وقال الذَّهبيّ: «حَدَّثَ عنه: الدَّارقُطنيّ - وهو من شيوخه -، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، ومُحمَّد بن أحمد بن يعقوب، وأبو ذر الهروي، وأبو يعلى الخليلي، وأبو بكر البيهقي(1)، … ، وخَلْقٌ سواهم.
وقد أخذ عنه من شيوخه: أبو إسحاق المُزَكي، وأحمد بن أبي عثمان الحيري، ورأيت عجيبة وهي: أنَّ مُحدِّثَ الأندلس، أبا عمر الطلمنكي، قد كتب كتاب «علوم الحديث» للحاكم في سنة تسع وثمانين وثلاث مائة، عن شيخ سماه، عن رجل آخر، عن الحاكِم.
وقد صَحِبَ الحاكِم من مشايخ الطريق: إسماعيل بن نجيد، وجعفرا الخلدي، وأبا عثمان
المغربي»(2).
ومن تلامذته أيضًا: السِّجْزِي، صاحب السؤالات المطبوعة عن الحاكِم.
سادساً: مُصَنَّفاتُه:
قال عبدالغافر الفارسي: «أخذ في التصنيف سنة سبع وثلاثين وثلثمائة - أي: وعمره ست عشرة سنة - فاتَّفق له من التصانيف ما لعله--------------------------------------------
(1) وهو أشهر تلامذته، قال الذهبي في السير (18/ 166): عِنده عن الحاكِم وِقْرُ بعيرٍ أو نحو ذلك. ا. هـ
يعني: سمع منه ما يساوي حمل بعير من الكتب، وقد أكثر من الرواية عنه في كتبه.
(2) سير أعلام النبلاء (17/ 164 - 166).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
يبلغ قريبا من ألف جزء من تخريج الصحيحين، والعلل، والتراجم والأبواب، والشيوخ»(1).
وقال الخليلي: «بلغت تصانيفه الكتب الطوال، والأبواب، وجَمع الشيوخ المكثرين والمقلين، قريبا من خمسمائة جزء، ويستقصي في ذلك، يؤلِّف الغَثَّ والسمين، ثم يتكلم عليه فيُبيِّن ذلك»(2).
ومن هذه المُصَنَّفات:
1 - تاريخ نَيْسابُور:
قال الحاكِم للخليلي: «أَعلَمُ بأنَّ خُراسان وما وراء النهر، لكل بلدة تاريخ صنَّفه عالمٌ منها، ووجدت نَيْسابُور مع كثرة العلماء بها لم يُصنِّفوا فيه شيئا، فدعاني ذلك إلى أن صنَّفتُ «تاريخ النَيْسابُوريين»(3). فتأمَّلتُه، ولم يسبقه إلى ذلك أحد»(4).--------------------------------------------
(1) المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور للصريفيني (ص: 15 - 17).
وقد ذكر الذهبي في السير (17/ 170) هذا النص، وفيه زيادة: ثم المجموعات، مثل: معرفة علوم الحديث، ومستدرك الصحيحين، وتاريخ النيسابوريين، وكتاب مزكي الأخبار، والمدخل إلى علم الصحيح، وكتاب الإكليل، وفضائل الشافعي، وغير ذلك. ا. هـ
(2) الإرشاد في معرفة علماء الحديث (3/ 851).
(3) قال الدكتور فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي (1/ 456): كان يتكون من 12 جزءا، كما ذكر البيهقي (تاريخ بيهق 21)، وكان هذا الكتاب مُرتَّبا على حروف المعجم، ويضم تراجم لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وللشخصيات البارزة في نيسابور إلى سنة 380 هـ. ا. هـ
(4) الإرشاد في معرفة علماء الحديث (3/ 851).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وقال الخطيب: «حدثني بعض أصحابنا، عن أبي الفضل بن الفلكي الهمذاني، وكان رحل إلى نَيْسابُور وأقام بها، أنه قال: كان كتاب «تاريخ النَيْسابُوريين» الذي صنَّفه الحاكِم أبو عبدالله بن البَيِّع أحد ما رحلت إلى نَيْسابُور بسببه»(1).
