أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه، وكان من أيسر بني هاشم،: «يا عباس: إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد
أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه، فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت رجلا، فنكلهما عنه». فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما.
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيا، فاتبعه علي رضي الله عنه، وآمن به وصدَّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه»(1).
ولهذه المكانة لعلي في بيت النبوة: كان أول من أسلم من الصبيان، واختُلف في أول من أسلم من--------------------------------------------
(1) سيرة ابن هشام (1/ 246) وإسناده صحيح إلى مجاهد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الرجال عامة: هل هو أبو بكر الصديق أم علي؟ فقال ابن عبدالبر: «الصحيح في أمر أبي بكر أنه أول من أظهر إسلامه، كذلك قال مجاهد وغيره، قالوا: ومنعه قومه. وقال ابن شهاب، وعبدالله بن محمد بن عقيل، وقتادة، وأبو إسحاق: أول من أسلم من الرجال علي. واتفقوا على أن خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدَّقه فيما جاء به، ثم علي بعدها».
ثم أسند ابن عبدالبر إلى محمد بن كعب القرظي أنه سُئِل عن أول من أسلم: عليٌّ أو أبو بكر رضي الله عنهما؟ فقال: «سبحان الله! عليٌّ أولهما إسلاما، وإنما شُبِّه على الناس لأن عليَّا أخفى إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه، ولا شك أن عليَّا عندنا أولهما إسلاما»(1).
وأيا كان الراجح في هذه المسألة، قهي تدل على فضيلة ظاهرة لعلي رضي الله عنه، في سبقه للإسلام.
• أزواجه وأولاده:
تزوج من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أولى زوجاته، ولم يتزوج عليها حتى
ماتت، رضي الله عنها، ووُلِد له منها: الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى(2).--------------------------------------------
(1) الاستيعاب (3/ 1092)، ورجَّح الحاكم في المستدرك (3/ 147) أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان أول الرجال البالغين إسلاما، وعلي بن أبي طالب تقدم إسلامه قبل البلوغ.
(2) قال الطبري في التاريخ (5/ 153): ويُذكر أنه كان لها منه ابن آخر يسمى محسنا، توفي صغيرا. ا. هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وتزوج من خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة، ووُلِد له منها: محمد الأكبر، وهومحمد بن الحنفية.
وتزوج من ليلى بنت مسعود بن خالد من بنى تميم، ووُلِد له منها: عبيد الله، وأبو بكر.
وتزوج من أم البنين بنت حزام بن خالد بن جعفر بن ربيعة، ووُلِد له منها: العباس الأكبر، وعثمان، وجعفر الأكبر، وعبدالله.
وتزوج من أسماء بنت عميس الخثعمية، ووُلِد له منها: يحيى وعون.
وتزوج من الصهباء أم حبيب بنت ربيعة بن بجير، ووُلِد له منها: عمر الأكبر، ورقية.
وتزوج من أمامة بنت العاص بن الربيع، ووُلِد له منها: محمد الأوسط.
وتزوج من أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، ووُلِد له منها: أم الحسن، ورملة الكبرى.
وتزوج من محياة بنت امرئ القيس، ووُلِد له منها: ابنة هلكت وهي جارية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
ووُلِد له من أمهات الأولاد: محمد الأصغر، وأم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، جمانة ونفيسة.
قال ابن سعد: «فجميع ولد علي بن أبي طالب لصلبه أربعة عشر ذكرا، وتسع عشرة امرأة، وكان النسل من ولده لخمسة: الحسن، والحسين، ومحمد وابن الحنفية، والعباس ابن الكلابية، وعمر ابن التغلبية. ولم يصح لنا من ولد علي رضي الله عنه غير هؤلاء»(1).
• جِهادُه ونَشْرُه للدين:
منذ اللحظات الأولى التي أعلن عليٌّ إسلامه فيها، وهو يعلم أن منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدانيها منزلة أحد من البشر، وأنه لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يتردد في أن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. وكذلك علم أن عليه واجبا تجاه دينه ينبغي أن يؤديه، وقد أثبتت الأيام
صدق ما رسخ في نفسه في هذا الوقت.
