وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ، والفرقة اسم للثلاثة فصاعدًا، والطائفة من الفرقة بعضهما، وهو الواحد أو الاثنان، فيثقفه الواحد، ويحذر قومه بالإنذار، ويلزمهم ذلك وهذا لا يكون إلا لأن خبر الواحد حجة.
وإذا كان المتقدمون قد اختلفوا في تفسير الطائفة، فقال بعضهم: تطلق على الواحد، وقال بعضهم: تطلق على الاثنين، وقال آخرون: تطلق على العشرة -فإن أحدًا لم يقل إنها تطلق على ما يزيد على العشرة، ومعلوم أن خبر العشرة وإنذارهم يحتمل الكذب، "فعرفنا أنه لا يشترط لوجوب العمل كون المخبر بحيث لا يبقى في خبره تهمة الكذب"، وهو ما يحتج به منكرو خبر الآحاد.
ولا يقال: هذا خطاب لجميع الطوائف بالإنذار، وهم يبلغون حد التواتر، فيكون خبرهم مستفيضًا مشتهرًا -لا يقال هذا؛ لأن الجمع المضاف إلى جماعة- كما قلنا: يتناول كل واحد منهم. وفي قوله تعالى: {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم} ؛ ما يدل على أن ذلك يتحقق بالواحد؛ لأن الرجوع إنما يتحقق لمن كان خارجًا عن القوم، ثم صار قادمًا عليهم وإتيان جميع الطوائف إلى قوم لا يكون رجوعًا إليهم.
على أن هذا لو كان شرطًا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وكلفهم أن يفعلوه ولو فعلوه لاشتهر، ولكن لم ينقل من الآثار ما يدل على ذلك.
وأيضًا فلو سلمنا بما تقولون فالذين يتحقق بهم الإنذار على الطوائف كلها لا ينقطع توهم الكذب على خبرهم؛ لاحتمال التواطؤ فيما بينهم، فكان الاستدلال قائمًا.
وقد يقال: إن إنذار الطائفة ليس معناه إلزام المبلغين بالقبول؛ بل المقصود أن يشتهر ذلك، وعند الاشتهار تنتفي تهمة الكذب، فتصير حجة عندئذ، وذلك بمنزلة الشاهد الواحد، فإنه مأمور بالشهادة وإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
كان العمل بشهادته لا يجب ما لم ينضم إليه شاهد آخر، وتظهر عدالته بالتزكية.
ويرد السرخسي على هذا الاعتراض بأن الشاهد الواحد ليس عليه أداء الشهادة إذا كان وحده -كما يدعي هؤلاء- لأن شهادته لا تنفع المدعي فلو لم يكن خبر الواحد حجة وواجب العمل به هنا لما وجب الإنذار بما سمع، وهذا بخلاف الشاهد إذا كان وحده.
وإذا ثبت بالنص أنه مأمور بالإنذار، فإنه يجب القبول منه؛ لأنه في هذا بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان مأمورًا بالإنذار، وكان قوله ملزمًا للسامعين، وقد بين الله عز وجل في النص حكم القبول والعمل به في قوله سبحانه وتعالى: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أي: لكي يحذروا عن الرد والامتناع عن العمل بعد لزوم الحجة إياهم بخبر الواحد1.
2- قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرسالة بلا خلاف، وهو صلى الله عليه وسلم، لم يأت كل واحد بنفسه فشافهه، ولكنه بلغ قومًا بنفسه وآخرين برسول من رسله وآخرين بكتاب من كتبه … فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما كان مبلغًا رسالة ربه بهذا الطريق إلى الناس كافة، وعندما فتحت بلدان نائية في عهده صلى الله عليه وسلم، أرسل إلى كل بلد عاملًا عن عماله، ولو لم يكن خبر الواحد حجة في أمور الدين لما اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العامل أو ذاك.
وكذلك النساء في البيوت على عهده، صلى الله عليه وسلم، إنما كانت تبلغهن أمور الدعوة، وهن مخدرات في بيوتهن بإخبار أزواجهن الذين كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يبلغونهن ويعلمونهن ولو لم يكن خبر الواحد حجة لأمرهن الرسول، صلوات الله وسلامه عليه--------------------------------------------
1 أصول السرخسي: 1/ 322 - 324.
2 سبأ: 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
بالذهاب دائمًا إليه والسماع منه، ولكن ذلك لم يحدث؛ لأنه لو حدث لاشتهر1.