وقال ابن السُبكي: «وهو عندي أعود التواريخ على الفقهاء بفائدة، ومن نظره عرف تفنُّنَ الرجل في العلوم جميعها»(2).
2 - الإِكْلِيل:
وهو كتاب في أَيَّام النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وأزواجِه وأحاديثه، صَنَّفَه لأَبي عَلِيٍّ بنِ سَيْمَجُور، وقال الخليلي: «لَمْ أَرَ أَحداً رتَّب ذلك التَّرتيب»(3).
3 - مَعْرِفَةُ علوم الحَدِيْث:
وهو كتاب مشهور، ومن أوائل كتب مصطلح الحديث وعلومه، ومِنْ أَجَلِّهَا.
4 - المُستَدرَك:--------------------------------------------
(1) تاريخ بغداد (3/ 509 - 511).
(2) طبقات الشافعية الكبرى (4/ 155).
(3) الإرشاد في معرفة علماء الحديث (3/ 851).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
وهو أشهر مصنفات هذا الإمام.
5 - مُزكِّي الأَخْبَار.
6 - المدخل إِلَى علم الصَّحِيْح.
7 - فَضَائِل الشَّافِعِيّ.
8 - سؤالاته للدار قطني.
9، 10 - سؤالات مسعود السِّجْزِي له، وأسئلة البغداديين له، وهما كتابان طُبعا في كتاب واحد.
11 - فضائل فاطمة الزهراء.
12 - الأربعين.
هذه مجمل مُصنَّفات الحاكِم التي بلغتنا أو وصلت إلينا، وله كتب أخرى مفقودة، لا يُعلم عنها
شيء(1).
سابعاً: عِلمُه بالحديث وثناءُ أهلِ العلم عليه:
لقَّبَه غير واحد بالحافظ، وكان أول سماعه في سنة ثلاثين وثلاث مِئَة، أي وعمره تسع سنوات، وهذا يدل على تبكيره في طلب الحديث.--------------------------------------------
(1) انظر: طبقات الشافعية لابن الصلاح (1/ 199، 200).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
قال الحاكِم في تاريخه: «ذكرنا يوما ما روى سليمان التيمي، عن أنس، فمررت أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي الحافظ وجماعة من المشايخ، إلى أن ذكرت حديث" «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». فحمل بعضهم علي، فقال أبو علي: لا تفعل، فما رأيت أنت ولا نحن في سِنِّه مثله، وأنا أقول: إذا رأيته رأيت ألف رجل من أصحاب الحديث»(1).
وقال عبدالغافر الفارسي: «إمام أهل الحديث في عصره والعارف به حق معرفته، وبيته بيت الصلاح والورع.
اختص بصحبة إمام وقته أبي بكر مُحمَّد بن إسحاق بن أيوب الصبغي، فكان في الخواص عنده والمرموقين، وكان يراجعه في السؤال عن الجرح والتعديل، وعلل الحديث، ويقدمه على أقرانه، وأدَّى اختصاصه به إلى اعتماده عليه في أمور مدرسته دار السنة، وفوَّض إليه تولية أوقافه، واستضاء برأيه في أموره؛ اعتمادا على حسن ديانته، ووفور أمانته.
وجرت له مذاكرات ومحاورات مع الحفاظ والأئمة من أهل الحديث؛ مثل: أبي بكر بن الجِعابي بالعراق، وأبي علي الحافظ الماسرجسي الذي كان أحفظ أهل زمانه»(2).--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 176).
(2) المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور للصريفيني (ص: 16).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
وقال أيضا: «ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكون أن مُقدَّمِي عصره مثل: أبي سهل الصعلوكي، والإمام ابن فورك، وسائر الأئمة؛ يقدمونه على أنفسهم، ويراعون حق فضله، ويعرفون له الحرمة الأكيدة».
ثم أطنب عبد الغافر في نحو ذلك من تعظيمه، وقال: «هذه جمل يسيرة، هي غيض من فيض سيره
وأحواله، ومن تأمل كلامه في تصانيفه، وتصرفه في أماليه، ونظره في طرق الحديث، أذعن بفضله، واعترف له بالمزية على من تقدمه، وإتعابه من بعده، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه، وعاش حميدا، ولم يُخلِّف في وقته مثله»(1).
