2 - تساهله وكثرة أوهامه في المُستَدرَك:
تنبيه: بداية يجب أن نعرف أن ذكر أهل العلم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بـ «المُستَدرَك»، فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها، فلم يقع خلل في روايته لأنه إنما كان ينقل من أصوله
المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه، كحكمه بأن الحديث على شرط الشيخين، أو أنه صحيح، أو أن فلانا المذكور فيه صحابي، أو أنه هو فلان بن فلان، ونحو ذلك، هذا الذي وقع فيه كثير من الخلل.
قال ابن الصَّلاح عنه: «وهو واسع الخَطْوِ في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به. فالأولى أن نتوسط في أمره؛ فنقول: ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة؛ إن لم يكن من قبيل الصحيح: فهو من قبيل الحسن، يُحتجُّ به ويُعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه»(1).
وقال الذَّهبيّ: «سمعت المظفر بن حمزة بجرجان، سمعت أبا سعد الماليني يقول: طالعت كتاب المُستَدرَك على الشيخين، الذي صنَّفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أر فيه حديثا على شرطهما.--------------------------------------------
(1) معرفة أنواع علوم الحديث (ص: 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
قُلتُ (الذهبي): هذه مكابرة وغُلُوٌّ، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في المُستَدرَك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء، وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرته، ويعوز عملا وتحريرا»(1).
وقال ابن القيم: «قالوا: وأما تصحيح الحاكِم فكما قال القائل:
فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كقابضٍ .................... على الماء خانته فروجُ الأصابع
ولا يعبأ الحفاظ أطِبّاء عِلَل الحديث بتصحيح الحاكِم شيئاً، ولا يرفعون به رأساً البَتّة، بل لا يعدِلُ تصحيحه ولا يدلّ على حُسنِ الحديث. بل يصحّح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث، وإن كان من لا علم له بالحديث لا يعرف ذلك، فليس بمعيارٍ على سنة--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 175 - 17).
وانظر: المصنفات التي تكلم عليها الإمام الذهبي (2/ 622 - 630) لأبي هاشم إبراهيم الأمير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعبأ أهل الحديث به شيئاً. والحاكِم نفسه يصحّح أحاديثَ جماعةٍ، وقد أخبر في كتاب «المدخل» له
أن لا يحتج بهم، وأطلق الكذب على بعضهم»(1).
وقال الزركشي: «تحامل ابن دحية عليه فقال في كتاب العلم: يجب على طلبة الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكِم أبي عبدالله، فإنه كثير الغلط، بيِّن السقط، وقد قال على مالك وأهل المدينة في كتاب المدخل ما لا علم له به»(2).
وقال المعلمي: «والذي يظهر لي فيما وقع في «المُستَدرَك» من الخلل أن له عدة أسباب:
الأول: حرص الحاكِم على الإكثار، وقد قال في خطبة «المُستَدرَك»: «قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون … »؛ فكان له هوى في الإكثار للرد على هؤلاء.
الثاني: أنه قد يقع حديث بسند عال أو يكون غريبا، مما يتنافس فيه المُحدِّثون، فيحرص على إثباته وقد جاء في «تذكرة الحفاظ»(3) أن الحافظ--------------------------------------------
(1) الفروسية (ص: 245).
(2) النكت للزركشي (1/ 224).
وانظر مزيدا من هذه الأقوال في: مقدمة المستدرك للشيخ مقبل بن هادي الوادعي (1/ 8 - 29).
(3) تذكرة الحفاظ (2/ 215).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
أبا عبدالله الأخرم قال: «استعان بي السرَّاج في تخريجه على صحيح مسلم، فكنت أتحيَّر من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عاليا، يقول: لا بد أن يكتبه، يعني في المستخرج، فأقول: ليس من شرط صاحبنا - يعني مسلما - فيقول: فشفعني فيه».
فعرض للحاكم نحو هذا، كلما وجد عنده حديثا يفرح بعُلُوِّه أو غرابته؛ اشتهى أن يثبته في «المُستَدرَك».
الثالث: أنه لأجل السببين الأولين، ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر؛ لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة: «سألني جماعة … أن أجمع كتابا: يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج مُحمَّد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج مالا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما». ولم يصب في هذا فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما، وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس علة قادحة.
الرابع: أنه لأجل السببين الأولين توسع في معنى قوله: «بأسانيد يحتج … بمثلها»، فبنى على أن في
رجال الصحيحين من فيه كلام، فأخرج عن جماعة يعلم أن فيهم كلاما. ومحل التوسع أن الشيخين إنما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة - ثم بَيَّنَ الشيخ المعلمي هذه المواضع -.