3- ونحن نعلم أنه عليه السلام كان مأمورًا بأكل الطيب من الطعام قال عز ذكره: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} 2. وربما كان يُهدى إليه، فقد روي أن سلمان، رضي الله عنه أهدى إليه طبقًا من رطب كما وأن بربرة رضي الله عنها كانت تهدي إليه عليه الصلاة والسلام … كما كان صلى الله عليه وسلم يدعى إلى طعام … وفي هذا دليل على حجية خبر الواحد؛ لأنه لو لم يكن خبر الواحد حجة للعمل به في حق الله تعالى ما اعتمد عليه فيما يأكله صلى الله عليه وسلم.
4- وقد أمر الله القاضي أن يقضي بالشهادة، ومعلوم أن احتمال الكذب يبقى بعد شهادة شاهدين.. وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادات والأيمان مع احتمال هذا الكذب، وأعلن عنه حين قال، صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر مثلكم أقضي بما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فكأنما أقطع له قطعة من النار" 3 … هذا مع أنه كان ممكنًا له أن ينتظر الوحي، فيقضي باليقين ويزيل هذا الاحتمال.
ولو ان شرط وجوب العمل باللخبر انتفاء تهمة الكذب عن كل وجه ما وجب على القاضي الحكم بالشهادة مع بقاء هذا الاحتمال؛ إذ النتيجة تكاد تكون واحدة4.
5- وقد سمى الله عز وجل خبر الواحد علمًا، قال تعالى: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} 5، وإنما قالوا ذلك سماعًا من مخبر أخبرهم به، وقال جل--------------------------------------------
1 أصول السرخسي 1/ 324، 325.
2 المؤمنون: 51.
3 رواه الشيخان. انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: محمد فؤاد عبد الباقي - عيسى البابي الحلبي 2/ 192 - 193.
4 أصول السرخسي 1/ 326.
5 يوسف: 81.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
ذكره: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} 1، وإنما قال ذلك باعتبار غالب الرأي، واعتماد نوع من الظاهر، ففي هاتين الآيتين الكريمتين دليل على أن خبر الواحد علم لا ظن، والظن إنما هو خبر الفاسق، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بالتوقف في خبره، حتى لا يصاب قوم بجهالة … ومن اعتمد خبر العدل في العمل بهذا العلم الذي ليس ظنًّا يكون مصيبًا؛ لأنه عمل بعلم لا بجهالة2.
6- إن الذين لا يجوزون العمل بخبر الواحد يفزعون إلى القياس، مع أن الاحتمال من حيث الخطأ أقوى منه في خبر الواحد؛ لأن الأخير لا شبهة فيه، والشبهة إنما تكون في طريق الاتصال به، وفي القياس الشبهة والاحتمال في المعنى المعمول به، والطريق فيهما غالب الرأي، فكان العمل بالقياس دليلًا على جواز العمل بخبر الواحد بالطريق الأولى، ولا يستقيم عقلًا ترك العمل بما هو أقوى، والعمل بما هو دونه.
7- إن حاجتنا إلى معرفة أحكام الدين وحقوق الله علينا لنعمل بها مثل حاجة من كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الذين كانوا يسمعون منه، ومعلوم أنه بعد طول الزمن بيننا وبين رسولنا الكريم لا يوجد خبر تواتر في كل حكم من أحكام الشرع، فوجب أن يجعل خبر الواحد حجة للعمل به؛ لتحقق الحاجة إليه على هذا النحو.
8- وإذا كان من حجة الدين لا يجوزون العمل بخبر الواحد أننا لو قبلنا خبره وهو غير معصوم عن الكذب لازدادت درجته على الرسول المعصوم الذي يتنزل عليه الوحي؛ لأن خبر الرسول يكون واجب القبول لاقتران المعجزات به، أما خبر الواحد فيقبل على النحو الذي تقولون به من غير دليل …
- فيرد السرخسي بأن هذا غلط بيّن؛ لأن الرسول في حاجة إلى--------------------------------------------
1 الممتحنة: 10.
2 أصول السرخسي 1/ 326، 327.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
المعجزات لثبوت علم اليقين بنبوته، ولم نقل: إن علم اليقين يثبت بخبر الواحد. كما يفيد خبر الرسول بالمعجزات في بادئ أمره1.
9- إن2 الإجماع قد انعقد من الأمة على قبول خبر الواحد في المعاملات؛ فإن العقود كلها بنيت على أخبار الآحاد، مع أنه قد يترتب على قبول خبر الواحد في المعاملات ما هو حق الله تعالى، كما في الإخبار بطهارة الماء ونجاسته، والإخبار بأن هذا الشيء أهدى إليك فلان، وأن فلانًا وكلني ببيع هذه الجارية أو بيع هذا الشيء، كما أجمعت على قبول من لا يقع العلم بقوله مع أنها قد تكون في إباحة دم، وإقامة حد واستباحة فرج، وأجمعت على قبول قول المفتي للمستفتي مع أن فتواه هذه مبنية على ما بلغه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بطريق الآحاد، فإذا جاز القبول فيما ذكرنا من أمور الدين والدنيا جاز في سائر المواضع، ومنها أخبار الآحاد عن الرسول صلى الله عليه وسلم3.
