Arabic source text

📘 তওসীকুস সুন্নাহ ফিল করনিস সানি আল-হিজরি আসুসুহু ওয়া ইত্তিজাহাতুহু (রিফাত বিন ফাওজি আবদুল মুত্তালিব)

📘 توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته (رفعت بن فوزي عبد المطلب)

📘 তওসীকুস সুন্নাহ ফিল করনিস সানি আল-হিজরি আসুসুহু ওয়া ইত্তিজাহাতুহু (রিফাত বিন ফাওজি আবদুল মুত্তালিব)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لم يمكنه ذلك، وحكى أبو عبد الله المحاملي ذلك عن أبي حنيفة وبعض الشافعية1 قال يحيى بن معين: أتينا حاتم بن إسماعيل بشيء من حديث عبيد الله بن عمر، فلما قرأ حديثًا قال: أستغفر الله، كتبت عن عبيد الله كتابًا، فشككت في حديث منها، فلست أجد عنه قليلًا ولا كثيرًا2، واكتفى بعضهم بأن يتأكد من أن الكتاب هو كتابه، وأن ما فيه من خطه، يقول عبد الرحمن مهدي: إن الرقعة تقع في يدي من حديثي، ولولا أنها بخطي لم أحدث منها بشيء … قال: ومن شروط صحة الرواية من الكتابة أن يكون سماع الراوي ثابتًا وكتابه متقنًا.
وحكى المحاملي هذا عن أكثر الشافعية ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، ويبين القاضي عياض أن الخلاف في هذا "مبني على الخلاف في شهادة الإنسان على خطه بالشهادة إذا لم يذكرها"3.
296- ويجب على صاحب الكتاب أيضًا أن يحتفظ بكتابه، ويصونه عنده، كما يصون الحديث في ذاكرته، حتى لا يدخله ريب ولا شك أنه ليس كما سمعه؛ ولهذا منع حماد بن زيد كتابه عن ابن المبارك، ولم يرض إلا بأن ينسخه في حضرته4، وسمع ابن المبارك حديثًا من شعبة هو وغندر، فباتت الصحيفة التي دون فيها هذا الحديث عند غندر، فحدث به عن غندر عن شعبة، ولم يحدث به عن شعبة، لأنه لم يحتفظ بكتابه عنده5.
297- فإن خرج الكتاب من يد المحدث وعاد إليه، فقد توقف بعض العلماء عن جواز الحديث عنه، على حين رأى بعضهم أنه لا مانع من التحديث إذا لم ير فيه أثر تغيير حادث من زيادة أو نقصان أو تبديل، وسكنت نفسه إلى سلامته. وعلى هذا يحمل قول يحيى بن سعيد، وقد سأله أحد الرواة: "ضاع مني كتاب يونس والجريري، فوجدتهما بعد أربعين سنة أحدث بهما؟ أجاب يحيى: وما بأس بذلك؟ 6.--------------------------------------------
1 الإلماع إلى معرفة أصول الرواية أو تقييد السماع: أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي تحقيق السيد أحمد صقر. مكتبة التراث - الطبعة الأولى 1389هـ - 1970م - ص139.
2 الكفاية "م" ص347.
3 الإلماع ص 139.
4، 5 الكفاية هـ ص 235.
6 الكفاية ص 348 - 349.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

298- ولم يعتمد بعضهم كتاب البصير الأمي والضرير اللذين لم يحفظا من المحدث ما سمعاه منه لكنه كتب لهما، وممن رأى ذلك الإمام أحمد وأبو معاوية الضرير، ويحيى بن معين، والعلة في هذا -كما يقول الخطيب البغدادي- أنه لا يسلم من الزيادة لهما في الكتاب أو التحريف فيه1، وأجاز ذلك بعضهم إذا وثق الضرير بالملقن له، وممن أجاز ذلك علي بن المديني2.
299- وإذا وجد الرجل سماعه في كتاب غيره جاز له أن يأخذه عندما يتأكد أنه لم يزد في هذه الأحاديث ولم ينقص، وممن قال بذلك الإمام أحمد بن حنبل3.
والمهم في هذا كله أن يكون متحققًا بما يحدث به حتى لا يكون محدثًا بالظن والظن أكذب الحديث.
300- ومن أجل هذا الدور الكبير في حفظ المرويات رأينا أئمة الحديث يهتمون ببحث كتب الرواة وتوثيقها والحكم بصحتها أو عدم صحتها وكانوا يكتفون بذلك عن النص على توثيق الراوي نفسه:
ومن أمثلة ذلك ما يقوله علي بن المديني: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يونس الأيلي، قال: كان ابن المبارك، يقول: كتابه صحيح. قال عبد الرحمن: وأنا أقول: كتابه صحيح4. وقال عبد الله بن المبارك: إبراهيم بن طهمان والسكري يعني أبا حمزة صحيحا الكتب 5، ويقول الأوزاعي: عليكم بكتب الوليد بن مزيد البيروتي، فإنها صحيحة، ما عرض علي كتاب أصح من كتب الوليد بن مزيد6.
301- وهذا ما كان يدفع بعضهم إلى إصلاح كتابه بعد أن يسمع من الشيخ7، وإلى الاستعانة بغيره؛ كي يصلح له كتابه، حتى إذا حدث له--------------------------------------------
1، 2 المصدر السابق ص 338 - 339 و378.
3 المصدر السابق ص 347.
4، 5 تقدمة المعرفة ص272 و270.
6 تقدمة المعرفة ص205.
7 العلل ومعرفة الرجال 1/ 381.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

