وقال الإمام: لا يحل عَدُّ القديم من المذهب.
وقال الماوردي: غَيَّر الشافعي جميع كتبه القديمة في الجديد، إلا الصداق، فإنه ضرب على مواضع منه، وزاد مواضع.
و"الجديد " ما قاله بمصر، وأشهر رواته: البويطي، والمزني، والربيع المرادي، والربيع الجيزي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى، وعبد الله بن الزيير المكي، ومحمد ابن عبد الله بن عبد الحكم، وأبوه.
والجدير بالذكر أن قولهم: "إن القديم مرجوع عنه، وليس بمذهب الشافعي " محله في القديم الذي نص في الجديد على خلافه، أما القديم الذي لم يتعرض في الجديد لما يوافقه ولا لما يخالفه، فإنه مذهبه.
" وقيل كذا ": وحيث يقول: " وقيل كذا " فهو وجه ضعيف، والصحيح أو الأصح خلافه.
" في قول كذا ": وحيث يقول: " في قول كذا " فالراجح خلافه، ويتبين قوة الخلاف وضعفه في قوله: " وحيث أقول المذهب " إلى هنا من مدركه.
* * *
مصطلحات أخرى:
نذكر طائفة أخرى من المصطلحات على سبيل المثال ليتضح كيف أن العلم بها ييسر الفهم، فمنها:
- الإجزاء مفسر بتفسيرين:
1 - حصول الامتثال به
2 - سقوط الامتثال به.
- الاجتهاد: بذل الوسع في بلوغ الغرض.
- الإرسال: الإطلاق.
- الاستخبار: هو الاستفهام، وهو: الكلام الدال على طلب حصول صورة الشيء في الذهن من حيث هو حصوله فيه.
- الاستدلال: طلب الدليل.
- الاستدلالي: الذي يحصل بالنظر في الدليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
- الاستعارة بالكناية: هي أدن يشبه في النفس شيئًا بشيء، ولا يصرح بشيء من أركان التشبيه سوى اسم المشبه، ويثبت له شيئا من لوازم المشبه به.
- الاستعارة: مجاز علاقته المشابهة فهو اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي.
- الإسناد: ربط إحدى الكلمتين بالأخرى بحيث يحسن السكوت.
- الإشفاق: ارتقاب المكروه.
- الأصل في اللغة: شيء محسوس، أو معقول بنى عليه غيره.
وفي الاصطلاح:
يقال للراجح، وللمستصحب، وللقاعدة الكلية، وللدليل.
- أصول الفقه: طرقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها "
وقيل: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
وقيل: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية.
- الالتماس: أن يكون الاستدعاء من المساوي للمستدعى رتبة.
- الامتثال: هو إتيان المأمور به على وجه يحققه.
- الأمر: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب.
- الانتقال الفكري: حركة في الكيفية النفسانية التي هي الصور المعقولة، فتنتقل النفس به من ملاحظة صورة إلى أخرى.
- الإنذار: هو الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف.
- الباطل: ما لا يتعلق به النفوذ، ولا يعتد به.
- البدهي: ما يثبته مجرد العقل، أي: ما يثبته بمجرد التفاته، من غير استعانة بحس أو غيره.
- بيع الحصاة: جعل الإصابة بالحصاة بيعًا قائمًا مقام الصيغة، أو هو أن
يقول: بعتك من هذه الأثواب ما تقع عليه هذه الحصاة.
- التأليف: ضم الأشياء مؤتلفة، سواء كانت مُرَتَّبَة الوضع أم لا.
- التخييل: حركة النفس في المحسوسات.
- الترتيب: جعل الأشياء بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعضها نسبة إلى بعض بالتقدم والتأخر في الرتبة العقلية، وإن لم تكن مؤتلفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
- الترجي: ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله.
- التركيب: ضم الأشياء مؤتلفة كانت أولًا، مرتبة الوضع أولًا.
- التكليف: إلزام ما فيه كلفة، أو طلب ما فيه كلفة.
- التكوين: الإيجاد من العدم بسرعة.
- التمني: الكلام الدال بالوضع على طلب ما لا طمع فيه، أو ما فيه عسر، وقيل: محبة حصول الشيء سواء كنت تنتظره، وترقب حصوله أم لا، وقيل: طلب حصول شيء على سبيل المحبة.
- التهديد: هو التخويف.
- التوصل: هو الوصول بكلفة.
- الثواب: مقدار مخصوص من الجزاء يعلمه الله تعالى.
- الجهل: تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع..
- الجوهر: ما لو وجد في الخارج كان لا في موضوع.
- الحاجة: ما يخرج من المخرَج.
- الحَدْس: هو الانتقال من المبادئ إلى المطالب دفعة.
- الحقيقة: ما بقى في حال الاستعمال، أو معه على موضوعه.
