2- كثر الوضع في الحديث، ويرجع ذلك إلى وجود قوم من أتباع التابعين ليس عندهم من التورع عن الكذب، والحيطة ما عند الصحابة وجل التابعين.
112- والحقيقة أنه قد نشأت في القرن الثاني كل اتجاهات وضع الحديث ودوافعه تقريبًا:
فالخلافات السياسية كانت على أشدها في هذا القرن، وكان الرافضة أكثر الفرق كذبًا فيه، وقد سئل الإمام مالك عن الرافضة، فقال: "لا تكلمهم ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون". وقال شريك بن عبد الله القاضي، وكان معروفًا بالتشيع مع الاعتدال فيه: "أحمل من كل من لقيت إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا". وقال حماد بن سلمة: "حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة- قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئًا جعلناه حديثًا، وقال الشافعي: "ما رأيت في أهل الأهواء قومًا أشهد بالزور من الرافضة1.
وقد قابلهم الجهلة من أهل السنة بوضع الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة الذين وضع فيهم الرافضة ما ينقصهم ويذمون به2".
ووضع المتعصبون الجهلاء لمعاوية والأمويين بعض الأحاديث؛ دعوة لهم بين الناس وتثبيتًا لأقدام خلافتهم، وكذلك الحال بالنسبة للعباسيين3.--------------------------------------------
1 آداب الشافعي ومناقبه، عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي "240 - 327هـ" تحقيق عبد النبي عبد الخالق مكتبة الخانجي 1372هـ - 1953م ص187، 189 - الكفاية "هـ" ص126. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص79 - 80.
2 الحديث والمحدثون: محمد محمد أبو زهر - الطبعة الأولى: 1378هـ - 1958م ص97 - 98. والرافضة هم فرقة من الشيعة كفرت بعض الصحابة، وعندهم الإمام هو المصدر الأول والأخير للإسلام "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: أبو الحسين الملطي "377هـ" تحقيق محمد زاهد الكوثري، المثنى ببغداد 1388هـ - 1968م ص25، 26.
3 السنة ومكانتها في التشريع ص81.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ووضع بعض المتعصبين من الخوارج الأحاديث، إفسادًا لما عليه خصومهم1.
وكثرت حركات الزندقة في هذا العصر، ودس هؤلاء الزنادقة الكثير من الأحاديث في العقائد والأخلاق، والحلال والحرام، وقد أقر زنديق أمام المهدي العباسي بأنه وضع مائة حديث تجول بين الناس وفي أيديهم2.
وكانت هناك العصبية للجنس وللقبيلة وللغة وللبلد ولأئمة الفقه، وكل هذا كان دافعًا إلى وضع الأحاديث، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم3.
وهناك القصاص الذين يتاجرون بالقصص ويستغلون سذاجة بعض الناس وجهلهم، فيروجون بضاعتهم بوضع الأحاديث التي تستميل إليهم هؤلاء، وتستثير فيهم العاطفة، فيدفعون إليهم الكثير من الأموال4.
وكانت الخلافات المذهبية فقهية وكلامية … والجهل بالدين مع الرغبة في الخير، وترغيب الناس في التدين وترك الفسوق، والتقرب إلى الحكام بما يوافق أهواءهم -كل هذا كان موجودًا في القرن الثاني الهجري5 ودفع بعض أهله إلى الكذب في الأحاديث والزيادة فيها ما ليس منها.
113- 3- ومما جد في القرن الثاني، وكان من دوافع التوثيق استطالة السند وتعذر مقابلة جميع الرواة الذين يوصلون الأحاديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدت الأحاديث المنقطعة، أو ما في إسنادها مجاهيل من الرواة.
114- 4- كما نشأت المذاهب الفقهية والاختلاف بينها، مما أدى--------------------------------------------
1 الحديث والمحدثون: ص86 - 87.
2 المدخل في أصول الحديث: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري "405هـ" المطبعة العلمية بحلب: 1351هـ - 1932م. ص18.
3 السنة ومكانتها في التشريع: ص85.
4 المدخل في أصول الحديث ص22 - 24.
5 المدخل في أصول الحديث: ص19 - 22 والسنة ومكانتها في التشريع ص86 - 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
إلى أن يبذل أئمة كل مذهب توثيق ما عندهم من الأحاديث ومناقشة مخالفيهم، وكل هذا تمخضت عنه حركة هائلة في توثيق الحديث، وخاض غمارها الأحناف والشافعي وأصحاب مالك رضوان الله عليهم أجمعين. وقام الإمام الشافعي في وجه من ينكرون حجية السنة؛ لأنها غير موثقة، حتى يتاح للفقهاء أن يعملوا بها دون منازع.
115- وسنرى من خلال بحثنا ملامح هذا التوثيق، وسماته، ونتائجه المباركة في إرساء الأسس التي حررت السنة، وأبعدت عنها الدخيل والموضوع والمحرف، وأبقت بعضها بعد أن رفضه بعضهم، وهذا أيضًا من أوجه التوثيق.
