وفي الاصطلاح الشرعيْ يراد بالسُّنَّة، ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير قرآن من قول، أو فعل، أو تقرير.
والسُّنَّة النبوية هي التطيق المعصوم لكلمة اللَّه المطلقة عن الزمان والمكان.
* * *
أنواع الأحكام التي جاءت بها السُّنَّة:
الأحكام التي جاءت بها السُّنَّة النبوية أنواع:
النوع الأول: أحكام موافقة لأحكام القرآن ومؤكدة لها، مثل حديث:
" لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه "، فإنه موافق لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ … ) .
النوع الثاني: أحكام مبينة، ومُفَصِّلَة لمجمَل القرآن، ومن ذلك: السُّنَّة التي بينت مقادير الزكاة، ومقدار المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق، وغير ذلك.
النوع الثالث: أحكام مقيِّدة لمطلَق القرآن، أو مخضصة لعامه، فمن الأحكام ما يرد في القرآن مطلقًا، فتقيده السُّنَّة، أو يأتي عامًّا فتخصصه السُّنَّة.
فمن الأول: قطع يد السارق جاءت مطلَقة، فقيدتها السُّنَّة بالرسغ، أي: تقطع اليد من الرسغ.
ومن الثاني: ما وَرَدَ عامًّا - مثل تحريم الميتة، قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ … ) .
ولكن استثنى منها ميتة البحر بقوله صلى الله عليه وسلم عن البحر:
" هو الطهور ماؤه الحل ميتته "،
أي: أن السُّنَّة خصصت الميتة بغير ميتة البحر.
النوع الرابع: أحكام جديدة لم يذكرها القرآن؛ لأن السّنَّة مستقلة بتشريع
الأحكام، وأنها كالقرآن في ذلك، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه "
أي: أوتيت القرآن، وأوتيت مثله - أي السنة - في وجوب اتباع
أحكامها، رمن هذا النوع: تحريم الحمر الأهلية، وتحريم أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، وكالحكم بشاهد ويمين، ووجوب الدية على العاقل، وميراث الجدة، ونحو ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
المصدر الثالث من مصادر الشريعة الإسلاميهَ: الإجماع
والإجماع في اللغة: العزم على الشيء والتصميم عليه.
وفي اصطلاح الأصوليين: هو اتفاق أمة النبي صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على أمر من الأمور الشرعية.
وهذا الاتفاق - يزيل الاحتمال الذي قد يكون في الدلالة.
والإجماع لا بد أن يستند إلى دليل؛ لأن القول في الأمور الشرعية من غير دليل خطأ، والأمة الإسلامية لا تجتمع على خطأ كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومُستَنَد الإجماع قد يكون نصَّا من الكتاب والسُّنَّة، كما قد يكون قياسًا، أو
عرفًا، أو غير ذلك من أنواع الاجتهاد.
فالإجماع على تحريم التزويج ببنات الأولاد مهما نزلت درجتهن، مستند إلى نص الكتاب (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ … ) .
وإجماع الصحابة على أن ميراث الجدة السدس، مستنده سنة الآحاد.
والإجماع على تحريم شحم الخنزير، مستنده القياس على تحريم لحمه، وإجماع
الصحابة على قتال مانعي الزكاة كان بطريق الاجتهاد.
والإجماع نوعان: صريح، وسكوتي.
فالصريح: هو أن يتفق جميع المجتهدين على حكم المسألة بصورة صحيحة كأن
يبدي كل مجتهد رأيه، وتكون الآراء متفقة على حكم المسألة.
والسكوتي: هو أن يبدي بعض المجتهدين رأيه في مسألة، ويعلم به الباقون
فيسكتون، ولا يصدر عنهم صراحة اعتراف، ولا إنكار.
* * *
أهمية الإجماع في الوقت الحاضر:
الإجماع مصدر فقهي مشهود له بالصحة والاعتبار، فيمكن الاستفادة منه في معرفة الأحكام الشرعية للوقائع الجديدة في وقتنا الحاضر.
