((دخل قبر النبي صلى الله عليه وسلم العباس وعلي والفضل، وسوى لحده رجل من الأنصار)) .
وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد له ونصب عليه اللبن نصباً، ورفع قبره عن الأرض نحواً من شبر)) .
وقال ابن عبد البر رحمه الله: جعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطوحاً. وسنذكر الخلاف في صفة قبره صلى الله عليه وسلم، فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وروى جابر رضي الله عنه قال: ((رش قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربةٍ، بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرحه بالماء إلى الجدار)) ، لم يقدر على أن يدور من الجدار، لأنهم جعلوا بين قبره صلى الله عليه وسلم وبين حائط القبلة نحواً من سوط.
قال عروة رحمه الله: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن في آخر الليل من ليلة الأربعاء، أو مع الصبح.
وقال عكرمة رحمه الله: دفع من وسط الليل ليلة الأربعاء.
وقال القاسم رحمه الله: ما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الموت في أظفاره.
وتوفي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، عن ثلاث وستين سنة من عمره، وكمل له بالمدينة من يوم دخوله إلى يوم وفاته صلى الله عليه وسلم عشر سنين كوامل، وكان بدء مرضه يوم الأربعاء لاثنتين بقيتا من صفر، وقيل لواحدة، وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوماً.
وحكى أبو القاسم في كتابه أن في ((مراسيل الحسن)) ؛ أنه صلى الله عليه وسلم مرض عشرة أيام، وصلى أبو بكر رضي الله عنه بالناس تسعة أيام، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم العاشر منها، قال: وكانت وفاته في شهر أيلول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
أخبرنا أبو نصر الفقيه، قال: أخبرنا أبو القاسم الحافظ، أخبرنا أبو محمد الفقيه، أخبرنا أبو عثمان البحيري، أخبرنا أبو علي الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب الزهري، حدثنا مالك أنه بلغه أن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: ((ما صدقت بموت النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعت صوت وقع الكرازين)) .
الكرازين: جمع كرزنٍ، وهو الفأس.
ويقال فيه بالفتح والكسر، وتجمع على: كرازن أيضاً، والله سبحانه أعلم.
أخبرنا إسماعيل بن ظفر أبو طاهر قراءةً، أخبرنا أبو المكارم ابن اللبان قراءةً بأصبهان، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا أبو محمد بن جعفر، حدثنا أبو بشر بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: قالت لي فاطمة رضوان الله عليها: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
صحيح أخرجه البخاري في ((الصحيح)) .
قال ثابت: وقالت فاطمة رضي الله عنها ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الموت أو قالت –وهو ثقيل-: واأبتاه، إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه، من ربه ما أدناه، يا أبتاه، جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه، أجاب رباً دعاه.
وقد رويناه في ((صحيح البخاري)) موصولاً.
كما أخبرنا أبو ذر سهيل بن [محمد بن] عبد الله الطائي البوشنجي –منها- وجماعة غيره بغيرها في إذنهم، قالوا: أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: ((لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرباه، فقال لها: ((ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم)) فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة رضي الله عنها: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب)) ؟!
قوله: (ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم) يعني –والله أعلم- أنه بمجرد انتقاله من الدنيا، لا يصيبه نصبٌ ولا وصبٌ يجد له ألماً، لأنه يفضي إلى دار الكرامة والعافية، والراحة والسلامة الدائمة صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونبئ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم الاثنين، وخرج مهاجراً يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين.
قال أبو القاسم رحمه الله: واتفقوا أنه صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين، قالوا كلهم وفي ربيع الأول، غير أنهم قالوا أو قال أكثرهم: في الثاني عشر من ربيع الأول، ولا يصح أن يكون توفي في يوم الاثنين إلا في الثاني من الشهر، والثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، وهو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذو الحجة يوم الخميس، فكان المحرم، إما الجمعة، وإما السبت، فإن كان الجمعة، فقد كان صفراً إما السبت وإما الأحد، فإن كان السبت، فقد كان ربيع الأول إما الأحد وإما الاثنين، فكيف ما دارت الحال على هذا الحساب، فلم يكن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين بوجه.
وذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنفٍ أنه صلى الله عليه وسلم توفي في الثاني من ربيع الأول، وهذا القول وإن كان خلاف قول الجمهور –كذا هو أوجه عندي-، فإنه لا يبعد إن كانت الثلاثة الأشهر التي قبلها من تسعة وعشرين، فتدبره فإنه صحيح.
ولم أر أحداً تفطن له، وقد رأيت الخوارزمي حكى أنه صلى الله عليه وسلم توفي أول يوم من ربيع الأول، وهذا أقرب إلى القياس مما ذكره الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف، والله سبحانه أعلم.
وكان موته صلى الله عليه وسلم خطباً كالحاً، ورزءاً لأهل الإسلام فادحاً، كادت تهد له الجبال وترجف الأرض، وتكسف النيرات لانقطاع خبر السماء وفقد من لا عوض منه، مع ما آذن به موته صلى الله عليه وسلم من إقبال الفتن السحم.
فلولا ما أنزل الله سبحانه من السكينة على المؤمنين، وأسرج في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
قلوبهم من نور اليقين، وشرح له صدورهم من فهم كتابه المبين، لانقصفت الظهور، وضاقت عن الكرب الصدور، ولعاقهم الجزع عن تدبير الأمور، فقد كان الشيطان أطلع إليهم رأسه، ومد إلى إغوائهم مطامعه، فأوقد نار الشنآن ونصب راية الخلاف، لكن أبى الله إلا أن يتم نوره، ويعلي كلمته، وينجز موعوده، فأطفأ نار الردة، وحسم مادة الخلاف والفتنة على يد الصديق رضي الله عنه، ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه: لولا أبو بكر، لهلكت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد نبيها.
وروينا عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقدهم نبيهم صلى الله عليه وسلم) .
وقالت أيضاً رضي الله عنها: ((توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو نزل بالجبال الصم ما نزل بأبي لهاضها، ارتدت العرب، واشرأب النفاق، فما اختلفوا في نقطةٍ إلا طار أبي يخطها وعنا بها)) .
الارتداد: الرجوع إلى الكفر بعد الإسلام –أعاذنا الله منه-، ومعنى (اشرأب) أي ارتفع وعلا، ونجم النبت ينجم إذا طلع، وكل ما طلع وظهر فقد نجم، وخص ما لا يقوم على ساق من النبات باسم النجم، كما خص القائم منه على ساق باسم الشجر.
قولها ((في نقطة)) : أي في أمرٍ وقضية، وهو بالنون، وقيده الهروي بالباء الموحدة، وأخذ عليه.
قال بعض المتأخرين: المضبوط عند علماء النقل أنه بالنون، وهو من كلامٍ مشهورٍ، ويقال عند المبالغة في الموافقة، وأصله في الكتابين يقابل أحدهما بالآخر فيقال: ما اختلفا في نقطة، يعني من نقط الحروف والكلمات، أي بينهما من الاتفاق ما لم يختلفا معه في هذا القدر اليسير.
وقولها: لهاضها، يقال: هاض العظم يهيضه هيضاً إذا كسره بعد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
الجبور فهو مهيض، وهو أشد لوجعه، وكل وجعٍ على وجعٍ فهو هيض، ويقال: هاضني الشيء إذا رده في مرضه، والله أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله ابن أبي الفضل قال: أخبرنا أبو روح بن محمد بن أبي الفضل وأجازنيه، قال أبو القاسم: أخبرنا أبو الحسن البحاثي، أخبرنا محمد بن أحمد الزوزني، أخبرنا أبو حاتم الحافظ، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبيد بن فياض بدمشق، قال حدثنا هشام، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني عبد الله بن العلاء بن زبرٍ، أنه سمع بشر بن عبيد الله يحدث، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في خباءٍ من أدم، فجلست في فناء الخباء، فسلمت فرد، وقال: ادخل يا عوف، فقلت: كلي، قال: كلك، فدخلت فوافقته يتوضأ، ثم قال: احفظ خلالاً ستاً بين الساعة، إحداهن موتي. قال عوف: فوجمت عندها وجمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
شديدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل إحدى، فقلت: إحدى، ثم قال: فتح بيت المقدس، ثم يظهر فيكم داءٌ، ثم استفاضة المال فيكم حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة تكون بينكم، لا تبقي بيت مؤمن إلا دخلته، ثم صلح يكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون بكم، فيسيرون إليكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً)) .