183- ثم انتقل السرخسي إلى الرد على من يقول بأن خبر الواحد يوجب العلم، كالخبر المتواتر، وقد حكاه ابن الصباغ عن قوم من أهل الحديث، وعزاه أبو الوليد الباجي "245 هـ"، إلى الإمام أحمد، وابن خويز منداد إلى مالك، وإن نازعه فيه المازري بعدم وجود نص له فيه4.
184- وحجة القائلين بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "ثم أعلمهم أن الله تعالتى فرض عليهم صدقة في أموالهم"، ومراده الإعلام بالإخبار.
وإذا لم يكن خبر الواحد موجبًا للعلم عند السامع ما عبر عنه صلى الله عليه وسلم بالإعلام.--------------------------------------------
1 أصول السرخسي 1/ 327، 328.
2 هذا الدليل من أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار.
3 أصول البزدوي وشرحه كشف الأسرار 2/ 695، 696.
4 تدريب الراوي 2/ 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
185- وأيضًا فإن العمل بخبر الواحد واجب، ولا يجب العمل إلا بالعلم، قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 1 … ولأن الله عز وجل قال في نبأ الفاسق: {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} 2، وضد الجهالة العلم، وضد الفسق العدالة، ففي هذا دلالة على أن العلم لا يقع بخبر الفاسق، وأنه يثبت بخبر العدل.
186- وقد يثبت بالآحاد من الأخبار العلم فقط مثل عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة -مما يبين أن خبر الواحد يوجب العلم3.
187- رد على هؤلاء فقال: إن القائلين بهذا خلطوا بين أمرين: بين سكون النفس وطمأنينة القلب وبين علم اليقين، والذي يحدث في خبر الواحد إنما هو طمأنينة القلب لا علم اليقين؛ لأنه ما دامت هناك شبهة الكذب واحتماله؛ فلا يوجد اليقين، وطمأنينة القلب هذه نوع من العلم من حيث الظاهر، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم، في حديث معاذ: "فأعلمهم"، ويجوز العمل بهذا، كما يجوز العمل بمثله في تحري القبلة عند الاشتباه … وينتفي هذا العلم بالجهالة؛ لأنه في خبر العدل يترجح جانب الصدق بظهور عدالته، أما في خبر الفاسق فلا يترجح فيه جانب الصدق، والجهالة مثله.
188- وأما الآثار المروية في عذاب القبر فهي توجب عقد القلب عليها؛ أي: طمأنينتة وسكينته، والابتلاء بعقد القلب على الشيء بمنزلة الابتلاء بالعمل به أو أهم وسمى بعضهم هذا نوعًا من العمل، وعقد القلب هذا غير العلم قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} 4، وقال جل شأنه: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم} 5 "فهم تركوا عقد القلب على ثبوته بعد العلم به"، فهذا غير ذاك6.--------------------------------------------
1 الإسراء: 36.
2 الحجرات: 6.
3 أصول السرخسي: 329.
4 البقرة: 146.
5 أصول السرخسي 1/ 329.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
189- ويشير صاحب "كشف الأسرار" إلى أن معرفتنا عذاب القبر ومثله مما أثاروه بدلالات النصوص من كتاب الله عز وجل وإشاراتها لا بأخبار الآحاد1.
190- وهناك رأي قريب من هذا الرأي الذي سبقت مناقشته، وهو أن خبر الواحد موجب للعلم ضرورة عند اقترانه ببعض الأسباب، وهذا الرأي يحكى عن النظام من المعتزلة2، وهو يقول: إنه علم يحدثه الله تعالى في قلب السامع بمنزلة العلم
للسامع بخبر التواتر؛ لأن التواتر ليس إلا مجموع الآحاد، ويجوز القول بأن الله سبحانه وتعالى يحدثه في قلب بعض السامعين دون بعض. وحجة هذا الرأي أن الواقع يشهد بذلك، ألا ترى أنه لو مر إنسان بباب، فرأى آثار غسل الميت، وسمع عجوزًا تخرج من الدار، وتقول: مات فلان، فإنه يعلم موته ضرورة بهذا الخبر.
وهذا قول باطل -كما يقول السرخسي- لأن الثابت بالبضرورة لا يختلف الناس فيه، بمنزلة العلم الذي يحدث بالمعاينة والمشاهدة، وبمنزلة العلم الواقع بخبر التواتر، ولكننا نشاهد أن خبر الواحد يختلف فيه.
