والتقسيم الثاني يمكن قبوله لولا أنه اعتبر عصر النص عصر النشأة للفقه، وفي هذا عندي نظر، والذي أميل إليه وأراه أقرب إلى مفهوم الفقه وحقيقته، هو أن للفقه دورين أساسيين يمكن أن نضيف إليهما دورًا ثالثًا بشيء من التجوز.
فالدور الأول: هو دور النص والتشريع، وهو دور تأسيس، وبناء مصادر الفقه، ونظرياته العامة على حد تعابير المعاصرين، وهي فترة عصر النبوة فقط.
والدور الثاني: هو دور إنتاج الفقه وبنائه، وهو دور بدأ بوفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبداية عصر الراشدين، وانتهى بوفاة آخر مجتهد مطلق، وهو ابن جرير الطبري المتوفي سنة (310 هـ) .
وهي مرحلة الاجتهاد الفقهي، والبناء، والتدوين، والتكوين التام،
ويمكن تقسيمها إلى فترات داخلية، ولكن الضابط المميز لها كلها أنها مرحلة اجتهاد فلم يخلو عقد من سنينه من المجتهدين.
أما الدور الثالث: فهو دور توقف الاجتهاد، وجمود الفقه، واللجوء إلى التقليد، والتمذهب الفقهي، وهو دور بدأ منذ القرن الرابع، ولا يزال قائمًا حتى يومنا هذا ".
ونرى أن أدوار الفقه يمكن أن نقسمها إلى أربعة أدوار هي:
* * *
الدور الأول
عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم والتابعين، فقد انقضى عصر النبي صلى الله عليه وسلم وقد تم فيه التشريع الإلهي في الكتاب والسنة، وهما الأصلان العطمان اللذان خلفهما هذا العصر للذي تلاه، ولجميع العصور اللاحقة به.
وقد بدأ الفقه بالنمو والاتساع في هذا الدور، ذلك أن الفقهاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واجهوا وقائع وأحداثًا ما كان لهم بها عهد أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لا بد من معرفة حكم
اللَّه تعالى فيها.
كما أن الحروب التي وقعت وما نتج عنها من قضايا وعلاقات بين المسلمين وبين غيرهم في أثناء الحرب وبعدها أدت إلى كثرة المسائل الفقهية.
والفتوحات الإسلامية وما ترتب عليها من امتداد، واتساع رقعة الدولة الإسلامية، واتصال المسلمين بأهل تلك البلاد، ولكل بلد أعرافه، وعاداته، وتقاليده، ونظمه.
كل ذلك أدى إلى ظهور مسائل وقضايا جديدة تستلزم معرفة حكم الشرع فيها،
وقد قام فقهاء الصحابة والتابعين بمهمة التعرف على أحكام هذه المسائل، والوقائع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
الجديدة، فاجتهدوا، واستعملوا آرائهم في ضوء قواعد الشريعة، ومبادئها العامة، ومعرفتهم بمقاصدها، وهكذا ظهر الاجتهاد بالرأي، فلا بد أن يتبعه اختلاف.
وهذا ما حصل في هذا الدور، وما كان له من وجود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
وكما اجتهد الفقهاء في هذا العصر واختلفوا، فقد اجتهدوا واتفقوا، والاتفاق هو الإجماع، وهكذا ظهر الإجماع في هذا الدور كمصدر للفقه، وما كان له وجود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك شاع التحديث بالسّنة، وازداد بسبب تفرق الفقهاء في البلاد، وتجدد الحوادث، وضرورة البحث عن أحكامها، فكان ذلك داعيًا إلى السؤال عن السّنة، وقيام الحافظين لها بالتحديث، واستنباط الأحكام منها.
* * *
طريقتهم في التعرف على الأحكام
كان الفقهاء في هذا الدور إذا نزلت النازلة، التمسوا حكمها في كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا الحكم فيه تحولوا إلى السُّنة، فإن لم يجدوا الحكم تحولوا إلى الرأي، وقضوا بما أداهم إليه اجتهادهم، ولا شك أن هذا النهج هو المنهج السليم.
فقد كان الفقهاء لا يلجأون إلى الرأي إلا إذا لم يجدوا الحكم في الكتاب، أو في السنة، إلا أنهم ما كانوا سواء في رجوعهم إلى الرأي في هذه الحالة، فمنهم المكثر من الرأي، ومنهم المقل.
