الوقاع على التعيين، بل ندّعي في كلّ صورةٍ من صور الوجوب أولًا. والدورانُ على هذا التفسير لا يدلُّ إلّا على مداريَّةِ(1) الهتك وجودًا وعدمًا).
اعلم أن المستدلّ إنما أجابَ بهذا لأنه إذا ادَّعَى مداريَّة الإفساد في كل صورة من صور وجوب الكفارة من غير تعيين فصل الوقاع، فإن الهتك موجود فيها كلها، والوجوب معه، لأن تلك الصور إما صور الوقاع أولًا أو الأكل، والهتكُ متحقق فيها. والمعترض لا يمكنه أن يدّعي مداريَّةَ الوقاع في كل صورةٍ من صور الوجوب، لأنه يحتاج أن يقول: تلك الصور هي صور الوقاع، وهذا دعوى، لأن المستدلّ يقول: لا أسلِّم الخطأ والوجوب في صور الوقاع، بخلاف المستدل فإنه لم يدَّعِ أن صور الأكل من صور الوجوب، وإنما قال: لا يخلو إما أن يكون أو لا يكون، وبكلّ حالٍ فالهتكُ والإفساد موجودٌ فيها، ولهذا أمكنَ المستدلَّ دعوى مداريَّة وصفِه في صور الوجوب، ولم يُمكنِ المعترضَ ذلك.
هذا تقرير(2) كلامِهم، وهو باطلٌ من وجوهٍ:
أحدها: لا نُسلِّم تحقُّقَ مدارِه في صور الوجوب. وقوله: «تلك الصور إما صور الوقاع والأكل والشرب» غير مسلَّم، فإن مطلق الإفطار من صور الوجوب عند مالك، والجماع المانع من صور الوجوب عند أكثرهم، والجماع الثاني وجماع الناسي من صور الوجوب عند أحمد. فدعوى الخصم غير مقبول، كما لم يقبله من المعترض لما ادَّعاه في صور الوقاع.--------------------------------------------
(1) في الأصل: «مداراته» تصحيف.
(2) الأصل: «تقدير».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
الثاني: أن يقال: هَبْ أنك ادعيتَ المداريَّةَ في جميع صور الوجوب، لا في صورة الوقاع على التعيين، لكن لم تأتِ على هذه الدعوى ببينة، فلا تكون مقبولةً. بل هذه الدعوى هي حكاية المذهب، ونَقْل المذهب لا يكون حجةً على صحته. فأنتَ بين أمرين:
إمّا أن تدَّعي المداريَّة في الوقاع بعينه، فيُعارَض بمدارية الوقاع المفطر، وبمدارية الوقاع الهاتك، وبمدارية الإفطار المطلق.
وإما أن تدَّعي المدار في جميع الصور التي تدَّعي الوجوب فيها، فيُطَالب بالدليل على صحة الدوران، وهو وجود الوجوب مع المدار وعدمه مع عدمه، ولا يقدر على ذلك إلّا بإقامة الدليل على صحة الدعوى، وذلك مصادرةٌ على المطلوب وتطويلٌ للكلام، واستدلالٌ [ق 49] بكل واحدٍ من الأمرين على الآخر.
الثالث: أنه إن عَنَى بصور الوجوب ما يثبت الوجوب فيها بنصّ أو إجماعٍ فليس إلا صور الوقاع، وإن عَنَى به ما يدّعي أنه من صور الوجوب فالدوران فيها موقوف على ثبوت الوجوب، فلو أثبت الوجوب فيها بالدوران لزمَ الدَّور.
الرابع: أن المعترض يمكنه دعوى مداره في صور الوجوب، أي الصور التي ثبت فيها الوجوب، وأما ما يدَّعي الخصم أنه من صور الوجوب فلا يجب على المستدلّ بيانُ تحقُّق الدوران فيه بالإجماع، لأن الدوران فيها مجرَّد مذهب الخصم، فلا يكون حجةً له ولا حجةً على غيره، ولو صحَّ ما أمكنَ أحدًا أن يثبت المدار في صورٍ حتى يُسلِّم لخصمه ما يدَّعيه من صور الوجوب، أو يكون دعواه أوسع من دعوى خصمه. ومعلومٌ أن هذا فاسدٌ بالضرورة، لأنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
يعود إلى إثباتِ المذهب بالمذهب، أو إلزام الخصم نفسَ المذهب.
الخامس: أنه قد يمكن الخصمَ دعوى مدار في صور الوجوب إذا أثبت الوجوب في صورةٍ لم يثبتها المستدلُّ، كما في هذا الموضع، وحينئذٍ ينقطع المستدلّ، فافطَنْ له.
قال الجدلي(1): (ولئن قال: دارَ معَ ما يكون مختصًّا(2) بتلك الصورة، فنقول: دارَ مع ما يكون مشتركًا بينها وبين صورة النزاع).
يعني أنه قد دارَ مع ما يختصّ بصورة الوقاع، وهو مدارٌ آخر، وإذا كان المختصُّ مدارًا لم يجب في صورة النزاع، أو أنه وإن دار في كل صورةٍ من صور الوجوب فيجوز أن يكون المدار في كلّ صورةٍ خصوص تلك الصورة، فلا يكون المدار المدَّعَى مدارًا(3).