الخامس: أنه شرع في تأليف «المُستَدرَك» بعد أن بلغ عمره اثنتين وسبعين سنة، وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه، وكان فيما يظهر تحت يده كتب أخرى يصنفها مع «المُستَدرَك»، وقد استشعر قرب أجله، فهو حريص على إتمام «المُستَدرَك» وتلك المصنفات قبل موته، فقد يتوهم في الرجل يقع في السند أنهما أخرجا له، أو أنه فلان الذي أخرجا له، والواقع أنه رجل آخر، أو أنه لم يخرج أو نحو ذلك، وقد رأيت له في «المُستَدرَك» عدة أوهام من هذا القبيل يجزم بها، فيقول في الرجل: قد أخرج له مسلم، مثلا، مع أن مسلما إنما أخرج لرجل آخر شبيه اسمه، يقول في الرجل: فلان الواقع في السند هو فلان بن فلان. والصواب أنه غيره»(1).--------------------------------------------
(1) التنكيل (2/ 691 - 693).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
المبحث الثاني: التعريف بالمُستَدرَك
حتى نتعرف على كتاب المُستَدرَك، فلزاما علينا أن نقرأ تعريف صاحبه به، وسبب تأليفه له، والذي بيَّنه في مُقدِّمته؛ حيث قال:
« .... ، فمن هؤلاء الأئمة: أبو عبدالله مُحمَّد بن إسماعيل الجعفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري رضي الله عنهما، صنفا في صحيح الأخبار كتابين مهذبين انتشر ذكرهما في الأقطار، ولم يحكما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه، وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار، بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه؛ كلها سقيمة غير صحيحة.
وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها، أن أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج مُحمَّد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما.
وقد خرَّج جماعة من علماء عصرهما ومن بعدهما عليهما أحاديث قد أخرجاها، وهي معلولة، وقد جهدت في الذبِّ عنهما في المدخل إلى الصحيح بما رضيه أهل الصنعة، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان رضي الله عنهما أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام، أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة، والله المعين على ما قصدته، وهو حسبي ونعم الوكيل»(1).
فنستنتج من كلام الحاكِم ما يلي:
أوَّلاً: سبب التأليف:
1 - الزيادة على عدد أحاديث الصحيحين: فعمد إلى تأليف كتاب في الصحيح، بشرط أن يكون زائداً على ما في الصحيحين، مع كون هذه الأحاديث مروية بأسانيد يحتج البخاري ومسلم بمثلها؛ لأن البخاري ومسلماً لم يدعيا حصر الحديث الصحيح فيما أخرجاه.
2 - الرد على المبتدعة الذين يشمتون برواة الآثار، ويدَّعون أن جميع ما يصح من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، والتي هي مجموع أحاديث الصحيحين تقريباً.
ثانياً: موضوع الكتاب:
الكتاب مُرتَّب على الكتب والأبواب، وهو من كتب الجوامع لأبواب العلم؛ لأنه شامل لأحاديث الأحكام، وغير أحاديث الأحكام،--------------------------------------------
(1) المستدرك (1/ 2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
ولذلك عقد كتاب السير، وكتاب الفضائل، ومعرفة الصحابة، و التاريخ، وغير ذلك.
ثالثا: المنهج العام الذي سار عليه الحاكِم في المُستَدرَك:
حتى نفهم منهج الحاكم في كتابه، فينبغي أن نفهم بعض العبارات والمصطلحات التي أوردها في مُقدِّمته السالف ذكرها، أو استخدمها في أحكامه على الأحاديث، وأهم هذه المصطلحات والعبارات:
1 - قوله: «لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما».
هذه العبارة مُشكلة، ولذلك اختلف أهل العلم في تفسيرها على قولين:
الأول: أن العبارة على ظاهرها، وأن الحاكِم رحمه الله أخطأ في هذا الفهم.
قال المعلمي: «لم يصب في هذا، فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة وأنه يخرج ما كان رجاله مثل وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس علة قادحة»(1).--------------------------------------------
(1) التنكيل (2/ 691).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
الثاني: أن العبارة مُأَوَّلةٌ، وليست على ظاهرها، وأنه يقصد العلل غير القادحة، أو أنه قصد ما سيخرجه ليبين علَّته، كما صدر من البخاري ومسلم؛ فقد يخرجان أحاديث لها علة لكنها غير مؤثرة، أو يخرجان الحديث وفيه عِلَّة مؤثرة، لكن يخرجانه لبيان عِلَّته.