(الغاية والراية سواء، ومن رواه بالباء الموحدة معناه الأجمة، فشبه كثرة رماح العسكر بها.
قوله: (فوجمت وجمة) ، الواجم الساكت لأمر يكرهه كالمهتم به، وقال ابن الأعرابي: وجم بمعنى حزن، يقال: وجم يجم وجوماً.
وقد روينا في ((صحيح البخاري)) بأسانيدنا قال: حدثنا الحميدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، قال: سمعت بشر بن عبيد الله، أنه سمع أبا إدريس، قال: سمعت عوف بن مالك قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم)) ، وذكر الحديث.
قوله: (موتان) هو بضم الميم وسكون الواو، على وزن بطلان، الموت الكثير الوقوع.
(وقعاص الغنم) داءٌ يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت، والله سبحانه أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي بكر قراءةً بدمشق، وأبو بكر محمد بيده وإذنه ببغداد، قالا: أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا مكي. (ح) وأنبأنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
أبو المعالي علي بن محمود بن علي الشعري –في كتابه من هراة- قال: أخبرنا السيد أبو الحسن علي بن حمزة الموسوي قراءةً، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي العميري، قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: ((لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، سمعوا قائلاً يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب)) .
أخبرنا أبو القاسم بن أبي عبيد الله، أخبرنا أحمد بن محمد، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الحرقي، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله الترمذي، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق بن دينار، أخبرنا عفان بن مسلم الصفار، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، قال: ((فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوء من يوم دخل علينا فيه، قال: وشهدته يوم موته فما رأيت يوماً كان قط أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
أخبرنا أبو الغنائم المسلم بن أحمد بن علي المازني النصيبي، قال أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن بن إبراهيم، أخبرنا سهل بن بشر ابن أحمد، أخبرنا علي بن محمد بن علي، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الله الذهلي، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا محمد بن عباد، حدثنا سفيان، عن عمرو قال: قال ابن عمر رضي الله عنه: ((ما وضعت لبنةً على لبنةٍ ولا غرست نخلةً منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
وقد رويناه بأسانيدنا في ((صحيح البخاري)) قال: أخبرنا علي بن عبد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
الله، قال: حدثنا سفيان قال عمرو: قال ابن عمر: ((والله ما وضعت لبنةً على لبنة ولا غرست نخلةً منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
قال سفيان: فذكرته لبعض أهله، قال: والله لقد بنى.
قال سفيان: قلت: لعله قال قبل أن يبني.
أخبرنا عبد الله بن الحسين، أخبرنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا محمد بن عمر بن جعفر، أخبرنا محمد بن عبيد الله، حدثنا أبو عثمان، أخبرنا جعفر بن سليمان، أخبرنا ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: ((ما نفضنا أيدينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا)) .
وحق لهم ولمن بعدهم ذلك، وكيف لا يكونون كذلك؟!
ومن العجيب كيف لم تتصدع قلوبهم بفقده، وتغط نفوسهم حزناً عليه صلى الله عليه وسلم، وتتفطر كبودهم أسفاً من بعده، وقد كانت مصيبتهم بموته المصيبة العظمى، ورزيتهم بوفاته الرزية الكبرى، ولم يروا خطباً أفدح من رزئهم بفقدانه، ولا وجدوا مصيبةً أوجع لقلوبهم من مصيبتهم بعدمه بعد وجدانه!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
لانقطاع أخبار السماء، وعدم تنزل الملائكة صلى الله عليه وعليهم وسلم عليه بالأنباء.