وقال الخليلي: «رأيته في كل ما ألقي عليه بحرا لا يعجزه عنه.
وقال: له إلى العراق والحجاز رحلتان، ارتحل إليها سنة ثمان وستين في الرحلة الثانية، وذاكر الحفاظ والشيوخ، وكتب عنهم أيضا، وناظر الدارقطني فرضيه، وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه الكتب الطوال والأبواب، وجمع الشيوخ المكثرين والمقلين قريبا من خمسمائة جزء، ويستقصي في ذلك، يؤلِّف الغث والسمين، ثم يتكلم عليه فيُبيِّن ذلك».
وقال: «وكنت أسأله عن الضعفاء الذين نشأوا بعد الثلاثمائة بنيسابور، وغيرها من شيوخ خراسان، وكان يبين من غير محاباة".--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 170 - 171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وقال أيضا: عالم عارف، واسع العلم، ذو تصانيف كثيرة، لم أر أوفى منه»(1).
وقال الخطيب: «كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ، وله في علوم الحديث مُصنَّفات عدَّة … ، وكان ثقة»(2).
وقال ابن الصلاح: «الحافظ الذي لا يستغنى عن تصانيفه في الحديث وعلمه»(3).
وقال السمعاني: «كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ والفهم، وله في علوم الحديث وغيرها مصنفات حسان»(4).
وقال ابن السُبكي: «كان إماما جليلا، وحافظا حفيلا، اتُّفِق على إمامته، وجلالته، وعِظَمِ
قَدْره»(5).
وذكره الذَّهبيّ في المعين في طبقات المحدثين، ولقبه بـ «الحافظ»(6).--------------------------------------------
(1) الإرشاد في معرفة علماء الحديث (3/ 853).
(2) تاريخ بغداد (3/ 509).
(3) طبقات الشافعية (1/ 198).
(4) الأنساب (1/ 432).
(5) طبقات الشافعية الكبرى (4/ 156).
(6) المعين في طبقات المحدثين (رقم 1340).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
ونقل الإجماع على صدقه، ومعرفته بعلوم الحديث(1).
وقال عنه: «الإمام، الحافظ، النَّاقد، العلَّامة، شيخ المُحدِّثين، … ، صاحب التصانيف».
وقال عنه: «صَنَّفَ وَخَرَّجَ، وَجَرَح وَعدَّل، وَصحَّح وَعلَّل، وكان من بُحور العِلْمِ.
قال أبو حازم عمر بن أحمد العبدويي الحافظ: سمعت الحاكِم أبا عبدالله إمام أهل الحديث في عصره يقول: شربتُ ماء زمزم، وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف.
قال العبدويي وسمعت أبا عبدالرحمن السُّلَمِي يقول: كتبتُ على ظهر جزء من حديث أبي الحسين الحجاجي: الحافظ، فأخذ القلم، وضرب على الحافظ، وقال: أيش أحفظ أنا؟ أبو عبدالله بن البياع أحفظ مني، وأنا لم أر من الحفاظ إلا أبا علي النيسابوري، وأبا العباس بن عقدة.
وسمعت السُّلَمِي يقول: سألت الدارقطني: أيهما أحفظ: ابن مندة أو ابن البَيِّع؟ فقال: ابن البَيِّع أتقن حفظا.--------------------------------------------
(1) ميزان الاعتدال (3/ 608).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
قال أبو حازم: أقمت عند أبي عبدالله العصمي قريبا من ثلاث سنين، ولم أر في جملة مشايخنا أتقن منه ولا أكثر تنقيرا، وكان إذا أشكل عليه شيء، أمرني أن أكتب إلى الحاكِم أبي عبدالله، فإذا ورد جواب كتابه، حكم به، وقطع بقوله.
وسمعت مشيختنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد النَيْسابُوري يرجعان إلى أبي عبدالله الحاكِم في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه.
وقال ابن طاهر: سألت سعد بن علي الحافظ عن أربعة تعاصروا: أيهم أحفظ؟ قال: من؟ قُلتُ: الدارقطني، وعبد الغني، وابن منده، والحاكِم. فقال: أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبدالغني
فأعلمهم بالأنساب، وأما ابن منده فأكثرهم حديثا مع معرفة تامة، وأما الحاكِم فأحسنهم تصنيفا»(1).
