ومما يقطع بذلك أن المؤلف نفسه قد شرح مختصره هذا شرحًا متوسطًا، عندنا نسخة منه، كتبت سنة (697) أي بعد وفاته بعشر سنوات فقط، وقرئت هذه النسخة على أحد تلاميذ المؤلف وهو علي بن هارون بن محمد السمرقندي(1)، وكتب إجازةً لناسخها بخطه مؤرخة بسنة (699)، وذكر فيها أنه سمع هذا الشرح على مؤلفه.
* ثالثًا: شروح الكتاب:
اشتهر هذا الكتاب عند المشتغلين بعلم الجدل، وعكفوا على إقرائه وشرحه، حتى ذكره ابن خلدون(2) بعد كتاب العميدي في هذا الفن، ونص بعض مَن ترجم له على شهرته. فمن شروحه:
1 - شرح مؤلِّفه (النَّسَفي)، وهو شرح متوسط، لدينا نسخة متقنة منه تقع في 53 ورقة كتبت سنة 697، إلا أنها ناقصة من أولها نحو ورقتين، وعلى طرر النسخة كثير من التهميشات والشروح، فلا تكاد تخلو صفحة من ذلك حتى بين الأسطر بخط دقيق. وقد ذكر هذا الشرح الحاج خليفة في «كشف الظنون»(3).
وقد نقل من هذا الشرح الخوارزمي في شرحه (ق/80 أ)، والبلغاري في شرحه (ق/151 أ).--------------------------------------------
(1) لم أقف على ترجمته.
(2) «المقدمة» (ص 507).
(3) (2/ 1803).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
2 - شرح فصول النسفي في علم الجدل. لمحمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني (ت 749)، منه نسخة في دار الكتب المصرية رقم (38 - مجاميع).
3 - شرح شمس الدين محمد السمرقندي، سمَّاه: «مفتاح النظر» ومنه نسخة في المكتبة السليمانية بتركيا ضمن مجموع (ق/40 ب- 79 ب) قال في «كشف الظنون»(1): «وهو أحسن شروحها» وقد فرغ منه سنة (690).
4 - معارك الفحول شرح الفصول.
لم أتبين لمن هو، ومنه نسخة في المكتبة السليمانية بتركيا ضمن مجموع (ق/151 أ- 179 ب) وهو ناقص، والموجود منه قطعة يسيرة. وذكره في «الكشف»(2)، وذكر أوَّله: «الحمد لله الذي أضاء سماء … » وهي متوافقة مع القطعة التي عندنا. ولم ينسب هذا الشرح لأحدٍ.
لكن ذكره في موضع آخر من «الكشف»(3) وذكر بدايته وهي تختلف عما ساقه هنا! فلعله اختلط عليه بشرح آخر.
5 - وصول النعماني في شرح فصول البرهاني، للخوارزمي، منه نسخة في ألمانيا (ق/1 أ- 95 ب)، ولدينا نسخة منه.
6 - شرح برهان الدين البلغاري.--------------------------------------------
(1) (2/ 1803).
(2) (2/ 1725).
(3) (2/ 1798).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ذكره في «الكشف»(1)، وذكر أوله: «الحمد لله الواجب أبدع بقدرته … » وسماه: «معارك الفحول شرح الفصول» لكن بدايته لا تتوافق مع الشرح السابق رقم (4)، فلعله غيره.
7 - «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728) وقد تقدم الكلام عليه مفصَّلًا (ص 45 - 54).
* رابعًا: نُسَخه:
للكتاب نُسَخ عديدة في المكتبات(2)، استطعنا الحصول على واحدةٍ منها، وهي في مكتبة رئيس الكتاب بإستانبول برقم [1203] (ق 1/أ- 11/أ)، وهي نسخة جيدة مقابلة نادرة الغلط، لعلها من منسوخات القرن الثامن، استفدنا منها فائدة كبيرة في تقويم النصوص المقتبسة منها في «التنبيه».