ففي حادث الهجرة: عندما تمالأ كفار قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمعوا حول بيته لتنفيذ جريمتهم؛ أراد رسول--------------------------------------------
(1) طبقات ابن سعد (3/ 19 - 20)، وانظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (5/ 69).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
الله صلى الله عليه وسلم أن يترك أحدا مكانه في فراشه، وهي مهمة خطرة بلا شك، قد يدفع من يقوم بها حياتَه ثمنا لها، فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم عليَّا لها، وقال له: «نَمْ على فراشي، وتَسَجَّ(1) ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنَمْ فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم»(2).
قال ابن عباس: «شَرَى عليٌّ نفسه، فلبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نام في مكانه»(3).
ولم يتوقف جهاده في سبيل الله، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حادث الهجرة، بل ترك وطنه وأهله ولحق عليٌّ بنبيه بعد هجرته، وظلَّ يتنقل معه من غزوة لأخرى، ومن مشهد لآخر، فمن بَدْرٍ لأُحُد، ثم الأحزاب، فبيعة الرضوان وصلح الحديبية، ثم خيبر، ثم فتح مكة، وحنين، والطائف، مرورا بالسرايا والمهمات الخاصة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتدبه لها.--------------------------------------------
(1) تسجَّى بالثوب: غطَّى به جسده ووجهه.
(2) هذه القصة مما تتابع على نقلها أهل السير، ولم أقف لها على إسناد صحيح للآن!
انظر: سيرة ابن هشام (1/ 482 - 483)، طبقات ابن سعد (1/ 228)، دلائل النبوة للبيهقي (2/ 465 - 470)، البداية والنهاية (4/ 441).
(3) في سنده لابن عباس ضعف، وسيأتي تخريجه بإذن الله ضمن حديث طويل لابن عباس في مُسنَده برقم (4652).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
يقول النووي: «وأجمع أهل التواريخ على شهوده بدرًا وسائر المشاهد غير تبوك. قالوا: وأعطاه النبى صلى الله عليه وسلم اللواء في مواطن كثيرة. وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليًا يوم أُحُد ستةُ عشر ضربة. وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الراية يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يديه(1)، وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة»(2).
فلم يتخلَّف علي عن غزوة من الغزوات، إلا ما كان منه في غزوة تبوك، حينما استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، فقال له علي: «أتخلفني في الصبيان والنساء؟» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون، من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟»(3).
ولم تقتصر خدمة عليٍّ لدين الله، ونشره له؛ على ميدان القتال والسيف فحسب، بل نَشَرَه كذلك بلسانه، فحمل إلى الأمة حديثا كثيرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فروى عن رسول الله صلى الله عليه--------------------------------------------
(1) حديث الراية وفتح خيبر: يأتي تخريجه والكلام عليه بإذن الله في مُسند سعد بن أبي وقاص، برقم (4575).
(2) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 345).
(3) يأتي تخريجه والكلام عليه بإذن الله في مُسند سعد بن أبي وقاص، برقم (4575).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وسلم خمسمائة حديث وستة وثمانين حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر(1)، هذا بخلاف فتاويه وتعليمه للناس.
يقول النووي: «وأما علمه، فكان من العلوم بالمحل العالي»(2).
• علاقته بالخلفاء الراشدين، ومكانته في أيامهم وخلافتهم:
أوَّلاً: عليٌّ مع أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما:
وردت عِدَّةُ أخبار في شأن تأخر علي عن مبايعة أبي بكر الصديق، وجُلُّ هذه الأخبار ليست صحيحة، وفي المقابل جاءت روايات صحيحة السند تفيد بأن عليًا بايع الصديق في أول الأمر، ومن ذلك: ما جاء عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه قال: «لما تُوفِّي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قام خطباء الأنصار .... ، فذكر بيعة السقيفة، ثم قال: فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا، فسأل عنه، فقام أناس من الأنصار، فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله--------------------------------------------
(1) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 345).
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
صلَّى الله عليه وسلَّم وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعه»(1).
قال الحافظ ابن كثير: «هذا إسناد صحيح محفوظ، وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب، إما في أول يوم، أو في الثاني من الوفاة، وهذان حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلفه»(2).
ووقف عليٌّ بعد ذلك بجوار أبي بكر الخليفة في حروبه ضد المرتدِّين، يساند ويؤازر وينصح، ويتجلَّى نصحه وصدقه يوم أراد--------------------------------------------
(1) إسناده صحيح: أخرجه الحاكم (كتاب معرفة الصحابة، باب من فضائل أبي بكر، رقم 4457) والبيهقي =
= (كتاب قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش، 8/ 143)، وصحّح إسناده الحافظ ابن كثير، كما سيأتي لاحقا.