ونعتقد أن هذه الاستفادة لا يمكن أن تتم إلا عن طريق إيجاد مجمع فقهي، يضم جميع المجتهدين من جميع الأقطار الأسلامية، ويكون لهذا المجمع مكان معين، ويهيأ له جميع ما يلزم لعمله، وتُعرض عليه المسائل والوقائع الجديدة لدراستها، وإيجاد الأحكام لها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
ثم تنشر هذه الأحكام في نشرات دورية، أو كتب خاصة لإطلاع الناس عليها، وإبداء أولى العلم آراءهم فيها، فإذا ما اتفقت الآراء على هذه الأحكام، كانت من الأحكام المجمع عليها، وكان هذا الإجماع قرييا من الإجماع المنصوص عليه عند الفقهاء ولزم اتباعه والعمل بموجبه.
* * *
المصدر الرابع من مصادر الشريعة الإسلامية: القياس
والقياس في اللغة: التقدير والمساواة.
وفي اصطلاح الأصوليين: هو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبِت.
* * *
الأدلة المختلف فيها:
ثم هناك أدلة مختلف فيها، أوصلها بعضهم إلى نيف رأربعين دليلًا.
ومصادر الشرع هذه هي التي يستعين بها المجتهد، ويبذل الوسع والجهد لتحصيل الأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، ويكون بذلك علم الفقه.
فالفكر الأصولي لعلماء أصول الفقه الإسلامي، انطلق لغرض معين، حاول أن يضع علامات الطريق للوصول إليه، ذلك أن المجتهِد - وهو من يستنبط الأحكام الفَرعِيَّة من أدلتها التفصيلية - يحتاج إلى تحديد مَصْدَر أحكامه، ثم بيان كيفية التعامل معها، ثم بيان شروط الباحث، وهي الأمور التي ضمنها علماء الأصول في تعريف أصول الفقه،
بل كانت سببًا في إطلاق لفظ (أصول) بالجمع عليها، ولم تطلق كلمة " أصل الفقه " على ذلك العلم.
فمدرسة الرازي الأصولية تعرف ذلك العلم بأنه:
" معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد "،
أي: المجتهد.
* * *
نظريات أصول الفقه:
وثارت أسئلة متتالية في ذهن المجتهد، مثلت الإجابة عنها مواضيع ذلك العلم، ونحن نعرض هنا لتلك الإجابات مرتبة ترتيبًا منطقيِّا موافقًا للحاجة، والباعث على إثارة هذه الأسئلة في ذهن الأصولي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
ونرى أن الإجابة عليها تمثل ما يمكن أن نطلق عليه (نظريات أصول الفقه) التي عددنا منها الآن سبع نظريات كلية، يمكن أن يعمل فيها النظر لزيادتها، أو ضم بعضها إلى بعض.
إلا أن معالجة مسائل الأصول من خلال هذه النظريات تمكِّن من فهم أعمق لتلك المسائل، وتظهر مبنى الخلاف وسببه، وتساعد في اختيار وترجيح رأي على رأي آخر، كما أنها تُبينِّ فائدة إثارة مسائل لا يمكن معرفة فائدتها من دون الدخول إليها من خلال هذه النظريات.
وكذلك تبين فائدة بعض الأدلة التي ثار حولها جدل قديم مثل دليل الإجماع:
* * *
النطرية الأولى: نظرية الحجية:
ما الحجة التي نأخذ منها الأحكام؟
هذا السؤال الأول كانت الإجابة عليه هي: أننا
نأخذ الأحكام من القرآن باعتباره النص الموحى به، المعصوم من التحريف، المنقول إلينا بالتواتر، وباعتباره كلمة اللَّه الذي نؤمن بأنه الخالق، وأننا ملتزمون في هذه الحياة الدنيا بما أمر ونهي (افعل أو لا تفعل) ، وأن هذه الأحكام مقياس المؤاخذة في يوم آخر،
يرجع فيه البشر إلى خالقهم للحساب (العقاب والثواب) .
