Arabic source text

📘 তানবীহুর রাজুলিল আকিল আলা তামওয়িহিল জাদালিল বাতিল (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

📘 تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (ابن تيمية - ت 728 هـ)

📘 তানবীহুর রাজুলিল আকিল আলা তামওয়িহিল জাদালিল বাতিল (ইবনু তাইমিইয়্যাহ - মৃত্যু 728 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
«إياك أن تشتغل بهذا الجدل الذي ظهر بعد انقراض الأكابر من العلماء (يشير إلى جدل العميدي) فإنه يبعد عن الفقه، ويضيع العمر، ويورث الوحشة والعداوة، وهو من أشراط الساعة، كذا ورد في الحديث، ولله دَرُّ القائل:
أرى فقهاء هذا العصر طُرًّا … أضاعوا العلم واشتغلوا بلِمْ لِمْ
إذا ناظرتَهم لم تَلْق منهم … سوى حَرْفَيْنِ لِمْ لِمْ لا نُسَلِّمْ»

وهذا هو الجدل المذموم الذي منه ما يكون محرمًا، قال إمام الحرمين الجويني: «فالمذموم منه ما يكون لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليُلْبَس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرُّفٌ ولا تقرُّبٌ … إلى غير ذلك من الوجوه المنهيِّ عنها»(1).
وهذه الطريقة المخترعة يبدو أنها لقيت رواجًا في القرن السابع في أوساط الطلبة والمتفقهة، تدل على ذلك عبارةُ ابن خلكان ــ لما ذكر طريقة العميدي ــ «وهي مشهورة بأيدي الفقهاء»(2)، وكذلك كَثُرت في هذه الطريقة الشروح والتآليف(3)، وتدل عليه عبارة شيخ الإسلام المذكورة آنفًا. من أجل ذلك رأى شيخ الإسلام أنه يجب التصدِّي لهذه الطريقة وتفنيد ما فيها من الخطأ والباطل(4)، وذلك بنقض كتاب يُمَثِّل هذه الطريقة، وهو «فصول في الجدل» لبرهان الدين محمد بن محمد النسفي الحنفي المتوفى--------------------------------------------
(1) «الكافية في الجدل» (ص 22).
(2) «الوفيات»: (1/ 257).
(3) انظر ما سيأتي في المقدمة، و «مقدمة ابن خلدون» (ص 507).
(4) انظر «الصواعق المرسلة»: (3/ 1079 - 1080).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

سنة (687)، وقد ذكر ابنُ خلدون النسفيَّ على أنه أحد المؤلفين في هذه الطريقة الذين سلكوا مسلك العَمِيدي(1).
وقد زادت قناعةُ شيخ الإسلام بنقض هذه الطريقة بعد ما طُلِب إليه أن يكتب ما يكشف مُشكلها ويفتح مُقْفَلَها، ويبين ما فيها من زللٍ وخَطَل، حتى يتبين لمن سلكها من الطلاب أنه في طريق لا يهدي إلى الهدى والرشد، ولا يوصل إلى حقيقة، وإن أخذوا من الجدل الصحيح ما فيه من الرسوم والألفاظ تمويهًا دون حقائقه ومعانيه، وذلك بمنزلة ما في الدرهم الزائف من العين!
إلا أن رواج هذه الطريقة لم يلبث طويلًا، فسرعان ما هُجِرت وانفضَّ الطلابُ عن الاهتمام بدراستها، والعلماءُ عن التأليف فيها(2)، لما فيها من التعقيد وصعوبة المسلك، مع بُعْدها عن العلم الصحيح الذي يورث الفقهَ، والعلمَ النافع.
* * *--------------------------------------------
(1) «المقدمة» (ص 507)، وقد وهم كثير من الباحثين في تعيين «النسفي» في نص ابن خلدون هذا، وليس هو إلا صاحبنا.
(2) وانظر «مقدمة ابن خلدون» (ص 507).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

ثانيًا: التعريف بكتاب
«تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل»