الحواس الخمس الباطنة:
1 - الحس المشترك: وهو القوة التي ترتسم فيها صورة الجزئيات المحسوسة بالحواس الخمس الظاهرة.
2 - الحيال: وهو القوة التي تحفظ الصورة المرتسمة في الحس المشترك فهي
كالخزانة له.
3 - الواهمة: هي القوة التي تدرك بها المعاني الجزئية.
4 - الحافظة: هي القوة التي تدرك بها المعاني التي يدركها الوهم.
5 - المتخيلة: هي القوة المتصرفة في الصور التي تأخذها من الحس المشترك، والمعاني التي تأخذها من الوهم بالتركيب والتفريق، وتسمى المفكرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
الحواس الخمس الظاهرة:
1 - السمع: وهو قوة مودعة في العصب المفروش في مُقَعَّر الصماخ تدرك به
الأصوات.
2 - البصر: وهو قوة مودعة في العصبتين المجوَّفتين، اللتين تتلاقيان في مقدَّم
الدماغ، ثم تفترقان، فتتأديان إلى العينين.
3 - اللمس: وهو قوة مُنْبثَّة من جميع البدن، يدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك عند الالتماس والاتصال به.
4 - الشم: وهو قوة مودعة في العصبتين الزائدتين النابتتين في مقدَّم الدماغ
الشبيهتين بحلمتي الثدي، تدرك بها الروائح، بطريق وصول الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة إلى الخيشوم.
5 - الذوق: وهو قوة مُنْبثَّة في العصب المفرويق على جرم اللسان، تدرك بها الطعوم بمخالطة الرطوبة اللعابية التي في الفم بالطعوم، ووصولها إلى العصب.
- الدعاء: أن يكون الاستدعاء من الأدنى من المستَدْعَى رتبةً.
- الدلالة: كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
- الدليل: لغة المرشد للمطوب، والمرشد له معنيان:
1 - الناصب لما رشد له
2 - الذاكر له.
والدليل في الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
- السهو: زوال الصورة عن المدرِكة، مع بقائها في الحافظة.
- الشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.
- الصحيح: ما يتعلق به النفوذ، ويعتد به.
- الصيغة: هي العبارة الموضوعة للمعنى القائم بالنفس.
- الضروري: ما لا يحتاج إلى نظر وكسب.
- الضروري المقابل للاستدلالي: ما يحصل بدون فكر ونظر في دليل.
- الضروري المقابل للاكتسابي: ما لا يكون في تحصيله مقدورًا للمخلوق.
- الطمع: ارتقاب المحبوب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
- الظن: تجويز وقوع كل من أمرين، أحدهما أظهر من الآخر.
- العَرْض: كلام دال بالوضع على الطلب برفق ولين.
- العلم: " معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع "، أو هو: " الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل "،
أو " الملكة التي هي مبدأ تفاصيل القواعد ".
- العلم الضروري: ما لم يقع عن نظر واستدلال.
- العلم المكتسب: هو الموقوف على النظر والاستدلال.
- الغفلة: عدم التصور مع وجود ما يقتضيه.
- الفرع: ما اندرج تحت أصل كلي.
- الفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
- القرينة: ما يدل على الشيء لا بالوضع، وقيل: ما يدل على الشيء من غير استعمال فيه.
- الكسبي: هو العلم المقدور تحصيله بالقدرة الحادثة.
- الكلام: اللفظ المتألف من اسمين، أو اسم وفعل، أو فعلين، أو فعل
وحرف … الخ.
- الكلام النفسي: هو المعنى القائم بالنفس، المُعَبر عنه بماصدقات اللسان.
- اللفظ الهمَل: هو ما وضِعَ، ولم يستعمل.
- المباح: ما لا يثاب على فعله، ولا على تركه، ولا يعاقب على تركه، ولا على فعله.
- المجاز: ما تُجُوِّز به عن موضوعه.
وقيل: هو ما استعمل استعمالًا صحيحًا في
غير ما اصطلح عليه من الجماعة الخاطبة.
- المحظور: ما يثاب على تركه امتثالًا، ويعاقب في الآخرة على فعله بلا عذر.
- المعرفة: العلم بمعنى الظن.
- المكتسب: هو الحاصل بالكسب، وهو مباشرة الأسباب بالاختيار.
- المكروه: ما يثاب على تركه امتثالًا، ولا يعاقب في الآخرة على فعله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
- الملاقيح: هي ما في بطون الأمهات من الأجنة.
- المندوب: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.
- المنقول: هو اللفظ الذي تعدد مفهومه، وتخلل بينهما نقل، وهُجِر للمعنى الأول.
- النسبة التامة: تعلق أحد الطرفين بالآخر، بحيث يصح السكوت عليه ثبوتًا كان أو انتفاء.
- النسيان: زوال الصورة عن المدركة والحافظة - فيحتاج حينئذ في حصولها إلى سبب جديد.