2 - قوله: «وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان رضي الله عنهما، أو أحدهما».
هذه أيضا من العبارات المُشكلة، التي اختلف أهل العلم في فهمها، وترتَّب على ذلك اختلافهم في
فهم مقصود الحاكم بقوله: «على شرط الشيخين، أو أحدهما».
ويمكن حصر اختلاف العلماء في هذه المسألة في ثلاثة أقوال؛ وهي:
القول الأول: أن المقصود بالمِثْلِيَّة: هم نفس الرواة الذين أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، ويُعبّر عن ذلك بأنه أراد المِثْلِيَّة الحرفية.
وبهذا قال جمهور أهل العلم، ومنهم: ابن الصلاح(1)، والنووي(2)،--------------------------------------------
(1) معرفة أنواع علوم الحديث (ص: 22).
(2) انظر: نكت الرزركشي على مقدمة ابن الصلاح (1/ 198).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وابن دقيق العيد(1)، وابن القيم(2)، والذَّهبيّ(3)، والحافظ ابن حجر(4)، وغيرهم.
ويمكن تفسير قولهم بهذا المثال: إذا وجدتُ حديثا من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ووجدت في كتاب آخر حديثا آخر، من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أيضاً، هنا يحقُّ لي أن أقول: هذا الإسناد مثل هذا الإسناد.
ولا يلزم من المثلية التغاير، لكن لمَّا اختلف محل الإسنادين صح أن أقول: مثله، وهذا كقول القائل أيضًا: بَدْرُ هذا الشهر مثل بَدْرِ الشهر الماضي، ومع ذلك فإن البدر اختلف.
لكن لمَّا اختلف الوقت، وكذلك لمَّا اختلف المكان؛ صحَّ إطلاق المِثْلِيَّة في هذا السياق، فلغةً يصح أن أقول: مثل، ولا يقتضي ذلك التغاير.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(2) المنار المنيف (ص: 21).
(3) نكت الرزركشي على مقدمة ابن الصلاح (1/ 198).
(4) النكت على مقدمة ابن الصلاح (1/ 320).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
ولكن هذه المِثْلِيَّة الحرفية في طبقة شيوخ البخاري ومسلم، ومن بعدهم، أما طبقة شيوخ الحاكم وشيوخ شيوخه؛ فلن يكونوا من رجال البخاري ومسلم في كثير من الأحيان، خاصةً طبقة شيوخه يقينًا، فهؤلاء تكون المِثْلِيَّة فيهم: أن يكونوا مثل رجال البخاري ومسلم في الضبط والإتقان، هذا احتمال
وارد، وقد قاله بعض المعاصرين.
القول الثاني: المِثْلِيَّة المجازية، ويعنون بها أن المقصود وصف الرواة الذين احتج بهم الشيخان أو أحدهما، وهذا يعني أن الحاكِم يخرج لرواة لم يرو لهم الشيخان أو أحدهما، ولكنهم موصوفون بتوثيق يماثل في درجته درجة من أخرج لهم الشيخان.
وممن قال بذلك القول: العراقيُّ(1)، وابن الملقِّن(2)، والزركشي(3).
قال الزركشي في النكت - متعقبا النووي وغيره -: «كأنهم لم يقفوا على شرط الحاكِم والذي في خطبة المُستَدرَك ما نصه: وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، … ، نعم القوم معذورون فإنه قال عقب أحاديث أخرجها: «هو--------------------------------------------
(1) التقييد والإيضاح (ص: 30)، وشرح الألفية (ص: 22).
(2) البدر المنير (1/ 312).
(3) النكت للزركشي (1/ 198).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بفلان وفلان»، يعني المذكورين في سنده، فهذا منه جنوح إلى إرادة نفس رجال الصحيح، وهو يخالف ما ذكره في مقدمة كتابه، ثم إنه خالف الاصطلاحين في أثناء كتابه وقال - لما أخرج التاريخ والسير -: ولا بد لنا من نقل كلام ابن إسحاق والواقدي … »(1).
وقال الحافظ ابن حجر: «تصرُّف الحاكِم يقوي أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما شيخنا رحمه الله تعالى، فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا أو أحدهما لرواته؛ قال: صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما، وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له؛ قال: صحيح الإسناد وحسب، ويوضح ذلك قوله في باب التوبة لما أورد حديث أبي عثمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي». قال: «هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو عثمان هذا ليس هو النهدي، ولو كان هو النهدي لحكمت بالحديث على شرط الشيخين».