*‌‌ قصة العثور على الكتاب:
كان يُظنّ أن الكتاب مفقود، لم يبقَ منه إلا مقدمته التي اقتبسها ابن عبد الهادي في «العقود الدرية»(1)، حتى منَّ الله عليَّ بالعثور عليه في مكتبة رضا بمدينة رامفور بالهند، عندما زرتُها لأول مرة قبل ثلاث سنوات بحثًا عن مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية. فقد وجدتُ في الفهرس القديم للمكتبة(2) ذكرَ مخطوطة بعنوان كتاب «الفرق» لابن عقيل الحنبلي، ولما اطلعتُ عليها وقرأتُ فيها وجدتُ أنها في «الجدل»، وبعد التأمل فيها ظهر لي أنها في الردّ على كتابٍ مؤلَّفٍ في الجدل. ومن حسن حظي وجدتُ في المكتبة بعض المخطوطات في هذا الفن، من بينها كتاب «الفصول» لبرهان الدين النسفي (ت 687)، وبعد المقارنة بينها وبين المخطوطة السابقة توصلتُ إلى أن الأخيرة هي المقصودة بالرد في المخطوطة المشار إليها، فاستبعدتُ أن يكون مؤلفها ابن عقيل (ت 513)؛ لأنه توفي قبل النسفي بمدة طويلة.
ثم بدأت أبحث عن المؤلف الحقيقي الذي عاش في الفترة ما بين 687 (تاريخ وفاة النسفي) و 759 (تاريخ نسخ المخطوطة)، وترجَّح لدي بقرائن--------------------------------------------
(1) (ص 45 - 51).
(2) (1/ 512).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

متعددة أنه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما سيأتي ذكرها. وقد طلبتُ من القائمين على المكتبة تصوير المخطوطة للدراسة المتأنية، وبعد جهد جهيد وصبرٍ طويل حصلنا على مصوَّرته الثانية بعد ما ضاعت مصوَّرتُه الأولى التي أرسلت إلينا بالبريد المسجَّل. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

*‌‌ اسم الكتاب:
ذكر ابن عبد الهادي في «العقود الدرية»(1) أن عنوان هذا الكتاب: «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل»، وقال: إنه في مجلد، وهو من أحسن الكتب وأكثرها فوائد. ثم نقل مقدمته. وذكره في كتابه «مختصر طبقات علماء الحديث»(2) بعنوان «تنبيه الرجل العاقل على تمويه المجادل في الجدل الباطل».
أما الصفدي وابن شاكر الكتبي فذكراه بعنوان: «تنبيه الرجل الغافل على تمويه المجادل»(3)، وذكره الحاج خليفة في «كشف الظنون»(4) بعنوان «تنبيه الرجل الغافل على تمويه الجدل الباطل»، وقال: «هو كتاب كبير في الجدل، أوله: الحمد لله العليم القديم». و «القديم» تحريف «القدير». وغالب الظن أن «الغافل» تصحيف «العاقل»، ويمكن توجيه صحته بأن يقال: إن هذا الكتاب يُنبِّه الغافلَ على ما في كتاب الجدل من الباطل، ليكون بمأمنٍ من الخطر. أما «العاقل» على ما ذكره ابن عبد الهادي فالمقصود به أن--------------------------------------------
(1) (ص 45).
(2) (4/ 289).
(3) انظر «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص 293، 316، 331).
(4) (1/ 487).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

الكتاب تنبيهٌ للشخص الذي يَعقِلُ مثل هذه المباحث الجدلية على تمويهات الجدليين المتأخرين. وهذا هو الراجح في نظرنا، وقد اخترنا أن يكون العنوان «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل» كما في «العقود الدرية»، وما في المصادر الأخرى مقارب له.

*‌‌ تاريخ تأليفه:
نحسب أن شيخ الإسلام ألَّف هذا الكتاب في المرحلة الأولى من حياته في أثناء إقامته بدمشق قبل سفره إلى مصر سنة 705. ومما يستأنس به في ذلك أن الشيخ لم يُشِر في هذا الكتاب إلى شيء من مؤلفاته وكتاباته، مع أنه كثير الإحالة إليها في كتبه إمّا إجمالًا كقوله: «كما بُسِط ذلك في موضع آخر»، أو بتحديد عنوان كتابه. ولم يفعل هذا في الكتاب الذي بين أيدينا.
ثم إن ميلَه إلى السجع في مقدمة الكتاب ــ كما صنع في مقدمة «الصارم» و «الإبطال» ــ وكلامه على بعض الأحاديث الواردة في الكتاب باختصار، واهتمامه بأمر اللغة والنحو والتنبيه على اللحن، كلُّ ذلك يشير إلى قِدَم تأليفه، وأنه من أوائل كتبه التي ألَّفها، فلم نعهد منه هذا في المرحلة الأخيرة من حياته.