وأجاب بأنه دارَ مع القدر المشترك بين صورة النزاع وتلك الصورة، وبينها وبين سائر الصور، وإضافةُ الحكم إلى ما يشمل الصورَ أولَى من إضافته(4) إلى ما يختصُّ بكل صورةٍ صورةٍ على انفرادها، لأن الأصل اتحادُ العلة لا تعدُّدُها(5)، ولأن خصوص كلِّ صورة لم ينتفِ الحكمُ مع عدمها إلا عنها، والمشترك قد انتفى الحكم مع عدمِه عن جميع المواضع، فتكون المداريّة به أولى.--------------------------------------------
(1) «الفصول» (ق 4 ب).
(2) في الأصل: «مخصتان».
(3) في الأصل: «مدار».
(4) في الأصل: «إضافة».
(5) في الأصل: «تعدده».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وهذا جيد(1) لو كان السائل قصدَ المدارية مع خصوص كلّ صورة، وأما إذا قصدَ المدارية مع ما يختصُّ بصور الوجوب الذي يثبت بالنص أو بالإجماع فإنه سؤالٌ جيد.
وحاصلُه أن المستدلّ كلّما ادّعى مدارًا يثبت به الحكم في صورة النزاع عارضَه السائل بمدارٍ ينتفي به الحكم في صورة النزاع، فأيُّهما كان عددُ مَداراتِه أكثر قَضَوا له بالفَلْج(2)، لأن تلك [ق 50] المدارات من الجانبين اجتمعت في الأصل، فجاز أن يكون كلٌّ منهما هو المدار المعتبر، فإذا ترجح أحد الجانبين بزيادة مدارٍ سلم له عن المعارضة، وجاز أن يكون هذا المدار من غير معارض، فوجب تعليقُ الحكم به.
وهذا أيضًا من قواعدهم الفاسدة التي يبنون عليها كثيرًا من كلامهم، فيُرجّحون أحدَ الخصمين بكثرة دعاويه، كما يرجحونه بإبهام دعواه. ولا يخفى على عاقلٍ أنّ هذا باطل، فإن نفس تلك الأمور التي هي مداراتٌ ليست أدلةً بانفرادها حتى يترجَّح أحد الجانبين بكثرة العدد، وإنما الدليل دورانُ الحكم معه وجودًا وعدمًا كما تقدم، فإذا دار معه أكثر من واحدٍ لم يكن اعتقادُ أن العلة أحدهما أولى من العكس. وإذا كان في الأصل عدة صفات يثبت الحكم في الفرع بتقدير علّية أكثرها، ولا يثبت علّيته بتقدير علِّية بعضها، وليس مع البعض الأكثر ما يقتضي أنه هو العلة= لم يجز اعتقاد أنه علة بمجرد ذلك، لجواز أن يكون العلة هو ذلك الواحد، لاسيما إن لم يكن المدار إلّا واحدًا.--------------------------------------------
(1) في الأصل: «خير».
(2) الأصل: «بالشلح».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
وحاصلُه أن المدار لا يثبت أنه علة إلا بشرط انتفاء المزاحم وواحد من ألف مزاحم(1). وأيضًا فإنه إذا اجتمع في الأصل عدة صفاتٍ كلٌّ منها صالحٌ للتعليل، فإضافة الحكم إلى جميعها أولى من إضافته إلى البعض، وحينئذٍ يترجَّح كلامُ السائل في هذه المسألة. ولعلَّنا نعود إلى الكلام في هذا الأصل إن شاء الله.
ولما كان هذا أصلهم فلا بدّ أن يكون المدار الثاني خيرًا من الأول، وكان قد ادَّعَى أولًا أنّ الهتكَ مدارٌ، ثم ادَّعَى ثانيًا أن المشترك مدارٌ. فنقول: المشترك يجوز أن يكون الهَتْك، ويجوز أن يكون غيره، وإن كان الهتك مشتركًا، وهذا ضعيف، فإن دعوى المغايرة غير تجويز المغايرة. ثم إن المشترك مستلزمٌ للهتك، لكن هذا الجواب من جنس السؤال.
قال الجدلي(2): (ولئن قال: دارَ مع المختصّ، وإلا لما ثبت(3)، فنقول: دارَ مع المشترك، وإلّا لا يجب ثمة).
هذا سؤالٌ [من] نمط الذي قبله، يقول: دار مع المختص تلك الصورة، إذ لو لم يَدُرْ معه لما ثبتَ وجوبُ الكفارة للأصل الباقي للوجوب السالم عن المعارض(4) القطعي، وهو مداريَّةُ المختصّ.
وجوابه أنه قد دار مع المشترك، إذ لو [لم] يَدُرْ معه لما وجبت الكفارة(5) للباقي السالم عن معارضة القطعي، وهو مدارية المشترك بين--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل.
(2) «الفصول» (ق 4 أ).
(3) في «الفصول»: «وإلا لا يجب ثمة»، وفي هامشه: «لا يلزم».
(4) الأصل: «المتعارض».