115- 5- لم تدون السنة في القرن الأول تدوينًا شاملًا وفي مصنفات وإنما كانت في صحائف، أما الآن، وفي القرن الثاني، فقد بدئ في هذا التصنيف، فقد أمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بجمعها، وكتب إلى الآفاق أن: "انظروا إلى حديث رسول الله،صلى الله عليه وسلم، فاجموه". وفي كتابه إلى أهل المدينة ما بيّن سبب إقدامه على هذه الخطوة، وهو خوفه من دروس العلم وذهاب العلماء.
116- وامتثل العلماء لهذا الأمر، وجدوا في جمع السنن، ومن أوائل من قاموا بذلك الإمام ابن شهاب الزهري "124هـ" الذي أمره الخليفة عمر بذلك.
ووجد في كل مدينة من يهتم بجمع الحديث والتصنيف في السنة. وكانت معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف، وفتاوى الصحابة والتابعين وأظهر مثل لذلك موطأ الإمام مالك الذي نرى فيه الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين. وعمل أهل المدينة ورأي مالك نفسه4.--------------------------------------------
1 السنة قبل التدوين، ص329 ومصادره.
2 صحيح البخاري 1- 36.
3 العلل: علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني "161 - 234هـ" تحقيق محمد مصطفى الأعظمي -المكتب الإسلامي 1392هـ- 1972م. ص 40 - 43.
3 الموطأ: مالك بن أنس، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي -طبعة دار الشعب بالقاهرة- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
117- ثم خطا التأليف خطوة أخرى على أيدي أئمة عاشوا في القرن الثاني، وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء الأئمة جمع الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضع واحد، فألفت المسانيد ومنها مسند أبي داود الطيالسي "204هـ"، ومسند أحمد بن حنبل "164 - 241هـ" …
وهؤلاء لم يميزوا الحديث الصحيح من الضعيف، وإنما جمعوا هذا وذاك في مسانيدهم1.
118- وتبع التصنيف في السنة أو تعاصر معه التألأيف في الرواة ناقلي الأحاديث من حيث بيان من روى عنهم، ومن رووا عنه، وتاريخ وفاة كل منهم وولادته، وبيان موطن كل منهم، ومعرفة أسمائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم، وبيان العدول منهم والمجرمين2.
119- ومع التصنيف في السنة والتأليف في الرواة ألف أهل هذا القرن في علل الحديث، أي في كشف الصحيح منها من غيره ببيان ما في بعضها من خلل خفي في المتن أو في الإسناد3.
120- وإزاء كل هذا كان لا بد من وضع الضوابط والأسس التي تصون مسار السنة وتجعل انتقالها صحيحًا في أيدي الرواة، وكان هذا على أيدي أئمة عاشوا في هذا القرن.
من هم هؤلاء الأئمة … وهل كانوا قادرين على القيام بهذا العمل؟ الواقع أن هذا هو ما يهمنا معرفته؛ كي ندرك مدى توفيقهم في هذا المهمة، وكي نطمئن إلى ما يصدرونه من أحكام، وما يضعونه من أسس تجيز بعض الأحاديث ولا تجيز بعضها الآخر.
الموثقون في القرن الثاني:
120- والحق أن هذا القرن كان غنيًّا بالموثقين للحديث، وأشهرهم من الفقاء والمحدثين الأئمة الأربعة، مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد--------------------------------------------
1 السنة ومكانتها في التشريع ص339.
2 السنة قبل التدوين ص261 - 276.
3 نشأة علوم الحديث ومصطلحه ص223 - 224.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
ابن حنبل ومعهم سفيان الثوري، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج وصاحبا أبي حنيفة: محمد وأبو يوسف … وغير هؤلاء.
121- ويضيق بنا المقام إن استعرضنا حياة كل واحد من هؤلاء؛ ففي كل منهم ألفت المجلدات، وما وفت بحقوقهم … وما يمكننا هنا ويفيدنا أن نسلك ما سلكه ابن أبي حاتم الرازي، فنقدمهم بصفاتهم التي أهلتهم لهذه المهمة، مهمة الحديث ونقده، وهو سيساعدنا بجزء كبير في هذا المجال1.
122- ومن هذه الصفات التي أهلتهم للتوثيق وجعلتهم جديرين به ويطمأن إلى أحكامهم فيه:
1- معرفتهم بمادة التوثيق، وهي الأحاديث، فحفظوا الكثير منها، وربما حفظ بعضهم الأحاديث الضعيفة والموضوعة كي يبينها للناس ليتجنبوها. وقد قدم لنا ابن أبي حاتم، وجود هذه الصفة في الكثيرين منهم، وأثبت المعرفة الواسعة بالأحاديث لمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ووكيع ابن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني2.
123- وللخلاف بين المحدثين ومدرسة أبي حنيفة لم يذكر أحدًا منهم، وقد اتهم أبو حنيفة من جانب بعض المحدثين بقلة بضاعته للحديث، لكن الحقيقة أنه كان من العارفين بالحديث3، ولكن مقاييسه المتشددة، وتركه--------------------------------------------
1 في كتابه "تقدمة المعرفة" فقد ألفه من أجل هذا: ص219.