*‌‌ إثبات نسبته إلى المؤلف (1):
وصلت إلينا نسخة فريدة من الكتاب كتبت سنة 759، وهي في مكتبة--------------------------------------------
(1) هذا ما كنا ذكرناه في مقدمة الطبعة الأولى، ثم زدناها عددًا وبيانًا في مقدمة الطبعة الثانية، وهي بين يديك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

رضا في رامفور بالهند برقم [2170]. وقد كانت في فهرسها القديم (1/ 512) منسوبةً إلى ابن عقيل الحنبلي. وبعد الاطلاع على النسخة ودراستها ظهر أنها ليست لابن عقيل، فإنه توفي سنة 513، والكتاب يناقش «الفصول في الجدل» لبرهان الدين النسفي المتوفى سنة 687، وهو متأخر عن ابن عقيل كما نرى.
وكان علينا أن نبحث عن المؤلف الحقيقي له في الفترة بين (687 - 759 تاريخ وفاة النسفي وتاريخ كتابة النسخة). وبما أن الملزمة الأولى من النسخة ناقصة، فذهبت بعشر أوراق تحتوي على مقدمة الكتاب والكلام على بعض الفصل الأول من «الفصول»، كان لابدّ من دراسة النسخة والتأمل فيها لعلنا نهتدي إلى المؤلف الحقيقي. وبعد عكوفنا على النسخة والقراءة المتأنية فيها وجدنا قرائن تُشير إلى أن المؤلف هو شيخ الإسلام، ثم توصلنا إلى القطع بذلك بعدما وجدنا نصوصًا مقتبسة منه في «إعلام الموقعين» لابن القيم.
أما القرائن فكانت عديدة:
منها: أن المترجمين لشيخ الإسلام ذكروا له كتابًا في الجدل بعنوان «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل». والكتاب الذي بين أيدينا نقدٌ لأصحاب الجدل الباطل وبيانٌ لتمويهاتهم، ولا نعرفُ أحدًا غيره ألَّف على هذا النحو في الرد على الجدليين المتأخرين.
ومنها: أن شيخ الإسلام كان في هذه الفترة التي حددناها، أي بعد وفاة النسفي 687، وقبل تاريخ النسخة 759. ولا نعرف أحدًا غيره برز في هذه الفترة للرد على الجدليين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

ومنها: أن في الكتاب ذكر «تمويه» الجدليين والجدل «المموّه» وأصحاب الجدل «المموّهين» ومشتقاته بكثرة، وإذا قرأنا مقدمة الكتاب التي اقتبسها ابن عبد الهادي في «العقود» عرفنا أن المقصود الاصلي من الكتاب نقد جدل «المموّهين» وبيان «تمويهاتهم».
ومنها: أن هذه المقدمة المقتبسة فيها أن المؤلف يأخذ في تمييز حقّه من باطله وحالِيه من عاطله بكلام مختصر، والنسخة كلها تحوي نقد كتاب النسفي المذكور وتمييز حقّه من باطله وتمييز صحيحه من سقيمه.
ومنها: أن في الكتاب موضوعاتٍ وأبحاثًا اشتهر شيخ الإسلام بالحديث عنها، منها نقله لكلام الإمام أحمد: «ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين». وقوله: «أكثر ما غلط الناس من جهة التأويل والقياس»، وبيانه لمعناه (ص 205). وانظر نحو هذا الكلام في «قاعدة في الاستحسان» (ص 74) و «مجموع الفتاوى» (7/ 391، 392).
وتكلم في موضوع النهي عن التشبه بالأعاجم والكفّار (ص 257 - 259). وقد فصَّل فيه الكلام بما لا مزيد عليه في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم».
وتكلم في موضوع التنافي (ص 397 وما بعدها)، ونحوه في «الرد على المنطقيين» (ص 205، 206).
وهناك موضوعات أخرى أشرنا إلى ما ورد منها ما يماثلها في كتبه الأخرى.
هذه القرائن وغيرها أرشدتنا إلى أن الكتاب من تأليفه، ثم وجدنا تلميذه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

العلامة ابن قيم الجوزية ذكر في «إعلام الموقعين» (5/ 546 - 581، 6/ 5 - 40) مبحثًا طويلًا في حجية قول الصحابي، وكلُّه منقول من هنا دون عزو مع إضافات (ص 529 - 556)، على طريقته في نقل كلام شيخه بعزوٍ أو بدون عزوٍ. وهذا مما يقطع بصحة نسبته إلى شيخ الإسلام.