* * *--------------------------------------------
(1) (2/ 1272).
(2) انظر «تاريخ الأدب العربي»: (9/ 128).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
خامسًا: وصف النسخة الخطية
هذا الكتاب له نسخة خطية فريدة، محفوظة في مكتبة رضا رامفور بالهند برقم [2170]، تقع في (325 صفحة)، في كل صفحة (27) سطرًا، في كل سطر نحو (11) كلمة.
وهي قديمة النسخ إذ كتبت سنة 759، إلا أن الناسخ لم يذكر اسمه، جاء في آخرها: «آخر الكتاب، والحمد لله الملك الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وافق الفراغَ منه العشرون من شهر المحرم سنة تسع وخمسين وسبعمائة، الحمد لله رب العالمين».
والنسخة خطها نسخي جميل. لكن يبدو أن الناسخ لم يكن من أهل العلم؛ لأنه في كثير من المواطن كان يرسم الكلمة رسمًا دون تبيُّن ما هي. يدل عليه أنه كان يرسم الكلمة الواحدة برسمين في صفحة واحدة، بحسب ما يظهر له من النسخة الأم، لذلك وقع في النسخة تصحيفات ليست بالقليلة صَعَّبت من مهمة الوصول إلى نص سليم خال من الأخطاء.
ومما يلاحظ ــ أيضًا ــ وجود عدة سقوط في النسخة وهو ناتج عن انتقال النظر في الغالب، ظهر لنا ذلك عن طريقين:
أحدهما: أن ينقل المصنف نصًّا طويلًا من «الفصول» ليرد عليه، ويكون في النص سقط ما، ثم يعيد النصَّ مفصَّلًا ليرد على كل فقرة منه، فيظهر النصُّ كاملًا في الموضع الثاني من النقل، ويشهد لصحة هذه الزيادة ما يوجد في متن «الفصول» المخطوط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وثانيهما: أن يظهر السقط بالمقابلة مع متن «الفصول» فقط؛ لأن المصنف لم يُعد النصَّ مرة أخرى. وكذلك بالمقابلة بالنص الذي نقله ابن القيم في «إعلام الموقعين» حيث ظهر في نسختنا أكثر من سقط، مما زاد من تخوِّفنا من احتمال وجود سقوط كثيرة في الكتاب!
فهذه المواضع استطعنا إكمال الخلل الواقع فيها، لكن بقيت مواضع يبدو النص فيها ناقصًا أو غير مستقيم، فيتعذر حينئذٍ تقدير الكلام الساقط أو تقدير صحة النص .. فهنا نشير إلى احتمال وجود سقطٍ ما، كما في (ص 353، 371، 588).
كما أن الناسخ نفسه قد ترك بياضًا في مواضع يبدو أنها كانت كذلك في الأصل المنقول منه كما في (ص 20، 84، 101، 124، 150، 261) وقد يكتب قبالها: «بياض»، ومع أن الناسخ قد استدرك بعض السقط بإلحاقات في هوامش النسخة، إلا أن هذا لا يدل على أنه قد قابلها مقابلة جيدة، وإلا استدرك كثيرًا من السقط الحاصل، وربما أن نسخته التي ينقل منها كان فيها سقط ما. وربما كانت سيئة الخط.
ونُنبِّه هنا إلى أمرين مهمين:
1 - وقع في النسخة خَرم في أولها ذهبَ بمقدمة الكتاب وبداية الرد على صاحب «الفصول»، وهذا الخرم قدرناه بنحو عشر ورقات، يدل على ذلك أن الناسخ قد قسم النسخة إلى أجزاء كل جزء عشر ورقات يشير إلى ذلك في الركن الأيسر من كل جزء، وقد وجدناه كتب على أول ورقة من النسخة: «الجزء الثاني»، فدل على أن الساقط من الكتاب جزء واحد.