2 عبد الرحمن ابن أبي حاتم وأثره في علوم الحديث ص188، وفيها الإشارة إلى صفحات تقدمة المعرفة التي يوجد فيها ما يدل على هذه الصفة عند هؤلاء الأئمة.
3 الطبقات السنية في تراجم الحنفية: تقي الدين عبد القادر التميمي الداري الغزي المصري "1005هـ" تحقيق. د. عبد الفتاح محمد الحلو -القاهرة 1390- 1970، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. ص109 - 113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
بعض الأحاديث تبعًا لها هو ما أثار هؤلاء الخصوم عليه، وسنعرف الكثير من هذه المقاييس أثناء بحثنا هذا إن شاء الله تعالى، يقول ابن خلدون: "وقد يقول بعض المتعصبين المتعسفين: إن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، ولهذا قلت روايته، ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة … والإمام أبوحنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل … ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل عليه واعتباره ردًّا وقبولًا1".
124- ولا تقل معرفة أبي يوسف ومحمد عن معرفة غيرهم من الفقهاء أو المحدثين، نلمس ذلك عند أبي يوسف في كتابه الخراج، فليس فيه صحيفة إلا فيها حديث، هذا مع ملاحظة كبر حجم الكتاب، وكونه في موضوع واحد2. كما نلمس معرفة محمد الواسعة بالحديث في مؤلفاته: الآثار، والموطأ، والأصل، والحجة، والسير الصغير والكبير، والاكتساب ولا غرو فقد طلب الحديث منذ صغره، و"أخذ عن أعلام المحدثين في عصره، ورحل من العراق في سبيله أكثر من مرة3".
125- 2- ويتحلى موثقو الحديث هؤلاء بأنهم من الفقهاء بالسنن والآثار، ولسنا في حاجة إلى إثبات ذلك عند الأئمة الأربعة، وقد أثبت ذلك لغيرهم ابن أبي حاتم فذكر علم الأوزاعي وفقهه، وكذلك وكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بنمهدي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل4.
126- 3- معرفة هؤلاء الأئمة الواسعة برواة الآثار. معرفة تمكنهم من الحكم عليهم ومعرفة العدول منهم والمجرحين.--------------------------------------------
1 مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون - دار الشعب بالقاهرة، ص409 - 410.
2 كتاب الخراج: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم "113 - 183هـ" المكتبة السلفية بالقاهرة.
3 الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي د. محمد السيد على الدسوقي "رسالة دكتواره في دار العلوم - جامعة القاهرة 1391هـ - 1971م. انظر الفصل الثاني: الإمام محمد محدثًا من ص 336 وما بعدها والنص من ص334.
1 رسالة عبد الرحمن بن أبي حاتم، ص187 - 188.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
وقد كان للأئمة الأربعة وغيرهم هذه الصفة التي أهلتهم لأن يأخذوا بأحاديث ويحكموا بصحتها، ويتركوا أحاديث أخرى، لأن رواتها ليسوا على درجة من العدالة، أو الضبط1.
127- 4- وجود الصلاح والتقوى والورع والزهد فيهم وطهارة الخلق وسخاء النفس. وهذا يجعلنا نطمئن إلى أحكامهم في توثيق الأحاديث، وأنهم لا يبتغون بهاعرضًا من أعراض الدنيا وقد زهدوا فيها، ولا تصدر عن إحن شخصية وقد برأهم الله منها2.
128- 5- كانوا أصحاب عقل سديد، ومنطق حسن وبراعة في الفهم3، وهذا أعانهم على اكتشاف العلل الموغلة في الخفاء من الأحاديث.
129- 6- وكانت فيهم جرأة في الحق لا يخافون في الله لومة لائم ولا يبتغون جاهًا عند سلطان أو يرهبونه، فلا تصدر عنهم الأحكام رغبة في هواه أو يخفونها خوفًا من بطشه. وقد ذكر ابن أبي حاتم مواقف مشهورة لكثير منهم، وقفوا فيها مع الحق، حتى ولو أغضب ذلك حاكمًا أو خالف ما يدعو إليه4. وقد بلغ الأمر بأبي حنيفة أنه عد من يغشى السلطان طائعًا غير جدير بقبول روايته والسبب في ذلك كما يقول: "أما إني لا أقول إنهم يكذبون، أو يأمرونهم
بما لا ينبغي، ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة--------------------------------------------
1 عبد الرحمن بن أبي حاتم ص188 - الطبقات السنية جـ1، ص111 - الإمام محمد بن الحسن، ص351 - آداب الشافعي ص185، 195 - 196، 201، 203، 204، 205، 223 - 224، 305، 307.