*‌‌ منهج المؤلف فيه:
الكتاب الذي بين أيدينا يبحث في موضوع الجدل الأصولي، وينقد طريقة الجدليين المتأخرين ويبيِّن ما فيها من الخطأ والصواب، ويميِّز بين القشر واللباب. وهو كما ذكرنا ردٌّ على كتاب «الفصول في الجدل» لبرهان الدين النسفي (687)، ومنهجه فيه أنه يقتبس شيئًا من كلام النسفي، ويُعقِّب عليه بالشرح أولًا ثم الردّ عليه ثانيًا، ويأتي بوجوهٍ كثيرة لبيان فساد كلامه. وإذا كان عنده شيء من اللحن أو مخالفة في اللغة يُنبِّه عليه ويذكر صوابه. وإذا كان في كلامه ما يوافق الحق والصواب أبرزَه وأيَّده فيه، ولكنّه ينتقده بتطويل الكلام وتكثير المقدمات وتغيير العبارة بما لا فائدة فيه. ويقدِّم المؤلف بعض الفصول بمقدّمات مفيدة تساعد على فهم الموضوع، كما فعل في مبحث القياس والاستصحاب وحجية قول الصحابي وغير ذلك.
وقد التزم المؤلف بالردّ على النسفي من أول كتابه «الفصول» إلى آخره، فلم يترك منه فقرةً إلّا اقتبسها وتكلَّم عليها، والتزم الترتيب نفسه، إلّا في فصل «التنافي بين الحكمين» (ص 397)، فقد تأخّر عند المؤلف مع أنه في أول الكتاب بعد «فصل التلازم» في الأصل وجميع شروحه. ولعلَّ النسخة التي اطلع عليها شيخ الإسلام من «الفصول» كانت مضطربة في الترتيب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

ونرى أن إخراج هذا الكتاب لأول مرة يُقدِّم للباحثين مادةً جديدة لدراسة آراء شيخ الإسلام في موضوع الجدل الأصولي، فالكتاب فريدٌ في بابه، لم نجد له مثيلًا في الكتب التي أُلِّفت في الجدل. ثم إن اهتمام الشيخ بنقد كتاب كاملٍ من أهم الكتب المؤلفة على طريقة المتأخرين يزيد من قيمة الآراء والنظرات التي وردت فيها، ونستطيع أن نستخلص منه رأيه في كلّ مبحث من مباحث الجدل. ونرى أن أكثر هذه الأبحاث جديدة لنا، فلم نجد من قبلُ إلا نتفًا مما يتعلق بها في كتبه المعروفة.
وعلى هذا فما في هذا الكتاب من الأبحاث المتعلقة بالتلازم والتنافي والدوران والقياس وتخصيص القياس وتعدية العدم وتوجيه النقوض والتمسك بالنصّ والأمر والنهي والتمسك بالنافي وقول الصحابي والإجماع المركب والاستصحاب وغيرها، وما فيه من الردّ على الجدليين المموّهين في هذه الموضوعات، يدفعنا إلى دراسته دراسة متأنية، والمقارنة بينه وبين ما يشبهها من المباحث في كتبه الأخرى.
ولا يمكننا في هذه المقدمة أن نتناول آراءه في الكتاب بالبحث والتحليل والمقارنة، فهذه مهمة الباحث المتفرغ لهذا الموضوع. وإنما ننبِّه هنا على أمرٍ يجب الاهتمام به عند دراسة آراء الشيخ في الكتاب، وهو أن الشيخ كثيرًا ما يُعقِّب كلامَ البرهان النسفي بما يشرحه ويُوضحه، فلا يُؤخذ منه أنه يؤيِّده وينصره، بدليلِ أنه يأتي فيما بعد بما يُبيِّن فساده من وجوهٍ كثيرة. وكذلك يفعل في ذكر المقصود من منع المعترض وجواب المستدّل (أو النسفي) عنه، فالشيخ يذكر أولًا المقصود من الاعتراض والجواب، ثم يُعقب عليه بكلام من عنده. وأحيانًا يذكر وجوهًا من الاعتراض على لسان المعترض أو المستدل جريًا على طريقة الجدليين، ثم يقول: إنها لا طائل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