يقول ابن القيم: " ثم قام بالفتوى بعد برك الإسلام، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه رضي الله عنهم، ألين الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، وأعمقها نصيحة، وأقربها إلى اللَّه وسيلة،
وكانوا بين مكثر منها، ومقل، ومتوسط ".
والذين حُفِظَتْ عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مائة ونيف وثلاثون نفسًا ما بين رجل وامرأة.
وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر.
قال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما في عشرين كتابًا، وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.
قال أبو محمد: والمتوسطون منهم فيما روى عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان ابن عفان، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد اللَّه، ومعاذ بن جبل، فهؤلاء ثلاثة عشر
يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدًّا.
ويضاف إليهم: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان.
والباقون منهم مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة، والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك، يمكن أن يَجْمَع من فتيا جميعهم جزءٌ صغير فقط بعد التقصي، والبحث وهم: أبو الدرداء، وأبو اليسر، وأبو سلمة الخزومي، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، والحسن والحسين ابنا علي، والنعمان بن بشير، وأبو مسعود،
وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذر، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقرظة بن كعب، ونافع أخو أبي بكرة لأمه، والمقداد بن الأسود، وأبو السنابل، والجارود، والعبدي، وليلى بنت قائف، وأبو محذورة، وأبو شريح الكعبي، وأبو برزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، والخولاء بنت تويت، وأسيد بن الحضير، والضحاك بن قيس، وحبيب بن مسلمة، وعبد اللَّه بن أنيس، وحذيفة بن
اليمان، وثمامة بن أثال، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو الغادية السلمي، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة ابن معبد الأسدي، وعبد اللَّه بن جعفر، وعوف بن مالك، وعدي بن حاتم، وعبد اللَّه ابن أبي أوفى، وعبد اللَّه بن سلام، وعمرو بن عبسة، وعتاب بن أسيد، وعثمان بن
أبي العاص، وعبد الله بن سرجس، وعبد اللَّه بن رواحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبو قتادة عبد اللَّه بن معمر العدوي، وعمى بن سعلة، وعبد اللَّه بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد اللَّه بن عوف الزهري، وسعد بن معاذ، وسعد ابن عبادة، وأبو منيب، وقيس بن سعد،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
وعبد الرحمن بن سهل، وسمرة بن جندب، وسهل بن سعد الساعدي، وعمر بن مقرن، وسويد بن مقرن، ومعاوية بن الحكم، وسهلة بنت سهيل، وأبو حذيفة بن عتبة، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن أرقم، وجرير بن عبد اللَّه البجلي، وجابر بن سلمة،
وجويرية أم المؤمنين، وحسان بن ثابت، وحبيمب بن عدي، وقدامة بن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، ومالك بن الحويرث، وأبو أمامة الباهلي، ومحمد بن مسلمة، وخباب بن الأرت، وخالد بن الوليد، وضمرة بن الفيض، وطارق بن شهاب، وظهير بن رافع، ورافع بن خديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة
بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفاطمة بنت قيس، وهشام بن حكيم بن حزام، وأبوه حكيم بن حزام، وشرحبيل بن السمط، وأم سلمة، ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قيس
ابن الشماس، وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمغيرة بن شعبة، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، ورويفع بن ثابت، وأبو حميد، وأبو أسيد، وفضالة بن عبيد، وأبو محمد
رُوِّينا عنه وجوب الوتر - قال ابن القيم: أبو محمد هو مسعود ابن أوس الأنصاري نجارى بدري - وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلال المؤذن، وعروة بن الحارث، وسياه بن روح، أو روح بن سياه، وأبو سعيد بن المعلي، والعباس بن عبد المطلب، وبشر بن أرطاة، وصهيب بن سنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، وماعز، وأبو عبد اللَّه البصري.
قال ابن القيم: فهؤلاء من نُقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وما أدرى بأي طريق عد معهم أبو محمد
(يعني ابن حزم) الغامديةَ وماعزًا، ولعله تخيل أن
إقدامها على جواز الإقرار بالزنا من غير استئذان لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ذلك هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار، وقد أقر عليه، فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال،
أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام "..
انتهى ما أردته.
* * *
ظهور مدرسة اهل الحديث ومدرسة أهل الرأي
والاجتهاد بالرأي في هذا العصر كان يقرم على أساس النظر إلى علل الأحكام، ومراعاة المصلحة.