ومما يدل على أهمية هذا الحديث وصحته، ما أسنده البيهقي عقبه، من أن الإمام مسلم بن الحجاج - صاحب الجامع الصحيح - ذهب إلى محمد بن إسحاق بن خزيمة - صاحب صحيح ابن خزيمة- فسأله عن هذا الحديث، فكتب له ابن خزيمة الحديث، وقرأه عليه، فقال مسلم لابن خزيمة: هذا الحديث يساوي بدنة، فقال ابن خزيمة: هذا الحديث يساوي بدنة؟! إنه يساوي بدرة. ا. هـ وإسناد هذه القصة صحيح.
والبدنة: هي الناقة أو البقرة التي تنحر بمكة، وسمِّيت بدنة لعظمها وضخامتها.
والبدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف دينار، والمعنى: أنه كنز ثمين.
(2) البداية والنهاية (8/ 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الصدِّيق أن يخرج بنفسه لقتال المرتدِّين، فوقف له عليٌّ، وأخذ بزمام فرسه، وقال له: «إلى أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «شم سيفك، ولا تفجعنا بنفسك». وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا». فرجع، وأمضى الجيش(1).
وكان عليٌّ يعرف لأبي بكر فضله، فيقدِّمه على نفسه، وهذا بصريح قوله لا بقول أحد غيره، ومن ذلك: أن ابنه محمد بن الحنفية قال له يوما: يا أبت، أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أبو بكر»، قُلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ عمر»، وخشيتُ أن يقول عثمان، قُلتُ: ثُمَّ أنت؟ قال: «ما أنا
إلا رجل من المسلمين»(2).
وفي المقابل: كان أبو بكر يعرف لعلي ولآل البيت فضلهم، فينزلهم منزلتهم، ويقدرهم قدرهم، ومن ذلك: أن أبا بكر رضي الله عنه صلَّى--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر، والساجي من حديث عائشة؛ كما في البداية والنهاية (9/ 466). وإسناده صحيح.
(2) أخرجه البخاري (كتاب المناقب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا»، رقم 3671).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (7/ 385) عن هذا الحديث: أنه مما استفاض وتواتر عن عليّ، وتوعَّد عليٌ بجلد المفتري من يفضله عليه - أي: على أبي بكر -.ا. هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
العصر يوما، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه، وقال: «بأبي، شبيه بالنبي، لا شبيه بعلي». وعلي رضي الله عنه يضحك(1).
وظلَّت هذه العلاقة من المودة والإخاء، والمحبة والتقدير بينهما حتى لحق الصدِّيق بربه، واستخلف عُمَرَ من بعده.
ثانياً: عليٌ مع عمر بن بن الخطاب رضي الله عنهما:
على درب الصدق والنصح والإخاء الذي سار عليه مع الصدِّيق، سار عليٌّ مع عمر بن الخطاب. وفي المقابل أيضا: كانت لعلي منزلته العالية عند الفاروق عمر، كما كانت عند أبي بكر.
يقول ابن الجوزي عن عليّ: «كان أبو بكر وعمر يشاورانه ويرجعان إلى رأيه، وكان كل الصحابة مفتقرا إلى علمه، وكان عمر يقول: «أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن»(2).
ولذلك جعله عمر من مجلس مشورته، وتراجع مرات عن رأيه، آخذا برأي علي، حينما تبيَّن له صحته، ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أُتِيَ بامرأة قد زنت، فأمر برجمها، فذهبوا بها ليرجموها، فلقيهم عليٌّ، رضي الله عنه، فقال: «ما هذه؟» قالوا: زنت فأمر عمر--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم 3542، وباب مناقب الحسن والحسين، رقم 3750) عن عقبة بن الحارث.
(2) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (5/ 68).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
برجمها، فانتزعها عليٌّ من أيديهم وردَّهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: «ما ردَّكم؟» قالوا: ردَّنا عليٌّ، قال: «ما فعل هذا عليٌّ إلا لشيء قد علمه»، فأرسل إلى عليّ، فجاء وهو شبه المغضب، فقال: «ما لك رددتَ هؤلاء؟» قال: «أما سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل؟» قال: «بلى»، قال عليٌّ: «فإن هذه مبتلاة بني فلان، فلعله أتاها وهو بها»، فقال عمر: «لا أدري»، قال: «وأنا لا أدري». فلم يرجمها(1).