وقد فقدنا بهذا السقط فوائد جمة كورقة العنوان، ومقدمة المؤلف، وردّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
المصنف على أول «الفصول»، لكن من تيسير الله تعالى وحفظه لتراث هذا الإمام أن حَفِظَ لنا مقدمة المؤلف كاملة في كتاب تلميذه الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (ت 744) في ترجمة شيخه، المطبوع باسم «العقود الدرية» (ص 45 - 51) ففي أثناء سرده لمؤلفات شيخه ذكر هذا الكتاب وأثنى عليه ثم قال: «قال في خطبته» وساقها بتمامها، ثم قال: «انتهت خطبة هذا الكتاب».
2 - الأمر الآخر هو أن النسخة قد أصابتها رطوبة في طرفها الأيسر وأسفلها. أدَّى ذلك إلى التصاق أوراق الكتاب ببعضها في مكان البلل، وعند محاولة تخليص الأوراق من الالتصاق لصيانة النسخة تشوشت كثير من الكلمات، في أطراف الكتاب بمعدّل كلمتين، وفي أسفله نحو سطرين، ويتفاوت هذا الطمس والتشويه؛ فمنه ما يمكن قراءته بيسر، ومنه ما يحتاج إلى مزيد تأمُّل، ومنه ما أبقى بعض آثار الكلمة، ومنه ما طُمِس تمامًا ــ وهو قليل ــ، وفي النماذج المرفقة ما يبيِّن ذلك.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
سادسًا: منهج التحقيق
كان الهدف الذي نصبو إليه ــ دائمًا ــ هو إخراج الكتاب كما تركه مؤلِّفه، أو على الأقل كما وصلنا، سالمًا من الغلط أو السقط، إلا أنه قد اعترض ذاك الهدف بعضُ العوائق، وبرزت هذه المرة في:
1 - وُعُورَةِ موضوع الكتاب، إذ هو في الجدل على طريقة المتكلمين، وفي عباراتهم ما فيها من الغموض والإلْغاز، والتراكيب العسرة المغلقة.
2 - انضاف إلى ذلك أننا لم نقف إلا على نسخة واحدة للكتاب، والاعتماد على نسخة واحدة مزلَّةُ قَدَم في كثير من الأحيان، مهما كانت النسخة جيدة ومعتمدة وموثّقة، فكيف إذا كانت ــ كما هو الحال هنا ــ أقل من هذا الوصف بكثير.
3 - ومنها أيضًا ما شرحناه فيما تقدم من وجود طمس في أسفل كل صفحة بمقدار سطرين، وكذلك في أطراف كل صفحة بمقدار كلمتين، وقد أخذ منا قراءة هذه المواضع جهدًا ليس بالقليل، فوُقِّقنا في أكثرها ــ بحمد الله تعالى ــ وبقي منها بقيَّة؛ منها ما اجتهدنا في قراءته فأثبتناه على الاحتمال، ومنها ــ وهو قليل ــ ما تعسَّرت قراءته وتقديره فتركناه بياضًا وأشرنا إليه بثلاث نقاط، وأشرنا في الهامش إلى ما يحتمل أن يكون، أو إلى وجود كلمة أو كلمات عَسُرت قراءتها.
فاستعنَّا بالله في نسخ الكتاب والتأنِّي في قراءته، فأثبتنا ما في النسخة كما وصلتنا إلا فيما ظهر فيه التحريف أو النقص ظهورًا لا إشكال فيه، فحينئذٍ نصلح النص ونكمل النقص مع الإشارة إلى ذلك في الحواشي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
أما نصوص «الفصول» التي نقلها الشيخ كاملة في غضون الكتاب فقارنَّاها بنسخة «الفصول» التي حصلنا عليها، وهي نسخة جيدة صحيحة نادرة الغلط ــ كما سبق وصفها ــ إلا أنَّا جعلنا الأصل في إثبات النص لما ساقه المصنِّف مع الإشارة إلى الاختلافات في الهوامش، إلا ما نتبين خطأه أو سقوطه، فإنا نغيّره أو نضيفه مع الإشارة إلى كل ذلك.