وقال ابن عبدالهادي: «الحافظ الكبير، شيخ أهل الحديث في عصره»(2).
وقال ابن كثير: «كان من أهل العلم والحفظ والحديث، … ، ومن أهل الدين والأمانة والصيانة، والضبط، والتجرد، والورع»(3).--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 164 - 178).
(2) طبقات علماء الحديث (3/ 237).
(3) البداية والنهاية (11/ 409).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وقال ابن الجزري: «برع في فنون الحديث، … ، كان إماماً ثقة صدوقاً»(1).
وغير ذلك كثير من عبارات المدح والتبجيل لهذا الإمام العظيم.
• وفاته:
قال عبد الغافر الفارسي: «مضى إلى رحمة الله، ولم يُخلِّف في وقته مثله، في صفر يوم الثلاثاء منه، سنة خمس وأربع مائة»(2).
وقال الخطيب البغدادي: «حدثني الأزهري، ومُحمَّد بن يحيى بن إبراهيم المزكي قالا: مات أبو عبدالله بن البَيِّع بنَيْسابُور في سنة خمس وأربع مِئَة، قال مُحمَّد: في صفر»(3).
فتوفي عن أربع وثمانين سنة.
وقال الخليلي: «توفي سنة ثلاث وأربعمائة»(4).
لكنَّ هذا القول ضعَّفه الذَّهبيّ، وابن السُبكي.--------------------------------------------
(1) غاية النهاية (1/ 358).
(2) المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور للصريفيني (ص: 15 - 17).
(3) تاريخ بغداد (3/ 509 - 511).
(4) الإرشاد في معرفة علماء الحديث (3/ 851).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
وقال الذَّهبيّ: «روى أبو موسى المديني: أن الحاكِم دخل الحمام، فاغتسل، وخرج، وقال: آه. وقُبِضت روحه وهو متزر لم يلبس قميصه بعد، ودُفن بعد العصر يوم الأربعاء، وصلَّى عليه القاضي
أبو بكر الحيري.
قال الحسن بن أشعث القرشي: رأيت الحاكِم في المنام على فرس في هيئة حسنة وهو يقول: النجاة. فقُلتُ له: أيها الحاكِم! في ماذا؟ قال: في كِتْبَة الحديث»(1).
• ما أُخِذَ عليه:
مع اعتراف العلماء للحاكم بالفضل والمكانة في علوم الحديث، إلا أنه طُعِن فيه ببعض الأمور التي لا بُدَّ من بيانها، ومن أهمها:
1 - نسبته إلى الغلو في محبة آل البيت:
قال الخطيب: «كان ابن البَيِّع يميل إلى التشيُّع، فحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن مُحمَّد الأرموي بنَيْسابُور، وكان شيخا صالحا فاضلا عالما، قال: جمع الحاكِم أبو عبدالله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحيهما، منها: حديث--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 164 - 178).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
«الطائر»(1)، و «من كنت مولاه فعلى مولاه»(2)؛ فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، ولم يلتفتوا فيه إلى قوله، ولا صوَّبوه في فعله»(3).
قال ابن السُبكي - بعد ذكره لهذا الكلام -: «الخطيب ثقة ضابط، فتأملتُ - مع ما في النفس من الحاكِم من تخريجه حديث «الطير» في المُستَدرَك، وإن كان خرَّج أشياء غير موضوعة لا تعلق لها بتشيُّع ولا غيره - فأوقع الله في نفسي أن الرجل كان عنده مَيْلٌ إلي علي رضي الله عنه، يزيد على الميل الذي يُطلب شرعاً، ولا أقول: إنه ينتهي إلى أن يضع من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإني رأيته في كتابه «الأربعين» عقد باباً لتفصيل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، واختصهم من بين الصحابة، وقدَّم في المُستَدرَك ذكر عثمان على علي رضي الله عنهما، … ، وأنا أُجوُّز أن يكون الخطيب إنما يعني بالميل إلى ذلك، ولذلك حكم بأن الحاكِم ثقة، ولو كان يعتقد فيه رفضا لجرحه به، لا سيما على مذهب من يرى رد
رواية المبتدع مطلقا، فكلام الخطيب عندنا يُقرِّب من الصواب»(4).--------------------------------------------
(1) حديث الطائر، أو الطير، يأتي تخريجه والكلام عليه إن شاء الله في مُسنَد أنس بن مالك، برقم (4650).