191- وعلى هذا الرأي يبطل كثير من أحكام الشرع، ولا يرجع إلى كثير من البينات، والأيمان عند تعارض الدعوى والإنكار، ولا المصير إلى اللعان وعند قذف الزوج زوجته، فإن القرائن من أبين الأسباب، وينبغي أن يكون خبر الزوج موجبًا للعلم ضرورة، فلا يجوز للقاضي أن يصير عند ذلك إلى اللعان، وفي سائر الخصومات ينبغي للقاضي أن ينتظر حتى يحصل له هذا العلم الضروري وبخبر الواحد فيعمل به3.
192- وأخيرًا … هل يشترط للعمل بخبر الواحد عدد الشهادة ولا يكتفي براو واحد، كما لا يكتفي بشاهد واحد؟--------------------------------------------
1 كشف الأسرار 2/ 697.
2 الإحكام للآمدي 2/ 22.
3 أصول السرخسي 1/ 230.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
رأى ذلك بعض الناس، وحجتهم في ذلك أن الشرع قد اعتبر عددًا في الشهادة لثبوت العلم على وجه يجب العمل به، فعرفنا أن الأقل من هذا العدد لا يثبت علمًا على هذه الحال، ولهذا وجدنا أبا بكر رضي الله عنه حين شهد عنده المغيرة بن شعبة، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، ورث الجدة السدس -قال: ائت بشاهد آخر، فشهد معه محمد بن مسلمة رضي الله عنه.. وطلب عمر رضي الله عنه من أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه أن يأتي بشاهد آخر عندما روى له خبر الاستئذان، فشهد معه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه … ورفض عمر حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قائلًا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت … وروى أبو سنان الأشجعي رضي الله عنه خبرًا في مهر المثل، فقال علي كرم الله وجهه: ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه. فاعتبر عدد الشهادة في كل هذا شرطًا في قبول خبر الواحد كما كانوا يعتبرون العدالة في كل.
193- ويرد على هؤلاء بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، وهذا النعت لكل مؤمن، ولا يكون كذلك إلا إذا كان يجب العمل بما يأمر به من المعروف، فاشتراط العدد في الأمر والنهي يكون زيادة على ما في كتاب الله عز وجل … ويقول السرخسي: إن كل ما رددنا به على المنكرين لحجية خبر الواحد هو رد أيضًا على هؤلاء، وهذا حق؛ لأننا أثبتنا أن خبر الواحد حجة بنقل راو واحد له.
194- أما الآثار التي ذكروها أدلة على ما يقولون فلا حجة لهم فيها، لأنهم لا يستطيعون أن يثبتوا أنها نقلت إليهم على شرطهم، وهو نقل الاثنين عن الاثنين إلى أن وصلت إليهم. ولا حجة لهم فيها أيضًا إذا سلمنا أنها كذلك، فقد طلب أبو بكر رضي الله عنه شاهدًا آخر من المغيرة، لا لأن ذلك مذهبه، بل لأنه شك في خبره لداع رآه، أو لأنه أخبر أن هذا القضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان بمحضر من الجماعة، فأحب أن يتثبت لذلك … وكذلك عمر طلب من أبي موسى الأشعري أن يأتي بشاهد آخر، لأنه أخبر بما تعم به البلوى، فكان بنبغي أن يعرفه العام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
والخاص، فأحب أن يستوثق من ذلك، ولو لم يأت بشاهد آخر لقبل حديثه؛ لأنه قبل حديث راو واحد، في غير ذلك من الأخبار، قبل حديث الضحاك ابن سفيان رضي الله عنه في توريث المرأة من دية زوجها، وقبل حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في الطاعون حين رجع من الشام. وقبل حديثه أيضًا في أخذ الجزية من المجوس، ولم يطلب منه شاهدًا آخر. وإنما لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس، لأنه يخالف كتاب الله، في رأيه، فقد نص القرآن الكريم على سكنى المطلقة، قال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} على حين أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى.
195- ولم يقبل علي رضي الله عنه حديث أبي سنان لمذهب خاص اتخذه لنفسه من أجل توثيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كان لا يقبل رواية الأعراب، وكان يحلف الراوي إذا روى له حديثًا إلا أبا بكر رضي الله عنه، فإنه كان لا يستحلفه، لثقته فيما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد عمل علي بخبر الواحد، ومن هذا قبوله رواية المقداد في حكم المذي.
وقد قبل ابن مسعود حديث أبي سنان، هذا الذي رفضه علي، وسر به؛ لأنه لم يكن له مذهب على الذي ذكرناه.