كما وقع في النسخة خرم من أولها بنحو عشر ورقات ــ شرحناه فيما سبق ــ أكملنا بعضه بما حفظه لنا الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه في ترجمة شيخ الإسلام وهو يمثل خطبة الكتاب، فأثبتناها من هناك، ولم نعتمد على طبعة كتاب العقود بل اعتمدنا على أكثر من نسخة خطية جيدة أصلَحت كثيرًا من التحريف الواقع في المطبوعة.
وكان من شأننا أن جعلنا متن «الفصول» الذي يسوقه الشيخ للرد عليه بين قوسين كبيرين () بخط أثخن، وعند سياق الشيخ له مرة أخرى للرد المفصَّل نجعله بين قوسين مزدوجين صغيرين « … » بخط عادي، ونشير في الموضع الأول فقط إلى مكان النص من «الفصول» المخطوط.
وقد تمكنَّا من الحصول على ثلاثة شروح للفصول (كما سبق ذكرها ص 63 - 65) أحلنا عليها عند بداية كل فصل جديد، تيسيرًا على مَن أراد المقارنة بين هذه الشروح.
أما نص الكتاب فقد خدمناه بما أوضحناه في غير موضع.
وفي آخر الكتاب ألحقنا نص كتاب «الفصول» كاملًا لمن أراد أن يقف عليه، وكان اعتمادنا في إثبات نصه على مخطوطة الكتاب، وأثبتنا الفروق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
المهمة بينها وبين ما ساقه الشيخ في الهوامش، كما أثبتنا في بداية كل فصلٍ موضعَ الرد عليه من كتاب «التنبيه».
ثم أتْبَعنا الكتاب بفهارس مفصلة بنوعيها اللفظية والعلمية. والحمد لله وحده.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
نماذج من المخطوط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (ابن تيمية)القسم: الفرق والردود
الكتاب: تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل
[آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (12)]
المؤلف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 - 728 هـ)
تحقيق: علي بن محمد العمران - محمد عزير شمس
راجعه: محمد أجمل الإصلاحي - رابح مختاري الجزائري
الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)
الطبعة: الثالثة، 1440 هـ - 2019 م (الأولى لدار ابن حزم)
عدد الصفحات: 629
قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 29 شعبان 1442
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العليم القدير الخالق، اللطيف الخبير الرَّازق، السميع البصير الحكيم(1) الصّادق، العليّ الكبير الفاتق الرَّاتق(2)، الذي يسنُّ المناهجَ(3) والشرائع ويُبيِّن الطرائق(4)، ويَنْصِبُ الأعلامَ الطوالعَ لكشف الحقائق، ويُنزِّل الآيات والدَّلائل لبيان الجوامع والفوارق، ويقذفُ بالحقِّ على الباطل فيدْمَغُه فإذا هو زاهق. أحمده ثناءً عليه بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلى وشكرًا له على نِعَمه البواسق(5).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ربّ المغارب والمشارق، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المؤيَّد بالمعجزات الخوارق، الموضحُ لسبيل الحقِّ في الجلائل والدقائق، صلى الله عليه وعلى آله(6) وسلم صلاة وتسليمًا باقيَين ما بقيت الخلائق.
أما بعد، فإنَّ الله سبحانه علمَ ما عليه بنو آدم من كثرة الاختلاف والافتراق، وتبايُن العقول والأخلاق، حيث خُلِقوا من طبائعَ ذاتِ تنافر، وابتُلُوا بتشعُّب(7) الأفكار والخواطر. فبعث الله الرُّسل مبشِّرين ومنذرين ومبيِّنين للإنسان ما--------------------------------------------
(1) (ف، ك): "الحليم".