(2) يأتي تخريجه والكلام عليه إن شاء الله في مُسنَد زيد بن أرقم، برقم (4576).
(3) تاريخ بغداد (3/ 509).
(4) طبقات الشافعية الكبرى (4/ 167).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
وقال الذَّهبيّ: «كان من بحور العلم على تشيُّع قليل فيه»(1).
وقال أيضا: «قال أبو نعيم الحداد: سمعت الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ، سمعت أبا عبدالرحمن الشاذياخي الحاكِم يقول: كنا في مجلس السيد أبي الحسن، فسُئِل أبو عبدالله الحاكِم عن حديث الطير؛ فقال: لا يصح، ولو صحَّ لما كان أحد أفضل من علي بعد النبي صلى الله عليه وسلم».
قال الذهبي مُعلِّقا: «فهذه حكاية قوية، فما باله أخرج حديث الطير في المُستَدرَك؟ فكأنه اختلف اجتهاده».
وقال: «أنبأني أحمد بن سلامة، عن محمد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: أنه سأل أبا إسماعيل عبدالله بن محمد الهروي، عن أبي عبدالله الحاكِم فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث.
قُلتُ (الذَّهبيّ): كلا ليس هو رافضيا، بل يتشيُّع(2).
قال ابن طاهر: قد سمعت أبا محمد بن السمرقندي يقول: بلغني أن مستدرك الحاكِم ذُكر بين يدي الدارقطني، فقال: نعم، يُستدرَك عليهما حديث الطير! فبلغ ذلك الحاكِم، فأخرج الحديث من الكتاب.--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 165).
(2) قال ابن عبدالهادي في طبقات علماء الحديث (3/ 242): الحاكم ليس برافضي، وهو مُعَظِّم للشيخين، بل هو شيعي فقط. ا. هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
قُلتُ (الذَّهبيّ): هذه حكاية منقطعة، بل لم تقع فإن الحاكِم إنما ألَّف المُستَدرَك في أواخر عمره بعد موت الدارقطني بمدة(1)، وحديث الطير في الكتاب لم يُحوَّل منه، بل هو أيضا في جامع الترمذي.
قال ابن طاهر: ورأيت أنا حديث الطير جمع الحاكِم بخطه في جزء ضخم، فكتبته للتعجب.
وقال ابن طاهر أيضا: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنُّنَ في التقديم والخلافة، وكان منحرفا غاليا، عن معاوية رضي الله عنه وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه، فسمعت أبا الفتح--------------------------------------------
(1) قال الشيخ سعد الحميد في مناهج المحدثين (ص: 178): قد أدهشني قول الذهبي: «ألف الحاكم المستدرك بعد وفاة الدارقطني بمدة»، والدارقطني-رحمه الله-توفي سنة 385 هـ. وهذا الذي ذكره الذهبي هو الذي جري عليه الحافظ ابن حجر، حين قال معتذرا عن الحاكم: «إنه ألف المستدرك علي كبر سنه في أواخر عمره».
ولكن في الافتتاحية التي افتتح بها الحاكم «المستدرك» يقول الراوي للمستدرك عن الحاكم: إن الحاكم أملي علينا في سنة 373 هـ، ففي هذه السنة لم يكن الحاكم في أواخر عمره، إنما كان عمره نحو خمسين عامًا، وهذا عمر معقول جداً، فهذه السن تعتبر منتهي القوة، فلم يكن ألفه -كما يقال- في أواخر عمره بعد ما ضعفت قواه.
