيات، إلى غير ذلك من التمويهات.
وقد لقيت هذه الطريقة رواجًا عند بعض الفقهاء والمشتغلين بالطلب في القرن السابع وما بعده بقليل. والذي غرَّهم بهذه الطريقة، ودَفَعهم إلى الاشتغال بها: ظنُّهم أنها تضبط لهم قواعد الاستدلال، وتُدرِّبهم على إيراد الشبه والاعتراضات والرد عليها … حتى وصل الحال بكثير منهم أن اعتبروا هذا الجدل المُمَوَّه من أعلى درجات العلم الشرعي، وظنوا أنه يُمَكّنهم من تحرير المسائل أبلغ تحرير!
والواقع أنهم خالفوا بذلك منهج السلف في الجدل الصحيح والمناظرة المثمرة، فاستحسنوا ما ذمَّه السلف، وجعلوا الأصول والقواعد الصحيحة عُرضة للتشكيك، وأعطوا الطلاب سهامًا يُفَوّقونها إلى تلك المسلمات والقواعد. فكان من الواجب على مَن وهَبه الله علمًا وفقهًا أن يتصدى لهذا الانحراف بنقض هذه الطريقة وبيان فسادها. فأتى الشيخُ على هذه «المقدمة» من أولها إلى آخرها شرحًا ونقضًا، إذ يشرحها على طريقة أصحابها ــ المتكلمين ــ ثم ينقض عليهم بطريقتهم وطريقةِ أهل الجدل المحققين، فأظهر براعة عجيبة، وسعة معرفة بطرائق الجدليين بأنواعهم: المتقدمين والمتأخرين، والمتكلمين الممَوِّهين، والأصوليين المحققين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
والفقهاء.
وهذا الأثر الجديد يكشف لنا وجهًا من تفنُّن شيخ الإسلام في العلوم وإحاطته العجيبة بها، وبراعته النادرة فيها، وهذا الفن الذي كتب فيه الشيخ وهو «الجدل على طريقة المتكلمين» فنٌّ نادر، لم يتعرَّض أحد لنقده وشرحه قبل الشيخ ــ فيما نعلم ــ.
حقًّا إن الناظر لأول وهلة ليظن أن هذا الفن هو فن الشيخ الذي برز فيه واعتنى به وانقطع له. لكنَّ هذا الظن سرعان ما يزول إذا علم الناظر مقدارَ توسُّعه في الفنون الأخرى، وأنه بغير هذا الفن أشهر، وكتبه في غيره أكثر وأكبر، واسمع الآن لما يقوله خَصم الشيخ وقرينه كمالُ الدين ابن الزملكاني: «كان إذا سُئل عن فن من العلم ظنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك»(1).
فما هي إذًا إلا مِنَحٌ وفضائل يمنحها الله تعالى مَن يشاء مِن عباده، والله ذو الفضل العظيم.
وقد قدمنا بين يدي تحقيقه مباحث(2):
أولًا: تمهيد في الجدل، ومناهج التأليف فيه، وأهم كتبه.--------------------------------------------
(1) «العقود» (ص 13).
(2) المبحث الثاني (التعريف بكتاب «التنبيه») كَتَبه محمد عزير شمس، وبقية المباحث كتبها عليُّ بن محمد العمران.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
ثانيًا: التعريف بكتاب «تنبيه الرجل العاقل … » وفيه:
- قصة العثور على الكتاب.
- اسم الكتاب.
- تاريخ تأليفه.
- إثبات نسبته إلى المؤلف.
- منهج المؤلف فيه.
- إفادة العلماء منه.
ثالثًا: ترجمة برهان الدين النسفي صاحب «الفصول».
رابعًا: التعريف بالكتاب المردود عليه «فصول في الجدل» وفيه:
- اسمه.
- إثبات نسبته لمؤلفه.
- شروح الكتاب.
- نُسَخه الخطية.
خامسًا: وصف النسخة الخطية لكتاب «تنبيه الرجل .... ».
سادسًا: منهج التحقيق.
سابعًا: نماذج من المخطوطات.
وكان العمل في تحقيق الكتاب مناصفة، فمن أول الكتاب إلى (ص 294)(1) من عمل محمد عزير شمس، ومن (ص 295) إلى آخره إضافة إلى الفهارس العلمية واللفظية من عمل علي بن محمد العمران. ولا--------------------------------------------
(1) من الطبعة الأولى، و (ص 281) من الطبعة الثانية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
يفوتنا أن نسجّل جميل شكرنا للشيخ محمد أجمل الإصلاحي على ملاحظاته القيّمة وقراءاته الموفّقة.