والفقهاء كانوا فريقين: فريق يتهيب من الرأي، ولا يلجأ إليه إلا قليلًا، وكان أكثر هؤلاء الفقهاء في المدينة بالحجاز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
وفريق لا يتهيب من الرأي، بل يلجأ إليه كلما وجد ضرورة لذلك، وكان أكثر هذا النوع من الفقهاء في الكوفة بالعراق.
وكان رئيس مدرسة الحديث الإمام سعيد بن المسيب المتوفي سنة (94 هـ) ، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين نشروا الفقه فى المدينة بعد أن تلقوه عن الصحابة، وكان من سادات التابعين فقفا، ودينًا، وورعًا، وفضلًا حتى كان يسمى بفقيه الفقهاء، والفقهاء
السبعة هم: سعيد بن المسيب (ت بعد 90 هـ) ،
عروة بن الزبير (ت 94 هـ) ، القاسم ابن محمد (ت 94 هـ) ،
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (ت 94 هـ) ،
عبد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت 98 هـ) ،
سليمان بن يسار (ت 107 هـ) ،
وخارجة بن زيد بن ثابت (ت 100 هـ) .
وكان رئيس مدرسة الرأي في الكوفة: إبراهيم بن يزيد النخعي شيخ حماد ابن أبي سليمان المتوفي سنة (96 هـ) ، وهذا شيخ أبي حنيفة المشهود له بالبراعة في الفقه والدقة في الاستنباط، والغوص في معاني النصوص.
* * *
التدوين في هذا الدور:
وانقضى هذا الدور، رلم يدون فيه شيء من الفقه، كما أن السنة لم تدون أيضًا، وإن حصلت محاولات لتدوينها، فعمر بن عبد العزنى كتب إلى عامله بالمدينة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سنته فاكتبه،
إلا أن عمر بن عبد العزيز مات قبل أن يتم ابن حزم ما أمره به عمر.
* * *
الدور الثاني - عصر المجتهدين
يبدأ هذا الدور من أوائل القرن الثاني الهجري، ويمتد إلى منتصف القرن الرابع،
وفي هذا الدور نما الفقه، وازدهر، وكثرت مسائله على نحو لم يعهد مثله من قبل، وهذه الظاهرة ترجع إلى أسباب كثيرة نذكر منها:
أولًا: عناية الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء، وتظهر هذه العناية بتقريبهم الفقهاء، والرجوع إلى آرائهم.
ثانيًا: اتساع البلاد الإسلامية، فقد كانت تمتد من أسبانيا إلى الصين، وفي هذه البلاد الواسعة عادات وتقاليد مختلفة تجب مراعاتها ما دامت لا تخالف نصوص الشريعة، فاختلفت الاجتهادات بناء على اختلاف العادات والتقاليد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
ثالثًا: ظهور المجتهدين الكبار ذوي الملكات الفقهية الراسخة، فعملوا على تنمية الفقه، وسد حاجات الدولة من التنطمات والقوانين، وأنشأوا المدارس التي ضمت نوابغ الفقهاء.
رابعًا: تدوين السنة، فقد دونت السنة، وعرف صحيحها وضعيفها، فكان في ذلك تسهيل لعمل الفقهاء، وتوفير الجهد عليهم، فقد وجدوا السنة بين أيديهم يصلون إليها دون كبير عناء، والسنة هي مادة الفقه ومصدره الثاني.
وفي هذا الدور أيضًا دون الفقه، وضبطت قواعده، وجمعت أشاته، وألفت
الكتب في مسائله، وصار بناؤه شامخًا، وعلمه متميزًا عن غيره قائمًا بنفسه.
* * *
الدور الثالث - عصر التقليد
يبدأ هذا الدور من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد سنة (656 هـ) ، وهو دور ركود الفقه.
فقد جنح الفقهاء إلى التقليد، مع أن الأصل في الفقيه أن يكون مجتهدًا مستقلًا، لا يتقيد بمذهب معين، وإنما يتقيد بنصوص الكتاب والسنة، وما يؤديه إليه اجتهاده المقبول، فهو يستنبط الأحكام الشرعية من مصدريها العطمين الكتاب والسنة، وما يرشدان إليه من مصادر أخرى، إلا أنه في هذا الدور ضعفت همم الفقهاء، واتهموا نفوسهم بالتقصير، والعجز عن اللحوق بالمجتهدين السابقنِن بالرغم من رسوخهم في الفقه، وتهيئ أسبابه لديهم، ووجود مادته بين أيديهم من سنة ونحوها، يصلون إليه
بيسر وسهولة.