196- على أن باب الشهادات غير باب الأخبار، ولا يلتقان دائمًا، ففي الشهادات تقوم المرأتان مقام رجل واحد، وفي الأخبار الرجال والنساء سواء. واشتراط العدد في الشهادات توقيفي لمعنى يعلمه الله تعالى، واستأثر عز وجل بعلمه، والواجب علينا اتباع النص، وإلا فإن تهمة الكذب لا ترتفع بعدد الشهادة1.
197- وإذا كان المحدثون لا يرون بأسًا برواية الواحد، ولا يشترطون عدد الشهادة فإنهم قد يلتقون على نحو ما مع هؤلاء؛ لأنهم يكرهون الحديث--------------------------------------------
1 أصول السرخسي 1/ 331ـ 332- كشف الأسرار 2/ 694.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الذي يرويه واحد عن إمام مشهور من أئمة الحديث، ويسمون هذا الحديث غريبًا، ويسمون راويه منكر الحديث1، يقول ابن حجر: إن ابن حنبل يطلق على من يغرب على أقرانه في الحديث، أي يأتي بالغرائب: إنه منكر الحديث … وقال الإمام مالك: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس … وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من ههنا وههنا -يعني المشهور … وروي عن الزهري قال: حدثت علي بن الحسين بحديث، فلما فرغت قال: أحسنت بارك الله فيك، هكذا حدثنا، قلت: ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني!. قال: لا تقل ذلك، فليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن2 … وحذر الإمام أبو يوسف من رواية هذا النوع من الحديث؛ لأنه منزلق للخطأ، فيقول: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس3.
198- وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يرى أن حديث اثنين أرجح من حديث واحد، وحديث خمسة أولى من حديث واحد4" … كما تكون المتابعة من أسباب ترجيح حديث على حديث5 عنده.
ومن أعجب الأمور عند الشافعي -إن صحت نسبة هذا إليه- أنه لا يعترف برواية الواحد من أهل العراق إلا إذا كان هناك لروايته أصل في مكة أو المدينة، يقول فيما يرويه ابن أبي حاتم بسنده: "والله لو صح الإسناد من حديث العراق، غاية ما يكون الصحة، ثم لم أجد له أصلًا عندنا "يعني بالمدينة ومكة" على أي وجه كان: لم أكن أعني بذلك الحديث على أي صحة كان"6.--------------------------------------------
1 تدريب الراوي 1/ 347.
2 المصدر السابق 2/ 182.
3 الكفاية الطبعة المصرية: ص225.
4 الرسالة ص180، 281 - اختلاف الحديث 212، 230، 234.
5 العلل لابن المديني: ص89، 90، 97.
6 آداب الشافعي: ص200.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
199- ويبدو أنه رجع عن هذا القول -إن صح عنه- لأن ابن أبي حاتم يروي بسنده عنه أيضًا قوله للإمام أحمد بن حنبل: "أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا، فأعلموني، كوفيًّا كان أو بصريًّا أو شاميًّا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا1.--------------------------------------------
1 المصدر السابق: ص94 - 95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
حجية المشهور عند الحنفية:
بقي أن نبين مدى حجية جزء من أجزاء أخبار الآحاد عند غير الحنفية، وقسم مستقل عندهم، والذي يسمونه "المشهور". وقد سبق أن قدمنا مفهومه عندهم.
200- ويهمنا هنا أن نعرض لرأي عيسى بن أبان الحنفي، والذي عاش جزءًا من القرن الثاني الهجري "220هـ" … يقول: "إن حجية الخبر المشهور لا تصل إلى ما وصلت إليه حجية المتواتر، لأن العلم الثابت بالتواتر ضروري ويوجب علم اليقين، وبالتالي يكفر جاحده، وليس كذلك المشهور فإن جاحده لا يكفر بالاتفاق، والثابت به إنما هو علم طمأنينة القلب لا علم اليقين؛ لأنه وإن تواتر نقله من الجيل الثاني والثالث؛ التابعين وتابعيهم، فقد بقيت فيه شبهة توهم الكذب عادة باعتبار الأصل الآحادي.
201- ومع أنه يفيد طمأنينة القلب فقط ولا يفيد علم اليقين فإنه تجوز به الزيادة على النص؛ لأن العلماء عند ما تلقوه بالقبول والعمل به كان ذلك دليلًا موجبًا؛ لأن الإجماع من القرن الثاني والثالث دليل موجب شرعًا، فلهذا جازت الزيادة به على النص. ولهذا قيد إطلاق الكتاب الكريم غسل الرجلين في الوضوء بعدم لبس الخفين لحديث المغيرة المشهور الذي سبق أن ذكرناه … وخصص حديث تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} 1. وخصص عموم قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} 2، الآية الكريمة، بحكم الرجم للمحصن في قوله--------------------------------------------
1 النساء: 24.