فها هو هذا الكتاب اليوم بين يدي كل باحث عن العلم والتحقيق، موطَّأةً أكنافُه، ميسَّرة سُبُلُ الإفادة منه. فأين العقول الظَّمآى إلى العلم، والأذهان المتعطشة للتحقيق لتنهل وترتوي؟!
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
كتبه
علي بن محمد العمران و محمد عزير شمس
28 ربيع الآخر 1425 هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
أولًا: تمهيد عن الجدل، ومناهج التأليف فيه، وأهم كتبه
* تعريف الجدل:
1 - لغة:
قال ابن فارس: «الجيم والدال واللام أصلٌ واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه»(1).
هذا من حيث أصل الكلمة، أما معنى الجدل في اللغة؛ فقد جاء في «اللسان»(2): «الجَدَل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وقد جَادله مُجادلة وجِدالًا. وجادله أي: خاصمه، والاسم: الجدل، وهو شدة الخصومة … ».
وقد اختُلِف في اشتقاق «الجَدَل»؛ هل هو من «الجَدْل» أو «الجَدَالة» وهي الأرض، أو «الجَدال» أو «المجدل» أو «الجدول». وقد توسَّط الكوفي في هذا فقال: «وكأنَّ مادة (جَ، دَ، لَ) ترجع في جميع تصاريفها إلى معنى القوة والامتناع والشِّدة والإحكام، فيكون مشتقًّا من هذا المعنى الجامع الكلِّي، ومن كل واحدٍ من جزئياته باعتبار ما يشتركان فيه من ذلك المعنى»(3).
2 - اصطلاحًا:
تعددت تعريفات العلماء من جهة الاصطلاح، ونحن هنا نذكر أقرب--------------------------------------------
(1) «مقاييس اللغة»: (1/ 344).
(2) (11/ 105).
(3) «عَلَم الجَذل في عِلم الجَدَل» (ص 13).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
التعاريف وفاءً وشمولًا للمعنى الاصطلاحي.
عرَّفه القاضي أبو يعلى الفرَّاء (ت 458) فقال: «هو تردد الكلام بين اثنين إذا قصد كل واحد منهما إحكام قوله ليدفع به قول صاحبه»(1).
وبنحو عبارته عرَّفه أبو الوليد الباجي (ت 474) في «المنهاج»(2).
وعرَّفه إمام الحرمين الجويني (ت 478) ــ بعد أن ساق له جملة تعاريف لم يرضها ــ فقال: «إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة»(3).
أما نجم الدين الطوفي (ت 716) فيقول في أحد تعاريفه: «إنه قانون صناعي يعرف أحوال المباحث من الخطأ والصواب، على وجهٍ يدفع عن نفس الناظر والمناظر الشك والارتياب»(4).
ويعرفه ابن خلدون في «المقدمة»(5) بأنه: «معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصَّل بها إلى حِفظ رأي وهَدمه، سواء كان ذلك الرأي من الفقه أو غيره».
وقد كان لكثير ممن بحثَ في هذه القضية بعضُ المؤاخذات على هذه التعاريف؛ إذ رأوا أنها غير جامعة أو غير مانعة، إذ المقصود هنا تعريف--------------------------------------------
(1) «العدة»: (1/ 184).
(2) «المنهاج في ترتيب الحِجاج» (ص 11).
(3) «الكافية في الجدل» (ص 21).
(4) «عَلَم الجذل» (ص 3 - 4).
(5) (ص 506).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
«الجدل الأصولي» فلابد من إضافة ضابط «الأصول»، وكذلك لابد من التفريق بين كلٍّ من الجدل والمناظرة وعلم الخلاف، إذ الجدل أخص منهما(1).
* طرائق الجدل، ومناهج التأليف فيه:
لما كان التنوع والاختلاف حقيقة إنسانية طبيعية، وكان من ثمار هذا التنوّع الاختلافُ والتباينُ فيما يصلُ إليه الإنسان بتأمله وتفكيره، وإلى جانب هذا التنوع فإن الإنسان مفطور كذلك على التفاعل والتقاء الأفكار، والإفصاح عنها، وعرضها للحوار والجدل= نشأ عن ذلك: الحِجاج والنقاش وتبادل الأفكار واحتكاك بعضها ببعض(2).