ومن هنا يتضح لنا استمداد أصول الفقه من علم الكلام، فإذا كان القرآن هو المصدر والأساس للتشريع تأتي السُّنَّة مبينة، ومتمِّمة للقرآن، حيث ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلِّغ عن ربه، وأن الأمر متوجِّه لطاعة ذلك الرسول، واعتبار عصمة بيانه عن الخطأ.
* * *
النظرية الثانية: نظرية الإثبات:
فإذا ثبت هذا في القرآن، وفي السُّنَّة، تأتي نظرية الإثبات، وهي مكونة من رؤية كاملة إلى قضية نَقْل النص شفاهةً عبر الناقلين، وما استلزم هذا من إيجاد علوم خادمة من: الجرح والتعديل، ومن علم مصطلح الحديث، وعلوم القراءات لنقل وضبط النص الشرعي.
وبهذه العلوم تم التثبت من النقل فبعد مرحلة بيان الحجية تأتي مرحلة إثبات ما قد تبين أنه حجة.
وقد يظهر في هذا البيان دور ولكن ينفك الدور لانفكاك جهة الإثبات، فالحجية للقرآن والسُّنَّة جاءت في أغلبها وأساسها من أدلة عقلية، ثم ثبوت القرآن والسُنَّة حصل من واقع للنقل مضبوط بأدلة نقلية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
النظرية الثالثة: نظرية الفَهْم:
يجيء بعد ذلك دور النظرية الثالثة، وهي نظرية الفهم، وكيف نفهم القرآن
(الحجة / الثابت لدينا) فنحن أمام نص اعتبرناه حجة، ثم أثبتناه بطريق يطمئن إليها العلماء طبقا لمنهج علمي مستوفٍ لشروطه.
ولقد وضع الأصوليون لذلك أدوات تحليل، وفهم للنص مستمدين هذا من مجموع اللغة، وقواعدها، ومفرداتها، وخصائصها من ناحية.
وكذلك من مجموع الأحكام الفقهية المنقولة، والشائعة من ناحية أخرى.
والحاصل: أن هذه المرحلة في بناء أصول الفقه مرحلة مهمة للغاية، وتمثل لبنة من لبنات الأصول بغض النظر عن اختلاف المجتهدين، والمدارس الفقهية في بناء تلك الأدوات.
* * *
النظرية الرابعة: القطعية والظنية:
وإذ قد تم تحديد المَصْدر، وحجته، وإثباته، وفهمه، واجهت الفقهاء مشكلة القطعية والظنية، حيث إن الاكتفاء بهذه الأدوات يجعل مساحة القطعي أقل مما ينبغي، مما أوجد مشكلة حقيقية، استوجبت القول بالإجماع كدليل يوسِّع من مساحة القطعي، ويخرج ظني الدلالة من ظنيته إلى إطار القطع.
فالأدوات اللغوية وحدها لا تكفي لتفسير قوله تعالى ( … إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ) .
حيث الفاء للتعقيب بما يمكن أن يفيد أن الوضوء
بعد الصلاة.
أي: إذا ادعى مُدَّعٍ هذا، لم يكن لدينا بمحض الأدوات اللغوية ما يمكن إيقافه، ومن هنا كان لا بد من الاعتماد على الإجماع الذي يخرج المسألة من دور الظنية إلى القطعية، بحيث لا يمكن في ظل هذا النسق المتضمِّن للإجماع أن يقال: إن الوضوء بعد الصلاة.
وفهم قضية الإجماع في هذا الإطار يُحَرِّر كثيرًا من الخلاف حول المسألة، ويجعل كلام المؤيدين ذا معنى واضح، وفائدة مَرجوة.