2 النور: 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
صلى الله عليه وسلم: "والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" وبرجم ماعز وغيره … وقيد الإطلاق في قوله تعالى في كفارة اليمين: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} 1، بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه المشهورة: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". هذا وإن كان الأحناف يطلقون على هذه الزيادات النسخ؛ لأن شرط التخصيص والتقييد عندهم "أن لا يكون المخصص مثل المخصوص منه في القوة، وأن يكون متصلًا لا متراخيًا، ولم يوجد الشرطان جميعًا"2.
202- وذكر عيسى بن أبان أن المشهور ينقسم إلى ثلاثة أقسم:
1- قسم يضلل جاحده ولا يكفر، وذلك نحو خبر الرجم الذي اتفق عليه العلماء في الصدر الأول والثاني، وإنما خالف فيه الخوارج، وخلافهم لا يكون قادحًا في الإجماع.
2- وقسم لا يضلل جاحده، ولكن يخطأ، ويخشى عليه من المأثم، وذلك نحو خبر المسح على الخفين، وذلك لأن العلماء اختلفوا فيه في الصدر الأول؛ فإن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما كانا يقولان: سلوا هؤلاء الذين يرون المسح هل مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سورة المائدة؟ والله ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سورة المائدة، وإن كان قد نقل عنهما رجوعهما عن ذلك، وكذلك خبر الصرف، فقد روي عن ابن عباس أنه كان يجوز التفاضل، مستدلًا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ربا إلا في النسيئة". وقد نقل رجوعه عن ذلك، فلشبهة الاختلاف هذه اختلف عن القسم الأول في أنه لا يضلل جاحده … ولكن باعتبار رجوعهم يثبت الإجماع، وقد ثبت الإجماع على قبوله في الصدر الأول والثاني ولهذا يخشى على جاحده المأثم.
3- وقسم لا يخشى على جاحده المأثم، ولكن يخطأ في ذلك، وهو الأخبار التي اختلف فيها الفقهاء في باب الأحكام؛ لأنه عندما يعمل به إنما يعمل به عن اجتهاد، والمجتهد لا يأثم حتى ولو أخطأ، وكذلك لو جحده3.--------------------------------------------
1 المائدة: 89.
2 كشف الأسرار 2/ 689.
3 كشف الأسرار 2/ 689 - 690 - أصول السرخسي 1/ 292 - 294.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
203- وبعد أن تعرفنا على حجية السنة ووجوب العمل بها على النحو الذي رأيناه -فإن هناك شروطًا لهذا الوجوب وتلك الحجية … ولعلنا قد لمسنا إشارة عابرة لبعضها من الإمام الشافعي عندما كان ينبه إلى صدق ناقلها وعدالته، والحقيقة أن توثيق الراوي من أهم الشروط في توثيق السنة وقبولها حيث إننا بهذا نطمئن إلى أن ما يرويه لنا قد صدر فعلًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا ما سنفصله فيما يلي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
الفصل الثاني: توثيق الراوي
مدخل
…
الفصل الثاني: توثيق الراوي
204- يرى علماء الحديث والفقه أنه يجب أن تتوافر في راوي الحديث شروط من شأنها أن تصون حديثه من أن يغير فيه أو يبدل أو يدعى ما ليس منه.
205- وهناك نوعان من هذه الشروط: نوع يلازم الراوي، ويتصف به، ويقوم به أساسًا قبل الرواية، وبصرف النظر عنها، ولكنه ينعكس عليها ويؤثر فيها …
ونوع آخر ليس صفة أساسية في الراوي وقد يصاحب الرواية وقد لا يصاحبها ونعنى الآن بالنوع الأول، لأن أئمة الحديث تكلموا فيه كنوع قائم بذاته، وكشروط أساسية لقبول الرواية أو رفضها، وأما النوع الآخر فلا يبحثون عنه كثيرًا وإنما يجيء بحثهم له عرضًا، ومن خلال بحثهم لبعض أحاديث الراوي ومن هذا مثلًا فقه الراوي، فهذا الشرط لا يبحثون عنه إلا عندما يجدون أنهم أمام روايتين متعارضتين، وراوي إحداهما فقيه وراوي الأخرى غير فقيه، فقد يأخذون في الاعتبار هذه الصفة، ويرجحون بها إحدى الروايتين على الأخرى … ولكنه بغض النظر عن هذا يكون راوي الحديث غير الفقيه مقبول الرواية؛ لأنه تتوافر فيه الشروط الأساسية التي هي من النوع الأول، ولهذا نؤثر أن نؤجل مثل هذا الشرط ونبحثه من خلال بحث علماء الحديث أو الفقه له.