يتهم؛ لأن كتابه غير صحيح أو فيه أخطاء، ويؤدي هذا الحكم بطيبعة الحال إلى تضعيفه، قال الإمام أحمد: كان يحيى بن سعيد حسن الرأي في عبد الوهاب الخفاف، سمعته يقول: لما أراد الخفاف أن يحدثهم بحديث هشام الدستوائي أعطاني كتابه، فقال لي: انظر فيه فنظرت فيه، فضربت على أحاديث منها، فحدثهم، فكان صحيح الحديث1.
302- ومن أجل خطورة الكتاب -على النحو الذي رأينا- وجدنا أن بعض الأئمة لا يحب أن تسجل إلا الأحاديث المتقنة؛ لأنها ستنقل إلى الأجيال عبر الكتاب، إذن فلا يسجل فيه إلا الأحاديث التي ضبطها الشيخ، يقول يحيى بن سعيد القطان: كان سفيان الثوري إذا حدثني بالحديث، فلم يتقنه قال: لا تكتبه2.
303- وإذا كان الكتاب هو كل زاد المحدث أو معظمه، فقد زاد حرصهم عليه حتى لا يضيع، أو تمتد إليه أيدي السوء، فيذهب ما يضبط به المحدث روايته؛ خاف سفيان الثوري شيئًا فطرح كتبه، فلما أمن أرسل إلى بعض تلاميذه، فأخرجوا هذه الكتب من بئر عميقة كان قد وضعها فيها3.
304- وحرص بعضهم على توثيق مروياته إلى أن تنقل في حياتهم نقلًا صحيحًا. أما إذا ماتوا فقد نقل هذه الكتب إلى من يحرف فيها أو ينسبها لنفسه أو يأخذها من لم يأذن لهم في حياته، ولهذا فقد رأينا سفيان الثوري وغيره يوصون بحرق كتبهم، ومحوها بعد وفاتهم، يقول ابن مطهر: أوصى سفيان إلى عمار بن سيف في كتبه؛ فما كان بحبر فاغسله، وما كان بأنقاس فامحه، فسخنا الماء واستعان بنا، فأخرج كتبًا كثيرة فجعلنا نمحوها ونغسلها4.
305- وكما أعان الكتاب المحدثين على ضبط مروياتهم -على النحو الذي رأينا- أعان النقاد أيضًا على معرفة صدق الراوي أو كذبه، وهل--------------------------------------------
1 المصدر السابق 1/ 374 - ميزان الأعتدال 2/ 681 - 862.
2 تقدمة المعرفة ص 67.
3، 4 تقدمة المعرفة ص115 و116.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

ما خالف فيه الثقات إنما هو شيء من السهو والغلط الذي يعتري معظم الرواة، أو هو الكذب الذي يخفيه بادعائه الظن الطارئ والخطأ غير المتعمد؟ … عن حسين بن جبان قال: قلتليحيى بن معين: "ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث إن هو رجع عنها، وقال: طننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ … فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك لرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا فقلت ليحيى: ما يبرئه؟. قال: يخرج كتابًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث فإذا أخرجها في كتاب عتيق، فهو صدوق، فيكون شبه له فيها، وأخطأ ما يخطئ الناس، فيرجع عنها. قلت: فإن قال: هي في نسخة عتيقة وليس أجدها؟. فقال: هو كذاب أبدًا، حتى يجيء بكتابه العتيق، ثم قال: هذا دين لا يحل فيه غير هذا1:
306- وبعد أن طالت وقفتنا مع الكتاب ومع أهمية ضبط الحديث وتوثيقه في القرن الثاني نعود فنكمل الوسائل التي تمكن الراوي من ضبط الأحاديث.
307- 3- بعد التلقي الصحيح للأحاديث وحفظها في الذاكرة أو في الكتاب أو فيهما معًا على الراوي أن يتعهد هذه المرويات فيما بين أخذها وروايتها، وذلك يكون بأمور ثلاثة:
الأمر الأول:
عرضها على النقاد الفاهمين علل الحديث، والمميزين صحيحة من سقيمه، حتى يبينوا أمر ما يحمل، فلا يكون كحاطب ليل، قال حسين بن عياش: كنا نأتي سفيان بالعشي، فنعرض عليه ما سمعنا -من محدث سماه- فيقول: هذا من حديثه، وليس هذا من حديثه2. ويقول الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الزيف على الصيارفة، فما عرفوا--------------------------------------------
1 الكفاية م ص192.
2 تقدمة المعرفة ص 70.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)