ولما كان مِن وَصْف القرآن أنه فرقان يفرِّق بين الحق والباطل، فلا بُدَّ أن يكون قد اشتمل على تقرير الحق وإبطال الباطل بطرقٍ شتَّى: بالمحاورة والمناظرة والمجادلة، بذكر الشبه ونقضها، والدعوة إلى مجادلة أهل الكتاب، وضرب الأمثال وحكاية المناظرات التي وقعت للسابقين، وقد أرسى في أثناء ذلك الدلائلَ الواضحة البيِّنة لأصول علم الجدل والمناظرة. وهكذا السنة النبوية جاءت بتقرير ذلك وشرحه، وسار الأمر على مثل ذلك في عصر الصحابة رضي الله عنهم والسلف، متبصرين بمنهج الوحيين الشريفين.--------------------------------------------
(1) انظر: «الكافية» (ص 20 - 21)، ومقدمة العميريني لكتاب «الجدل» لابن عقيل (ص 32 - 44، 93 - 100)، و «الجدل عند الأصوليين» (ص 143 - 152) لمسعود فلوسي.
(2) انظر: «تاريخ الجدل» (ص 7) لمحمد أبو زهرة، و «مناهج الجدل في القرآن» (ص 27) للألمعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
والجدل بمعناه الاصطلاحي لم يكن فنًّا متميزًا عن غيره بقواعد وضوابط تجمعها كتب خاصة، بل كان فنًّا يستعمله العلماءُ ويَدْرُونَه، كما يعرفون بعض العلوم الأخرى كالأصول واللغة. ومع مرور الزمن وتناقص المعرفة، وضعف المَلَكة، واتساع رقعة المملكة الإسلامية، وإقبال الناس على الدين وتعلمه والتفقه فيه= دُوّنت كثير من العلوم الآلية والمقاصدية، وتطورت حركة التأليف في فنون العلم، حتى إن الفن الواحد قسم إلى فنون، مثل فن الجدل كان داخلًا في فن الخلاف إلا أنه بعد حين صار علمًا مستقلًا، صُنفت فيه الكتب والرسائل، واختلفت فيه المناهج والطرائق، ثم طرأ عليه ما طرأ على أكثر الفنون من قوة وضعف، بل وانحراف في مناهجه وقضاياه، خاصة تلك التي تأثرت بالعلوم العقلية والرسوم المنطقية التي ذهبت بفائدة الفن الحقيقية، وهي: تحرير الاستدلال الصحيح القائم على أساس الحجة القوية، والاستدلال المعتبر، والنظر الصحيح. بل أصبحت حقيقته مجرد شبهةٍ غامضة، وأساسٍ واه، وشَغَبٍ زائف.
ويمكننا أن نقول: إن المراحل التي مر بها علم الجدل ثلاث:
المرحلة الأولى: وهي طريقة السلف من الصحابة والتابعين ومَن سار على طريقتهم، طريقة القرآن والسنة، وتمتاز هذه الطريقة بما عبّر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: «وكانوا ــ أي السلف من الصحابة فمَن بعدهم ــ يتناظرون في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام بالأدلة المرضيَّة والحجج القويَّة، حتى كان قلَّ مجلس يجتمعون عليه إلا ظهر الصواب، ورجع راجعون إليه؛ لاستدلالِ المستدل بالصحيح من الدلائل، وعِلم المنازع أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. كمجادلة الصدِّيق لمَن نازعه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
في قتال مانعي الزكاة، حتى رجعوا إليه، ومناظرتهم في جمع المصحف حتى اجتمعوا عليه، ومناظرتهم في حدّ الشارب، وجاحد التحريم، حتى هُدوا إلى الصراط المستقيم … »(1).
وهذا هو الجدل المحمود والمناظرة المرضيَّة، التي تُحِق الحق وتكشف الباطل، وتهدف إلى الرُّشد، مع ما يرجى من رجوع المناظر عن الباطل إلى الحق(2).
هذه الطريقة كانت هي المعروفة المشهورة قبل أن يُفرد هذا العلم بمؤلفات مستقلة، وتدخله الداخلة من جهات عديدة، ستأتي الإشارة إليها.