(2) (ك): "الفائق الرائق" تحريف.
(3) (ف): "المنهاج".
(4) (ف): "الطريق".
(5) (ف، ك): "السواسق".
(6) (ف) زيادة: "وصحبه".
(7) (ف): "بتشعُّث".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
يُضلُّه ويهديه، وأنزل معهم الكتاب بالحقِّ ليَحْكُم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وأمرهم بالاعتصام [ق 14] به حذرًا من الافتراق(1) في الدِّين، وحضَّهم عند التنازع على الرَّدّ إليه وإلى رسوله المبين. وعَذَرهم بعد ذلك فيما يتنازعون فيه من دقائق الفروع العملية(2)، لخفاء مَدْرَكها وخفَّة مَسْلكها وعدم إفضائها إلى بليَّة، وحضَّهم على المناظرة والمشاورة، لاستخراج الصّواب في الدّنيا والآخرة، حيث يقول لمن رضي دينهم: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]، كما أمرهم بالمجادلة والمقاتلة لمن عَدَل عن السبيل العادلة، حيث يقول آمرًا وناهيًا لنبيِّه والمؤمنين، لبيان ما يرضاه منه ومنهم: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46].
فكان أئمة الإسلام مُمتثلين لأمر المليك(3) العلَّام، يجادلون أهلَ الأهواء المضلَّة، حتى يردُّوهم(4) إلى سواء المِلَّة، كمجادلة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج المارقين، حتى رجع كثيرٌ منهم إلى ما خرج عنه من الدين، وكمناظرة كثير من السلف الأولين لصنوف المبتدعة الماضين، ومن في قلبه ريبٌ يخالفُ اليقين، حتى هدى الله من شاء من البَشَر، وعَلَن(5) الحقُّ وظَهَر، ودَرَس ما أحدثه المبتدعون واندَثَر.--------------------------------------------
(1) (ك): "التفرق".
(2) (ف، ك): "العلمية".
(3) (ب، ق): "الملك".
(4) (ف، ك): "يردونهم".
(5) (ف): "وأعلن".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
وكانوا يتناظرون في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، بالأدلة المرضيَّة والحُجَج القويَّة، حتى كان قلَّ مجلسٌ يجتمعون فيه(1) إلا ظهر الصواب، ورجع راجعون إليه؛ لاستدلال المستدلِّ بالصّحيح من الدلائل، وعِلْمِ المنازعِ(2) أنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل. كمجادلة الصّدّيق لمن نازعه في قتال مانعي الزَّكاة حتى رجعوا إليه، ومناظرتِهم في جَمْع المُصحف حتى اجتمعوا عليه، وتناظُرِهم(3) في حدِّ الشّارب وجاحد التحريم، حتى هُدوا إلى الصراط المستقيم. وهذا وأمثاله يجلُّ عن العدِّ والإحصاء، فإنَّه أكثرُ من نجوم السّماء.
ثم صار المتأخِّرون بعد ذلك قد يتناظرون في(4) أنواع التأويل والقياس بما يُؤثِّر في ظنِّ بعض الناس، وإن كان عند(5) التحقيق يؤول إلى الإفلاس، لكنَّهم لم يكونوا يقبلون من المناظر إلا ما يفيد ولو ظنًّا ضعيفًا للنَّاظر، واصطلحوا على شريعةٍ من الجدل، للتعاون على إظهار صواب القول(6) والعمل، ضبطوا بها قوانينَ الاستدلال، لتسلم عن الانتشار والانحلال. فطرائقهم وإن كانت بالنسبة إلى طرائق(7) الأوَّلين غيرَ وافيةٍ بمقصود الدّين، لكنَّها غيرُ خارجةٍ عنها بالكليَّة ولا مشتملة على مالا يُؤثِّر في القضيَّة، وربَّما--------------------------------------------
(1) بقية النسخ: "عليه".
(2) ضبطها في الأصل و (ف): "وعَلِمَ المنازعُ".