أخذنا، وما تركوا تركنا1. ولم يكتف بعضهم بأن يعرض الحديث على أئمته، وإنما عرضه على أهل البصر باللغة ليضبطوا ألفاظه، يقول عبد الله بن المبارك: إذا سمعتم عني الحديث فاعرضوه على أصحاب العربية، ثم أحكموه وكان الأوزاعي يفعل ذلك ويعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصلحها2.
الأمر الثاني:
مذاكرتها دائمًا حتى تزداد معرفته بها ولا تشرد عنه، قال حماد بن زيد: كنا نخرج من عند أيوب وهشام الدستوائي، فيقول لنا هشام: هاتوها قبل أن تبرد، فنقعد فنتذاكرها بيننا3. ويقول أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن ثلاثة: حافظ أمين له، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه وتكريره، حتى يستقر له حفظه4، ويقول جرير بن عبد الحميد: كنا نتذاكر بيننا، ويصحح بعضنا من بعض5، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إحياء الحديث مذاكراته، وقال مثل ذلك علقمة6.
الأمر الثالث:
التأمل في هذه المرويات بحيث يصل إلى فهمها وفقهها؛ لأنه إذا حملها دون فهم ربما أدى هذا إلى عدم ضبطها واستقرارها في ذهنه فيؤديها أداء غير صحيح، وهذا هو السر في قول الإمام مالك: "ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء"7. وسأل وكيع بعض أصحابه: أي الإسنادين أحب إليكم: "الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله"، أو "سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله"؟ فقال: "الأعمش، عن أبي وائل" فقال: "يا سبحان الله!، الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه،--------------------------------------------
1 الجرح والتعديل مج 1/ 20 - 21.
2 الكفاية م ص 374.
3 تقدمة المعرفة ص183.
4 الكفاية م ص 256.
5 الجرح والتعديل مج 2 ق 1/ 2080.
6 المحدث الفاصل "المخطوطة" ص 359.
7 ترتيب المدارك 1/ 125.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)

ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه. وحديث يتداوله الفقهاء خير من أن يتداوله الشيوخ1.
308- إن الراوي إذا اتبع هذه الوسائل من تلق صحيح، وحفظ متقن، وتعاهد لهذا الحفظ، فإنه -مما لا شك فيه- سيثبت فيما يرويه، وعلامة تثبته عدم الشك فيما يحمله ويؤديه، فإن شك في الحديث تركه، قال الشافعي: كان مالك إذا شك في شيء من الحديث تركه كله2. وقد مر موقف حاتم ابن إسماعيل من بعض كتبه التي شك فيها، فتركها كلها3. ويقول يحيى بن معين: من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: وكيف يكون سمحًا؟. قال: إذا شك في الحديث تركه، ويقول عبد الرحمن بن مهدي: خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث4.
اختبار ضبط الراوي للحديث:
309- كيف تعرف النقاد على ضبط الراوي لحديثه؟
تعرفنا على بعض هذا فيما سبق حينما بينا دور الكتاب في توثيق الأحاديث وغير هذا تعرف النقاد على مقدار ضبط الراوي بوسائل أهمها:
1- مقارنة رواياته بروايات الثقات المشهورين بالضبط والإتقان، فإن كانت رواياته موافقة لرواياتهم تمامًا أو في الأغلب، فهو ضابط ثبت في مروياته وأحاديثه -تبعًا لذلك- صحيحة إذا انضمت إلى ضبطه عدالته، ويحتج بحديثه؛ لأنه بهذه الحالة قد أمن من أن ينسى أو يخطئ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم5.
310- ولقد قام أئمة الحديث بمقارنة مرويات الراوي بمرويات غيره--------------------------------------------
1 معرفة علوم الحديث ص11.
2 الكفاية م ص 346.
3 الكفاية م ص347. وص 166 من هذا الكتاب.
4 المصدر السابق م ص 245.
5 مقدمة ابن الصلاح على التقييد والإيضاح 138.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)

للوقوف على مدى ضبطه خير قيام، وقد وصلوا من ذلك إلى من هو أثبت في الرواية عن آخر، أو في شيخ معين، أو في بلد معين، أو دون تحديد حتى يمكنهم من ذلك الأخذ بروايات الأتقن منهم لحديثه وترك ما خالفه … قال علي بن المديني: إن الأعمش أثبت في أبي صالح من غيره، ومن أجل هذا يرجح حديثه عن أبي صالح إذا خالفه في غيره، ومن هذا حديث يصف ما كان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف الصحابين الجليلين.
وقد روى هذا الحديث عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، ورواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد1.
وقال علي بن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من بن عيينة ويقول يحيى بن سعيد القطان في ابن عيينة شبيهًا بهذا، وإن كان يقارن بينه وبين تلميذ واحد من تلاميذ الزهري، وهو معمر بن راشد الصنعاني يقول: "سفيان بن عيينة أحب إلي في الزهري من معمر2. ويقول يحيى بن معين: "إن سفيان بن عيينة أثبت من محمد بن سلم الطائفي وأوثق منه، وهو أثبت من داود العطار في عمرو بن دينار3 ويقول ابن عيينة كان ابن طاوس أحفظ عندنا من غيره، قيل له: أين كان حفظ إبراهيم بن ميسرة عن طاوس من حفظ ابن طاوس؟ قال: لو شئت قلت لك: أين أقدم إبراهيم عليه في الحفظ فعلنا4، ويحث شعبة بن الحجاج معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان أن يسمعا من عبد الوارث بن سعيد؛ لأنه أحفظ لحديث أبي التياح منه، فذهبا وسألاه عن هذه الأحاديث فجعل يمرها، كأنها مكتوبة في قلبه5 ويرى ابن معين أن الثوري أعلم المحدثين بأحاديث الأعمش وأبي إسحاق ومنصور6 … وأن يحيى بن سعيد أثبت في شيوخ البصريين7.--------------------------------------------
1 انظر فتح الباري على صحيح البخاري ففيه كلام طويل على هذا الحديث 7 - 34 - 36 المطبعة السلفية.
2 تقدمة المعرفة ص51، 52.
3 المرجع السابق ص 52.
4 تقدمة المعرفة ص 48.
5 المصدر السابق.
6 المصدر السابق 136.
7 المصدر السابق ص247.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)