- النظر: هو الفكر، وهو: حركة النفس في المعقولات، أي: انتقالها فيها انتقالًا تدريجيًّا قصديًّا.
- النظري: ما يحتاج إلى نظر.
- النهي: استدعاء - أي: طلب الترك - بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب.
- الواجب: شيء من فعل، أو قول، أو نية، أو عزم، أو اعتقاد يثاب على فعله، ويعاقب على تركه.
- الوجوب: استدعاء الفعل استدعاء جازمًا على سبيل الجزم.
- الوعد: إنشاء الضمان عند وجود الوصف.
- الوهم: هو الإدراك المقابل للظن.
ومنها أيضا:
- " اعلم ": يؤتى به لشدة الاعتناء بما بعده، والمخاطَب بذلك كل من يَتَأتَى منه العلم مجازًا، لأنه موضوع لأنْ يخاطب به معين.
- القاعدة: أمر كُلِّي يتعرف منه أحكام جزئياته، ويرادفها " الضابط ".
وقال أبو زرعة في الغيث الهامع: " المراد بالقاعدة: ما لا يخص بابًا من أبواب
الفقه، فإن اختص ببعض الأبواب سمى ضابطًا ".
- الفائدة: لغة: ما استفيد من علم أو مال.
واصطلاحًا: المسألة المرتَّبَة على الفعل
من حيث هي كذلك.
وعُرِّفَت أيضًا: بأنها كل نافع ديني، أو دنيوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
- الضدان: أمران وجوديان يستحيل اجتماعهما في محل واحد.
- العرف: ما استقرت عليه النفوس بشهادة العقول، وتلقته الطباع بالقبول.
- العادة: ما استمر الناس فيه على حكم المعقول، وعادوا إليه مرة بعد أخرى.
- الدين: ما ورد به الشرع من التعبد، ويطلق على: الطاعة، والعبادة، والجزاء، والحساب.
- الخطاب: توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، والمراد بخطاب الله تعالى: ما أفاد، وهو الكلام النفسي الأزلي.
- العامي: كل من لا يتمكن من إدراك الأحكام الشرعية من الأدلة، ولا يعرف طرقها فيجوز له التقليد، بل يجا عليه التقليد بدليل قوله تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) .
- الصريح: ما يتكرر على الشيوع في عرف اللسان، وإذا حصل ذلك لزم إجراء اللفظ على ظاهره، ولا يُقبل العدول عن مُوجِب الظاهر فى الظاهر.
" لا بأس ": تستعمل في المباح، قال في الترياق النافع: " ولا بأس بالدعاء عند الأعضاء - يعني أعضاء الوضوء - لأنه مباح لا سنة، وإن ورد في ذلك طرق ضعيفة لا يعتد بها".
* * *
ما لا نص فيه عند الشافعية:
الشافعية عندما لا يجدون نصا في المسألة يفتون بالمنقول في المذاهب الأخرى،
خاصة مذهب المالكية.
قال السيوطي في رسالة تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء: " وقد وقع في فتاوى ابن الصلاح أنه سُئِلَ عن مسألة لا نص فيها للأصحاب، فأفتى فيها بالمنصوص في مذهب أبي حنيفة، وبَينَّ ذلك.
وقرر النووي في شرح المهذب مسألة لا نقل فيها عندنا، وأجاب فيها بمذهب الحسن البصري، وقال: إنه ليس في قواعدنا ما ينفيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وسئل البلقيني عن مسألة فقال: لا نقل فيها عندنا، وأجاب فيها بما ذكره القاضي عياض في المدارك.
وذكر بعض الأصحاب مسألة لا نقل فيها عندنا، وأفتى فيها بالمنقول في مذهب الحنابلة.
وذكر الزركشي في الخادم مسألة مسح الخف للمُحْرِم، وقال: لا نقل فيها، وأجاب بالمنقول في مذهب المالكية، في أشياء كثيرة لا تحصى، وقد استوعبتها في كتابي:
" الينبوع فيما زاد على الروضة من الفروع ".
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
الفصل الثالث
مذهب الحنفية
ولابد من معرفة ترجمة الإمام أبي حنيفة، ومعرفة أيضًا ترجمة أبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، وزفر لما لهم من دور أساس في بناء المذهب الحنفي.
ترجمة الإمام أبي حنيفة:
هو الإمام البارع أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زُوطَى (بضم الزاي وفتح الطاء)
مولى تيم اللَّه بن ثعلبة، ولد سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة.
وهو إمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق.
معدود في حفاظ الحديث النبوي،
فقد ترجمه الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ، وصدر ترجمته بقوله:
" أبو حنيفة الإمام الأعظم فقيه العراق ".
أخذ الفقه عن: حماد بن أبي سليمان، وكان في زمنه أربعة من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحد منهم.