وفي المقابل: كان عليٌّ يعرف لعمر فضله، ويقدِّمه على نفسه، وقد مر معنا في علاقته بأبي بكر، أنه لما سُئِلَ: أيُّ الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أبو بكر»، قِيل له: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ عمر»(2).
ولمَّا طُعن عمر، رضي الله عنه، كان عليٌّ من أشد الناس حزنا عليه، وثناءً عليه، يقول عبدالله بن عباس: «وُضِع عمر بن الخطاب على سريره، فتكنَّفه(3) الناس يدعون ويُثنون ويُصلُّون عليه، قبل أن يُرفع،--------------------------------------------
(1) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه أحمد (1/ 154 رقم 1328) وغيره، وانظر تتمة تخريجه في حاشية المُسنَد هناك.
(2) تقدَّم تخريجه.
(3) أي: أحاطوا به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وأنا فيهم، قال فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه فإذا هو علي، فترحَّم على عمر، وقال: ما خلَّفتُ أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» فإن كنت لأرجو، أو لأظن، أن يجعلك الله معهما»(1).
وفي مُقابل ذلك: فإن عمر لما طُعن: رشَّح عليا للخلافة مع أهل الشورى، وذلك حينما قِيل له: أوص يا أمير المؤمنين، استخلِفْ. فقال: «ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط، الذين تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض». فسمَّى عليَّاً، وعُثمانَ، والزُّبيرَ، وطلحةَ،
وسعداً، وعبدالرحمن(2).
ثالثاً: عليٌ مع عُثمان بن عفَّان رضي الله عنهما:--------------------------------------------
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري (كتاب المناقب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا»، رقم 3677، وباب مناقب عمر بن الخطاب، رقم 3685) ومسلم (كتاب الفضائل، باب من فضائل عمر، رقم 2389).
(2) أخرجه البخاري (كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، رقم 1392، وكتاب المناقب، باب قصة البيعة، والاتفاق على عثمان بن عفان وفيه مقتل عمر بن الخطاب، رقم 3700،) عن عمرو بن ميمون الأودي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
بعد مقتل عمر، انعقد مجلس الشورى الذي سمَّاه هو قبل رحيله، وتولَّى زمام الأمر: عبدالرحمن بن عوف، فعزل نفسه من الاختيار، وطاف على أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، واستمع إلى أهل الحل والعقد منهم، حتى رأى استقرار الجميع على عثمان بن عفان، فبايعه، وبايعه الجميع: المهاجرون، والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون، ومعهم علي بن أبي طالب(1).
وظلَّت لعليّ مكانته في مجلس الخليفة، فكان عثمان يستشيره مع من يستشير، ومن أعظم الأدلة على ذلك: استشارته إياه في شأن جمع الناس على مصحف واحد، وقد كان عليٌّ يدافع عن عثمان في هذا الفعل، ويشيد بدوره فيه.
يقول علي: «يا أيها الناس، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعا، … » إلى أن قال: «والله لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثل الذي فعل»(2).--------------------------------------------
(1) انظر تفاصيل الخبر في: صحيح البخاري (كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، رقم 7207)، فتح الباري (13/ 195 - 199).
(2) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (ص: 97 - 98) عن سويد بن غفلة، وصحَّح الحافظُ ابنُ حجرٍ إسناده في الفتح (9/ 18).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
ولمَّا وقعت الفتنة في نهاية خلافة عثمان، وحوصر من الخوارج، كان عليٌّ من أكثر الناس رغبة في الدفاع عنه، ولما منعه عثمان من ذلك، رغبة في صيانة دماء المسلمين، أرسل عليٌّ الحسن والحسين مع باقي أبناء الصحابة، كعبدالله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، ليدافعوا عن عثمان. ولمَّا بلغه خبر مقتله قال
لابنيه: «كيف قُتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟» قالا: لم نعلم، فرفع يده ولطم الحسن، وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة وعبدالله بن الزبير، ثم خرج وهو غضبان يسترجع(1).
وكان عليٌّ يقول: «والله ما شاركتُ، وما قتلتُ، ولا أمرتُ، ولا رضيتُ» - يعني: قتل عثمان -(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (2363) مُطوَّلا، من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب. ثم قال عقبه: وهذا حديث كثير التخليط، منكر الإسناد، لا يعرف صاحبه الذي رواه عن ابن أبي ذئب، وأما ابن أبي ذئب ومن فوقه فأقوياء. ا. هـ
والخبر ذكره ابن حبان في الثقات (2/ 265)، والذهبي في تاريخ الإسلام (3/ 460).