فعلى كل حال- إما أن يكون الذهبي وابن حجر لم يطلعا علي تاريخ إملاء الحاكم رحمه الله لهذا الكتاب، وإما أن يكون ما ذكر في النسخة خطأ، والعلم عند الله جلَّ وعلا. اهـ
وقال الدكتور عبدالله مراد في كتابه تعليقات على ما صححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي (ص: 26) - بعد ذكره لكلام الحافظ -: لكن بدأ الحاكم كما في الصفحة الأولى من المجلد الأول إملاء الكتاب في المحرم سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، فهذا يعارض ما تقدم، وهذا قبل موته بثلاث وثلاثين سنة، لكن لا مانع إن طالت مدة التصنيف، فلم يتم الكتاب إلا في آخر عمره، فأعجلته المنية قبل أن ينقح الكتاب. والله أعلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
سمكويه بهراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبدالرحمن السلمي يقول: دخلت على الحاكِم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبدالله بن كرام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج. فقُلتُ له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثا، لاسترحت من المحنة. فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي»(1).
قال ابن السُبكي: «الغالب على ظني أنَّ ما عُزِي إلى أبي عبدالرحمن السُّلَمِي كذبٌ عليه، ولم يبلغنا أن الحاكِم ينال من معاوية ولا يُظنُّ ذلك فيه، وغاية ما قيل فيه: الإفراط في ولاء علي رضي الله عنه، ومقام الحاكِم عندنا أجلُّ من ذلك»(2).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - في معرض رده لحديث الطير-: «تشيُّعه و تشيُّع أمثاله من أهل العلم بالحديث، كالنسائي، وابن عبد البرِّ، و أمثالهما؛ لا يبلغ إلى تفضيله عليّ على أبي بكر و عمر، فلا يعرف في علماء الحديث من يفضله عليهما، بل غاية المتشيُّع منهم أن يفضله على عثمان، أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن من قاتله، و نحو ذلك، لأن علماء الحديث قد عصمهم و قيدهم ما يعرفون من الأحاديث--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 174 - 176).
(2) طبقات الشافعية الكبرى (4/ 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
الصحيحة الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفَّض ممن له نوع اشتغال
بالحديث، كابن عقدة، و أمثاله، فهذا غايته أن يجمع ما يروى في فضائله من المكذوبات، والموضوعات، لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين»(1).
يتلخَّصُ مما سبق أن أهم الأسباب التي دعت بعض العلماء إلى وصف الحاكِم بالتشيُّع أو الرفض؛ هي:
1 - عدم ذكره لبعض خصوم علي من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، في كتاب «معرفة مناقب الصحابة» من المُستَدرَك، كمعاوية.
2 - إخراجه لبعض الأحاديث التي فيها نصرة للمذهب الشيعي، وتساهله في تصحيحها؛ مثل: حديث «الطير»، وغيره من الأحاديث.
فهذان السببان من أهم الأسباب التي دعت إلى وصف الحاكِم بالتشيُّع أو الرفض.
ويمكن مناقشتهما فيما يلي:
أوَّلاً: أما موقفه من خصوم علي من الصحابة رضي الله عنهم: فليس على إطلاقه، وإنما هذا مختص بمعاوية رضي الله عنه، وإلا فإنه قد--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية (7/ 264).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
أفرد مناقب عمرو بن العاص، وطلحة، والزبير، وعائشة، رضي الله عنهم، ولم ينتقصهم بحرف.
فدلَّ هذا على أن الرجل متبع للأثر، ولعله لم يحضره شيء من الأحاديث التي يرى أنها تصح في فضل معاوية رضي الله عنه، وإلا فإن عَمْرا وطلحة والزبير ممن قاتلوا علياً، رضي الله عنهم، كما قاتله معاوية.
ولو أخذنا من موقفه من معاوية رضي الله عنه حُكماً، لما أمكن أن يتجاوز وصفه بالتشيُّع القليل الذي كان عند طائفة من أهل السنة، كما هو الحال عند متقدمي أهل الكوفة، بل هو أحسن حالاً من كثير ممن نُسب إلى التشيُّع القليل من أهل السنة، فإن أولئك كانوا يقدمون علياً على عثمان، وأما الحاكِم فإنه قدم عثمان على علي، فذكر أوَّلاً فضائل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين.
ثانياً: وأما بالنسبة للأحاديث التي تساهل في تصحيحها في فضائل علي رضي الله عنه، كحديث الطير وغيره؛ فلا يمكن أن يوصف الحاكِم بالرفض من خلالها.