وقد رأى أنس بن مالك، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي،
ومحارب بن دثار، والهيثم بن حبيب العراف، وقيس بن مسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى عبد اللَّه بن عمر، وهشام بن عروة، ويزيد الفقير، وسماك بن حرب، وعلقمة بن مرثد، وعطة العوفي، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم أبا أمية، وغيرهم.
روى عنه: أبو يحيى الحماني، وهشيم بن بشر، وعباد بن العوام،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وعبد اللَّه بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وعلي بن عاصم، ويحيى بن نصر،
وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، وعمرو بن محمد، وهودة بن خليفة، وأبو عبد الرحمن المقري، وعبد الرزاق بن همام، وآخرون.
نقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، فأقام بها حتى مات، ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران، وقبره هناك ظاهر معروف.
وقد كلم ابنُ هبيرة أبا حنيفة أن يلي له قضاء الكوفة، فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، في كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع فلما رأى ذلك خلى سبيله، وكان ابن هبيرة عاملًا على العراق في زمن بني أمية.
وعن إسماعيل بن سالم البغدادي قال: أكره أبو حنيفة على الدخول في القضاء فلم يقبل، قال: وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى، وترحم على أبي حنيفة.
وعن بشر بن الوليد الكندي قال: أشخص المنصورُ أبو جعفر أمير المؤمنين أبا حنيفة
(يعني من الكوفة إلى بغداد) فأراده على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا، فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل.
فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف.
قال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة
أيمانه أزقدر منى على كفارة أيماني.
فأمر به إلى السجن في الوقت.
ْوالصحيح أنه توفي وهو في السجن.
وقال خارجة بن يزيد: دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فأبى عليه، فحبسه، ثم دعا به، فقال: أترغب عما نحن فيه.
فقال أبو حنيفة: أصلح اللَّه أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء.
فقال له: كذبت، ثم عرض عليه الثانية.
فقال أبو حنيفة: قد حكم عليَّ أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء، لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كذابًا فلا أصلح للقضاء، وإن كنت صادقًا فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح، فرده في الحبس.
قال أبو حنيفة: قدمت البصرة وظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فيه،
فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي أن لا أفارق حمادًا حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة.
وقال أبو حنيفة: ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا، أو علمته علمًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
ودخل أبو حنيفة يومًا على المنصور، فقال المنصور: هذا عالم أهل الدنيا اليوم.
وعن سهل بن مزاحم قال: بُذلت الدنيا لأبي حنيفة فلم يُرِدْها، وضُرِبَ عليها بالسياط فلم يقبلها.
وعن الفضيل بن عياض قال: كان أبو حنيفة فقيهًا، معروفًا بالفقه، مشهورًا
بالورع، وسيع المال، معروفًا بالإفضال على من يطيق، صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار، كثير الصمت، قليل الكلام، حتى ترد مسألة في حلال أو حرام، وكان يحسن يدل على الحق، هاربا من السلطان.
وعن أبي يوسف قال: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبواي، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إني لأدعو لحماد مع والدي.
وعن أبي بكر بن عياش قال: مات أخو سفيان الثوري، فاجتمع الناس إليه لعزائه فجاء أبو حنيفة، فقام إليه سفيان، وأكرمه، وأقعده مكانه، وقعد بين يديه، ولما تفرق الناس قال أصحاب سفيان: رأيناك فعلت شيئًا عجيبًا.
قال: هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه، وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه.
وعن ابن المبارك قال: ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة، وعن ابن المبارك قال: رأيت مسعرًا في حلقة أبي حنيفة جالسًا بين يديه يسأله، ويستفيد منه، وما رأيت أحدًا قط تكلم في الفقه أحسن من أبي حنيفة.
وعن وكيع قال: ما لقيت أفقه من أبي حنيفة، ولا أحسن صلاة منه.
وعن النضر بن شميل قال: كان الناس نيامًا عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه، وبَيَّنه، ولخصه.
وعن الشافعي قال: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه.
وعن جعفر بن الربيع قال: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتا منه، فإذا سئل عن الشيء من الفقه يُفتح، ويُسال كالوادي.
وعن إبراهيم بن عكرمة قال: ما رأيت أورع، ولا أفقه من أبي حنيفة.
وعن سفيان بن عيينة قال: ما قدم مكة في وقتنا رجل أكثر صلاة من أبي حنيفة.
وعن يحيى بن أيوب الزاهد قال: كان أبو حنيفة لا ينام الليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
وعن أبي عاصم النبيل قال: كان أبي حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته.
وعن قيس بن الربيع قال: كان أبو حنيفة ورعًا فقيهًا، كثير البر والصلة لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه، وكان يبدث البضائع إلى بغداد فيشترى بها الأمتعة، ويجلب إلى الكوفة، ويجمع الأرباح من سنة إلى سنة فيشترى بها حوائج الأشياخ المحدثين، وأثوابهم، وكسوتهم، وما يحتاجون إليه، ثم يعطهم باقي الدنانير من
الأرباح، ويقول أنفقوها في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا اللَّه تعالى فإنه واللَّه مما يجريه اللَّه لكم على يدي، فما في رزق اللَّه حول لغيره.