ويرى علي بن المديني أن ليس أحد أثبت في ابن سيرين من أيوب وابن عون إذا اختلفا وأيوب أثبت … وهشام أثبت من خالد الحذاء في ابن سيرين وكلهم ثبت1 … ويونس أثبت في الحسن من ابن عون … ويزيد ابن هارون أثبت في الحسن وابن سيرين2 …
... وهو يرى أيضًا أن يحيى القطان أوثق أصحاب الثوري3، وكان وهيب يقدم سفيان الثوري في الحفظ على مالك4.
311- والذي نلاحظه أنهم في تفضيلهم هذا على ذلك إنما يبتغون به وجه الله تعالى وتوثيق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مما يزيدنا ثقة في نزاهة أحكامهم، واطمئنانًا إلى صفاء ذلك المنهل العذب الذي نستقي منه أدلة التشريع بعد كتاب الله عز وجل، فهذا شعبة بن الحجاج يفضل سفيان الثوري على نفسه، فيقول: إذا خالفني سفيان في حديث، فالحديث حديثه، ويفضل هشام الدستوائي على نفسه أيضًا في الحفظ عن قتادة5 …
وهذا يحيى بن سعيد القطان لا يحب أحدًا مثل ما يحب شعبة … لكن هذا الحب الكبير لا يمنعه أن يفضل غيره عليه؛ لأن الأمر أمر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي فوق هذا بكثير، يقول: ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان6.
312- وقد غرست هذه المقارنات في القرن الثاني الهجري بذور وضع الرواة على درجات، أهم ما يراعي فيها مقدار ضبط الراوي، وتثبته فيما يرويه، وأهم هذه البذور ما يروى عن عبد الرحمن بن مهدي؛ فقد رتب الرواة الذين يحتج بهم والذين لا يحتج بهم وبأحاديثهم. قال:--------------------------------------------
1 المصدر السابق ص68، 69.
2 المصدر السابق نفسه.
3 المصدر السابق ص247.
4 المصدر السابق ص63.
5 تقدمة المعرفة ص155.
6 المصدر السابق ص63.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)

1- احفظ عن الرجل الحافظ المتقن … فهذا لا يختلف فيه.
2- وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، لو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس.
3- وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك - يعني لا يحتج بحديثه1.
كما نلمح شيئًا من ذلك في كلام علي بن المديني:
1- "لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة …
2- "ثم بعد سليمان بن المغيرة …
3- "ثم بعده حماد بن زيد، وهي صحاح …
4- "وروي عنه حميد شيئًا.
5- "فأما جعفر، فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير".
إن هذا هو أساس وضع الرواة على مراتب أو في درجات تبين الأثبت فالأثبت، ومن يحتج بأحاديثهم ومن هم غير ذلك … وقد بني على هذا الأساس من جاء بعد القرن الثاني الهجري ابتداء من ابن أبي حاتم الرازي2.
313- وكما وضعوا أساس ترتيب الرواة وبذوره وضعوا أيضًا بعض المصطلحات والألفاظ التي تضع الراوي في مرتبته اللائقة به من حيث ضبطه وعدالته، ويكتفىبإطلاق مصطلح من المصطلحات هذه لبيان مدى ضبطه ومقدار حفظه وعدالته، وكل الأئمة قد أسهم تقريبًا في هذا المجال.
أطلقوا -مثلًا- على أعلى درجات الضبط والعدالة من الألفاظ: "ثقة" أو "ثبت" مكررًا أو لفظ "حجة" أو "إمام"؛ قال سفيان بن عيينة في عمرو بن دينار: "ثقة"وكررها أكثر من مرة ليبين أنه في على درجات--------------------------------------------
1 الجرح والتعديل مج1 ص38.
2 عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وأثره في علوم الحديث ص238- 266.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)