ويمكن النظر في هذه الأحاديث من جهتين، وهما:
أ- تساهله في تصحيح هذه الأحاديث، يقابله تساهله في تصحيح أحاديث موضوعة في فضل أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
بل هو متساهل في تصحيح بعض الأحاديث الموضوعة في سائر الكتاب.
قال ابن السُبكي- بعد ذكره للأحاديث الضعيفة التي أخرجها الحاكِم في فضائل الخلفاء الثلاثة -: «وأخرج غير ذلك من الأحاديث الدالة على أفضلية عثمان، مع ما في بعضها من الاستدراك عليه، وذكر فضائل طلحة، والزبير، وعبدالله بن عمرو بن العاص، فقد غلب على الظن أنه ليس فيه - ولله الحمد - شيء مما يُستنكَر عليه، إفراطٌ في مَيْلٍ لا ينتهي إلى بدعة»(1).
وقال المعلّمي: «لا أرى الذنب للتشيُّع؛ فإنه يتساهل في فضائل بقية الصحابة كالشيخين وغيرهما»(2).
ب- بالنسبة للأحاديث التي اشتُهِر عن الحاكِم تصحيحها كحديث الطير؛ فإن الحاكِم مجتهد، واجتهاده هذا أدّاه إلى تصحيح مثل هذه الأحاديث، ووافقه على ذلك أئمة آخرون، وبعضهم توقَّف فيها.--------------------------------------------
(1) طبقات الشافعية الكبرى (4/ 168).
(2) التنكيل (2/ 691).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
فحديث الطير: «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير»، هو من أبرز الأحاديث التي تُكلِّم في الحاكِم بسببها؛ وخلاصته أن عليا رضي الله عنه هو من تحققت فيه الدعوة.
وظاهره أنه أحب إلى الله من سائر الأنبياء، بل من النبي صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن كونه أحب من أبي بكر وعمر وعثمان ومن سائر صحابة النبي رضي الله عنهم أجمعين.
هذا الحديث لم ينفرد الحاكِم بتصحيحه، بل سبقه إلى ذلك ابن جرير الطبري، شيخ المُفسِّرين، وله فيه مُؤلَّف.
وقال الذَّهبيّ: «وأما حديث الطير: فله طرق كثيرة جدًّا قد أفردتها بمصنَّف، ومجموعها يوجب أن
يكون الحديث له أصل»(1).
وقال في موطن آخر: «وحديث الطير - على ضعفه - فله طرق جمَّة، وقد أفردتها في جزء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه»(2).
وقال ابن السُبكي: «غاية جمع هذا الحديث: أن يدل على أن الحاكِم يحكم بصحته، ولولا ذلك لما أودعه المُستَدرَك، ولا يدل ذلك منه على--------------------------------------------
(1) تذكرة الحفاظ (3/ 164). مع العلم أن الذهبي نفسه تعقَّب الحاكم في التلخيص في هذا الحديث.
(2) سير أعلام النبلاء (13/ 233).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
تقديم علي رضي الله عنه على شيخ المهاجرين والأنصار أبي بكر الصديق رضي الله عنه … »(1).
وقال أيضا: «وأما الحكم على حديث الطير بالوضع فغير جيد، ورأيت لصاحبنا الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي عليه كلاما، قال فيه - بعد ما ذكر تخريج الترمذي له، وكذلك النسائي في خصائص علي -: إن الحق في الحديث أنه ربما ينتهي إلى درجة الحسن، أو يكون ضعيفا يحتمل ضعفه، قال: فأما كونه ينتهي إلى أنه موضوع من جميع طرقه؛ فلا»(2).
والسبب في تصحيح أو تحسين بعض العلماء لهذا الحديث: أن له عن أنس رضي الله عنه أكثر من تسعين طريقاً، حيرت العلماء وأدهشتهم.
وليس هذا هو موطن التفصيل في بيان علل هذا الحديث، فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله، وإنما المقصود الإشارة إلى أنه مع كونه لا يصح، إلا أنه ينبغي أن يُعذَر الحاكِم في تصحيحه، كما عذرنا الطبري، والعلائي، والذَّهبيّ، وغيرهم من العلماء.--------------------------------------------
(1) طبقات الشافعية الكبرى (4/ 165، 169).
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)