* * *
إسناد الإمام أبي حنيفة في الفقه:
قال اللكنوي: " اعلم أن مذهب أبي حنيفة أكئره مأخوذ عن الصحابة الذين نزلوا بالكوفة، ومن بعدهم من علمائها، وكان ألزم بمذهب إبراهيم، عظيم الشأن في التخريج على مذهبه ".
قال أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير الموُمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة عن من أخذت العلم؟.
فقلت: عن حماد (يعني ابن أبي سليمان) عن إبراهيم (يعني النخعي) عن عمر
ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس.
فقال أبو جعفر: بخٍ بخٍ استوفيت يا أبا حنيفة.
قال مسروق بن الأجدع التابعي الكبير: " وجدت علم أصحاب محمد (ينتهي إلى ستة: إلى علي، وعبد اللَّه (يعني ابن مسعود) ، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي بن كعب، ثم وجدت علم هؤلاء الستة انتهى إلى: علي، وعبد اللَّه ".
وقال ابن جرير: " لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
ترجمة الإمام أب يوسف القاضي:
قال الشيخ الكوثري: " هو الإمام الحافظ المتقن المجتهد المطلق أبو يوسف يعقوب ابن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن بحير (بإهمال الحاء) بن معاوية بن قحافة بن نفيل ابن سدوس بن عبد مناف بن أسامة بن سحمة بن سعد بن عبد الله بن قدار بن معاوية
ابن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن العوذ بن بجيلة الأنصاري البجلي رحمه الله.
وسعد والد حبيب صحابي عُرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد مع رافع بن خديج، وابن عمر فاستصغره، وشهد الخندق وما بعدها، ثم نزل الكوفة، ومات بها، وصلى عليه
زيد بن أرقم رحمه الله، وذريته بها.
وأما ميلاد أبي يوسف فقد رووا عن الطحاوي أنه سنة 113هـ، وعليه جرى الأكثرون، لكن ذكر المؤرخ الفقيه أبو القاسم علي بن محمد السمناني المتوفي سنة 499 هـ في روضة القضاة - وهي كتاب مفيد في القضاء -: توفي أبو يوسف، وله تسع وثمانون سنة على خلاف في ذلك، ومثله في (مسالك الأبصار) لابن فضل اللَّه
العمري، وإليه يجنح صاحب أخبار الأول، ومؤلف روضات الجنات تقريبا، فيكون ميلاده سنة 93 هـ، بالنظر إلى أن وفاته سنة 182 هـ في التحقيق، وبين التاريخين (أي: 113، أو 93) تفاوت عظيم كما نرى، ولا يبعد أن يكون ما في غالب الكتب مصلحًا ظنًّا حيث كان ميلاده مكتوبًا في بعض النسخ القديمة هكذا (93) بالرقم، فغُيِّر رقم (9) إلى لعدم بروز رأس (9) ، أو انطماسه، فشابه فقرأ القارئ أن ميلاده سنة (13) ، ولظهور أن ميلاده لا يكون بهذا القدم عُد هذا بعد المائة الأولى، وإنما حذفت المائة اختصارًا كما هو المعتاد في المئات عند الأمن من الخطأ،
فجرى ذكر رقم (113) كميلاد له فتناقله المؤرخون، كميلاد حقيقي له.
وعن أبي يوسف يقول: كنت أختلف إلى ابن أبي ليلى، وكانت لي عنده منزلة،
وكان إذا أشكل عليه شيء من المسائل يطلب ذلك من وجه أبي حنيفة، وكنت أحب أن أختلف إلى أبي حنيفة، وكان يمنعني الحياء منه، فوقع بيني وبينه (يعني ابن أبي ليلى) سبب ثقل عليه، فاغتنمت ذلك، واحتبست عنه، واختلفت إلى أبي حنيفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وعن أبي يوسف قال: كنت أطلب الحديث والفقه، وأنا مُقِلّ، رث الحال، فجاء أبي يوما - وأنا عند أبي حنيفة - فانصرفت معه فقال: يا بني لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش.
فقصرت عن كثير من الطلب، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة، وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه، قال لي: ما شغلك عنا؟.
قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي.
فجلست فلما انصرف الناس دفع إلى صرة، وقال: استمتع بهذه، فنظرت فإذا فيها مائة درهم، فقال لي: الزم الحلقة، وإذا
نفدت هذه فأعلمني.
فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلى مائة أخرى، ثم
كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء، وكان كأنه يخبر بنفادها حتى استغنيت، وتمولت.