2 عبد الرحمن بن أبي حاتم 189 - آداب الشافعي: ص91، 101 - 106 حياة الإمام أبي حنيفة: السيد عفيفي -القاهرة 1350- المكتبة السلفية ص70 - 90 - مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي "748هـ" تحقيق محمد زاهد الكوثري، وأبي الوفا الأفغاني -لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر أباد بالهند ص9 - 10، 12 - 17، 25 - 27، 42 - 48، 55.
3 عبد الرحمن بن أبي حاتم 189 - حياة الإمام أبي حنيفة، ص91 - 107 - آداب الشافعي، ص: 129 - 130.
4 عبد الرحمن بن أبي حاتم ص189 - حياة الإمام أبي حنيفة، ص70 - 71 آداب الشافعي: ص78، 189 - 191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين1"، "من يغشون السلطان والشيعة".
130- هذه هي أهم الصفات التي تحلى بها موثقو الأحاديث، وهي صفات كما نرى تؤهل هؤلاء حقًّا إلى أن يوفقوا إلى الصواب فيما تصدوا إليه من تصحيح الأحاديث، أو تضعيف ما لم يصح منها. وهذا يجعلنا نطمئن إلى ما يصدرونه من أحكام، وما يضعونه من أسس تميز الصحيح من غيره.
والآن … وبعون من الله وتوفيقه وهدايته - مع أسس توثيقهم للسنة واتجاهاتهم في هذا التوثيق …--------------------------------------------
1 الكفاية هـ ص: 126.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
القسم الأول: توثيق سند الحديث
الفصل الأول: نقل السنة بالتواتر والآحاد
مدخل
…
القسم الأول: توثيق سند الحديث
الفصل الأول: نقل السنة بالتواتر والآحاد
131- في القرن الثاني الهجري سار توثيق السنة في طريقين يكمل أحدهما الآخر حفاظًا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أحدهما: وضع المقاييس والأسس التي تكفل للسنة أن تنقل نقلًا صحيحًا دون تبديل أو تغيير، والتي تصونها من وضع الوضاعين، وتحريف بعض الرواة، وقد بدأ السير في هذا الطريق في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، كما سبق أن رأينا، واستكملت أسسه في القرن الثاني، كما سنرى إن شاء الله تعالى.
ثانيهما: إثبات حجية السنة، كمصدر أساسي من مصادر التشريع الإسلامي، وإزالة العوائق التي وضعها الحاقدون على السنة دون تنفيذ ذلك؛ وقد بدأ هذا عندما ادعت طوائف أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تنقل نقلًا صحيحًا، ولا يمكن لها ذلك، على الرغم من الجهود التي يبذلها القائمون في هذا المجال، وهي بالتالي غير موثقة، وغير صحيحة، وغير جديرة بالقبول، ولا تكون حجة.
132- وقد بدأ السير في هذا الطريق في القرن الثاني الهجري، وحمل لواءه الإمام الشافعي، رضي الله عنه.
133- وسنبدأ بالطريق الثاني؛ لأنه كالأساس للطريق الأول، فالذين وضعوا أسس توثيق السنة كان يدفعهم إلى ذلك أن العمل بها ضروري، وأن حجيتها ثابتة، وأن نقل معظمها عن طريق الآحاد من الرواة لا يجعلنا نشك فيها، أو لا نطمئن على ثبوتها، كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي موثوق به، كما فعل بعض الناس فهذا هو الأساس الذي تتلوه عملية التوثيق الأخرى، التي بدأت منذ عصر الصحابة، كما رأينا.
وبدأت أولًا لأن القائلين برفض السنة واستحالة نقلها نقلًا صحيحًا عن طريق الرواة لم يظهر أثرهم وخطرهم على السنة إلا في القرن الثاني الهجري، ولهذا انتضى لهم الإمام الشافعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
134- والسنة من حيث السند تنقسم إلى قسمين عند الجمهور:
1- قسم نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب؛ لكثرة عددهم، وتباين أمكنتهم ابتداء من أول القرن الثاني، عن قوم مثلهم. إلى أن يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون أوله كآخره، وأوسطه كطرفيه، وذلك نحو نقل أعداد الركعات، وأعداد الصلوات، ومقادير الزكاة، ومنه حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" 1، فقد نقله من الصحابة رضي الله عنهم العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم2.
ويسمى هذا القسم بالمتواتر، ويطلق عليه الإمام الشافعي علم العامة أو علم الإحاطة3.
وهذا القسم لا يذكره المحدثون ولا يكاد يوجد في رواياتهم؛ لكونه لا تشمله صناعتهم، كما يعبر ابن الصلاح4.
2- وقسم ليس كذلك، وإنما نقله الآحاد من الرواة في أي طبقة من الطبقات الأولى الثلاث، الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين، وبعبارة أخرى قسم ليس بمتواتر، ويسمى هذا القسم "الآحاد"، ويسميه الإمام الشافعي "علم الخاصة"5.--------------------------------------------
1 انظر طرق هذا الحديث ومن رواه من الصحابة في كتاب تحذير الخواص من أكاذيب القصاص: جلال الدين السيوطي تحقيق محمد الصباغ -المكتب الإسلامي 1392هـ-1972م ص8-65 الفصل الأول بأجمعه.