وعلى ما شملهم به من رأفته بهم، ورحمته وشفقته عليهم، ونصيحته لهم وهدايته، ووسعهم من بره وعرفه، وعمهم من فضله ولطفه.
مع ما حباهم به على فرط الخصاصة من الإيثار، وهداهم من الضلالة؛ وبصرهم بعد العمى، وأنقذهم من النار، حتى صار لهم كالوالد المتحنن المشفق، والأب الحدب الذي يألم لما يألم له بنوه ويرأف.
فحق لقلوبهم أن تكمد، ولعيونهم حزناً عليه أن لا تجمد، ولنيران أسفهم على فقده أن لا تخمد، وإن حمد الصبر في موطن مصيبة يوماً، فإن الصبر بمصيبة سيدنا أحمد صلى الله عليه وسلم لا يحمد.
فالصبر يحمد في المواطن كلها … إلا عليك فإنه مذموم
هذا جبريل قد قال له عند وفاته صلى الله عليه وسلم: يا أحمد! هذا آخر وطئي في الأرض، ولا أنزل بعد اليوم أبداً، إنما كنت أنت حاجتي من الدنيا.
أخبرنا أبو نصر الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم الحافظ (ح) ونبأني أبو الحسن الطوسي، قالا أخبرنا أبو محمد السيدي الفقيه، أخبرنا البحيري، أخبرنا السرخسي، أخبرنا الهاشمي، أخبرنا الزهري، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم: أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي)) .
أنشدنا أبو نصر عبد الرحيم بن محمد بن الحسن عم أبي رحمهما الله، بالعاصي، قال أنشدنا عمي الحافظ أبو القاسم رحمه الله –في كتابه الذي صنفه في ((الصبر والجلد، عند مصاب المرء المسلم بالولد)) ، بأسانيده فيه:
اصبر لكل مصيبة وتجلد … واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها … فاذكر مصابك بالنبي محمد
وقال أبو جعفر محمد بن علي رضي الله عنه: ما رئيت فاطمة عليها السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكةً، ومكثت بعده ستة أشهر رضي الله عنها وسلم عليها.
أخبرني محمد بن محمود النجار بخطه، أنبأنا أبو جعفر الواسطي، عن أبي طالب بن يوسف، أخبرنا أبو الحسين بن الأبنوسي، عن عمر بن شاهين، أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الكاتب، حدثني طاهر بن يحيى، حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: ((لما رمس صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة رضي الله عنها فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر، فوضعت على عينها وبكت)) ، وأنشأت تقول:
ماذا على من شم تربة أحمد … أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها … صبت على الأيام عدن لياليا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
أخبرنا الشيخ أبو صادق الحسن بن يحيى رحمه الله قراءة عليه، قال أخبرنا عبد الله بن رفاعة قراءة عليه، أخبرنا علي بن الحسن القاضي، أخبرنا شعيب بن عبد الله بن أحمد، أخبرنا أحمد بن الحسن بن إسحاق، عن عتبة الرازي، أخبرنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يخبر عن عائشة رضي الله عنها: ((أنها رأت في المنام أنها سقط في حجرها، أو في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
حجرتها ثلاثة أقمار، فذكرت ذلك لأبي بكر رضي الله عنه فقال: خير.
قال يحيى: فسمعت بعد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي دفن في بيتها، قال لها أبو بكر رضي الله عنها: هذا أحد أقمارك يا بنية، وهو خيرها)) .