وكان ذلك من أسباب شيوع التقليد بين الفقهاء إلا القليل النادر.
ونستطيع أن نلخص أسباب التدهور في هذا الدور فيما يلي:
أولًا: ضعف السلطان السياسي للخلفاء العباسيين، فالدولة لم تعد كما كانت قبل، وإنما تقطعت أجزاؤها، وقامت في أنحائها دويلات مما أثر في حياة الفقه والفقهاء.
ثانيًا: أن المذاهب الإسلامية دُوِّنَت تدوينًا كاملًا، مع تهذيب مسائلها، وتبويب مسائلها الواقعية، مما جعل النفوس تستروح إلى هذه الثروة الفقهية، والاستغناء بها عن البحث والاستنباط.
ثالثًا: ضعف الثقة بالنفس، والتهيب من الاجتهاد، فقد اتهم الفقهاء نفوسهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
بالضعف والعجز والتقصير، وظنوا أنهم غير قادرين على تلقى الأحكام من منابعها الأصلية، وأن الخير لهم، واللائق بهم التقيُّد بمذهب معروف، والدوران في فلكه، والتفقه بأصوله، وعدم الخروج عليه.
وفي هذا الدور سد باب الاجتهاد، لأنه لما كثرت ادعاءات الاجتهاد ممن ليسوا أهله، وخشى الفقهاء من عبث هؤلاء الأدعياء وإفسادهم دين الناس بالفتاوى الباطلة التي لا تقوم على علم أو فقه، أفتوا بسد باب الاجتهاد ودفعًا لهذا الفساد، وحفظًا لدين الناس.
والحق أن الاجتهاد باق في حكم الشريعة، ولا يزول، إلا أن الاجتهاد لا بد له من توافر شروطه، فمن تتوافر فيه هذه الشروط فله أن يجتهد، ومن لم يحط بها فحرام عليه الإفتاء في شرع اللَّه بغير علم.
ومع ذلك فقد قام الفقهاء في هذا العصر بأعمال نافعة منها:
1 - تعليل الأحكام المنقولة عن أئمتهم، فليست كل الأحكام المنقولة عن الأئمة نُقِلَ تعليلها معها.
2 - استخلاص قواعد الاستنباط من فروع المذهب للتعرف على طرق الاجتهاد التي سلكها إمام المذهب.
3 - الترجيح يين الأقوال المنقولة عن الإمام، فقد يكون الناقل لقوله ناقلًا قولًا رجع عنه، ولم يعلم برجوعه، وقد يكون بين القولين المختلفين فرق دقيق هو سبب اختلاف القولين، وقد يكون مأخذ أحد القولين قياسًا والآخر استحسانًا، فقام الفقهاء بترجيح
هذه الأقوال في ضوء ما عرفوه من أصول المذهب وقواعده.
4 - تنظيم فقه المذهب، وذلك بتنظيم أحكامه، وإيضاح مجملها، وتقييد
مطلقها، وشرح بعضها، والتعليق عليها، ودعمها بالأدلة، وذكر المسائل الخلافية مع المذاهب الأخرى، وتحرير أوجه الخلاف، وذكر الأدلة لدعم قول المذهب، وبيان رجحانه.
ولا شك أن هذه الأعمال خدمة كبيرة للفقه، وتوسيعًا له، وتوضيحًا لمبهمه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
الدور الرابع - العصر الحديث
وفي هذا الدور الذي يبدأ من سقوط بغداد في القرن السابع الهجري، ويمتد إلى وقتنا الحاضر، لم ينهض الفقه من كبوته ولم يغير الفقهاء نهجهم، فالتقليد قد شاع حتى صار أمرًا مألوفًا، إلا أنه قد وجد أفراد هنا وهناك لم يرضوا بالتقليد، ونادوا بالاجتهاد المطلق، وتَلَمُّس الأحكام من الكتاب والسنة، دون تقيد بمذهب معين، إلا أن هؤلاء كانوا قلة، ولم يسلم بعضهم من النقد والإنكار من جمهور الفقهاء المقلدين.