(5) في الأصل: «الزكاة» خطأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
تلك الصورة وصورة النزاع. ولم يعارض السائل بما يدلّ على مداريَّة المشترك إلّا ذكر المشترك من جنسه [ق 51] بما يدلُّ عليه المشترك، وسلَّم له ما ادَّعاه أولًا، وهو علّية المدار في صورة الوجوب. وقد تقدم الكلام على ذلك، وبيَّنّا أنه لا يمكنه تحقيقُ الدوران على الوجه الذي ذكره.
قال الجدلي(1): (ولئن قال: سلَّمنا أنّ(2) الدوران متحقق، ولكن لِمَ قلتم بأنه يفيد علِّيةَ المدار؟ بل لا يفيد، وإلّا لكان مفيدًا(3) في الأمور الاتفاقية، فإن الآثار حادثة في الأمكنة والأزمنة، فلا يكون(4) المدار علةً للدائر. فنقول: الكلام فيما إذا كان المدار صالحًا للعلِّية، فلو كان المدارُ فيما ذكرتم صالحًا فلا نسلِّم بأنه لا يكون علّة(5)، وإن لم يكن(6) فلا يتّجه نقضًا).
هذا الكلام مع ما فيه من العجمة، وهو جواب «لو» بـ «لا» والفاء، مما قد تكرَّر ذلك منه، فإنّ حقَّه أن يقول: «لَم نُسلِّم» إلى آخره. وقد ادَّعى الجدلي أن كل موضع يدور الأثر مع ما يصلح للعلِّية فلا بدّ أن يكون المدار علّة(7) للدائر، وإن كان لا ينتقض. وجعل ذلك جوابًا عن النقض بتخلُّفِ علّية المدار عن بعض الدائرات.--------------------------------------------
(1) «الفصول» (ق 4 أ).
(2) في «الفصول»: «بأن».
(3) في الأصل: «مفيد».
(4) في «الفصول»: «ولا يكون».
(5) في الأصل: «عليه» تحريف.
(6) في «الفصول»: «لم يكن علة».
(7) في الأصل: «عليه» تصحيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجوهٍ:
أحدها: أن يقال: ما تَعنِيْ بصلاحيته للعلِّية؟ أتَعِني به أن يكون مناسبًا للحكم؟ أو تَعنِي إمكانَ ترتُّبِ الحكم عليه؟ وهو أن يكون بحالٍ لا يُعلَم أنه ليس بعلةٍ، أو تَعنِي به شيئًا آخر؟ كما تقدم تقريره.
فإن عنيتَ به المناسبة فليست شرطًا في المدارات، بل هي طريق آخر. ثم إذا لم يمكن تقريرُ علِّيّةِ المدار إلّا بعد إثبات المناسبة، فلا حاجةَ إلى الدوران، لأنّ المناسبة إذا تمَّت كَفَتْ.
وإن عنيتَ مطلق الإمكان فهذا موجودٌ في صورٍ لا تُحصَى، مع أن علّيّة المدارِ غيرُ حاصلةٍ، لاسيما على تفسيره الدوران واكتفائِه بالدوران وجودًا أو عدمًا.
وإن عَنَى به شيئًا ثالثًا فلا بدَّ من بيانِه.
الثاني: أن نقول: من رأيناه أعطى إنسانًا عالمًا فقيرًا قريبًا منه مرةً بعد مرة، فقد دار الإعطاء مع هذه المدارات الصالحة للعلّية، فإن أضفتَ الإعطاء إلى المجموع أو إلى أحدٍ بعينه قبل الدليل كنتَ مخطئًا، لأنك قد تسألُ الرجلَ المعطيَ، فيقول: إنما أعطيتُه لقرابتِه مني أو لفقرِه أو لعلمِه، ولم ألتفت إلى الوصف الآخر ولم أشعُرْ به.
وكذلك من تجسَّسَ أو سَبَّ السلطانَ وانتهكَ حُرمتَه مراتٍ متعددةً، وهو يُعاقِبُه، قد يجوز أن يقول: إنما عاقبتُه لكذا دونَ كذا، وهو كثير.
فقوله: «لو كان المدار فيما ذكرتم صالحًا لم نُسلِّم أنه لا يكون علةً» منعٌ للواقع المعلوم بالضرورِة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
[ق 52] الثالث: أن تخلُّف العلّيةِ مع وجود الدوران كثيرٌ لا يُحصَى، لاسيما عند من يكتفي بالدوران وجودًا أو عدمًا في صورةٍ بعد صورة، فإن العلم الضروري حاصلٌ بأن ما تتخلَّف عنه العلّيةُ من هذا الجنس أكثر مما تقترن به. وقد ذكر المصنّف ما يقترن بالآثار الحادثة في الأمكنة والأزمنة من الحركات الاختيارية والطبيعية والقَسْرِيّة، مع أن شيئًا منها لا يفيد العلّية، وكذلك دوران العلة مع المعلول، والمتضايفان كلٌّ منهما مع الآخر. وحينئذٍ فإما أن يقول: الدوران يُفيد العلّية، لكن تَخلَّفَ في الصور الكثيرة لمانعٍ. أو يقول: لا يفيد، وإنما حصلَ العلمُ بالعلّية في بعض الصور لأمرٍ آخر غيرِ الدوران، لكن الثاني أولى(1)، لأن الأول أعظم منافاةً للأصل، فيكون مرجوحًا.