تحتها. وأحيانًا يتكلم بعد افتراضِ شيء، ويتوسَّع في الكلام، ثم يُبيِّن أن هذا الافتراض ليس بصحيح. والأمثلة على ذلك كثيرة مبثوثة في الكتاب.
وينبغي أن يكون القارئ والدارس على معرفةٍ بالغرض الأصلي من تأليف هذا الكتاب، فقد كان قصدُ الشيخ فيه التمييز بين الجدل الصحيح والباطل، والتنبيه على ما في كلام الجدليين المموّهين من المغالطات، وما يسلكونه من الطرق المعوجّة للوصول إلى المقصود. وقد نبَّه الشيخ كثيرًا على هذا الغرض في أثناء كلامه. يقول في موضع (ص 421): «واعلم أن نكت هؤلاء المموِّهين إذا صحَّ بعضُها وكان مبنيًّا على أصول الفقه، فإنه لابدّ من حشوٍ وإطالة، وذِكْر ما لا يفيد، ووقف الاستدلال على ما لا يتوقف، وإدخال ما ليس من مقدمات الدليل في المقدمات، فهي دائرة بين تغليط وتضييع، وبين الإحالة والإطالة، وبين الباطل الصريح والحشو القبيح». ونحو هذا الكلام عنده كثير، فعلينا عند دراسة آراء الشيخ أن لا ننسب إليه ما هو منه برئ، وإنما ورد ما ورد منه في كلامه على لسان المعترض أو المستدل.
وبالإضافة إلى مباحث الجدل والأصول يوجد في الكتاب آراء جديدة للشيخ في النحو واللغة، ونخصُّ بالذكر هنا كلامه في المصدر الصناعي (ص 250 - 256)، فقد أطال الكلام حوله، وبيَّن ما هو على الجادة منه مما ليس كذلك، وقد ردَّ هنا على النحويين وفصَّل تفصيلًا لا يوجد في كتب النحو القديمة والجديدة التي رجعنا إليها.

*‌‌ إفادة العلماء منه:
وقفنا ولله الحمد على ثلاثة من العلماء اقتبسوا من هذا الكتاب:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

1 - الإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت 744)، فقد ذكر الكتاب وأثنى عليه، وساق خطبته كاملة في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية «العقود الدرية» (ص 45 - 51).
2 - الإمام ابن قيم الجوزية (ت 751) في كتابه «إعلام الموقعين» فقد نقل نصًّا طويلًا في الكلام على الاحتجاج بأقوال الصحابة، مع بعض التصرف كعادة ابن القيم في نقله عن الشيخ، وهذا النقل في (5/ 546 - 581)، (6/ 5 - 40) وهو في «التنبيه» (ص 529 - 556).
3 - الإمام علاء الدين المرداوي (ت 885) في كتابه «التحبير في شرح التحرير» (1/ 212 - 213)، ونصه: «قال الشيخ تقي الدين في الرد على الجست(1): «النظر له معان عدة. منها: نظر العين كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]، وقوله تعالى: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين: 23، 25].
ومنها: نظر القلب كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185].
ومنها: معنى العطف والرحمة كقوله: {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 77].
ومنها: معنى الانتظار كقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ} [الزخرف: 66]، {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13]، {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ--------------------------------------------
(1) وقع في مطبوعة «التحبير»: «الجشت»، وهو تصحيف. وقد تقدم تفسير «الجست» (ص 41).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35].
ومنها: معنى المقابلة والمحاذاة، يقال: داري تناظر دارك، أي: تقابلها، والموضع الفلاني ينظر إلى جهة كذا، أي: يقابله ويحاذيه.
ومنه النِّظْر: لأنه يقابل الآخر ويناظره، ويُسَمَّى المتحاجان متناظرين؛ لأنهما متقابلان تقابلَ الشيئين المتواجهين، ولأنهما متعاونان على النظر الذي هو التفكر والاعتبار، طلبًا لإدراك العلم وبيانه.
والمعنى الأول أظهر عند أهل العربية. وإلى المعنى الثاني صَغو الجدلين» انتهى.
ويبدو أن هذا الاقتباس من أوائل كتاب «التنبيه»، وأوائله ساقطة من نسختنا كما سلف.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