وإذا جاز لنا أن نمثّل لهذه المرحلة، فيمكننا القول: إن الكتب الخلافية المتقدمة أصدق مثال عملي لعلم الجدل، يمكن للمتأمل فيها أن يستخلص كثيرًا من قواعد الفن وضوابطه الصحيحة، من مثل كتاب «الأم» للشافعي، خاصة مناظراته مع محمد بن الحسن وغيره من فقهاء العراق. وكتب ابن جرير الفقهيَّة «اختلاف العلماء» و «تهذيب الآثار». وكتب ابن المنذر «الأوسط» و «الإشراف» وغيرها.
المرحلة الثانية: وهذه المرحلة جاءت بعد تدوين أكثر العلوم في مصنفات خاصة، وتميُّز العلوم عن بعضها، وجاءت بعد استقرار المذاهب الفقهية، وتدوين المدونات الخاصة بكل مذهب، وجري العلماء والمتناظرين على انتصار كلٍّ لمذهبه وإضعاف مذهب المخالف بأيِّ طريق. وقد تزامن ذلك مع تأثر كثير من العلوم بالعقليَّات والمباحث المنطقية.--------------------------------------------
(1) «العقود الدرية» (ص 47 - 48)، و «تنبيه الرجل العاقل» (ص 5).
(2) انظر: «الكافية في الجدل» (ص 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
من أجل ذلك كان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول لطاهر العبَّاداني: لا تعلِّق كثيرًا مما تسمع مني في مجالس الجدل، فإن الكلام يجري فيها على ختل الخصم ومغالطته، ودفعه ومغالبته(1).
وكان الداعي إلى إفراد «علم الجدل» بالتصنيف مع أنه فرع من فروع علم النظر والخلاف= أنه «لما كان بابُ المناظرة في الرد والقبول مُتَّسِعًا، وكل واحدٍ من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عِنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابًا ومنه ما يكون خطأً، فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول، وكيف يكون حال المستدل والمجيب، وحيث يسوغ له أن يكون مستدلًّا، وكيف يكون مخصومًا(2) منقطعًا، ومحل اعتراضه أو معارضته، وأين يجب عليه السكوت ولخصمه الكلام والاستدلال» قاله ابن خلدون(3).
وقد وصف لنا شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المرحلة وصفًا يكشف لنا حقيقتها وخصائصها وميزاتها وما لها وما عليها، فقال: «ثم صار المتأخرون بعد ذلك قد يتناظرون في أنواع التأويل والقياس بما يؤثر في ظن بعض الناس، وإن كان عند التحقيق يؤول إلى الإفلاس، لكنهم لم يكونوا يقبلون من المناظرة إلا ما يفيد ولو ظنًّا ضعيفًا للناظر.--------------------------------------------
(1) انظر «طبقات الشافعية الكبرى»: (4/ 62). وانظر ما علقه تاج الدين السبكي على هذا النص.
(2) في المطبوعة: «مخصوصًا»، وما أثبته من نسخة أخرى، وهو أصح.
(3) «المقدمة» (ص 506).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
واصطلحوا على شريعةٍ من الجدل، للتعاون على إظهار صواب القول والعمل، ضبطوا بها قوانين الاستدلال، لتسلم عن الانتشار والانحلال. فطرائقهم وإن كانت بالنسبة إلى طرائق الأولين غير وافية بمقصود الدين، لكنها غير خارجةٍ عنها بالكلية، ولا مشتملةٍ على ما لا يؤثر في القضية. وربما كسوها من جودة العبادة، وتقريب الإشارة، وحسن الصياغة، وصنوف البلاغة ما يُحلِّيها عند الناظرين، ويُنَفّقها عند المتناظرين، مع ما اشتملت عليه من الأدلة السمعية والمعاني الشرعية، والتحاكم فيها إلى حاكم الشرع الذي لا يُعزَل، وشاهد العقل المزكَّى المعدَّل.
وبالجملة؛ لا تكاد تشتمل على باطل محض ونُكْرٍ صرف، بل لابدَّ فيها من مخيل للحق، ومشتمل على عرف»(1).
وهذه المرحلة أو الطريقة نَسَبها ابنُ خلدون (ت 808) إلى البزدوي(2)، قال: «وهي خاصة بالأدلة الشرعية من النص والإجماع والاستدلال»(3).