فدل هذا على أنه إذا لم يخرجا لأحد رواة الحديث؛ لا يحكم به على شرطهما، وهو عين ما ادعى ابن دقيق العيد، وغيره.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
وإن كان الحاكِم قد يغفل عن هذا في بعض الأحيان، فيصحح على شرطهما بعض ما لم يخرجا لبعض رواته، فيُحمل ذلك على السهو والنسيان، ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض. والله أعلم»(1).
القول الثالث: أنه قصد بالمِثْلِيَّة هنا الأحاديث.
ويؤيد هذا القول لفظ العبارة وظاهرها، لأنه قال: «وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها»، فيعود الضمير هنا للأحاديث، لَّا للرجال؛ لأنه لو أراد الرجال لقال: بمثلهم.
ومما يرجح أيضا أن الحاكِم لا يقصد بالمِثْلِيَّة هنا من شابه رجال الصحيحين في الضبط والإتقان؛ تنويعه في التعبير عن هذه المسألة؛ فإنه يقول مثلًا في بعض الأحاديث: «صحيح على شرط مسلم»، ويقول في بعضها: «صحيح على شرط البخاري»، فلو كان يقصد بالمِثْلِيَّة هنا مثلية الضبط والإتقان؛ لكان كل من كان على مثل درجة رجال البخاري من باب أولى أن يكون على مثل درجة رجال مسلم، فلم يعد هناك معنى للتفريق بأن يقول مرة على شرط البخاري وشرط مسلم.
والراجح عندي أن هذا هو أقوى الأقوال، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) النكت لابن حجر (1/ 321)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
• أقسام أحاديث المُستَدرَك:
على الرغم مما تقدَّم من انتقادات وُجِّهت للحاكم، في تساهله في تصحيح الأحاديث، أو فيما وقع له من أوهام؛ إلا أن ذلك لا يعني إهدار ما جاء في كتابه بالكلية، وإنما التفصيل هو شأن أهل الإنصاف، ودونك شيئا مما ذكروه:
قال ابن الصلاح: «واعتنى الحاكم أبو عبدالله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحين، وجمع ذلك في كتابا سماه المُستَدرَك، أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين مما رآه على شرط الشيخين، قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاري وحده، أو على شرط مسلم وحده، وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه وإن لم يكن على شرط واحد منهما»(1).
وقال الذَّهبيُّ - مُتعقِّبا قولَ الماليني: «لم أَرَ فيه حديثا على شرطهما» -: «بل في المُستَدرَك شيءٌ كثيرٌ
على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك--------------------------------------------
(1) معرفة أنواع علوم الحديث (ص: 21 - 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردتُ منها جُزْءاً»(1).
وقال الحافظُ ابنُ حجر: «ينقسم المُستَدرَك أقساما، كُل قسم منها يمكن تقسيمه:
الأول: أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجا برواته في الصحيحين أو أحدهما على صورة الاجتماع سالماً من العلل، واحترزنا بقولنا على صورة الاجتماع عما احتجا برواته على صورة الانفراد، كسفيان بن حسين، عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين، عن الزهري؛ لأن سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه.
فإذا وُجِد حديثٌ من روايته عن الزهري لا يقال على شرط الشيخين؛ لأنهما احتجا بكل منهما. بل لا يكون على شرطهما إلا إذا احتجَّا بكل منهما على صورة الاجتماع، وكذا إذا كان الإسناد قد احتج--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 175). وله إحصائية أخرى في كتابه تاريخ الإسلام (28/ 132)، حيث قال هناك: في هذا «المستدرك» جملة وافرة على شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، لعلَّ مجموع ذلك نحو النِّصف، وفيه نحو الرُّبْع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء أدلة عليه، وما بقي، وهو نحو الربع، فهو مناكير وواهيات لا تصحّ. وفي بعض ذلك موضوعات، قد أعلمت بها لمّا اختصرت هذا «المُستدرك» ونّبهت على ذلك. ا. هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
كل منهما برجل منه ولم يحتج بآخر منه، كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة - مثلا - عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فإن مسلما احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما فلا يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره.
واحترزتُ بقولي أن يكون سالما من العلل بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع، إلا أن فيهم من وصف بالتدليس أو اختلط في آخر عمره، فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المُدلِّسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط. فإذا كان كذلك لم يجز
الحكم للحديث الذي فيه مدلس قد عنعنه، أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه، بأنه على شرطهما، وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه، إلا إذا صرح المُدلِّس من جهة أخرى بالسماع، وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوصف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما.
ولا يوجد في المُستَدرَك حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرا أو أصلا إلا القليل كما قدمنا، نعم، وفيه جملة مستكثرة بهذه الشروط،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكِم واهما في ذلك، ظنا أنهما لم يخرجاها.
القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونا بغيره. ويلحق بذلك ما إذا أخرجا لرجل وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه. كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ ما لم يتفرد به.
فلا يحسن أن يقال إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرج بعضها إلا بعدما تبين له أن ذلك مما لم ينفرد به. فما كان بهذه المثابة لا يلحق أفراده بشرطهما.
وقد عقد الحاكِم في كتاب المدخل بابا مستقلا ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم إنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في المُستَدرَك زاعما أنها على شرطهما!
ولا شك في نزول أحاديثه عن درجة الصحيح بل ربما كان فيها الشاذ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن.
والحاكِم وإن كان ممن لا يفرق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحا تبعا لمشايخه - كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان -؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
فإنما يناقش في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما. وهذا القسم هو عمدة الكتاب.
القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرجا له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات. وهذا قد أكثر منه الحاكِم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما، وربما ادعى ذلك على سبيل الوهم. وكثير منها يعلق القول بصحتها على سلامتها من بعض رواتها. كالحديث الذي أخرجه من طريق الليث، عن إسحاق بن بزرج، عن الحسن بن علي؛ في التزيين للعيد. قال في إثره: «لولا جهالة إسحاق لحكمت بصحته».
وكثير منها لا يتعرض للكلام عليه أصلا، ومن هنا دخلت الآفة كثيرا فيما صححه، وقل أن تجد في هذا القسم حديثا يلتحق بدرجة الصحيح فضلا عن أن يرتفع إلى درجة الشيخين. والله أعلم.
ومن عجيب ما وقع للحاكم: أنه أخرج لعبدالرحمن بن زيد بن أسلم، وقال بعد روايته: «هذا صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبدالرحمن». مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء: «عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه». وقال في آخر هذا الكتاب:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
«فهؤلاء الذين ذكرتهم قد ظهر عندي جرحهم؛ لأن الجرح لا أستحله تقليدا». انتهى.
فكان هذا من عجائب ما وقع له من التساهل والغفلة.
والذي يسلم من المُستَدرَك على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حررناه دون الألف، فهو قليل بالنسبة إلى ما في الكتابين. والله أعلم»(1).
ممَّا تقدَّم يمكن أن نقول: إن شرط الحاكِم أن تكون الأحاديث التي يوردها صحيحة غير موجودة في الصحيحين، فإن كان رجال الأحاديث رجال الشيخين أو أحدهما؛ فهذه أولى بالإخراج من غيرها.
ولكن بالنظر إلى واقع الكتاب، نلاحظ ما يلي:
أوَّلاً: مع اشتراطه الصحة قد يخرج أحاديث هو نفسه يعلم أنها غير صحيحة، بل وينبِّه على ضعفها، ولذلك صور متعددة، منها:
1 - أنه قد يخرج ما لا يصح عنده لبيان علته، مثلما يفعل البخاري ومسلم أحيانا.--------------------------------------------
(1) النكت (1/ 314 - 319)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
مثال ذلك: حديث: «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ»، فإنه أخرجه، ولم يصححه، وقال عقبه: «إنما ذكرته تعجبًا، لا محتجًا»(1).
2 - وقد يذكر الحديث ويبين ضعفه أو يشير إلىه.
مثال ذلك: حديث أخرجه في كتاب التفسير، ثم قال: «أدت الضرورة إلى إخراج هذا الحديث»(2)،
ولم يبيِّن ما هذه الضرورة! والذي يظهر أن هذا الحديث أخرجه لأنه لم يجد حديثًا مرفوعًا في تفسير هذه الآية إلا هذا الحديث، فأورده مع علمه بضعفه، مُنبِّهًا على ضعفه.
ومثال آخر: ستة أحاديث أوردها في كتاب البيوع، متعلقة بتحريم التسعير ورفع الأسعار على الناس في البيع والشراء، ثم بيَّن أن هذه الستة كلها غير صحيحة، وقال:» هذه الأحاديث الستة طلبتها وخرجتها في موضعها من هذا الكتاب احتسابا لما فيه الناس من الضيق و الله يكشفها، و إن لم يكن من شرط هذا الكتاب «(3).
3 - وقد يُخرج الحديث الموجود في الصحيحين، مع عدم علمه بذلك في بعض الأحيان، ومع علمه بذلك في أحيان أخر.--------------------------------------------
(1) المستدرك (4/ 488).
(2) المستدرك (2/ 289)، وانظر (4/ 455، رقم 8261).
(3) المستدرك (2/ 15).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)