من يوثق بهم، وقال ابن سعد في شعبة بن الحجاج: "ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث"1.
ويفسر الإمام أحمد معنى كلمة "ثبت" بأن الراوي لا يكاد يخطئ في حديثه؛ أي ضبطه قريب جدًّا من الكمال2.
وما كان أقل من ذلك أطلق عليه لفظ "ثقة" أو "ثبت" منفردًا يقول يحيى بن معين في محمد بن إسحاق: "ثقة وليس بحجة"3.
وما كان أقل من ذلك درجة أطلقوا عليه لفظ "مأمون" أو "خيار" أو "صدوق" أو "صالح الحديث" أو "لا بأس به"، قال الإمام أحمد بن حنبل في أبي قتادة الحراني: "ما كان به بأس" وفسر هذا بقوله: "رجل صالح يشبه أهل النسك والخير إلا أنه كان ربما أخطأ4. وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: أكان خالد بن دينار ثقة؟. فقال: كان صدوقًا كان مأمونًا، كان خيارًا، الثقة شعبة5 وسفيان … ويفسر أحمد بن سنان معنى مصطلح "صالح الحديث" عند ابن مهدي، فيقول: ربما جرى ذكر الرجل فيه ضعف -يعني من ناحية ضبطه- وهو صدوق، فيقول: "صالح الحديث"6، ويقول السخاوي: إنه هو والوصف "بصدوق" عند ابن مهدي سواء7.
وحكى المروزي قال: قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ قال: تدري من الثقة؟ الثقة يحيى بن سعيد القطان8.--------------------------------------------
1 فتح المغيث 1/ 336.
2 العلل ومعرفة الرجال 1/ 122.
3 فتح المغيث 14/ 238.
4 العلل ومعرفة الرجال 1/ 36.
5 الجرح والتعديل مج1 ق 2/ 1471.
6 مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص159.
7 فتح المغيث 1/ 239.
8 المصدر السابق 1/ 342.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)

وهذه المصطلحات كلها للتعديل وإن تفاوتت.
314- أما ألفاظ التجريح فمما أثر منها في القرن الثاني الهجري قولهم: "من أكذب الناس" أطلقها أحمد بن حنبل على أحمد بن أخت عبد الرزاق الصنعاني1 و"كذاب" أطلقه يحيى بن معين في جبارة بن المغلس. و"متروك الحديث" و"ليس بشيء" لمن يترك حديثه عند أحمد بن حنبل2 وكذلك الأمر عند الإمام الشافعي الذي قال لتلميذه المزني: يا إبراهيم، اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل فلان "كذاب"، ولكن قل "حديثه ليس بشيء"3.
وكان يحيى بن معين يستعمل هذا المصطلح "ليس بشيء" في الراوي الذي هو أقل درجة من الاتهام بالكذب، فقد قال عن راو: إنه "ثقة" وأنه أمي يذكر بخير، ولكنه في حديث الزهري "ليس بشيء"4. ويبدو أنه يطلقها على من يرى حديثًا قليلًا5 وعلى من يروي الأحاديث الضعيفة كالمقلوبة مثلًا، فقد قال في أحد الرواة: كان يقلب حديث ابن المبارك، والحديث الذي يأخذه من مشايخه، وينسب ذلك كله إلى نفسه6.
وأخف من هذا قولهم: "ضعيف"، يقول أحمد بن صالح المصري "170- 248هـ": "لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه … قد يقال فلان ضعيف، أما أن يقال فلان "متروك" فلا، إلا أن يجمع الجمع على ترك حديثه7.--------------------------------------------
1 العلل ومعرفة الرجال 1/ 96.
2 المصدر السابق 1/ 56، 122، 178، 274.
3 فتح المغيث 1/ 245.
4 الجرح والتعديل مج أق 1/ 1932.
5 فتح المغيث 1/ 345.
6 الجرح والتعديل مج أق 1/ 891.
7 مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص160 - فتح المغيث 1/ 244.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)

وأخف مكن هذه "ليس هو بالقوي"، "وليس هو بذاك"، يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن فرقد السبخي، فقال: "ليس هو بالقوي "قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذلك، وسألته عن هشام ابن حجير. قال: ليس هو بالقوي، قلت هو ضعيف قال: ليس هو بذاك1.
ويلاحظ أنه ليس هناك معنى للمصطلحات هذه محدد عند هؤلاء الأئمة، يتفقون عليه، فقد رأينا كيف أن يحيى بن معين يستعمل "ليس بشيء"، في جرح أخف من استعمال الشافعي وأحمد لها، كما يؤثر عنه أنه يستعمل "لا بأس به" بمعنى ثقة على حين يستعملها الآخرون فيمن هو أقل من الثقة كما رأينا2.
315- ولهذا فأكرر ما دعوت إليه في رسالتي للماجستير، وهو دراسة هذه الألفاظ دراسة محيطة مستوعبة لمعانيها عند كل إمام3، حتى يمكن أن ندرك معنى المصطلحات عند كل إمام على حدة؛ لأنني أظن أن هناك قدرًا كبيرًا من اختلافهم إنما هو راجع إلى اختلافهم في استعمال هذه المصطلحات، وإن كانت أسس توثيق الراوي عند هؤلاء الأئمة واحدة في معظمها، كما سبق أن رأينا.
316- وإذا كان الأمر هنا لا يتسع لذلك، فإنه يتبين لنا -مما عرضناه- أن أئمة الجرح والتعديل في القرن الثاني الهجري كانت لهم معرفة واعية بالرواة من حيث ضبطهم وعدالتهم، هذه المعرفة الواعية جعلتهم يضعونهم في درجات … ووضعوا لها المصطلحات التي تجعل الناقد يقف على مقدار الثقة بالراوي في سهولة ويسر، ودون عناء أو تعب في إحصاء مروياته وفحصها، ثم الحكم على الحديث بعد ذلك بالصحة أو الخطأ.--------------------------------------------
1 العلل ومعرفة الرجال 1/ 123.
2 تدريب الراوي 1/ 344 وفيه تفسير للعراقي يرى فيه أن "لا بأس به" عند ابن معين ليست كقوله: "ثقة".
3 عبد الرحمن بن أبي حاتم وأثره في علوم الحديث ص265.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