‌‌ثالثًا: ترجمة برهان الدين النَّسَفي صاحب «الفصول»(1)
لم تُسعِف المصادر التي ترجمت للنسفي بتفصيل كاف يكشفُ عن مختلف جوانب حياته، بل حتى تلك المعلومات المقتضبة يتناقلها اللاحق عن السابق دون إضافة تُذكر سوى التصرف في بعض العبارات. ونحن هنا نجمع بين ما تفرق من معلومات ونسوقها على النحو التالي:
هو: محمد بن محمد بن محمد أبو الفضل(2) برهان الدين النَّسَفي الحنفي.
ولد النَّسَفي نحو سنة ستمائة (600) على ما قاله تلميذه الفُوَطي، وجزم البعض أنه ولد في تلك السنة، وقيل: سنة (606) وهي سنة وفاة الرازي صاحب «مفاتيح الغيب» الذي اختصره النسفي.
والنسفي نسبةٌ إلى مدينة «نَسَف» بفتح النون والسيف، وهي مدينة كبيرة--------------------------------------------
(1) أهم مصادر ترجمته: «مرآة الجنان»: (4/ 200)، «دول الإسلام»: (2/ 211)، «تاريخ الإسلام»: (وفيات 687 ص 317)، «العبر»: (3/ 355)، «السير»: (ص 232 - الجزء المفقود)، «الوافي بالوفيات»: (1/ 282)، و «تذكرة النبيه»: (1/ 120)، و «درة الأسلاك»: (1/ق 114)، و «الجواهر المضية»: (3/ 351)، و «المنهل الصافي»: (1/ 265)، و «تاج التراجم» (ص 246)، و «شذرات الذهب»: (5/ 385)، و «طبقات المفسرين»: (2/ 250)، «كتائب أعلام الأخيار» رقم 535، و «الطبقات السنية» رقم (2296)، و «الفوائد البهيّة» (ص 194)، و «هدية العارفين»: (2/ 135)، و «الأعلام»: (7/ 31).
(2) وقيل: أبو الفضائل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

من مدن بلاد ما وراء النهر(1).
برز النسفي في العلوم العقلية، كالفلسفة، والكلام، والمنطق، والأصول، وله بعض التصانيف في الخلاف والتفسير، وقد أثنى عليه غير واحد في هذه الفنون.
قال تلميذه ابن الفُوَطي (ت 723) كما في «الوافي»: «شيخنا المحقق، العلامة الحكيم، له التصانيف المشهورة. كان في الخلاف والفلسفة أوحد، مُتِّع بحواسِّه، وكان زاهدًا».
وقال الذهبي (ت 748) في «دُوَلِه»: «العلامة البرهان النسفي، المتكلم، شيخ الفلسفة ببغداد، صاحب التصانيف في الخلاف».
وأثنى عليه كل مَن ترجم له بنحو ما سبق، إلا أن اللكنوي (ت 1304) وصفه بأنه كان «محدِّثًا»! وهذا الوصف تفرَّد به اللكنوي، ولم نجد ما يؤيده، بل وجدنا كل الدلائل تشير إلى عدم اشتغال النسفي بالحديث وقلة بضاعته فيه ــ كما هو حال أكثر من اشتغل بالعلوم العقليَّة ــ.
قال شيخ الإسلام في كتابنا هذا(2): «هؤلاء المتأخرون من الخلافيين ونحوهم من المتفقِّهة أقل الناس علمًا بالحديث وأبعدهم عن ضبطه ومعرفته، ولعل أحدهم أو أكثرهم لا يَعرفون مظانَّ طلب الأحاديث … ويكفي دليلًا على ذلك أن هذا المصنف [أي النسفي] ذكر في كتابه هذا عدة أحاديث، عامتها ليست محفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن في الباب الذي--------------------------------------------
(1) «معجم البلدان»: (5/ 285)، و «بلدان الخلافة الشرقية» (ص 513).
(2) (2/ 504 - 506).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