(2) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (كتاب الفتن، باب ما ذُكر في عثمان، رقم 38669)، وابن شبة في تاريخ المدينة (2256).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
• خِلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومبايعة الصحابة له:
لمَّا كان أهل الشورى الذين سمَّاهم عمر قد آل أمر الاختيار بينهم إلى رجلين: عثمان وعليّ، ولمَّا استقر الأمر على تقديم عثمان، ولمَّا كان عثمان قد قُتِل غدرا دون أن يستخلف؛ كان الترتيب المنطقي أن تؤول الخلافة إلى علي بن أبي طالب، فقد كان هو أحق الناس بها في ذلك الوقت، ولذا بايعه الصحابة.
قال الزهري: «لما قُتِل عثمان: برز عليُّ بن أبي طالب للناس ودعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس ولم يعدلوا به طلحة ولا غيره، وهذا لأن سائر من بقي من أصحاب الشورى كانوا قد تركوا حقوقهم عند بيعة عثمان، فلم يبق أحد منهم لم يترك حقه إلا علي، وكان قد وفَّى بعهد عثمان حتى قتل، وكان أفضل من بقي من الصحابة، فلم يكن أحد أحقَّ بالخلافة منه، ثم لم يستبد بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة، وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى»(1).
وقال أبو عبدالله بن بطة: «كانت بيعةُ عليٍّ بيعةَ اجتماع ورحمة، لم يدعُ إلى نفسه، ولم يجبرهم على بيعته بسيفه، ولم يغلبهم بعشيرته، ولقد--------------------------------------------
(1) إسناده حسن إلى الزهري: أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص: 370 - 371).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
شرف الخلافة بنفسه، وزانها بشرفه، وكساها حلة البهاء بعدله،
ورفعها بعلو قدره، ولقد أباها فأجبروه وتقاعس عنها فأكرهوه»(1).
وقال الحافظ ابن حجر: «وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد ما كان»(2).
ولا يُفهم من هذا الكلام أن معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام امتنعوا عن مبايعة علي لأنهم يرون معاوية أو غيره أحق بالخلافة، لا، ولكنهم أرادوا الثَّأر أَوَّلاً لدم عثمان قبل مبايعة علي، خاصة معاوية، فهو ابن عم عثمان، ويرى أنه أحق من يطالب بدمه لأنه وليه، ومن هنا نشأ الخلاف، وشبَّت الفتنة بين علي ومعاوية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «لما طلب علي من معاوية ورعيته أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا معاوية، ولا قال أحد قط: إن معاوية مثل علي، أو إنه أحق من علي بالبيعة، بل الناس كانوا متفقين على أن عليا أفضل وأحق، ولكن طلبوا من علي أن يقيم الحد على قتلة عثمان،--------------------------------------------
(1) لوامع الأنوار البهية (2/ 346) للسفاريني.
(2) فتح الباري (7/ 72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
وكان علي غير متمكن من ذلك لتفرق الكلمة وانتشار الرعية وقوة المعركة لأولئك، فامتنع هؤلاء عن بيعته، إما لاعتقادهم أنه عاجز عن أخذ حقهم، وإما لتوهمهم محاباة أولئك، فقاتلهم علي لامتناعهم من بيعته، لا لأجل تأمير معاوية»(1).
• تلخيص لما حدث في معركة الجمل (سنة 36 هـ):
منذ مقتل عثمان وبدأت الفتن تلوح في الأفق، وتلقي بظلالها على من عاصرها، ويرجع أصل النزاعات والحروب التي قامت في هذا الوقت إلى الخلاف الواقع حول مسألة الثَّأر لدم عثمان،
والانتصار من قاتليه، فهذه المسألة وإن كان متَّفقا عليها بين الجميع، إلا أن الخلاف وقع بينهم في: متى تكون.
ففريق يرى أن هذا الأمر مُقدَّم على غيره، وهذا الفريق انقسم لقسمين:
القسم الأول: بايع عليَّا واعترف له بالخلافة، لكنه كان يرى أن أول واجب على عليّ: أن يثأر من القتلة قبل أي شيء، وأن يُعجِّل بالقصاص--------------------------------------------
(1) جامع المسائل لابن تيمية (6/ 263 - 164). وانظر كذلك: مجموع الفتاوى له (35/ 72 - 73)، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (4/ 124)، والصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة لابن حجر الهيتمي (2/ 622).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
منهم. وهذا القسم يُمثِّلُه الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، ومن معهما. وهذا القسم هو من حاربه عليٌّ في يوم الجمل.