(3) (ب، ق): "ومناظرتهم".
(4) الأصل و (ب، ق): "من".
(5) في بعض النسخ: "هذا".
(6) (ف): "التأول".
(7) (ق): "أدلة".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
كسَوها من جَودة العبارة، وتقريب الإشارة، وحُسْن الصِّياغة(1)، وصنوف البلاغة، ما يُحَلِّيها عند النّاظرين، ويُنَفِّقُها عند المتناظرين، مع ما اشتملت عليه من الأدلَّة السَّمعية والمعاني الشرعيّة(2)، وبنائها على الأصول الفقهيَّة والقواعد المرضيَّة(3)، والتحاكم فيها إلى حاكم(4) الشّرع الذي لا يُعْزَل، وشاهد العقل المُزَكَّى المعدَّل.
وبالجملة [ق 15] لا تكاد تشتمل على باطل مَحْض ونُكْرٍ(5) صِرْف، بل لا بدَّ فيها من مَخِيلٍ للحقِّ ومشتملٍ على عُرْف.
ثم إن بعض طلبةِ العلوم من أبناء فارس والروم صاروا مولَعين(6) بنوعٍ من جَدَل المُمَوِّهين، استحدثه طائفةٌ من المشرقيِّين(7)، وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا(8) فيه مراوغة الثَّعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللَّاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنَّهم وضعوها في غير مواضعها المستحقَّة لها، وألَّفوا الأدلَّة تأليفًا غير مستقيم، وعَدَلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم.
غير أنَّهم بإطالة العبارة، وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة--------------------------------------------
(1) (ب، ق): "الصناعة".
(2) الأصل: "الشريعية".
(3) (ك): "الشرعية".
(4) (ب): "حكم".
(5) (ب، ف، ك): "مكر". وغير واضحة في (ق).
(6) رسمها في الأصل: "مولفين".
(7) من بقية النسخ، وفي الأصل: "المسرفين".
(8) (ب، ف): "راغو".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
والمجازيَّة في المقدِّمات، ووضع الظنيَّات موضعَ(1) القطعيَّات، والاستدلال بالأدلة العامَّة حيثُ ليس(2) لها دلالة، على وجهٍ يستلزمُ الجمعَ بين النقيضين مع الإحالةِ والإطالة، وذلك مِنْ فِعْل غالطٍ أو(3) مُغالطٍ للمُجادل، وقد نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن أغلوطات المسائل(4) = نَفَق ذلك على الأغْتام الطَّماطِم، وراجَ رواجَ البَهْرج على الغِرِّ العادِم، واغترَّ به بعضُ الأغْمار الأعاجم، حتى ظنُّوا أنَّه من العلم بمنزلة الملزوم من اللازم، ولم يعلموا أنه والعلم المقرِّب من الله(5) متعاندان متنافيان، كما أنَّه والجهل المركَّب متصاحبان متآخيان(6).
فلما استبان لبعضهم أنّه كلامٌ ليس له حاصل، لا يقوم بإحقاقِ حقٍّ ولا إبطال باطل= أخَذَ يطلبُ كشفَ مُشكِله وفتحَ مُقفَله، ثم إبانة علله وإيضاح زَلله، وتحقيقَ خطئه وخلله(7)؛ حتى يتبيَّن(8) أنَّ سالكَه يسلك في الجَدَل--------------------------------------------
(1) (ف): "مواضع".
(2) (ف، ك): "ليست".
(3) (ف، ك): "و".
(4) أخرجه أحمد (23688)، وأبو داود (3656)، وغيرهما، من طرق عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث. وفي سنده عبد الله بن سعد مجهول، وضعف الحديث ابن القطان في "بيان الوهم": (4/ 66)، وقواه الحافظ في "فتح الباري": (10/ 407).
(5) "من الله" من الأصل فقط.
(6) (ف): "ومتآخيان".