واعلم [أنّ] للناس عن هذه المواضع عدة أجوبة:
أحدها: أن الدوران يفيد العلّية ما لم يُزاحِمه مدارٌ آخر. وهذا الجواب مطّردٌ، وهو لا ينقض القاعدة، لأنه إذا تزاحمَ مدارانِ لم يمكن ترجيح أحدهما إلّا بأمرٍ خارجٍ عن الدوران.
والثاني: أن يقال: الدوران يفيد العلّية إلّا أن يَدُلَّ دليلٌ على عدمِ علّيته، فمجموعُ الأمرين ــ الدوران وعدم العلم بالمانع ــ يفيد العلّية.
الثالث: أن يُقال: الدوران يُفيد علّية المدار حيث لا يتعين للعلّية [أمرٌ آخر](2)، وهذا من نمط الذي قبله.--------------------------------------------
(1) الأصل: «أول».
(2) زيادة ليستقيم المعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
الرابع: أن يقال: الدوران يدلُّ على علّية المدار ويفيد ذلك، وهذا مطّردٌ، لكن تخلُّفُ مدلولِ الدليل عنه مقرونًا بمانعٍ لا يُبطِل دلالتَه، وعدمُ العلّية لا ينافي كونَه مفيدًا للعلّية، فإن الشيء قد يكون مفيدًا ولا تظهر إفادتُه لوجود المانع الراجح.
الخامس: أن يقال: الدوران يفيد علّية المدار إذا كان صالحًا للتعليل، فإن كان المدار صالحًا لم يُسلَّم انتقاضُه، وإن انتقضَ لم يُسلَّم صلاحُه للعلة. وهذا جواب المصنف، لكن هذا جوابٌ غيرُ مفسَّرٍ كما تقدم. فيقال: معنى الصلاحية صحةُ التعليل به وإمكانه، ومعلومٌ بالاضطرار تخلُّف العلّية عن مداراتٍ صالحة، كما تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
[فصل في القياس](1)
اعلم أن القياس هو جماع الأدلة النظرية، وهو ينبوعُ الاستنباط في [ق 53] الأحكام الشرعية. وعامةُ ما ذكره من الأدلة ــ من التلازم والتنافي والدوران ــ يُحتاج فيه غالبًا إلى القياس، والدوران قياسٌ محضٌ، لأنه يُثبِت الحكمَ في صورة النزاع للقدر المشترك بينها وبين مواقع الإجماع، مدَّعيًا أن القدر المشترك هو العلة، وأنه عُلِمَ ذلك بالدوران.
نعم، لما امتنع فقهاء العراق ــ أعني أهلَ الرأي ــ من إجراء القياس في الحدود، استعملوا ضربًا آخر سمَّوه «الاستدلال»، وعَنَوا [به] تجريدَ مناطِ الحكم وتنقيحَه عما اقترنَ به، وهو الذي تكلم عليه صاحبُ هذا الجدل في «الدوران» جَرْيًا على أسلوب أشياخه، وتكلَّم في القياس على نوعٍ واحدٍ منه، وهو ما يثبتُ علّيتُه بالمناسبة.
ومعناه في اللغة: تقدير الشيء بالشيء واعتبارُه به. يُقال: قِسْتُ الجُرْحَ بالمِيل، وقِستُ الأرض والثوب بالذراع، كما قيل(2):
يُقاسُ المرءُ بالمرءِ … إذا مَا هُوَ مَاشَاهُ
وقال الشاعر(3):--------------------------------------------
(1) بياض في الأصل بقدر سطرين، ومن هنا يبدأ الكلام على فصل القياس من «الفصول»: (ق 4 ب). وانظر «شرح المؤلف»: (ق/58 أ- 66 أ)، و «شرح السمرقندي»: (ق 57 ب- 62 ب)، و «شرح الخوارزمي»: (ق 48 - 59 ب).
(2) القائل أبو العتاهية كما في «عيون الأخبار» (2/ 182).
(3) هو البعيث بن بشر كما في «الحيوان» (6/ 414) للجاحظ، و «لسان العرب» (نطس). والبيت بلا نسبة في «جمهرة اللغة» (ص 838) و «تهذيب اللغة» (9/ 225) و «اللسان» (قيس). وعجزه: غَثِيْثَتُها وَازْدادَ وَهْيًا هُزُوْمُها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
إذا قَاسَها الآسِيْ النِّطَاسِيُّ أَدْبَرتْ
يعني: إذا قاسَ الطبيبُ غَوْرَ الجراحةِ بالميل.