وكان أبو يوسف شديد الملازمة لأبي حنيفة، حتى روى محمد بن قدامة عن شجاع ابن مخلد أنه سمع أبا يوسف يقول: مات ابن لي فلم أحضر جهازه، ولا دفنه، وتركته على جيراني، وأقربائي مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني.
وكان أبو يوسف عظيم الإجلال لشيخيه: ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، كبير البر لهما فبذلك نال بركة العلم.
* *
شيوخه:
نشأ أبو يوسف في العلم في تلك البيئة الممتازة (التي يأتي بيانها تحت عنوان المذهب الحنفي، والشورى الجماعية) تحت إشراف مثل أبي حنيفة البارع في التفقيه، فصقل عقله، واتسع أفق فقهه، وأثمرت مواهبه، وظهرت مآثره - بتوفيق اللَّه جل شأنه -
على أن شيخه الآخر في الفقه محمد بن أبي ليلى القاضي طال أمد قضائه في الدولتين الأموية والعباسية، حيث لم يمكن استغناؤهما - على تنافسهما - عن خبرته الواسعة في القضاء على طريقة قضاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقضاء شريح الممتد من عهد عمر رضي الله عنه إلى زمن الحجاج، فازداد أبو يوسف علما وعملا بأحكام القضاء بما تلقاه من ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
أبي ليلى من أحكام القضاء، التي ورثها من قضايا علي، وشريح، فيظهر من ذلك أن العلم كان ميسرًا له من كل النواحي، وكل ميسر لما خلق له.
وعن أبي يوسف أنه قال: " صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة لا أفارقه في فطر، ولا أضحي إلا من مرض ".
كما أخذ عن شيوخ آخرين، منهم: أبان بن أبي عياش، وأبو إسحاق الشيباني، وإسماعيل بن أمية، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وعبد الملك بن جريج، والحجاج بن أرطأة، وداود بن أبي هند، والسري بن إسماعيل، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن مهران الأعمش، وسماك بن حرب، وعاصم بن أبي النجود،
وعاصم الأحول، وعبد اللَّه بن سعيد المقبري، وعبيد اللَّه بن عمر، وأخوه عبد اللَّه ابن عمر، وعبد اللَّه بن واقد، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعودي، وعطاء بن السائب، وعطاء بن عجلان، وعمرو بن دينار، وعمرو بن ميمون، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي، ومحمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن شعيب،
ومسعر بن كدام، ومنصور بن المعتمر، ونافع مولى ابن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عبد اللَّه التيمي، وغيرهم من حملة العلم من رجال الحجاز والعراق وسائر البلدان.
اجتمع أبو يوسف بمالك - عالم دار الهجرة - عام حجه مع الرشيد، وقد ذكر ذلك وكيع القاضي في أخبار القضاة، وابن أبي العوام في كتابه، وابن عساكر في كشف المغطى.
* *
منزلته وطرفًا من أخباره:
ترجم له الذهبي في تَذْكِرة الحفاظ في عداد حفاظ الحديث، وصدر ترجمته
بقوله: " القاضي أبو يوسف الإمام العلامة فقيه العراق …
"، ثم قال: " وله أخبار في العلم والسيادة قد أفردته
وأفردت صاحبه محمد بن الحسن رحمهما اللَّه في جزء.
وعن محمد بن الحسن قال: مرض أبو يوسف فَعَادَه أبو حنيفة،
فلما خرج قال: إن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
يمت هذا الفتى فهو أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض.
وعن عباس الدوري سمعت أحمد بن حنبل يقول: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف القاضي فكتبت عنه، ثم اختلفت بعد إلى الناس.
قال: وكان أبو يوسف أميل إلينا من أبي حنيفة ومحمد.
وعن يحيى بن معين قال: " ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا
أحفظ، ولا أصح رواية من أي يوسف ".
وعن هلال الرأي قالْ "كان أبو يوسف يحفظ التفسير، والمغازي، وأيام العرب، وكان أحد علومه الفقه ".
قال المزني: " كان أبو يوسف أتبعهم للحديث ".
وعن بكار بن قتيبة أنه سمع أبا الوليد الطيالسي يقول: لما قدم أبو يوسف البصرة حاجًّا مع هارون الرشيد اجتمع أصحاب الرأي وأصحاب الحديث على بابه، فطلب كل فريق منهم الدخول إليه أولا، فأشرف عليهم فلم يأذن لفريق منهم، ولم يعنف فريقًا على طلبه الدخول إليه قبل الفريق الآخر، وقال لهم جميعًا: أنا من الفريقين جميعًا، فلا أقدم فرقة على الأخرى، ولكني أسأل الفريقين عن مسألة فأيهم أصاب
الجواب، دخل هو وأصحابه أولًا.
مصنفاته:
وللإمام أبي يوسف رحمه الله مؤلفات كثيرة مذكورة في كتب أهل العلم، لكن الذي وصل إلينا من كتبه قليل بالنظر إلي كثرة مؤلفاته.