القسم الثاني: امتنع عن مبايعة علي حتى يتم الثأر لدم عثمان، وهذا القسم يُمثِّلُه معاوية بن أبي سفيان ومن معه من أهل الشام. وهذا القسم هو من حاربه عليٌّ في يوم صِفِّين.
وأما الفريق الآخر: فيرى أن الثأر لدم عثمان حق وواجب، ولكن الأمر في الدولة الإسلامية في هذا الوقت غير مستقر، والمطالبة بالثأر الآن ليست في قدرة الخليفة ولا في استطاعته، فقتلة عثمان منتشرون ومتغلغلون داخل الجيش، فالتأنِّي الآن والتريُّث هو الأسلم للمسلمين. وهذا الفريق يُمثِّلُه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(1).
يقول ابن حزم في معرض دفاعه عن موقف عليٍّ ومن معه: «أما قولهم: إن أخذ القَوَد واجب من قتلة عثمان، المحاربين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، الساعين في الأرض بالفساد، والهاتكين حرمة الإسلام والحرم والأمانة والهجرة والخلافة والصحبة والسابقة؛ فنَعَم،--------------------------------------------
(1) وهناك فريق ثالث اشتبه عليه الأمر، ولم يستطع الترجيح، فاعتزل الفتنة كلها، ومن هؤلاء: سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، وسعيد بن زيد، رضي الله عنهم جميعا.
انظر أسماء هؤلاء المعتزلين في: أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للصلابي (ص: 523 - 533).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
وما خالفهم قط عليٌّ في ذلك، ولا في البراءة منهم، ولكنهم كانوا عددا ضخما جمَّا، لا طاقة له عليهم، فقد سقط عن عليٍّ مالا يستطيع عليه، كما سقط عنه وعن كل مسلم ما عجز عنه من قيام بالصلاة والصوم والحج، ولا فرق، قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ولو أن معاوية بايع عليا لقَوِيَ به على أخذ الحق من قتلة عثمان، فصحَّ أن
الاختلاف هو الذي أضعف يد علي عن إنفاذ الحق عليهم، ..... » إلى آخر كلامه هناك(1).
وبهذا التلخيص يتبين لنا أن كلا من هؤلاء الصحابة الأفاضل قد اجتهد، وهم جميعا أهل لهذا الاجتهاد، فيكون للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر، ولا حرج عليهم إن شاء الله تعالى.
ونعود الآن إلى القسم الأول من الفريق الأول، الذي بايع عليا، لكنه طلب بتعجيل القصاص من قتلة عثمان، فهم يرون الآن أن الأشهر تمر، وعليٌّ لم يفعل شيئا بعد في شأن هؤلاء القتلة. عندها بدأوا يفكرون في حلول بديلة.--------------------------------------------
(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 126).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
خرج طلحة والزبير أوَّلاً إلى مكة، فالتقيا هناك بأم المؤمنين عائشة، واتفقوا جميعا على ضرورة التعجيل بالثأر لدم عثمان، وساعدهم على التحرك لهذا الغرض: أنْ تواجد في مكة في هذا الوقت عبدالله بن عامر، وكان أمير البصرة في عهد عثمان، وكذلك تواجد يعلى بن أمية، الذي كان قد خرج من اليمن لإعانة الخليفة، وكِلا الرجلين يحثّ على الخروج، ويعرض المعونة المادية.
واتفقوا بعد تشاور بينهم على أن يبدأوا الحركة من البصرة، ثم يتوجهوا إلى الكوفة، ويستعينوا بأهلها على قتلة عثمان منهم أو من غيرهم، ثم يدعون أهل الأمصار الأخرى لذلك، حتى يُضيقوا الخناق على قاتلي عثمان الموجودين في جيش عليّ، فيأخذونهم بأقل قدر ممكن من الضحايا(1).
وكانت مطالبهم في ذلك الخروج واضحة، وهي: الثأر لدم عثمان، والإصلاح، وإعلام الناس بما فعل الغوغاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا المطلب هو لإقامة حد من حدود الله، وأنه إذا لم--------------------------------------------
(1) تاريخ الطبري (4/ 449 - 450)، البداية والنهاية (10/ 432).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)