ولعل هذه النسبة تعود إلى أنه أول من ألَّف فيها، أو أول من اشتهر بها، لكنَّا نجد علماء آخرين يخالفون هذا الرأي؛ فيذكر النووي (ت 676) في «تهذيب الأسماء واللغات»(4) أن أول من ألَّف فيها أبو علي الطبري--------------------------------------------
(1) «العقود» (ص 48 - 49)، و «تنبيه الرجل العاقل» (ص 5 - 6).
(2) هو: علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، فخر الإسلام أبو الحسن الفقيه الحنفي، صاحب المختصر المشهور في الأصول (ت 482)، ترجمته في «تاج التراجم» (ص 205)، و «الفوائد البهية» (ص 124 - 125).
(3) «المقدمة» (ص 506).
(4) (3/ 48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
(ت 305)، بينما ذكر طاش كبري زاده أن أول من ألَّف فيه هو ابن القفَّال الشاشي (ت 507)، وسمّى غيرُهم غيرَ أولئك. ولعلّ هذا الاختلاف عائد إلى شمول علم الجدل لأكثر من فنٍّ جميعُها تُصنَّف تحت «علم الجدل» وهي: الخلافيَّات، وعلم المناظرة (آداب البحث)، وعلم الجدل(1).
وهنا نذكر الكتب المطبوعة في علم الجدل التي أُلِّفت على هذه الطريقة:
1 - «التقريب لحدّ المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية» لأبي محمد بن حزم الظاهري (ت 456)، وهو مطبوع ضمن مجموعة رسائل ابن حزم في المجلد الرابع منه سنة 1403.
2 - «المنهاج في ترتيب الحِجَاج» لأبي الوليد الباجي المالكي (ت 474)، وهو مطبوع بتحقيق عبد المجيد تركي سنة 1407 طبعة ثانية.
3 - «المعونة في الجدل»(2) لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الشافعي (ت 476)، وهو مطبوع بتحقيق علي العميريني، ثم طبعه عبد المجيد تركي.
4 - «المنتخل في الجدل» لأبي حامد الغزالي (ت 505)، وقد طبع أخيرًا بتحقيق الأستاذ علي العميريني.
5 - «الجدل على طريقة الفقهاء» لأبي الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت 513)، وقد نشره محققًّا علي العميريني سنة 1418.--------------------------------------------
(1) انظر في فروع علم الجدل: مقدمة العميريني لكتاب ابن عقيل (ص 47 - 62)، ومقدمة عبد المجيد تركي لـ «المنهاج» (ص 6 - 10).
(2) وهو مختصر من كتابه الآخر «الملخص» وقد حُقق في جامعة أم القرى، ولم يُطبع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
6 - «المقترح في المصطلح في الجدل» لأبي منصور محمد بن محمد البَرْوي (ت 567). وقد طبع أخيرًا بتحقيق شريفة المويلحي.
7 - «الإيضاح لقوانين الاصطلاح» ليوسف ابن الجوزي (ت 656)، مطبوع بتحقيق الأستاذ فهد السدحان سنة 1413.
8 - «عَلَمُ الجَذَل في عِلْمِ الجَدَل» لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي (ت 716)، مطبوع بتحقيق المستشرق فولفهارت هاينرشس، ألمانيا سنة 1408.
ويمكننا أن نُدْرج في هذه المرحلة اتجاهًا آخر في التأليف، له ارتباط أوثق بعلوم المنطق والمباحث العقلية، وصناعة الحدود، مثل كتاب «الكافية في الجدل» لإمام الحرمين الجويني (ت 478)، وهو مطبوع بتحقيق فوقيّة حسين محمد عام 1399.
وعلى هذه الطريقة تندرج المقدمة الجدلية التي صَدَّر بها أبو الوفاء ابن عقيل (ت 513) كتابه الأصولي «الواضح»(1)، وطريقته فيه مخالفة في منهجها وأسلوبها ومباحثها كتابه الآنف الذكر. ومثلهما ما تضمنه كتابا الرازي (ت 606)، والآمدي (ت 630) من مباحث في علم الجدل.
المرحلة الثالثة: وهذه المرحلة بدأت واشتهرت على رأس القرن السادس على يد العَمِيدي(2)، وصارت تُعرف بالطريقة العميدية، ولا خلاف--------------------------------------------
(1) (1/ 296 - 530).