2 مقدمة ابن الصلاح: تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزودي المعروف بابن الصلاح مطبوعة مع شرح التقييد والإيضاح للحافظ زين الدين عبد الرحمن بن الحسين العراقي "725-806هـ" نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. الطبعة الأولى 1389هـ-1969م ص266.
3 الرسالة: محمد بن إدريس الشافعي "150-204م" تحقيق أحمد محمد شاكر - الطبعة الأولى 1385-1940، مكتبة مصطفى الحلبي، ص478.
4 مقدمة ابن الصلاح: ص265.
5 الرسالة: ص478، 479.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
3- وهناك قسم آخر عند الأحناف خاصة ويسمونه "المشهور"، وهو ما نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآحاد من الصحابة، ثم تواتر في طبقتي التابعين وتابعيهم. فباعتبار الأصل هو من الآحاد، وباعتبار الفرع هو متواتر، ومثاله ما روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، في سفر، فأهويت لأنزع خفيه. فقال: "دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين". فمسح عليهما. وكقوله عليه السلام: "لا يرث القاتل"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها" 1.--------------------------------------------
1 أصول السرخسي جـ1، ص292- البداية في أصول الفقه: شرف الدين محمود خطاب الطبعة الثالثة 1352هـ-1933م مطبعة الاستقامة -القاهرة جـ2 ص8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
حجية المتواتر والدفاع عن هذه الحجية:
135- والمتواتر موثوق به، لبعد تهمة التواطؤ على الكذب من ناقليه؛ لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم، فهو يضاهي السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، و"لهذا كان موجبًا علم اليقين عند جمهور الفقهاء".
ويقول شمس الأئمة السرخسي -مبينًا مقدار الثقة بالمتواتر عند الأحناف والشافعية: "ثم المذهب عند علمائنا أن الثابت بالمتواتر من الأخبار علم ضروري كالثابت بالمعاينة، وأصحاب الشافعي يقولون: الثابت به علم يقين ولكنه مكتسب لا ضروري" ثم حكى قولًا ثالثًا لطائفة قالت: إن المتواتر يفيد علم طمأنينة القلب لا علم اليقين، ومعنى هذا أنه يثبت العلم به مع توهم الغلط أو الكذب، ولكن لرجحان جانب الصدق في نقله تطمئن القلوب إليه1، وكلهم مجمعون -تبعًا لهذا- على حجيته ووجوب العمل به.
منكرو حجية المتواتر:
136- وإذا ان هذا هو رأي عامة المسلمين، فقد خالفهم من يقول:
إن الخبر -والمتواتر منه- لا يكون حجة أصلًا، ولا يقع العلم به بوجه من الوجوه، لأن الذي تولى نقله المخبرون، ويمكن أن يجتمعوا على اختراعه،--------------------------------------------
1 المصدر السابق جـ1 ص283، 291، 284.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
قلوا أو كثروا، ولا يسلم كل واحد منهم من الخطأ والوهم، فكذلك جميعهم1.
137- وقد حكى الإمام الشافعي، رضي الله عنه قول هذه الطائفة التي ردت الأخبار كلها، ولم تثق فيها، فقد جاء له بعض منها، فقال: إن الله تعالى قد حكى أن في القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء2، فلا يجوز أن يخصص عامه، أو يقيد مطلقه أو يفسر الأمر فيه؛ مرة بالفرض، ومرة بالإباحة بالأحاديث التي ينقلها الرواة، ولا يبرأ كل واحد منهم من الغلط والنسيان والخطأ في الرواية "أفيجوز أن يفرق بين شيء من أحكام القرآن وظاهره واحد عند من سمعه بخبر من هو كما وصفتم فيه، وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله، وأنتم تعملون بها، وتمنعون بها3"، كما يحكي الإمام الشافعي قول بعضهم: "ولا أقبل منها شيئًا إذا كان يمكن فيهم الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله، كما أشهد بكتابه الذي لا يسع أحدًا الشك في حرف منه، أيجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة، وليس بها4؟! ".
وخلاصة هذه الدعوة -كما نرى من هذه النصوص- هو رفض السنن وعدم قبولها، والاكتفاء بكتاب الله عز وجل.
137- وقد وجدت بذور هذه الدعوى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحذر منها حين قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: ما أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". وحين قال: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه" 5.--------------------------------------------
1 أصول السرخسي ص283.
2 الآية الكريمة تقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء} [النحل: 89] .
3 الأم جـ7 ص250.
4 المصدر السابق جـ7 ص250.
5 المستدرك جـ1 صـ108 - 109 وانظر صـ24 من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
138- كما وجدت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، فقد أخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين رضي الله عنه ذكر الشفاعة، فقال له رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلًا في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟. قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعًا قال: لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه؟، وأخذناه عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقال: أوجدتم في القرآن {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} 1، أوجدتم فيه: فطوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين خلف المقام، أوجدتم في القرآن: "لا جلب، ولا جنب ولا شغار في الإسلام"2؟. أما سمعتم الله تعالى في كتابه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 3؟!.
قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء ليس لكم بها علم4".
139- وفي عصر التابعيين وجدنا رجلًا يجابه التابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير، ويقول له: "لا تحدثونا إلا بالقرآن5".--------------------------------------------
1 سورة الحج: آية 29.
2 الجلب: يكون في شيئين:
أحدهما في الزكاة، وهو أن يقدم المصدق على أهل الزكاة فينزل موضعًا، ثم يرسل من يجلب إليه الأمور من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهى عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم.
الثاني: أن يكون في السباق، وهو أن يتبع الرجل ويصيح فرسه، فيزجره، ويجلبعليه، ويصيح حثًّا له على الجري فنهى عن ذلك والجنب: هو في السباق أن يجنب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم أمر بالأموال أن تجنب إليه أي تحضر فنهوا عن ذلك، وقيل: هو أن يجنب رب المال بماله، أي يبعده عن موضعه، حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه وطلبه.
الشغار: نكاح معروف في الجاهلية كأن يقول الرجل للرجل شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها حتى أزوجك أختي أو بنتي، أو من إلي أمرها، ولا يكون بينهما مهر فهذه في مقابل تلك.
3 سورة الحشر: آية 7
4 مفتاح الجنة، في الاحتجاج بالسنة: جلال الدين السيوطي "911هـ" نشر المكتبة السلفية ص6، وقد رواه الحاكم مختصرًا: المستدرك جـ1 ص109-110- سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ص20.
5 سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ص20.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
140- ولكن الجديد في هذه الدعوى -في القرن الثاني- أن أصحابها، وقد وجدوا الأسس التي وضعها المحدثون، والجهود المضنية التي بذلوها في خدمة السنة وصيانتها من الخطأ والنسيان والوضع، يريدون أن يشككوا في هذه الجهود، حتى لا تقف حجر عثرة أمام أهدافهم، وكأنهم يقولون: مهما فعلتم، فالشك قائم في الأخبار، وهي غير موثقة؛ لأن ناقليها، قلوا أو كثروا - لا يوثق بنقلهم.
يقول شمس الأئمة السرخسي مبينًا حجة هؤلاء: "ومن الناس من يقول الخبر لا يكون حجة أصلًا، ولا يقع العلم به بوجه، وكيف يقع العلم به، والمخبرون هم الذين تولوا نقله؟ وإنما وقوع العلم بما ليس من صنع البشر، ويتحقق منهم الاجتماع على اختراعه -قلوا أو كثروا- فذلك لا يكون موجبًا للعلم أصلًا1".
ومن هنا ضاعفوا من جهودهم في التشكيك في السنة وفي حجيتها.
ولكن من هؤلاء؟:
141- لم يفصح الإمام الشافعي عمن يرى هذا الرأي، وإن كان قد أشار إلى أن الذين تفرقوا في تثبيت الخبر من أهل الكلام وممن نسبتهم العامة إلى الفقه2. ورجح الدكتور مصطفى السباعي، مستنيرًا برأي للشيخ الخضري في كتابه "تاريخ التشريع الإسلامي" -أن هؤلاء من المعتزلة، واستند في ذلك إلى ما يقوله ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث من أن شيوخ المعتزلة تطاولوا على السنة وعلى الصحابة، وأن الإمام الشافعي ذكر أن موطن هؤلاء المنكرين كان بالبصرة، وأكثر المتكلمين بما فيهم المعتزلة كان بالبصرة3، كما أن أبا منصور البغدادي ذكر في كتابه "الفرق بين الفرق" أن النظام من المعتزلة--------------------------------------------
1 أصول السرخسي جـ1 ص283.
2 الأم جـ7 ص250 أول كتاب جماع العلم.
3 تاريخ التشريع الإسلامي: الشيخ محمد الخضري، الطبعة الثامنة 1387هـ-1967م المكتبة التجارية الكبرى -القاهرة ص155-156- السنة ومكانتها في التشريع ص133.
- مختلف الحديث: ابن قتيبة الدينوري "276هـ" الطبعة الأولى - مطبعة كردستان العلمية 1326هـ ص28، 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
"230هـ"، كان يقول بأن الخبر المتواتر، مع خروج ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيها -يجوز أن يقع كذبًا1.
142- ويرى الأستاذ أبو زهرة أن هؤلاء هم "الذين ارتكبوا ذلك الشذوذ العلمي ونابذوا بذلك الجماعة الإسلامية من الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا سواه؛ ليفسدوا أمر المسلمين، وينالوا من الشرع الإسلامي بمثل هذا الكيد الخفي، بعد أن عجزوا عن مغالبته بالحجة الظاهرة؛ إذ قضى عليهم بالأدلة الباهرة وبعض هؤلاء كانوا من الخوارج، ولذلك كان من الخوارج من أنكر حكم الرجم؛ لأنه لم يرد في القرآن الكريم" كما يرى أن هؤلاء قد اتخذوا نحلة الاعتزال سترًا لأهوائهم و"لنزعة العقل واعتماد المعتزلة عليه، ولقد وجدوا في مذهب الاعتزال ستارًا لإخفاء أهوائهم وطي مفاسدهم بالكتمان، حتى تفرخ، وتصل إلى غايتها2".