فالأصل بمنزلة المقياس(1) الذي يُعتَبرُ به حكمُ الفروع، وهكذا شأنُ جميع المقاييس، فإنك تعتبر ما لا يُعلَم وصفُه بما قد عُلِمَ وصفُه، كاعتبار المكيل بالمكيال(2)، والموزونات بالصنجة والميزان، والممسوحات بالذراع، واعتبار أوزانِ الشعر بعَروضه، واعتبار عربية الكلام بالنحو. وجماعُ ذلك كلّه التسويةُ والتعديلُ وإعطاءُ الشيء حكمَ مثلِه، وهو العدل الذي به قامت السماوات والأرض، وإليه الإشارة بقوله: {أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17]، وهو اسمٌ جامعٌ لكلّ دليل عقلي، فإن العقلَ من شأنِه أن يعتبر الأشياءَ بأمثالِها وأضدادِها وخلافاتِها.
وقد زعمَ بعضُ أهل النظر أن تسمية التداخل والتلازم والتقابل: قياسًا [لا] يجوز، إذ القياس يعتمد التشبيه والتمثيل، ولا تشبيهَ ولا تمثيل في ذلك. وليس كما قال، لأن تسمية هذه الأدلة العقلية قياسًا لأنك تقدر العلوم بها وتعتبرها بها وتَزِنُها بها، والقياس تقدير الشيء بالشيء، وهذا محض التمثيل والتشبيه لها باعتبار قدرٍ مشتركٍ بينها، وليس القياس إلا ذلك، فعُلِم أن فيها قياسَ تمثيل وقياس تعليل، والكلام في ذلك واسع.--------------------------------------------
(1) في الأصل: «القياس» خطأ.
(2) في الأصل: «بالمكيل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
والذي يليق بهذا الموضع هو القياس الفرعي، وللناس في تعريفه عباراتٌ كثيرة ليس [هذا] موضع ذكرها، أشهرها عند الجدليين: ردُّ فرعٍ إلى أصلٍ بعلةٍ جامعةٍ بينهما، أو إثبات حكم شيء لشيء آخر لاشتراكهما في علة الإثبات، أو اعتبار الشيء بغيره في إثباتِ حكمه فيه أو نفيه عنه، ليعمّ قياس الطرد والعكس.
قال المصنف(1): (القياس تعدية الحكم المتحد [ق 54] من الأصل إلى الفرع بعلةٍ متحدة فيهما).
قوله: «الحكم المتحد» أراد به أن يكون حكم الفرع والأصل واحدًا(2)، لأنه لو كان حكم الأصلِ تحليلًا والفرعِ إيجابًا لم يصحّ القياس. وكذلك العلة لابدّ أن تكون واحدةً في الأصل والفرع، إذ لو ثبت الحكم في الأصل بعلةٍ وفي الفرعِ بعلةٍ أخرى لم يصحّ القياس أيضًا، وذلك لأن القياس إثباتُ مثلِ حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم، فلو لم يتحد الحكم والجامع لم يتحقق هذا الحدّ. وهذا ظاهر في الجملة، ويخرج قياس العكس عن أن يكون قياسًا. وفيه بحوثٌ دقيقة ليس هذا موضعها.
قال المصنف(3): (وسبيلُه أن يقال: الوجوب ثابتٌ في المضروب بالإجماع، فكذا في صورة النزاع بالقياس عليه، لأن الوجوب في المضروب إنما كان تحصيلًا للمصالح المتعلقة بالوجوب، كتطهير المزكي وغيره بشهادة المناسبة، ونعني بالمناسبة مباشرة الفعل الصالح لحصول--------------------------------------------
(1) «الفصول» (ق 4 ب).
(2) في الأصل: «واحد».
(3) «الفصول» (ق 4 ب).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
المطلوب. والمناسبة على هذا التفسير ثابتةٌ في تلك الصورة، فإن المصلحة المتعلقة بالوجوب أمرٌ مطلوب، والوجوب طريق صالح لحصول ذلك المطلوب، لأنه لو وُجِد يوجد ذلك المطلوب، ولولاه لا يوجد. ولا نَعني بكونه طريقًا صالحًا سوى هذا. والشرع قد حكم بالوجوب في تلك الصورة، فتوجد المناسبة فيها، والمناسبة تُوجِب إضافةَ الفعل الصالح لحصول المطلوب إلى ذلك(1) المطلوب، لأن الظنّ بالإضافة [دَار](2) مع المناسبة على ما ذكرنا من التفسير وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي أداء الفرائض مثلًا، فإن تغليبَ الوصول إلى المَثُوبات(3) وتخليص النفس عن العقوبات لمَّا كان مطلوبًا، وأداءُ الفرائض والواجبات(4) طريقٌ صالح لحصول ذلك المطلوب، فلو شاهدنا الإقامة من العاقل يغلب على الظن أنه إنما اشتغل بأداء الفرائض والواجبات لحصولِ ذلك المطلوب. وأمّا عدمًا ففي فصل الترك والاشتغال بالمعاصي، والدوران يدلُّ على كونِ المدارِ علةً للدائر).
قلت: اعلم أن المناسبة في الجملة معتبرة في الأحكام الشرعية، [و] مَن تأمَّلَ العباداتِ وما فيها من محاسن الأقوال والأفعال الموجبة للتقرب إلى ذي الجلال، وتخفيفها عند الأشغال، وتحصيلها للمصالح الجلية في الدنيا والآخرة، وما في المعاملات من القوانين المضبوطة المانعة من--------------------------------------------
(1) في «الفصول»: «إلى حصول ذلك».