واتجه فقهاء هذا الدور إلى التأليف، وكان الغالب عليه الاختصار حتى وصل إلى درجة الإخلال بالمعنى، وخفاء المقصود، وصارت العبارات ملغزة في هذه المختصرات، والتي سميت بالمتون احتاجت إلى شروح توضح معانيها، وتزيل الغموض عن عبارتها.
ثم ظهرت بجانب الشروح: الحواشي، وهي تعليقات، وملاحظات على الشروح.
إلا أن التأليف لم يقتصر على ما ذكرنا، فقد وجدت كتب الفتاوى وهي أجوبة لما كان الناس يسأل عنه الفقهاء في مسائل الحياة العملية، ثم تجمع هذه الأجوبة من قبل أصحابها، أو من قبل آخرين، وتنظم وترتب حسب أبواب الفقه.
كما أن هذه الفتاوى غالبًا ما يذكر معها أدلتها من نصوص المذهب الذي يتبعه الفقيه المفتي، أو تذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وغيرهما دودن تقيد بأدلة المذهمب الواحد.
* * *
التقنين في هذا الدور:
ظل الفقه مقنن طيلة العصور وحتى أواخر القرن الماضي، فكان الحكام، والقضاة يرجعون إلى كتب الفقه المختلفة لمعرفة الأحكام الفقهية الواجب تطيقها على ما يعرض عليهم من منازعات.
وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري تنبهت الدولة العثمانية، ورأت الحاجة
ماسة إلى تقنين أحكام المعاملات، فائفت لجنة من كبار الفقهاء برئاسة وزير العدل لتخير أحكام المعاملات من الفقه الحنفي، وبدأت هذه اللجنة عملها في سنة (1232 هـ - 1869 م) .
وانتهت منه في سنة (1239 هـ - 1876م) .
وقد تخيرت الراجح من آراء المذهب الحنفي، كما أخذت بعض الأقوال المرجوحة في المذهب لموافقتها للعصر، ولسهولتها وتيسرها على الناس.
ثم وُضعت تلك اللجنة الأحكام التي اختارها على شكل مواد بلغت (1851)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
مادة، ثم صدر أمر الدولة بالعمل بها في (26 شعبان سنة 1239 هـ) ، وسُمِّيَت بمجلة الأحكام العدلية، وصارت هي القانون المدني للدولة العثمانية، وطبقت في العراق،
وظلت هي المطبقة فيه إلى شرع القانون المدني العراقي
رقم 40 لسنة 1951م، وبعد هذا التقنين المهم صدرت عدة تقنينات في مصر، والعراق، وتونس ومراكش، والأردن، وسوريا وغيرها.
وهذه التقنيات المختلفة لم تتقيد بمذهب معين، وإنما أخذت أحكامها من مختلف المذاهب الإسلامية عدا مجلة الأحكام العدلية إذ تقيدت بالفقه الحنفي.
وهذا الاتجاه حسن بشرط أن لا يأخذ بقول شاذ لا دليل عليه.
ومع هذا الاتجاه العام في موضع التقنيات فقد جاءت في بعضها أحكام لم ترد في أي مذهب من المذاهب الإسلامية من ذلك منع تعدد الزوجات، كما جاء في القانون التونسي، ومسائل الميراث التي وردت في القانون العراقي قبل تعديله الأخير، ومسائل أخرى مبثوثة هنا وهناك في ثنايا هذه القوانين المختلفة ليس هنا محل ذكرها وبيان ما فيها
من مصادمة لنصوص الشريعة أو لما هو مستقر في الفقه الإسلامي بجملته.
* * *
النهضة الفقهية الحديثة
وفي الوقت الحاضر، تباشير نهضة فقهية من مظاهرها: هذا الاهتمام الملحوظ بالفقه الإسلامي في أوساط التعليم الجامعي، ودراسة الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، وإظهار مزاياه وخصائصه وكثرة التأليف في مباحثه وظهور المبرزين فيه الجامعين بين الثقافة القانونية الشرعية.
ونحن نأمل أن - يزداد هذا الاهتمام بالشريعة الإسلامية وفقهها حتى تعود إلى مكانتها الأولى، وتسترد سيادتها القانونية وتمد هي والفقهُ الإسلامي الدولةَ بالتشريعات اللازمة في جميع شئونها كما كان الأمر في السابق.
والله تعالى ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)