143- ونحن مع الشيخ أبي زهرة في أن هؤلاء كانوا من الزنادقة، وإن لبسوا أثواب الخوارج حينًا وأثواب المعتزلة حينًا آخر ونجل المعتزلة والخوارج الحقيقيين من الوقوع في مثل هذا. ونرى أن هؤلاء من رواسب المذاهب القديمة التي قالت لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها كالسمنية والبراهمة، وهذه كانت موجود قبل الإسلام3.
مناقشة الإمام الشافعي:
144- وقد انبرى ناصر السنة الإمام الشافعي للدفاع عن السنة وحجيتها ضد هؤلاء، وجادلهم بالعقل والمنطق فقال لهم -على صورة حوار بينه وبين أحدهم:--------------------------------------------
1 السنة ومكانتا في التشريع ص171.
2 الشافعي: محمد أبو زهرة -الطبعة الثانية 1367هـ-1948م، دار الفكر العربي ص214-215.
3 الإحكام في أصول الأحكام: سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي "551-631هـ" 1387هـ-1967م - مؤسسة الحلبي وشركاه 2/ 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
أولًا: ما دمتم تريدون اتباع القرآن الكريم والاكتفاء به، فإن اتباع السنة وقبولها إنما هو اتباع للقرآن الكريم واكتفاء به، قال عز وجل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} 1، وقد علمنا أن الكتاب هو كتاب الله، فما الحكمة؟ إنها ليست سوى سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال المنكر: إنه من المحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمهم الكتاب جملة والحكمة خاصة، وهي أحكام الكتاب، فهو لم يخرج عن تعليم الكتاب فردّ عليه الإمام الشافعي: بأنه إذا كان يعني بالحكمة أنها أحكام كتاب الله تعالى وأنها لا تخرج عما بينه رسول الله، صلى الله عليه وسلم من جملة الفرائض من الصلاة والزكاة والحج وغيرها، فيكون الله قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه الكريم، وبين كيف هي على لسان نبيه -إذا كان يعني ذلك، وليس غيره كما أقر، فهذه هي السنة التي لا نصل إليها إلا بخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وإذا لم نقبل هذه الأخبار فإننا نكون قد فرطنا في أمور ديننا.
145- ويضيف الإمام الشافعي بأنه إذا كان من المحتمل أن تكون الحكمة في الآية الكريمة هي كتاب الله، ويحتمل أن تكون شيئًا غيره زائدًا عليه، فإن أظهر الاحتمالين هو الاحتمال الثاني، كما يدل عليه استعمال القرآن الكريم للفظ الحكمة، حيث يراد بها معنى آخر غير كتاب الله عز وجل، قال تعالى، في آية أخرى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} 2، فأخبر تعالى أنه يتلى في بيوتهن شيئان: القرآن والحكمة، أي ينطق بكل منهما "فهذه أبين في أن الحكمة غير القرآن من الأولى"3.
ثانيًا: لقد افترض الله علينا اتباع نبيه، صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي--------------------------------------------
1 سورة الجمعة: 2.
2 الأحزاب: 34.
3 الأم: 7/ 251.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 1، وقال عز وجل: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} 2، وقال عز من قائل: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 3.
146- وقد فرض الله علينا اتباع أمره، صلى الله عليه وسلم، فقال جل ذكره: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 4، فقد بين في التنزيل أن علينا فرضًا أن نأخذ الذي أمرنا به، وننتهي عما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. وإذا كان ذلك علينا فرضًا فإنه لا سبيل إلى ذلك بالنسبة لنا -نحن الذين لم نشاهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم إلا بالخبر عنه5.
ثالثًا: وفي معرفة ناسخ القرآن الكريم ومنسوخه نحتاج إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصل إلى ذلك إلا بنقل الرواة، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} 6، وقال عز وجل في الفرائض: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} 7، "فزعمنا -بالخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم أن آية الفرائض نسخت الوصية للوالدين والأقربين8،--------------------------------------------
1 سورة النساء: 65.
2 سورة النساء: 80.
3 سورة النور: 63.
4 سورة الحشر: 7.
5 الأم: 1/ 251.
6 سورة البقرة: 180.
7 سورة النساء: 11.
8 هكذا عبّر الإمام الشافعي رضي الله عنه، لكن الآية الثانية خصصت عموم الأولى، "ذلك أن مقتضى العموم الذي في الآية الأولى إيجاب الوصية لكل قريب، ومقتضى آيات المواريث منح بعض الأقربين حق خلافة الميت في ماله دون بعضهم الآخر، فليس بين الآيتين إذن ذلك التعارض الذي يسوغ النسخ، إذ ما زال هناك بعض الأقربين ممن وجبت لهم الوصية بمقتضى الآية الأولى ولم تورثهم الآية الثانية"، فيمكن إعمال الآيتين معًا، وهذا ما يتعارض مع مفهوم الناسخ والمنسوخ" النسخ في القرآن الكريم، دراسة تشريعية تاريخية نقدية: أستاذنا الدكتور مصطفى زيد. الطبعة الأولى 1383هـ-1963م -دار افكر العربي بالقاهرة- المجلد الثاني ص592-595.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
فلو كنا ممن لا يقبل الخبر، فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض، فهل تجد الحجة عليه إلا الخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم1؟.