(2) زيادة من «الفصول». وسيأتي كذلك في نقل المؤلف (ص 133).
(3) في الأصل: «المحبوبات»، والمثبت من «الفصول».
(4) «والواجبات» لا توجد في «الفصول».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
الوقوع في الشرور والآفات، وكذلك ما في المناكح من حفظِ المياه والأنساب، والجمع بين الرجال والنساء لاستيفاء النوع على أكمل حال، ثم ما في العقوبات من المصالح العاصمة للدماء في أُهُبِها، وإقرار الرؤوس على كواهلها، وحفظ الأموال [ق 55] عن السُّرَّاق والقُطَّاع، وحفظ الأديان والعقول عن الانحلال والاختلال، وما في الكفّارات من جَبْرِ النقائص ومَحْو السيئات، إلى غير ذلك من المحاسن والمصالح التي تفوق العدد وتخاف(1) الإحصاء= عَلِمَ(2) بالاضطرارِ أن ذلك تنزيلٌ من حكيم حميد، متلقًّى من لَدُنْ حكيم خبير، وأن الذي أحاط بكل شيء علمًا ووسعَ كلَّ شيء رحمةً وحلمًا أنزلَ الأحكام متضمنةً لمصالح العباد في الدنيا والآخرة. ولهذا يأمر الله في القرآن دائمًا بالصلاح، ويُثِني على(3) الذين يعملون الصالحات، وينهى عن الفساد ويذمُّ المفسدين.
ولا خلافَ بين الفقهاء من الأولين والآخرين في اشتمال الشريعة على مصالح المكلفين، نعم زاغَ أهلُ الأهواء من القدرية حيثُ اعتقدوا وجوبَ رعاية الصلاح أو الأصلح على الله وجوبًا عقليًّا يَلزمُ بتركِه ذمٌّ، وحيث اعتقدوا أن لا معنى للأحكام إلّا صفات للأفعال، تارةً تُدرَك بنور العقلِ، وتارةً تُدرَك ببيان الشرع، وحيث جعلوا الأفعال ــ أفعال الخالق والمخلوق ــ نوعًا واحدًا، سَوَّوْا بينها في التحسين والتقبيح حتى صاروا مشبِّهة الأفعال، وحيث اعتقدوا أن المصلحةَ ما أَبدَوْه من أمورٍ لا تثبتُ على محكِّ السَّبْر،--------------------------------------------
(1) كذا، ولعلها: «وتجاوز».
(2) جواب «من تأمَّل … ».
(3) في الأصل: «عن».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
إلى أشياءَ خرجوا بها عن الحقّ.
وغَلا في مخالفتهم كثيرٌ من متكلّمي أهل الإثبات، حتى جوَّزوا أن لا تكون في الأحكام الشرعية الواقعة مصلحةٌ للمكلَّفين(1) البتَّةَ، وأن لا معنى للحكم إلّا مجردُ القول، وأنّ الفعل لم يكتسب بالحكم إلّا صفةً إضافية، وأن شيئًا من الأفعال ليس على صفةٍ تقتضي الحكم، وأن العلل الشرعية ليست إلّا محضَ علاماتٍ، وحتى أحالَ بعضُهم التعليلَ بالمصالح والمفاسد.
واقتصدَ الفقهاءُ والحكماءُ من أهل البصر بالأصول والفتوى والحديث، فعَلِموا أن الله لا يَجب عليه شيءٌ كما يجب على خلقِه، بل هو سبحانه كتبَ على نفسه الرحمة، وحرَّم على نفسِه الظلمَ، فهو أرحمُ بخلقِه من الوالدة بولدها. فأمرَ العبادَ بما أمرَهم لا لحاجته، بل لما فيه من صلاحهم، ونهاهم عما نهاهم لا بُخلًا به، بل لما فيه من مفاسدهم، تفضلًا منه وإحسانًا، وإن كان له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
والحكم اسمٌ يُقالَ على خطابِ الله وكلامِه المنزّل، وهو الإيجاب كقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، أو التحريم كقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]. ويُقال على الوجوب والحرمة القائمين بالأفعال، ويُقال على التعليق الذي بين الخطاب وبين الأفعال، فإذا عُنِي به الإيجابُ أو التعليقُ كان صفةً إضافيةً للفعل، وإن عُنِي به الوجوبُ--------------------------------------------
(1) الأصل: «للمتكلفين».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
كان صفةً ثبوتية للفعل.
والفعل الذي [هو] محلّ الحكم ومتعلَّقه قد يكون على صفةٍ قبل(1) نزول الشرع تقتضي ذلك الحكم، فشَرعَ الشارعُ الحكمَ باعتبار تلك الصفة، كالسُّكْر في الخمر.
وقد يكون حدثَتْ له صفةٌ بعد الشرع [ق 56] اقتضَت ذلك الحكم، كجهاد الكفّار، وبعضهم قال: موجبه التكذيب، وهو متجدد بعد الشرع.