206- وينحصر النوع الأول في أربعة شروط: الإسلام والعقل والعدالة والضبط …
207- وقد يرى البعض أنه من الواجب أن يتوافر في الراوي شرطان فقط، وهما: العدالة والضبط ويدخل تحتهما الشرطان الآخران، وهما: الإسلام والعقل، الأول يدخل تحت العدالة والثاني تحت الضبط؛ لأن الضبط بدون العقل لا يتصور؛ وكذلك العدالة بدون الإسلام؛ لأن تفسيرها الاستقامة في الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
208- ولكن هناك، في الحقيقة، مغايرة بين العقل والضبط وبين الإسلام والعدالة من حيث إن العقل لا يستلزم الضبط والعكس، فقد يكون للصبي ضبط كامل مع أنه لا يكلف بأعمال الشرع؛ لأن عقله لما يكتمل بعد، فاشترط الضبط وحده لا يحصل الاحتراز به عن رواية الصبي، وهي غير صحيحة … والإسلام لا يستلزم العدالة والعكس، فالكافر قد يوصف بالعدالة لاستقامته على معتقده، ويسمى معتقده دينًا، وإن كان باطلًا، ولهذا يسأل القاضي عن عدالة الكافر إذا شهد على كافر آخر عند طعن الخصم، فيكون الاقتصار على اشتراط العدالة لا يحصل به الاحتراز عن رواية الكافر، وهير غير صحيحة أيضًا …
إذن فلا بد من ذكر هذه الشروط الأربعة، وعدم الاكتفاء باثنين منها وإن كانا لا يتصوران حقيقة بدون الآخرين1.--------------------------------------------
1 كشف الأسرار 2/ 713.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
1- الإسلام:
209- يشترط لقبول حديث الراوي أن يكون مسلماً، لأنه ينقل أخبارًا تثبت أحكام الشرع، والكفار يعادون المسلمين في الدين، وقد تحملهم المعاداة هذه على السعي في هدم أركانه بإدخال ما ليس منه فيه ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله عز وجل: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} 1، أي لا يقصرون في الإفساد عليكم، وقد ظهر منهم هذا بطريق الكتمان، فإنهم كتموا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد ذكر في كتبهم، فهذا بمنزلة شهادة الأب لوالده، فنها لا تقبل لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في شهادته، وهو الشفقة والميل إلى الولد.
210- وإذا كانت الرواية فيها نوع من الولاية كالشهادة، فإن الله عز ذكره قد نفى أن تكون هناك ولاية للكافرين على المؤمنين، قال تعالى:--------------------------------------------
1 آل عمران: 118.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} 1.
211- وعند محمد بن الحسن رحمه الله يجوز أن يعمل بخبر الكافر إذا كان الاحتياط في العمل به، ورواية الكافر الحديث في هذا مثل إخباره بنجاسة الماء، فإنه لا يعمل المخبر عنه بخبره، وإن وقع في قبله صقده، بل يتوضأ بذلك الماء، ولكنه إن أراق الماء احتياطًا، إذا وقع في قلبه صدقة، ثم تيمم جازت صلاته، وإن تيمم من غير إراقة وصلى لا تجوز صلاته؛ لأن الماء أمامه، وهو طاهر … وينبغي أن يكون شأن الكافر في رواية الحديث كشأنه في الإخبار عن نجاسة الماء -في رأي محمد- فلا يقبل خبره في الدين ولا يكون حجة كما لم يقبل في نجاسة الماء إلا أن الاحتياط لو كان في العمل يستحب الأخذ به كما استحبت الإراقة، ثم التيمم هناك2.
212- ويدخل في الرواة الكفار من كفر ببدعته من المجسمة ومنكري علم الجزئيات وغلاة الروافض الذين ادعى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة … وقيل: إن الشافعي نص على كفر القائل بخلق القرآن، وقد أول البيهقي هذا على أنه كفران نعمة، فيدخل خبره عندئذ في خبر الفاسق، ولكن البلقيني رد هذا التأويل بدليل أن الشافعي أفتى بضرب عنق حفص3 الفرد مما يدل على أن بدعته هذه كفرته. وقال النووي: إن رد رواية هؤلاء متفق عليها، ولكن تعقبه السيوطي بأن هناك من تقبل روايتهم4. وهذا هو الحق؛ لأنهم تأولوا فلا ينبغي أن نعتبرهم من الكفار، وربما حكمنا بفسقهم بسبب شططهم في تأويلهم، ومن هنا يكون السؤال: هل هم عدول أو لا؟ وعلى هذا فمحل بحثهم العدالة. إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
1 النساء: 141.
2 كشف الأسرار 3/ 743، 744.