(7) بقية النسخ: "وخطله".
(8) (ف): "تبين".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
مسلك اللَّدَد، وينأى عن مسالك(1) الهدى والرَّشَد، ويتعلَّق من الأصول بأذيالٍ لا توصل إلى حقيقة، ويأخذ من الجدل الصحيح رسومًا يموِّه بها على أهل الطّريقة.
ومع ذلك فلا بدَّ أن يدخل في كلامهم قواعدُ صحيحة، ونُكتٌ من أصول الفقه مليحة، لكن إنَّما أخذوا ألفاظَها ومبانيها، دون حقائقها ومعانيها، بمنزلة ما في الدِّرْهم الزّائف من العين، ولولا ذلك لما نَفَق على من له عين.
فلذلك آخذُ في تمييز حقِّه من باطله، وحالِيْه من عاطله، بكلام مختصر مُرتجَل، كتبه كاتبُه على عَجَل. والله الموفِّق لما يحبّه ويرضاه، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله(2).
* * * *--------------------------------------------
(1) (ف، ك): "مسلك".
(2) انتهت خطبة الكتاب المقتبسة في "العقود الدرية" (ص 45 - 51) ط. دار عالم الفوائد. وفي مقدمته بيان للنسخ التي رُمز لها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
[فصل في التلازم](1)
فيه. وأكثر(2) هؤلاء المغالطين في الجدل إنما يستغفلون الخصمَ أن يُسلِّم …(3) قبل وجوب تسليم ما يذكرونه من العبارات التي لا حاصلَ لها، وقد يقدح في نتيجة التلازم بعد تسليم التلازم، وهذا يظهر إن شاء الله بالكلام الآتي:
قال المجادل(4): (واعتبر ما ذكرناه(5) في المناظرة، متى قلت: لو وجبت الزكاةُ على المديون لَوجَبَت على الفقير، إمّا بالنصّ أو بالقياس أو بغيرهما من الدلائل، فإنه يلزم من الوجوب هنا الوجوبُ ثَمَّهْ، ومن العدم ثَمَّهْ العدمُ هنا، فإنّ عدمَ الملزوم من لوازم عدمِ اللازم).
قلت: اعلم أن العلماء اختلفوا في مَن ملكَ نصابًا زكويًّا وحالَ عليه الحولُ وعليه دَيْنٌ حالٌّ لآدمي لا يتبقى معه بعد قضائه نصاب، فأكثر العلماء لا يُوجبون عليه الزكاة في الأموال الباطنة، وهي النقدين(6) وعروض التجارة، والشافعي في الجديد من قوله أوجبها عليه.--------------------------------------------
(1) "الفصول" (ق 2 أ- 3 أ). وانظر: "شرح المؤلف" (ق 44 ب- 51 أ)، و"شرح السمرقندي" (ق 44 أ- 52 أ)، و"شرح الخوارزمي" (ق 8 ب- 32 ب).
(2) من هنا بداية نسخة الكتاب، وقد ضاع من أولها عشر ورقات كانت تحتوي على المقدمة والكلام على أوائل "الفصول" للنسفي، ومنها "فصل في التلازم".
(3) هنا كلمة غير واضحة في الأصل.
(4) "الفصول" (ق 2 أ).
(5) "ما ذكرناه" ساقطة من "الفصول".
(6) كذا في الأصل بالياء والنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
واختلف الأولون في الأموال الظاهرة، وهي الحرث والماشية، فعن أحمد فيها روايتان، إحداهما: لا زكاة عليه فيها كالباطنة، وهي المنصورة عند أصحابه. والثانية: عليه فيها الزكاة، وهي قول مالك. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه زكاة الماشية، ويجب عليه عُشُرُ الخارج من الأرض بناءً على أصلِه في أنه ليس بزكاةٍ، وإنما هو حقّ الأرض، ولهذا أوجبَه في مال الصبي والمجنون والقليل والكثير وجميع ما تُرك من الخارجات، ولم يَجمع بينه وبين الخراج. والكلام العلمي في هذا معروف في موضعه.