317- 2- وكما يعرفون ضبط الراوي بمقارنة روايته برواية غيره من المشهورين بالضبط يعرفونه أيضًا بملاحظة مرات روايته للحديث الواحد: هل يثبت على حالة واحدة أم يضطرب ويغير ويبدل في تلك المرات؟.
318- وكان بعض الأئمة في القرن الثاني يتعمدون ذلك للكشف عن ضبط الراوي وحفظه، يقول الإمام مالك رضي الله عنه: أتيت زيد بن أسلم، فسمعت حديث عمر "أنه حمل على فرس في سبيل الله" فاختلفت إليه أيامًا، أسأله عنه، فيحدثني، لعله يدخله فيه شك أو معنى فأترك؛ لأنه ممن شغله الزهد عن الحديث1. ويقول شعبة بن الحجاج: سمعت من طلحة بن مصرف حديثًا واحدًا، وكنت كلما مررت به سألته عنه، فقيل له: لم يا أبا بسطام؟ قال: أردت أن أنظر إلى حفظه، فإن غير شيئًا تركته2 وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا ولا يثبت مع رواية واحدة تركه3.
319- وإذا كانت ذاكرة الإنسان قد تتغير؛ لمرض أو لكبر، فإنهم استمروا في ملاحظة رواية الراوي، وخاصة بعد أن يكبر. وقد وجدوا الكثيرين من الرواة يتغير ضبطهم وحفظهم في الكبر، فغيروا في رواياتهم.
ومن هنا تركوهم، وميزوا بين رواياتهم القديمة في حال ضبطهم فأخذوها وبين رواياتهم في حال الاختلاط فتركوها، يقول عبد الله بن أحمد: قال أبي: من سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة "هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عام 145 هـ" كأن أبي--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك 1/ 124.
2 الكفاية م ص 185.
3 سنن الترمذي بشرح ابن العربي 13/ 315.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

ضعفهم، فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم1. ويقول: من سمع منه بالكوفة مثل محمد بن بشر وعبدة فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة، ويرى الإمام أحمد أن سماع وكيع من المسعودي بالكوفة كان قديمًا، وأبي نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة، والكوفة فسماعه جيد2. وقد ترك رواية معاذ بن العنبري "196هـ"؛ لأنه رآه قد تغير حفظه3.
320- وكذلك من يقبل التلقين لأنه كبر، فرواياته قبل الكبر تقبل، وفي أثنائه يرفض ما لقن فيه: قال عبد الله بن الزبير الحميدي: "ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم ذلك التلقين حادثًا في حفظه لا يعرف به قديمًا. أما من عرف به قديمًا في جميع حديثه فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظه مما لقن4.
وإذا كان هذا هو ما يتيح للنقاد معرفة ضبط الراوي، فقد اشترطوا أن يكون الراوي مشهورًا بطلب الحديث، أي: عنده من المرويات ما يتيح لهم معرفة ضبطه وحفظه وإتقانه، يقول شعبة بن الحجاج: "خذوا العلم من المشتهرين"، ويقول عبد الله بن عون: "لا نكتب العلم إلا ممن كان معروفًان عندنا بالطلب"، ويقول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: لايؤخذ العلم إلا عمن شهد له بطلب الحديث. ويقول أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون لا يؤخذ عنهم العلم، كان يقال ليس هم من أهله5.--------------------------------------------
1 العلل ومعرفة الرجال 1/ 19 وكان إبراهيم من العلويين الذين خرجوا على الخلافة العباسية "انظر تاريخ الطبري جـ3 ص622 وما بعدها". طبعة دار المعارف بمصر.
2المصدر السابق 1/ 95.
3 الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة د. عبد الحليم محمود. مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة ص196.
4 الكفاية م ص 235.
5 الكفاية م ص 251 - 252.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

321- ويبين الإمام ابن حجر: أن المقصود من هذا الشرط أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى1.
322- 3- ومن وسائل معرفة ضبط الراوي وتثبته فيما يرويه تلقينه أحاديث ليست من مروياته، حتى يعرف: هل يرفضها؛ لأنه على دراية تامة بما يرويه أم يقبلها؛ لأن الأمر مختلط عليه؛ فلا يدري هذا من ذاك؟ وعندئذ يكون هناك دليل على عدم ضبطه2، ومثل هذا الذي يقبل التلقين يكون هدفًا للوضاعين يلقنونه أحاديث فيحدث بها على أنها من مروياته التي سمعها من شيوخه وفي هذا من الخطورة على الحديث ما فيه. ويقدم لنا الإمام الشافعي مثلًا من أمثلة قبول الراوي للتلقين، فيؤدي هذا إلى مخالفة حديثه لحديث أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين"3.
قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس في رفع اليدين في الصلاة، فقال: إذا افتتح الصلاة رفع يديه، حتى يحاذي أذنيه، ثم لا يعود لرفعهما في شيء من الصلاة واحتج بحديث يزيد بن أبي زياد، أخبرنا سفيان عن يزيد ابن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا افتتح الصلاة رفع يديه "قال سفيان: ثم قدمت الكوفة، فلقيت يزيد بها، فسمعته يحدث بهذا وزاد فيه: "ثم لا يعود"--------------------------------------------
1 تدريب الراوي 2/ 69 - 70.
2 الكفاية م ص 235.
3 انظر في مواطن رفع اليدين الأحاديث والآثار التي وردت فيها في: نصب الراية لأحاديث الهداية: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي "762 هـ"تحقيق المجلس العلمي بدابهيل - سورت "الهند" الطبعة الأولى: 1357هـ - 1938م. نشر المجلس العلمي المذكور 1/ 389 - 418.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