رابعًا: إن في القرآن عامًّا يراد به الخاص، وبعض ذلك لا يبينه إلا السنة، وعلى هذا فنحن محتاجون إلى إخبار الرواة الذين ينقلونها، وإلا ما فهمنا كتاب الله عز وجل، فقد فرض الله تعالى الصلاة، ولكن ذلك ليس على الناس عامة، وإنما الحيض مخرجات بالسنة منه، وفرض الزكاة على الأموال عامة، ونجد بعض الأموال مخرجًا منه بالسنة، وفرض المواريث للآباء والأمهات والولد عامًّا، ولم يورث المسلمون كافرًا من مسلم، ولا عبدًا من حر، ولا قاتلًا ممن قتل، وكل ذلك بالسنة2.
خامسًا: وإذا كان الخبر متواترًا كان أو غير متواتر ليست له صفة الإحاطة التي في القرآن الكريم؛ لأنه أقل درجة منه فإن بعض هؤلاء المنكرين تساءل: هل من حجة في أن نبيح المحرم بإحاطة، وهو نص من القرآن الكريم بغير إحاطة، وهو الخبر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟.
أجاب الشافعي بنعم، والحجة فيه واضحة، فالقاتل يباح دمه بشهادة شاهدين على أنه قتل، فقد أبيح الدم المحرم بإحاطة، وهو شهادة الشهود الذين يمكن فيهم الكذب أو الخطأ.
147- ثم يضيف أنه إذا كان قد قبلت شهادة الشاهدين بناء على صدقها في الظاهر -ولا يعلم الغيب إلا الله- فإنه -من باب أولى- يقبل الحديث من الوراة الناقلين له؛ لأن المحدثين يطلبون في الراوي أكثر مما يطلب في الشاهد ويقيمون الدلائل على صدق الرواة وكذبهم وغلطهم بمقارنة--------------------------------------------
1 الأم 7/ 252.
2 المصدر السابق 7/ 252.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
رواياتهم بروايات الحفاظ، وبالكتاب والسنة مما لا يمكن في الشهادات، ولهذا وجدنا من تجوز شهادته ولا تجوز روايته1.
هذا مجمل ما رد به الإمام الشافعي على منكري السنة عامة والأخبار المتواترة خاصة.
148- وهناك نوع آخر من الرد عليهم يعتمد على ما هو مقرر عند عامة العقلاء بحيث لا يستطيع إنسان ما -حتى ولو كان لا يؤمن بالقرآن- أن يشكك أو يجادل فيه. وقد ذكر هذا الرد شمس الأئمة السرخسي الحنفي.
ولسنا ندري هل هو منقول عن أئمة المذهب في القرن الثاني الهجري أو لا، ولكننا نذكره هنا استكمالًا لما ذكره الإمام الشافعي، واحتمالًا أن يكون هو ما ردت به مدرسة أبي حنيفة في العصر الذي كانت فيه هذه الفئة المنكرة موجودة تعلن رأيها، حتى انتضى لها الإمام الشافعي، كما ذكرنا.
149- يقول شمس الأئمة: إن القائل برد الأخبار كلها سفيه، يزعم أنه لا يعرف نفسه، ولا دينه، ولا دنياه، ولا أمه ولا أباه، وهو بمنزلة من ينكر العيان من السوفسطائية، فلا يكون الكلام معه على سبيل الاحتجاج والاستدلال، لأن هذا أقل مما يثبته ويوجبه المتواتر؛ فإن هذا يوجب علمًا ضروريًّا والاستدلال لا يوجب ذلك، وإنما الكلام معه من حيث التقرير عند العقلاء بما لا يشك هو ولا أحد من الناس أنه مكابرة وجحد لما يعلم اضطرارًا، بمنزلة الكلام مع من يزعم أنه لا حقيقة للأشياء المحسوسة، "فنقول: إذا رجع الإنسان إلى نفسه علم أنه مولود اضطرارًا بالخبر، كما علم أن ولده مولود بالمعاينة، وعلم أن أبويه كانا من جنسه بالخبر، كما علم ذلك من ولده بالعيان، وعلم أن السماء والأرض كانتا قبله على هذه الصفة بالخبر، كما يعلم أنهما على هذه الصفة للحال بالعيان، وعلم أن آدم أبو البشر على وجه لا يتمكن فيه شبهة، فمن أنكر شيئًا من هذه الأشياء فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة بمنزلة من أنكر العيان".--------------------------------------------
1 الأم 7/ 252-253.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)