وقد يكون الفعل في نفسِه ليس على صفةٍ، لكن الله لمّا حكمَ فيه بما حَكَم جَعَلَ له صفةً تقتضي الحكم، كتخصيص بعض الأمكنة أو الأزمنة أو الأشخاص أو الهيئات.
وقد يكون الفعل عاريًا عن جميع الصفات المقتضية للحكم، وإنما الحكمة ناشئة من نفس الحكم كما سنذكره، كذبح إبراهيمَ ولدَه، وامتناع قوم طالوتَ من شُرب الماء.
وبيان ذلك أن العبد إذا أُمِر بشيء فلا بدَّ أن يكون له في امتثالِ هذا الأمر مصلحةٌ وفائدةٌ، وأهلُ السنة إن قالوا: يجوز أن يأمر الله المكلف بما لا مصلحةَ له فيه، كما أمرَ إبليسَ بالسجود لآدم، وأمرَ أبا جهلٍ وفرعونَ بالإيمان، فمعنى ذلك أنه يجوز أن يعلم أن العبد يَعصِي بترك الامتثال، ويأمره ولا يُوفِّقه للطاعة ولا يخلقها له، فتكون المفسدة(2) في المعصية لا في نفس الفعل المأمور به. والذي أردناه أولًا أنه لا بدَّ أن يكون في الأمر--------------------------------------------
(1) في الأصل: «بل» تحريف.
(2) في الأصل: «المفسد».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
مصلحةٌ بتقدير الامتثال. وبين حكم الأمر بتقدير الامتثال وحكمِه بتقدير المخالفةِ فرقٌ بيِّنٌ.
ثم إن المصلحة التي في موافقة الأمر لها ثلاث جهات:
إحداها(1): أن تنشأ من الأمر فقط، فتكون المصلحة اعتقاد الوجوب والعزم على سبيل الامتثال وما يترتب على ذلك فقط، وإن لم يُوجَد الفعل المأمور به، كأمرِ إبراهيم بذبح ابنه، وكأمر من علم أنه يموت قبل وقت الأمر أو يحال بينه وبينه. وأحالت القدريةُ هذا الوجه، وينبني على ذلك نسخُ(2) حكم الفعل قبل التمكن ومسائلُ كثيرة.
الثانية: أن تنشأ من ذاتِ الفعل المأمور به من حيث هو هو، حتى لو حصل بدون الأمر لكانت تلك المصلحة حاصلةً، ككتاب الدَّين والإشهاد عليه، والاحتراز من العدوّ، وأكل ما يقيم الصلب، ولباس ما يَقي الحرَّ والبأسَ، والاستعفاف بالنكاح، وصلات ذات البين، ونحو ذلك من الأمور التي فيها مصالح ظاهرة في الدنيا، إذا فُعِلتْ حصلت تلك المصالح. وكذلك في المنهيات، مثل النهي عن أكلِ السُّموم وقتل النفس ونحو ذلك. وكثيرٌ من الأفعال المأمور بها أو أكثرُها كذلك، لكن مصالحها غير معلومةٍ لأكثر الناس بل ولا لجميعهم، وربما علموا بعضَ مصالحها دون بعض. وفي هذا القسم يتسع مجال المناسبة. وقد أنكرَ هذا القسم من أَبَى التعليلَ من غُلاةِ المجبِّرة.--------------------------------------------
(1) الأصل: «أحدها».
(2) الأصل: «فسخ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
الثالثة: أن تنشأ من الفعل المأمور به من حيث هو مأمورٌ به لما فيه من الطاعة والانقياد والعبادة لله، حتى لو فعل بدون الأمر كان عبثًا. ومن ذلك أكثر أفعال الحج، والتيمم، وترك الشرب من النهر، ونحو ذلك. وهذا الذي يُسمَّى تعبدًا في الغالب.
[ق 57] ثم اعلم أن أكثر الأفعال تجتمع فيها الجهات الثلاث، كالصلاة والصوم وبرّ الوالدين وصلة الأرحام وصِدْق الحديث وأداء الأمانة والكفّ عن الفواحش والسيئات، فإن الله لمّا أمر بالزكاة والصوم فسمعَ ذلك المؤمنون فآمنوا، وقالوا: سمعنا وأطعنا، واعتقدوا وجوبَ ذلك= حصلَتْ لهم مصلحةٌ عظيمةٌ من الخضوع لله، ثم في ضمن الزكاة والصوم من الفوائد والمصالح ما لا يكاد يُحصيه إلّا الله، حتى لو صام وتصدَّق رجلٌ لم يُؤمَر بذلك حصلَ له بعضُ تلك الفوائد.
فإن قيل: كيف يجوز تعليلُ أحكام الله بالمصالح؟ والله سبحانه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا باعثٍ، لأن الأغراض عليه محالٌ، لتعاليه عن لُحوقِ المنافع والمضارّ، ولأن من فعل لغرضٍ كان ناقصًا قبلَ وجودِه مستكملًا بوجودِه. ثم المصالح التي في الأفعال حادثةٌ وحكمُ الله قديم، والعلّة يجب أن تتقدَّم المعلول.