وظننت أنهم لقنوه، ثم بين الشافعي بعد ذلك أن في هذه الزيادة مخالفة لما قاله كثير من الصحابة كما قلنا1.
323- ومن صور التلقين ونتائجه الخطيرة ما يحكيه يزيد بن هارون، قال: كان عندنا شيخ بواسط يحدث بحديث واحد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فخدعه بعض أصحاب الحديث فاشترى له كتابًا من السوق في أوله "حدثنا شريك"، وفي آخره: أصحاب شريك الأعمش، ومنصور، وهؤلاء.
فجعل يحدث يقول: "حدثنا منصور وحدثنا الأعمش"فقيل له: أين لقيت هؤلاء؟ فأخذ كتابه، فقيل: لعلك سمعت هذا من شريك، قال الشيخ: حتى أقول لكم الصدق، سمعت هذا "من أنس بن مالك عن شريك"2 فالتلقين كما يكون في الذاكرة يكون في الكتاب.
324- والتلقين يؤدي إلى الكذب الذي قد يحل الحرام، فعن الأعمش قال: كان بالكوفة شيخ، يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس يرد إلى واحدة"، فأتيته فقرعت الباب عليه، فخرج إليّ شيخ، فقلت له: كيف سمعت من علي ابن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد؟ …
قال: سمعت علي بن أبي طالب "فإنه يرد إلى واحدة". فقلت له: إني سمعت هذا من علي، فأخرج إلي كتابه، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم" هذا ما سمعت من علي بن أبي طالب، يقول: "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. قلت: ويحك هذا غير الذي تقول؟ … قال: الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك3.
325- ويبين الإمام ابن حزم السبب في عدم قبول العلماء للذي يلقن، فيقبل التلقين، ودلالته على عدم ضبط الراوي فيقول: "ومن صح أنه قبل--------------------------------------------
1 اختلاف الحديث ص 211 - 214 على هامش الجزء السابع من كتاب الأم.
2 الكفاية "م" ص 236.
3 المصدر السابق ص 236.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

التلقين ولو مرة سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله عز وجل، ولا حفظ ما سمع، وقد قال عليه السلام: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا حفظه حتى بلغه غيره". فإنما أمر عليه السلام بقبول تبليغ الحافظ، والتلقين هو أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا، ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه، فيقول: نعم فهذا لا يخلو من أحد وجهين، ولا بد من أحدهما ضرورة: إما أن يكون فاسقًا يحدث بما لم يسمع أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل، المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له، لأنه ليس من ذوي الألباب. ومن هذا النوع كان سماك بن حرب، أخبر بأنه شاهد ذلك منه الإمام الرئيس بن الحجاج"1.
فالتلقين كما نرى من كلام ابن حزم يكون وسيلة من وسائل اختبار عدالة الراوي كما يكون وسيلة لاختبار ضبطه كما عرفنا.
326- وبعد؛ فلعلنا على ثقة من أن علماء القرن الثاني بما وضعوا من أسس لتوثيق الراوي من حيث دينه، وعقله، وعدالته وضبطه قد وضعوا السياج المحكم الذي لا تنفذ إلى داخله، روايات غير المؤمنين العقلاء الأمناء الضابطين بما فيها من خطأ أو وضع. ومع هذا قد وضعوا أسسًا أخرى منها ما يتعلق بمناهج تلقي الحديث وأدائه، وهو ما نتناوله في الفصل التالي -بعون من الله عز وجل وفضل منه.--------------------------------------------
1 الإحكام لابن حزم 1/ 127.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