3 هو أبو عمرو المصري البصري من أكابر المجبرة "له ترجمة في لسان الميزان 2/ 230".
وذكر الخطيب البغدادي أن هناك طائفة من أهل النقل والمتكلمين ذهبوا إلى قبول أخبار أهل الأهواء كلها وإن كانوا كفارًا وفساقًا بالتأويل "الكفاية ص195 الطبعة المصرية".
4 تدريب الراوي 1/ 324 - 325.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
2- العقل:
213- ومعناه أن يكون الراوي وقت الأداء بالغًا مكلفًا بالتكاليف الشرعية، وقد رأى العلماء هذا الشرط؛ لأن الصغير لا يدرك مغبة الكذب وعقوبته، فيخشى أن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما إذا كان بالغًا مكلفًا، فإنه ينزجر عن الكذب الذي ينهاه الشرع عن الوقوع فيه، فلا يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
214- وإذا كان الشرع لم يجعل الصبي وليًّا في أمر دنياه، ففي أمر الدين أولى، كالتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ينتج عنه أن يسمعه بعض المسلمين، فيحلون به الحلال، ويحرمون به الحرام1.
215- وممن نص على أنه لا تقوم الحجة إلا بخبر العاقل -في القرن الثاني الهجري- الإمام الشافعي رضي الله عنه2.
216-
وقال محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الاستحسان بعد ذكر العدل والفاسق والكافر: "وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان" وكانت هذه العبارة محتملة لتفسيرات ثلاثة:
التفسير الأول:
أن الصبي والمعتوه مثل العدل المسلم البالغ في قبول الرواية ما دام عندهما العقل، وأصحاب هذا التفسير يؤسسونه على أن العطف هنا على العدل لا على الكافر، بدليل أنه قيده بقوله: "إذا عقلا ما يقولان" ولو كان عطفًا على الكافر لم يكن لهذا القيد فائدة، لأنهما إذا لم يعقلا ما يقولان لم يقبل خبرهما أيضًا، وقد سقط اعتبار البلوغ هنا، في الأخبار كما سقط اعتبار الحرية والذكورة فيها بخلاف الشهادة في جميعها.--------------------------------------------
1 نشأة علوم الحديث ومصطلحه ص67.
2 الرسالة ص370.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
التفسير الثاني:
أنهما مثل الفاسق في وجوب التوقف والتحري في خبره، فالعطف هنا على الفاسق.
التفسير الثالث:
وهو المختار عند مؤلفي الحنفية -أن خبرهما مثل خبر الكافر؛ لأن العطف على أقرب المذكور، والكافر هو الأقرب، فلا يجعل عطفًا على الأبعد من غير ضرورة، وكان هذا التفسير هو المختار؛ لأن خبرهما لو كان حجة لأثبتنا لهما ولاية متعدية، والولاية المتعدية فرع عن الولاية القائمة … ؛ أي: ثبوت الولاية على الغير فرع لثبوتها على النفس، إذ الأصل في الولايات ولاية المرء على نفسه، ثم تتعدى إلى غيره عند وجود شرط التعدي؛ لأن الولاية قدرة، ومن لا يقدر في نفسه لا يقدر على غيره وليس للصبي والمعتوه ولاية ملزمة على أنفسهما بالإجماع، وإنما هي مجوزة، يعني تصرفهما جائز الثبوت، فلو انضم إليه رأي الولي يصير ملزمًا، ولوكان ملزمًا ابتداء لم يحتج إلى انضمام رأيه إليه، فلو قبلنا خبرهما ملزمًا، ولو كان ملزمًا ابتداء لم يحتج إلى انضمام رأيه إليه، فلو قبلنا خبرهما صارت ولايتهما متعدية إلى الغير ملزمة عليه؛ لأنه إذا وضع خبرهما موضع الحجة وجب على المروي له العمل به، وهو في هذا مثل الكافر، فإنه لما لم يلزمه موبج ما أخبر به لكونه غير مخاطب بالشرائع كان خبره ليس ملزمًا على الغير ابتداء، فالكافر ليس من أهل الإلزام، فكذا الصبي.
217- حقيقة إن الصحابة رضوان الله عليهم تحملوا الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغرهم، ولكنهم نقلوها بعدما كبروا، ولو كانت ولاية الصغير حجة لنقلوها في صغرهم أيضًا.
وقد يقال: إن أهل قباء تحولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة بخبر صغير مما يدل على أن رواية الصغير جائزة وملزمة.
والجواب عن ذلك أن الذي أتاهم هو أنس رضي الله عنه، وإذا كان عبد الله بن عمر قد أتاهم وأخبرهم، وهو صغير فإنهم اعتمدوا على رواية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)