(2) وهو: أبو حامد محمد بن محمد السمرقندي، ركن الدين العميدي، الفقيه الحنفي، كان مبرزًا في علم الخلاف، وله عدة تصانيف فيه، كمختصره الأصولي، و «الإرشاد» و «النفائس» وغيرها، توفي سنة (615) ببخارى. انظر «وفيات الأعيان»: (4/ 257)، و «الجواهر المضية»: (3/ 355)، و «تاج التراجم» (ص 248)، و «السير»: (22/ 76)، و «تاريخ الإسلام» (وفيات 615) (ص 263)، و «الأعلام»: (7/ 27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
بين العلماء أنه أول مَن اخترع هذه الطريقة وصنف فيها، قال ابن خلكان: «كان إمامًا في فن الخلاف، خصوصًا الجُسْت(1)، وهو أول مَن أفرده بالتصنيف، ومَن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين … »(2).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي ذلك الوقت ــ أي سنة 615 ــ ظهرت دولة المغل جنكسخان بأرض المشرق … وظهرت بدعٌ في العلماء والعُبَّاد، كبحوث ابن الخطيب، وجست العميدي، وتصوُّف ابن العربي … »(3).
وهي مرحلة جديدة الوجه واليد واللسان، وصفها ابن خلدون بقوله: «وهي عامة في كل دليل يُستدل به من أيِّ علمٍ كان، وأكثره استدلال، وهو من المناحي الحسنة، والمغالطات فيه في نفس الأمر كثيرة، وإذا اعتبرنا النظر المنطقي كان في الغالب أشبه بالقياس المغالطي والسوفسطائي»(4).--------------------------------------------
(1) الجُسْت: كلمة فارسية معناها البحث والفحص والتقصِّي، ثم أصبحت عَلَمًا على فنٍّ من فنون علم الخلاف والجدل، وهو المبني على طريقة الفلاسفة والمتكلمين. انظر: «المعجم الفارسي ــ فرهنك فرزان» (ص 301) للدكتور طبيبيان، و «تكملة المعاجم العربية»: (2/ 211) لدوزي.
(2) «وفيات الأعيان»: (4/ 257). وانظر «مقدمة ابن خلدون» (ص 506 - 507).
(3) «جامع المسائل ــ الأموال السلطانية»: (5/ 396 - 397)، ونحوه في «الصواعق المرسلة»: (3/ 1078) لابن القيم، و «مختصره»: (2/ 435 ــ أضواء السلف) للموصلي.
(4) «المقدمة» (ص 506 - 507).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
ووصفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وصفًا بليغًا دقيقًا فقال: «ثم إن بعض طلبة العلوم من أبناء فارس والروم، صاروا مولَعِين بنوع من جدل المموِّهين، استحدثه طائفة من المشرقيين، وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا فيه مراوغة الثعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنهم وضعوها في غير مواضعها المستحقَّة لها، وألَّفوا الأدلة تأليفًا غير مستقيم، وعَدَلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم.
غير أنهم بإطالة العبارة، وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة والمجازية في المقدمات، ووضع الظنيات موضع القطعيات، والاستدلال بالأدلة العامة ــ حيث لها دلالة ــ على وجهٍ يستلزم الجمعَ بين النقيضين، مع الإحالة والإطالة، وذلك من فِعْل غالط أو مغالط للمجادلة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أغلوطات المسائل= نَفَق ذلك على الأغتام الطَّماطم، وراج رواج البَهْرَج على الغِرِّ العادم، واغترَّ به بعض الأغمار الأعاجم، حتى ظنُّوا أنه من العلم بمنزلة الملزوم من اللازم، ولم يعلموا أنه والعلم المقرِّب متعاندان متنافيان(1)، كما أنه والجهل المركب متصاحبان متآخيان … »(2).
وقد نقل الحاج خليفة في «كشف الظنون»(3) عن بعض العلماء قوله:--------------------------------------------
(1) وقد قال الذهبي في ترجمة العميدي المتقدم ذكره: «وليس علمه مما يُرشد إلى الله والدار الآخرة، ولا هو من عُدة القبر، فالله المستعان». «تاريخ الإسلام»، وبنحوه في «السير».
(2) «العقود الدرية» (ص 49 - 50)، و «تنبيه الرجل» (ص 6 - 7).
(3) (1/ 580).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)