يذكره عدة أحاديث صحاح مشهورة … ».
وقال الذهبي في «السير»(1): «وما علمته روى حديثًا ولا تشاغل في الأثر».
فإن قيل: إن استجازة الحافظ البرزالي (ت 739) منه في سنة (684)(2) تدل على أنه له تشاغلًا بالرواية. فيقال: ذلك غير لازم؛ لأنه قد يطلب منه الإجازة لِمَا صحَّت له روايته من كتب الفقه والخلاف ونحوها، أو كتبه التي صنَّفها هو، ولو صح أن له رواية بكتب الحديث فلا يعني أن يوصف من أجل ذلك بالمحدِّث. مع أن البرزالي واسع الرواية جدًّا، ويروي عن كل أحد.
* مصنفاته(3):
ترك النسفيُّ جملةً من التصانيف أكثرها في العلوم العقلية والمباحث الفلسفية، حتى تفسيره (مختصر تفسير الرازي) أكثر مسائله قضايا فلسفية وجدلية. وهذا ذكر مصنفاته مرتبةً على الحروف:
1 - التراجيح (خ) ولدينا نسخة منه.
2 - دفع النصوص والنقوض (خ) ولدينا نسخة منه.
3 - رسالة في الدور والتسلسل.
4 - رسالة في العشق (خ).--------------------------------------------
(1) الجزء المفقود منه (ص 232) تحقيق عبد السلام علُّوش.
(2) ذكرها في «تاج التراجم» (ص 247).
(3) انظر «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان: (9/ 128 - 129).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

5 - شرح أسماء الله الحسنى (خ). ويُسمَّى «مشارق الأنوار».
6 - شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا.
7 - شرح الرسالة القدسية بأدلتها البرهانية للغزالي.
8 - شرح منشأ النظر.
9 - الفصول في الجدل، ويسمَّى أيضًا (المقدمة البرهانية، ومقدمة في الجدل)، وهو الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه هذا وسيأتي تفصيل القول فيه.
10 - الفوائد.
11 - القوادح الجدلية (خ) ولدينا منه نسخة.
12 - كشف الحقائق وشرح الدقائق في تفسير كلام رب العالمين، ويسمى أيضًا بـ: الواضح في تلخيص تفسير القرآن للرازي. وهو مختصر من تفسير الرازي «مفاتيح الغيب»، ذكره جل من ترجم له، وله نسخة خطيَّة وحيدة في كوبريللي بإستانبول، طبع منه تفسير سورة الناس في دار البحوث للدراسات الإسلامية بدبي بتحقيق د/ عيادة الكبيسي.
13 - مطلع السعادة.
14 - مكارم الأخلاق. طبع بتحقيق أخينا أبي الفضل القونوي في بيروت عام 2011 م.
15 - منشأ النظر في علم الخلاف (خ) ولدينا منه نسخة في عدة أوراق، وقد شرحه غير واحد، منهم: المؤلف، والبابرتي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

* شيوخه وتلاميذه:
لم تنص المصادر على أحد من شيوخ النَّسَفي.
أما تلاميذه فقال الذهبي: «وتخرج به خلق»، لكن لم نقف إلا على خمسة وهم:
1 - ابن الفُوَطي (ت 723)(1).
عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الصابوني الحنبلي الحافظ، المعروف بابن الفُوَطي نسبة إلى الفُوَط التي كان يبيعها.
2 - ابن الصاحب (ت 685)(2).
هارون بن محمد شرف الدين الجويني، صاحب ديوان الممالك.
3 - البِرزالي (ت 739)(3).
القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد أبو محمد علم الدين البرزالي.
4 - جلال الدين الحنفي (ت 745)(4).
أحمد بن الحسن بن أحمد قاضي القضاة.
5 - علي بن هارون بن محمد السمرقندي(5).--------------------------------------------
(1) نص عليه غير واحد.
(2) نص عليه في «تاريخ الإسلام».
(3) نص عليه في «تاج التراجم».
(4) ذكره في «المنهل الصافي».
(5) قرئت عليه نسخة من «شرح الفصول» لمؤلفه النسفي، وكتب إجازة بخطه للناسخ سنة 699. انظر شرح المؤلف (ق/104 ب).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