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل رحمه الله، أخبرنا علي بن الحسن الحافظ، أخبرنا علي بن إبراهيم الخطيب، أخبرنا رشاء بن نظيف، أخبرنا الحسن بن إسماعيل، أخبرنا أبو بكر المالكي، حدثنا عامر بن عبد الله الزبيري، حدثنا مصعب بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن هشام بن عروة أنه أنشد هذه الأبيات لصفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا … وكنت بنا براً ولم تك جافيا
وكان بنا براً رؤوفاً نبينا … ليبك عليه اليوم من كان باكيا
كأن على قلبي لذكر محمد … وما خفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم صلى الله رب محمد … على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فداً لرسول الله أمي وخالتي … وعمي ونفسي قصرةً وعياليا
صدقت وبلغت الرسالة ناصحاً … ومت صليب الدين أبلج صافيا
فلو أن رب الناس أبقاك بيننا … سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية … وأدخلت جنات من العدن راضيا
أرى حسناً أيتمته وتركته … يبكي ويدعو جده اليوم نائيا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
وروي أن امرأة من المتعبدات جاءت إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت لها: اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكشفت لها عنه، فبكت حتى ماتت.
كتب إلينا أبو عبد الله بن أبي محمد الحافظ يخبرنا أن بعض شيوخه أنشده لبعض زوار النبي صلى الله عليه وسلم:
أتيتك زائراً وودت أني … جعلت سواد عيني أمتطيه
ومالي لا أسير على جفوني … إلى قبر رسول الله فيه؟!
قرئ على أبي البركات بن أبي عبد الله رحمه الله وأنا أسمع، أنبأك أبو محمد السعدي (ح) حدثني أبو الحسن علي بن أحمد من لفظه قال: أخبرنا عبد القوي السعدي، أخبرنا ابن أبي الذيال، أخبرنا علي بن الحسن، أخبرنا أبو محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا البرقي، أخبرنا عبد الملك، عن أبي زيد الأنصاري، أن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال –يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بطيبة رسمٌ للرسول ومعهدٌ … منيرٌ وقد تعفو الرسوم وتهمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
ولا تمتحي الآيات من دار حرمة … بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آثار وباقي معالم … وربعٌ له مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها … من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها … أتاها البلى فالآي منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده … وقبراً بها واراه في الترب ملحد
أطالت وقوفاً تذرف العين جهدها … على طلل القبر الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر النبي وبوركت … بلادٌ ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحدٌ منك ضمن طيباً … عليه بناء من صفيح منضد
تهيل عليه الترب أيدٍ وأعين … عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمةً … عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم … وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكي السموات يومه … ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوماً رزية هالك … رزية يوم مات فيه محمد
وروي أن فاطمة رضوان الله عليها، لما رجعت إلى بيتها بعد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم، اجتمع إليها نساؤها فقالت:
اغبر آفاق السماء وكورت … شمس النهار وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبي محمدٍ … أسفاً عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها … ولتبكه مضرٌ وكل يمان
وليبكه الطود المعظم جوده … والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه … صلى عليك منزل الفرقان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب –واسم أبي سفيان جعفر- يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أرقت فبات ليلي لا يزول … وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك مما … أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبته وجلت … عشية قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها … تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا … يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه … نفوس الناس أو كربت تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا … بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالاً … علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذرٌ … وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر … وفيه سيد الناس الرسول.
أخبرنا أبو عبد الله الزبيدي، أخبرنا أبو الوقت الصوفي، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، قال: ((أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر –وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا –يريد بذلك أن يكون آخرهم-، فإن يك محمدٌ صلى الله عليه وسلم قد مات، فإن الله جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وإن أبا بكر صاحب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه)) .
حديث صحيح أخرجه البخاري في ((مسنده)) كما تراه.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما كان منه:
لعمري لقد أيقنت أنك ميتٌ … ولكنما أبدى الذي قلته الجزع
وقلت: يغيب الوحي عنا لفقده … كما غاب موسى ثم يأتي كما رجع
وكان هواي أن تطول حياته … وليس لحي في بقا ميت طمع
فلما كشفنا البرد عن حر وجهه … إذا الأمر بالجذع المرحب قد وقع
فلم يك لي عند المصيبة حيلة … أرد بها أهل الشماتة والفزع
سوى آذن الله الذي في كتابه … وما آذن الله العباد به يقع
وقد قلت من بعد المقالة قولة … لها في حلوق الشامتين به بشع
ألا إنما كان النبي محمد … إلى أجل وافى به الموت فانقطع
ندين على العلات منا بدينه … ونعطي الذي يعطي ونمنع ما منع
ووليت محزوناً بعين سخينةٍ … أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع
وقلت لعيني كل دمع ذخرته … فجودي به إن الشجي له دفع
قوله: (بشع) شيء بشعٌ أي كريه يأخذ بالحلق فهو بين البشاعة، ورجلٌ بشعٌ بين البشع إذا أكله فبشع منه، واستبشع الشيء أي عده بشعاً.