فمما وصل إلينا كتاب " الآثار " في أدلة الفقه، روى جلها عن أبي حنيفة، وله مسند آخر يُروَى عنه في الكتب، ولم نطلع عليه.
ومما وصل إلينا من مؤلفاته: كتاب " اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة "، وكتاب " الرد على سير الأوزاعي "، وكتاب " الخراج "، وهو رسالته إلى الرشيد في أحكام الأموال ألفها على طلب منه، ومقدمتها تدل على أنه لم يكن يحابي أحدًا في الحق،
ولم يؤلف أحد من أهل طبقته مثيل هذا الكتاب.
وعليه شروح تبرز خباياه، وتستخرج كنوزه وخفاياه.
وينسب إليه كتاب في الخارج والحيل محفوظ بدار الكتب المصرية، وبمكتبة علي باشا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
الشهيد في الآستانة، طبعه جوزيف شخت المستشرق الألماني باسم محمد بن الحسن.
وقال محمد بن إسحاق النديم: " لأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الفرائض، كتاب البيوع، كتاب الحدود، كتاب الوكالة، كتاب الوصايا، كتاب الصيد والذبائح، كتاب الغصب، كتاب الاستبراء، ولأبي يوسف إملاء رواه بشر بن الوليد القاضي يحتوي على ستة وثلاثين كتابًا مما فرعه أبو يوسف، وكتاب اختلاف علماء الأمصار، وكتاب الرد على مالك بن أنس، وكتاب رسالته في الخراج إلى الرشيد، وكتاب الجوامع، ألفه ليحيى بن
خالد يحتوي على أربعين كتابًا ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به ".
توفي أبو يوسف القاضي رحمه الله يوم الخميس وقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة.
* * *
ترجمة الإمام محمد بن الحسن:
هو محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمه الله، وكان أبوه من جند أهل الشام، فقدم واسطًا بالعراق فولد بها محمد سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بالكوفة،
وطلب الحديث، وسمع سماعًا كثيرًا، وجالس أبا حنيفة، وسمع منه، ونظر في الرأي فغلب عليه، وعُرف به، وتقدم فيه، وقدم بغداد فنزلها،
واختلف إليه الناس، وسمعوا منه الحديث والرأي، وخرج إلى الرقة وهارون الرشيد فيها فولاه قضاءها، ثم عزله، فقدم بغداد، فلما خرج هارون إلى الري بخراسان الخرجة الأولى أمره فخرج معه،
فمات بالري سنة تسع وثمانين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
* *
شيوخه:
سمع الحديث من أبي حنيفة، ومسعر بن كدام، وسفيان الثوري، وعمر بن ذر، ومالك بن مغول، وكتب أيضًا عن مالك بن أنس، والأوزاعي، وزمعة بن صالح، وبكير بن عمار، وأبي يوسف.
تلاميذه:
سكن بغداد، وحدث بها، روى عنه الشافعي، وأبو سليمان الجوزجاني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
منزلته وطرفًا من أخباره:
عن محمد بن الحسن قال: ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفًا على النحو، واللغة، وخمسة عشر ألفًا على الحديث والفقه.
وعن الشافعي قال: قال محمد بن الحسن: أقمت على باب مالك ثلاث سنين
وكسرًا، قال: وكان يقول إنه سمع لفظ أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله، وكثر الناس حتى يضيق عليه الموضع، وإذا حدث عن غير مالك لم يجئه إلا اليسير من الناس فقال: ما أعلم أحدًا أسوأ ثناء على أصحابه منكم، إذا حدثتكم عن مالك ملأتم عليَّ الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابكم إنما تأتون متكارهين.
وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: كان لمحمد بن الحسن مجلس في
مسجد الكوفة، وهو ابن عشرين سنة.
وعن الشافعي قال: ما رأيت سمينًا أخف روحًا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصح منه، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته.
وعنه قال: ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن.
وعنه قال: كان محمد بن الحسن إذا أخذ في المسألة كأنه قرآن ينزل، لا يقدم
حرفًا، ولا يؤخره.
وعنه قال: كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب.
وعنه قال: حملت عن محمد بن الحسن وَقرِي بُخْتي كتبا.
وعن يحيى بن معين قال: كتبت الجامع الصغير عن محمد بن الحسن.
وعن أبي عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب اللَّه من محمد بن الحسن.
وعن إبراهيم الحربي قال: قلت للإمام أحمد: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟
قال: من كُتب محمد بن الحسن.
وعن محمد بن سماعة قال: قال محمد بن الحسن لأهله: لا تسألوني حاجة من
حوائج الدنيا، تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي، فإنه أقل لهمِّي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
وأفرغ لقلبي.
ولقد توفي الكسائي ومحمد بن الحسن في يوم واحد، فقال الرشيد: ذهب اليوم اللغة والفقه، وماتا بالري.