قيل: ليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك، لكن نقول: هو سبحانَه يعلم ما في الفعل من المصلحة، فيحكم بوجوبه لعلمه بذلك، فعلمُه بصفة الفعل هو الموجب لذلك الحكم، لأنه عليم حكيم. فالعلة والحكم بهذا التفسير قديمان، وكذلك إرادتُه ومشيئتُه قديمةٌ، فهو يَعلم ما في المصنوعات من الحكمة فيريد ما علمه، وليس هذا الاقتضاء والإيجاب من جنس إيجاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
العلل الحادثة معلولًا بها، وإنما هو كما يقال: الذاتُ مقتضيةٌ للصفات من العلم والقدرة، والصفات مقتضيةٌ للأحكام أو الأحوال من كونه عالمًا وقادرًا، أو العلم والقدرة مشروطة بالحياة، والشرط قبل المشروط، فإن ذلك كلَّه على نحو آخر يتعالى(1) على عقول البشر، والله أكبر كبيرًا. لكن لا بدَّ من تقريبٍ إلى العقول يحتاج إلى التوسع في التعبير، لإزاحةِ ما يُتَوهَّم من الشبهات.
والتحقيق على هذا أن يقال: حرَّم الخمر لعلمه بأنها مُسكِرة، وأمرَ بالمعروف لأنه مصلحة. فإن قيل: حرّم الخمر لأنها مسكرة فذاك لأنه قد عُلِمَ أن الله عليمٌ بكل شيء، وقد عُلِمَ إذا قيل: فلانٌ أمرَ بكذا لأنه مصلحة له أو للناس، أنَّما(2) فعلَه لعلمه بصلاحه، وإلّا فلو لم يشعر بصلاحه امتنع أن يأمر به كذلك.
وسبب ذلك أن العلم في الحقيقة تابعٌ للمعلوم، لا يُكسِبُه صفةً ولا يكتسب عنه صفة، وإنما نشأت الحكمة من نفس المعلوم، فلما كان كونُه مصلحةً والعلمُ بأنه مصلحةٌ أمرانِ متلازمان مطلوبيَّةُ أحدهما باعتبار الآخر= لم يقدح إضافته إلى الآخر. وإذا قيل: حُرِّمت الخمر لأنها مسكرة فهذا تعليلٌ للحكم الحادث، وهو الحرمة القائمة بها بالصفة الحادثة، [ق 58] وهي الشدّة المُطرِبة.
ومعنى قولنا: «إنه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا لباعثٍ» أنه لا يَبعثُه على الفعل(3) باعثٌ من خارجٍ، كما هو صفة المخلوق، فإن كمال المخلوق عن--------------------------------------------
(1) الأصل: «معانى»، ولعل الصواب ما أثبت.
(2) الأصل: «وإنما».
(3) تكررت في الأصل «أنه لا يبعثه على الفعل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
أفعالِه، وبأفعالِه كَمُل، والله سبحانه فِعلُه عن كمالِه، وأفعالُه صدرت عن كمالِه، ولسنا نعني به أن أفعاله لا تتضمنُ مصلحةً للخلق ورحمةً وحكمةً، فإن هذا ــ مع أنه خلاف الكتاب والسنة والإجماع ــ خلافُ الواقع. ثم هو سبحانَه لا تعود المنفعةُ إليه، وإنما تعود إلى خلقِه، فإنه غني حميد. وإضافةُ الفعلِ إلى مشيئته وإضافةُ مشيئته إلى علمهِ كإضافة حكمِ الفعل إلى أمرِه، وأمرِه إلى علمه.
وهنا نكتةٌ لا بدَّ من معرفتها، فإن الفعل أو الحكم إذا كانت فيه مصلحة فتلك المصلحة إنما تُوجد بعد وجود ذلك الفعل والحكم، وهي المقصودة بذلك الفعل والحكم، فهي متقدمةٌ في العلم والإرادة، متأخرةٌ في(1) الحصول والوجود. كما يقال: أولُ الفكرِ آخر العمل، وأولُ البغية آخر الدرك، والفعل علةٌ فاعلةٌ لتلك المصلحة، وتلك المصلحة علةٌ غائيَّة لذلك الفعل. وفي الحقيقة فالعلةُ العلمُ بتلك المصلحة والإرادةُ لها أو الطالب كما تقدم، إذ العلةُ لا تتأخر عن المعلول.
إذا عُلِم هذا فمعنى المناسبة كونُ الحكم الشرعي بينه وبين السبب الذي رتّب عليه نسبٌ، حتى صار ذلك السبب مقتضيًا لذلك الحكم وموجبًا له، مثل الوالد، كما يُولِد الوالد ولده فيصير بينهما مناسبة. ولا بدّ لكل مناسبة من حكمةٍ تَحصُل من الحُكْم باعتبارها تُصيِّرُ الحكمَ ثابتًا، كالتقوى التي هي حكمة الصوم، وسَدِّ الفاقات التي هي من حكمة الزكاة، وحَقْن الدماء التي هي من حكمة القصاص، وحفظ الأنساب والعقول والأديان والأموال والأعراض التي هي حكمة الحدود. فيسمُّون المصلحة الحاصلة--------------------------------------------
(1) الأصل: «عن».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)