وفي الحديث ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل البشع)) أي: الخشن الكريه الطعم، يريد أنه لم يكن يذم طعاماً، والله سبحانه أعلم.
وروى أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خويلد، وقيل: ابن محرث قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليلٌ فاستشعرت حزناً، فبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسي طولها، حتى كان قرب السحر، أغفيت فهتف بي هاتفٌ وهو يقول:
خطب أجل أناخ بالإسلام … بين النخيل ومعقد الأطام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
قبض النبي محمدٌ فعيوننا … تذري الدموع عليه بالتسجام
قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعاً فنظرت في السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحٌ يقع في العرب، وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض وهو ميتٌ من علته، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئاً أزجر به، فعن لي شيهمٌ –يعني: القنفذ- قد قبض على صل –يعني: الحية- فهي تلتوي عليه، والشيهم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: شيهمٌ شيء مهمٌ، والتواء الصل: التواء الناس عن الحق القائم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أكل الشيهم إياها: غلبة القائم بعده على الأمر، فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر، فأخبرني بوفاته، ونعب غرابٌ سانح، فنطق مثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي، وقدمت المدينة ولها ضجيجٌ بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت المسجد فوجدته خالياً، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت بابه مرتجاً، وقيل: هو مسجى قد خلا به أهله، فقلت: أين الناس؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار.
فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسالماً رضي الله عنهم وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار وفيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأٌ منهم. فآويت إلى قريش، فتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، فتكلم أبو بكر رضي الله عنه، فلله دره من رجلٍ لا يطيل الكلام، ويعلم مواقع فصل الخطاب، والله لقد تكلم بكلام، لا يسمعه أحدٌ إلا انقاد له ومال إليه، ثم تكلم عمر رضي الله عنه بعده دون كلامه، ومد يده فبايعه وبايعوه، ورجع أبو بكر رضي الله عنه ورجعت معه.
قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على [سيدنا] محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت دفنه، ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لما رأيت الناس في عسلانهم … ما بين ملحود وبين مضرح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
متبادرين لشرجع بأكفهم … نص الرقاب لفقد أروع أروح
فهناك صرت إلى الهموم ومن يبت … جار الهموم يبيت غير مروح
فتزعزعت أجبال يثرب كلها … ونخيلها لحلول خطب مفدح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها … وتزعزعت ألهام بطن الأبطح
ولقد زجرت الطير قبل وفاته … بمصابه وزجرت سعد الأذبح
وروى ابن هشام عن غير واحد من أهل العلم: أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام، وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن أسيد، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوةً، فمن رابنا ضربنا عنقه.
فتراجع الناس وكفوا عن ما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد.
(أسيد) بفتح الهمزة، ذكر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري الحافظ في كتاب ((الاستذكار)) : ليس في المهاجرين أسيد، ولا في الأنصار أسيد، والله أعلم.
وهذا المقام لسهيل بن عمرو هو الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله في قصته لعمر بن الخطاب –لما كثر عليه يوم الحديبة في أمره حيث رد إليه ولده أبا جندل، وقد جاء مسلماً حيث كتب كتاب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وشاقهم في أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((إنه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمه)) والله سبحانه أعلم.
قوله (شرجع) الشرجع: سرير الجنازة، والشرجع أيضاً: الطويل، ومطرقة مشرجعة: أي طويلة لا حروف لها، والله سبحانه أعلم.
ونقل أهل السير: أن سواد بن قارب الدوسي –قول ابن الكلبي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)