* *
كتب محمد بن الحسن ومصنفاته:
قال الشيخ الكوثري رحمه الله: لم يصل إلينا من أي عالم في طبقته، كتب في الفقه قدر ما وصل إلينا من محمد بن الحسن، بل كتبه هي العماد للكتب المدونة في فقه المذاهب.
ولا يخفى مبلغ استمداد الكتب المدونة في المذاهب من كتب محمد بن الحسن، فالأسدية التي هي أصل المدونة في مذهب مالك إنما ألفت تحت ضوء كتب محمد، والشافعي إنما ألف قديمه وجديده بعد أن تفقه على محمد، وكتب كتبه، وحفظ منها ما حفظ، وابن حنبل كان يجاوب في المسائل من كتب محمد، وهكذا من بعدهم من الفقهاء.
فأكبر ما وصل إلينا من كتب محمد هو كتاب الأصل المعروف بالمبسوط، وهو الذي يقال عنه إن الشافعي كان حفظه، وألف الأم على محاكاة الأصل، وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعة المبسوط هذا قائلًا:
" هذا كتاب محمدكم الأصغر فكيف كتاب محمدكم الأكبر "؟!!
وهو في ستة مجلدات، وكل مجلد منها
نحو خمسمائة ورقة يرويه جماعة من أصحابه مثل أبي سليمان الجوزجاني، ومحمد بن سماعة التميمي، وأبو حفص الكبير البخاري، وقد قدر اللَّه سبحانه ذيوعًا عظيمًا لهذا الكتاب الذي يحتوي على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام،
لا يسع الناس جهلها، وهو الكتاب الذي كان أبو الحسن بن داود يفاخر به أهل البصرة، وطريقته في الكتاب سرد الفروع على مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، مع
بيان رأيه في المسائل، ولا يسرد الأدلة حيث تكون الأحاديث الدالة على المسائل بمتناول جمهور الفقهاء من أهل طبقته، وإنما يسردها في مسائل ربما تعزب أدلتها عن علمهم فلو جُودت الآثار من هذا الكتاب الضخم تكون في مجلد لطف.
ومما وصل إلينا من كتبه: الجامع الصغير، وهو كتاب مبارك مشتمل على نحو ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
قد ذكر فيه الاختلاف في مائة وسبعين مسألة، ولم يذكر القياس، والاستحسان إلا في مسألتين، وقدر اللَّه - سبحانه - الذيوع البالغ له
أيضًا حتى شرحه أئمة أجلاء استقصى الشيخ عبد الحي اللكنوي في " النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير " ذكر شراحه.
ومن جملة رواته في أثبات الشيوخ: الجوزجاني، وأبو حفص، وعلي بن معبد، وبَوَّبَه أبو طاهر الدباس، والزعفراني، وليس فيه غير سرد المسائل.
وكان سبب تأليفه: أن أبا يوسف طلب من محمد بعد فراغه من تأليف المبسوط أن يؤلف كتابًا يجمع فيه ما حفظ عنه، مما رواه له عن أبي حنيفة فجمع هذا الكتاب، ثم عرضه عليه فقال: نعما حفظ عني أبو عبد اللَّه، إلا أنه أخطأ في ثلاث مسائل.
فقال محمد: أنا ما أخطأت ولكنه نسى الرواية.
ويقال: إن أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر، ولا سفر.
وطبع الجامع الصغير هذا في الهند بتعليق الشيخ عبد الحي اللكنوي، وفي إسطنبول، ومصر.
ومن كتب محمد أيضًا: كتاب السير الصغير، يرويه عن أبي حنيفة، وحاول
الأوزاعي الرد على سير أبي حنيفة، فجاوبه أبو يوسف.
ومنها: الجامع الكبير، وهو كتاب جامع لجلائل المسائل مشتمل على عيون
الروايات، ومتون الدرايات بحيث كاد أن يكون معجزًا، كما يقول الأكمل في شرحه على تلخيص الخلاطي للجامع الكبير.
وقال ابن شجاع فيه: إنه لم يؤلف في الإسلام مثله في الفقه.
وقال الإمام المجتهد أبو بكر الرازي في شرحه على الجامع الكبير: كنت أقرأ بعض مسائل من الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي) فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب في النحو.
ومنها: الزيادات، وزيادة الزيادات ألفهما بعد الجامع الكبير، استدراكًا لما فاته فيه من المسائل، وتُعَدَان من أبدع كتبه، وقد عنى أهل العلم بشرحهما عناية كاملة، وهما من الكتب المروية عنه بطريق الشهرة، وغلط من ذكرهما في عداد النوادر.
ومنها: كتاب السير الكبير، وهو من أواخر مؤلفاته ألفه محمد بعد أن انصرف أبو حفص الكبير إلى بخارى، فانحصرت روايته في البغداديين مثل: الجوزجاني،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)