* وفاته:
اختلفت المصادر في تعيين سنة وفاته على أقوال أهمها ثلاثة:
1 - سنة 684، ذكره الذهبي في «العبر»، وتبعه جماعة.
2 - سنة 686، ذكره الحاج خليفة والبغدادي واللكنوي.
3 - سنة 687، وبه قال جمهور مَن ترجم له، ويؤيده أن تلميذه ابن الفُوَطي قد حدد هذا التاريخ بدقة تدل على معرفة واطلاع فقال: مات في الثاني(1) والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وستمائة. ويؤيده أنه أجاز للبرزالي سنة 684، فيكون قد توفي بعدها في الغالب، فالراجح هذا الأخير.
* * *--------------------------------------------
(1) في بعض المصادر: «الثامن».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)

رابعًا: التعريف بالكتاب المردود عليه
«فصول في الجدل»
تقدم لنا شرح المراحل والاتجاهات التي مرَّ بها علم الجدل، وأنواع المصنفات في ذلك (ص 34 - 44)، وذكرنا أن المرحلة الثالثة تمثلت في «الطريقة العميديَّة» وما سلك مسلكها كـ «المقدمة البرهانية أو فصول في الجدل»، وقد طُلب من شيخ الإسلام أن يرد على هذه الطريقة ويبين ما فيها، فكان أن نقض كتاب النسفي في كتابه هذا «تنبيه الرجل العاقل … »(1)، ولأجله سنعرّف به في النقاط الآتية:

* أولًا:‌‌ اسمه:
تعددت أسماء هذا الكتاب على أنحاء:
1 - المقدمة البرهانية في الجدل:
وهذا هو الثابت على صفحة العنوان في النسخة الخطية التي اعتمدناها ــ سيأتي وصفُها ــ، وهو الثابت على شرح السمرقندي في رأس الورقة الأولى: «شرح المقدمة البرهانية للإمام … ». وقال في أثناء الشرح (ق/40 ب): «وقد صنَّف الإمامُ برهان الدين … مقدمة في هذا العلم»، ومثله ما جاء في خاتمة «شرح المؤلف ــ النسفي»: (ق/141 ب)، إذ كتب أحد تلاميذ النسفي إجازة للناسخ وفيها: «لقد قرأ الإمام الفاضل … شرح كتاب المقدمة … ».--------------------------------------------
(1) وقد ألحقنا نصه كاملًا في آخر الكتاب (ص 603 - 629).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)

2 - المقدمة النسفية. ذكر في بعض المصادر.
3 - مقدمة في الجدل والخلاف والنظر.
4 - الفصول.
قال الخوارزمي في مقدمة شرحه (ق/1 ب): «المعروف بـ «الفصول». وكذلك ثبت في شرح برهان الدين البلغاري المسمَّى «معارك الفحول شرح الفصول»: (ق/151 ب) قال: «وسميتها معارك الفحول … ».
5 - الفصول البرهانية.
6 - فصول النسفي في الجدل.
فيتخلص من هذا الخلاف عنوانان: فإما أن يكون «المقدمة» أو «الفصولا»، وبالإضافة إليهما تعددت الأقوال، ولعل الأقرب في التسمية هو «الفصول»؛ لأنه الثابت على غلاف النسخة الخطية، وهي نسخة جيدة مقابلة، وثبت في شرحَي الخوارزمي والبلغاري. أما تسميته بـ «المقدمة» فلأجل شهرته، لأنَّ أي متن يصبح عمدة في فنٍّ ما يمكن أن يسمَّى مقدمةً، كـ «مقدمة ابن الصلاح» و «المقدمة الآجرومية» و «مقدمة أصول التفسير» لابن تيمية، وغيرها.

* ثانيًا:‌‌ إثبات نسبته للمؤلف:
الكتاب ثابت النسبة إلى مؤلفه بدلائل كثيرة قاطعة، فقد ذكر كلُّ من شرح الكتاب أن هذه «المقدمة أو الفصول» من تأليف برهان الدين النسفي، كما في شرح السمرقندي والخوارزمي والبلغاري وغيرهم.
وكذلك ذكره أكثرُ مَن ترجم للمؤلف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)