واعلم أن المصنف يستعمل لفظ "المدْيُون" وهي لغة قليلة(1)، والصحيح أن يقال: "المَدِيْن"، وكذلك كل اسم مفعولٍ صِيغَ من فعلٍ عينُه ياءٌ، مثل مَبِيع ومَسِيل ومَعِين من عانه يَعِينُه ومَعِيب، وإن كان العينُ واوًا مثل مَصُون فإن التصحيح فيه أضعف.
وكذلك يستعمل "ثَمَّه"، وهذه الهاء هاء السكت، وهي تدخل على كل حركة غير إعرابية، لكن إنما تُستعمل عند إرادة الوقوف والسكوت، فأما إذا أريد وَصْلُ الكلام فلا حاجةَ إليها لظهور الحركة(2) بما بعدها، وربّما حرَّكَها [بعض](3) الناسِ وهو لحنٌ.
فإذا قال المستدل: وجوب الزكاةُ على المدين [يستلزم وجوبها] على الفقير فعليه بيانُ الملازمة، فإن أقامَ دليل الملازمةَ و ..... المعارضة لم يَرِد عليه سؤال صحيح إلا المعارضة بما يدل على نفي الزكاة … ومن عادة--------------------------------------------
(1) في لسان العرب (دين) أنها لغة تميمية.
(2) هذه الكلمة غير واضحة في الأصل.
(3) هنا طمس في الأصل، وكذا في المواضع الآتية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
أصحاب هذا الجدل … واستدلوا بما ..... [ق 2] .... استدلال بعضهم من النصّ بقوله صلى الله عليه وسلم: "أدُّوا زكاةَ أموالكم"(1)، فإذا نُوزِعوا في شمولِه للفقير إذ لا مالَ له قالوا: [المراد](2) به مَن ملك دون النصاب أو مالًا غير زكوي.
وهذا الحديث بهذا اللفظ لا أصلَ له، ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث والفقه المعتبرة(3)، وبتقدير صحته فقد انعقد الإجماعُ على أن الفقير غيرُ مرادٍ منه، فلا يصحُّ الاستدلالُ به على الوجوب على الفقير. وقد انعقد الإجماعُ على أن المرادَ به الأموالُ الزكويّةُ قدرًا ونوعًا دون ما سِوى ذلك، فلا يكون مَن ليس كذلك داخلًا فيه.
فإن قيل: هو مرادٌ على هذا التقدير، وهو تقدير الوجوب على المدين، لأنه جائز الإرادة على هذا التقدير، لأنَّ من يسوِّي بين المدين والفقير يقول: إن النصَّ الموجبَ للزكاة في أحدهما موجبٌ للزكاة في الآخر، فلو كان الموجبُ(4) على المدين مرادًا لكان الوجوب على الفقير مرادًا.
قيل: كون الشيء مرادًا معناه أن الشارعَ أرادَه بكلامه، وهذا أمرٌ قد استقرَّ وثبتَ، فلا يُمكن انقلاب مرادِه غيرَ مُرادٍ له، ولا ما ليس بمرادٍ له مرادًا له. ونحن قد علمنا قطعًا أن الفقيرَ ليس بمرادٍ، فلا يُمكن الاستدلال على وقوع الإرادة بعدَ ذلك بكونه جائزَ الإرادة، أو بكون اللفظِ عامًّا له، أو بغير ذلك من الأدلة، لأن ما ليسَ بواقعٍ لا يقوم دليلٌ صحيح على وقوعِه.--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه (ص 476).
(2) زيادة ليستقيم المعنى.
(3) هو جزء من حديث كما ذكرنا، وسياقه بتمامه ينافي شمولَه للفقير.
(4) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "الوجوب" كما يدل عليه السياق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)