‌‌الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه
‌‌السماع ومصطلحات الأداء عنه
…
الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه
327- لتلقي الحديث وأدائه أهمية كبيرة عند نقاد الحديث، وقد وضعوا مقاييس محددة في هذا المجال، يمكن بها الحكم على رواية الحديث بأنها صحيحة أو غير صحيحة.
والهدف من تلك الأسس في الدرجة الأولى توجيه الراوي إلى أن يسلك في تلقي الحديث وأدائه مسلكًا يحفظ به حديثه من التبديل والتغيير أو بعبارة أخرى وضع الضمانات التي تجعل الراوي موصلًا جيدًا -إن صح هذا التعبير- بين شيخه الذي أخذ منه الحديث وتلميذه الذي يروي له الحديث.
328- وضروب تلقي الحديث مختلفة، والألفاظ التي يؤدي بها الراوي مختلفة كذلك، فالراوي قد يسمع الأحاديث من شيخه، وقد وقد يقرؤها عليه وقد يكتب الشيخ إليه ما عنده من أحاديث أو يناوله إياها، أو يجيزها له، أو يوصي له بها، أو يعلمه بها، وكل من هذه الضروب له ألفاظ ينبغي أن يلتزم بها عند الأداء، وإلا اعتبر غير صادق في روايته.
ويهمنا هنا أن نعرض آراء أئمة أهل القرن الثاني الهجري في دور كل وجه من هذه الأوجه في توثيق الحديث أو عدم توثيقه.
1- السماع ومصطلحات الأداء عنه:
329- وهو أن يقرأ الشيخ ما عنده من الأحاديث على تلاميذه فيسمعوا منه، وله أكثر من صورة، فقد يكون الشيخ محدثًا من حفظه، وقد يكون قارئًا من كتابه، وقد يكون ممليًا على تلاميذه1.
230- والإملاء أعلى هذه الصور منزلة، وتوثيقًا للأحاديث؛ لأن الشيخ والتلميذ يكونان معًا أبعد عن الغفلة، فالشيخ مشتغل بالتحديث والإملاء من الكتاب والطالب مشتغل بالكتابة عنه، فهما بذلك أقرب إلى التحقيق وتبيين ألفاظ الحديث التي يمليها الشيخ، ويكتبها التلميذ. وقد جرت--------------------------------------------
1 الإلماع ص 69.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

العادة في هذه الصورة أن تكون هناك مقابلة بين الأصل والكتاب بعد انتهاء السماع؛ لتصحيح خطأ أو تأكيد للصواب1.
331- وكثير من حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نقل بهذا الضرب من ضروب التلقي. وقد أسلفنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد حرصوا على أن يسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أو ممن سمع منه، وكذلك كان التابعون وتابعو التابعين2.
332- وقد كانت لهم القدوة في ذلك من واقع تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فقد كان يسمعهم ما جاء به من القرآن والسنة، كما حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن تنقل أحاديثه سماعًا؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع من يسمع منكم" وروي مثله عن ثابت بن قيس3 … كما روي زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وروي مثله عن جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما4.
333- ولهذا وجدنا معظم المحدثين -في القرن الثاني- يأخذون أحاديثهم بهذا المنهج، يقول أحد تلاميذ يزيد بن هارون: سمعته في المجلس ببغداد، وكان يقال: إن في المجلس سبعين ألفًا5.
334- ويرى شعبة بن الحجاج أن القيمة الحقيقية للأحاديث والتي تستحق أن تؤخذ من شيخه إنما هي تلك التي أخذها الأخير سماعًا، يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال للحديث "حدثنا" عنيت به فوقفته--------------------------------------------
1 فتح المغيث 2/ 17 - كشف الأسرار 3/ 760.
2 انظر في تمهيد هذا البحث ص 18 - 19 و52 - 53.
3 شرف أصحاب الحديث ص37 - 38.
4 المصدر السابق ص17 - 19.
5 أدب الإملاء ص16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)

عليه، وإذا لم يقل: "حدثنا" لم أعن به1. وكان أحمد بن حنبل يرى ذلك ويفضل أن يأخذ أحاديثه بالسماع دون غيره، يقول: لما خرجت إلى عبد الرزاق أخبروني أن معاذ بن هشام على الطريق، فملت إليه، ومعي ثلاثة ظهور مملوءة من حديثه، فصادفته، فقرأ علي شيئًا، وقال: أنا عليل لا أقدر على أكثر من هذا، ولكن اقرأها علي، فأبيت2. وممن كانوا يؤثرون السماع على غيره كذلك وكيع بن الجراح الذي يفخر ويقول: "ما أخذت حديثًا عرضًا"3 ومحمد بن سلام4 وأبو مسهر الدمشقي وسفيان الثوري5.
335- ويقول القاضي عياض: إنه أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين6. وهو كذلك لأنه أبعد عن الخطأ والسهو، فيؤدي إلى المقصود وهو تحمل الحديث بأمانة وبصفة تامة7.
336- ومن أجل ذلك فقد تتبع النقاد الأحاديث التي نقلت سماعًا والتي لم تنقل كذلك حتى تتبين القيمة الحقيقية لها، وقد أورد ابن أبي حاتم في تقدمة المعرفة نقودًا كثيرة تدل على ذلك، سواء أكان هذا النقد متعلقًا بالرواة المعاصرين لهم أو السابقين عليهم:
337- يروى أن شعبة كان يضعف أحاديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن حبيب بن سالم، ويقول: "لم يسمع أبو بشر من حبيب بن8 سالم ويقول علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن حديث التيمي عن--------------------------------------------
1 تقدمة المعرفة ص 169.
2 الكفاية "م" ص 395.
3 تقدمة المعرفة ص 230.
4 الكفاية "م" ص 395.
5 تقدمة المعرفة ص 68 و117.
6 الإلماع ص 69.
7 أصول السرخسي 1/ 375.
8 ص 157.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)