ونظرية القطعية والظنية هذه سيكون لها أكبر الأثر في قضايا الخلاف الفقهي،
ومسألة الاجتهاد والإفتاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
نظرية الإلحاق:
وإذا تم تحديد الحجية وإثباتها وفهمها في إطار القطعية والظنية، فإن النصوص المحددة بلفظها عند إيقاعها على الواقع النسبي المتغير لا تشتمل على كل الحوادث، ومن هنا جاءت نظرية الإلحاق التي أخذت في مضمونها أشكالًا متعددة، كالقياس وكإجراء الكلي على جزئياته، أو تطيق المبدأ العام على أفراده، فالكل - حتى الظاهرية - قائلون
بما يمكن أن نسميه الإلحاق، وإن أنكروا هيئة مخصوصة منه، وهو القياس.
* * *
نظرية الاستدلال:
بعد نظرية الإلحاق تأتي نظرية الاستدلال، والتي رأى الأصولي فيها مجموعة من المحددات: كالعرف، والعادة، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، ونحوها تؤثر بمعنى، أو بآخر في الوصول إلى الحكم الشرعي، مما ادعى معه بعضهم أنها أدلة، وأنكرها آخرون، فسميت الأدلة المختلف فيها.
* * *
نظرية الإفتاء:
ثم تأتي نظرية الإفتاء التي تشتمل على ذكر المقاصد الشرعية، والتعارض، والترجيح مع شروط الاجتهاد والإفتاء، بحيث يقوم من توافرت فيه شروط الباحث بإصدار الحكم، ثم عرضه على سقف المقاصد الشرعية بحيث لا يتعداها، ومراجعة حكمه إن
تعداها حتى يتسق معها بحيث لا تكر الأحكام على المقاصد بالبطلان لما فيه من عكس المطلوب.
إن هذه النظريات السبع والدخول إلى علم الأصول من خلالها تبرر كثيرًا من المسائل التي يظن طالب ذلك العلم عدم جدواها ببادئ النظر، كما أنها تبني إطارًا معرفيًا مناسبًا للتحليل والدرس، وهي أيضا تكون المعيار الأمثل لتبني الآراء الأصولية، أو تعديلها، وكذلك تمكن من تشغيل وتفعيل ذلك العلم.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
الفصل الثامن
مقاصد الشريعة الإسلامية
تمهيد:
الدِّين: قال الإمام الرازي: " أصل الدين، في اللغة: الجزاء، ثم الطاعة تسمى دينا؛ لأنها سبب الجزاء ".
وأما الإسلام: ففي معناه في أصل اللغة ثلاثة أوجه:
الأول: أنه عبارة عن الدخول في الإسلام، أي: في الانقياد والمتابعة، قال تعالى:
(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) .
الثاني: من أسلم أي دخل في السلْم كقولهم: (أسني، وأقحط) ، وأصل السلْم: السلامة.
والثالث: قال ابن الأنباري: " المسلم معناه: المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان أي خلص له ".
فالإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى.
هذا ما يتعلق بتفسير لفظ الإسلام في أصل اللغة.
أما في عرف الشرع: فالإسلام هو الإيمان، والدليل عليه وجهان:
الأول: قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) ، يقتضي أن
يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام، فلو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان دينا مقبولًا عند الله، ولا شك في أنه باطل.
الثاني: قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) .
فلو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان دينا مقبولا عند اللَّه تعالى..
ا. هـ ما أردته.
وقال الإمام القرطبي في تفسيره: " قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) الدين في هذه الآية: الطاعة، والملة والإسلام، بمعنى: الإيمان والطاعات،
قاله أبو العالية، وعليه جمهور المتكلمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
والأصل في مُسَمَّى الإيمان والإسلام: التغاير، لحديث جبريل.
وقد يكون بمعنى المرُادَفَة، فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر كما في حديث وفد عبد القيس، وأنه أمرهم بالإيمان وحده، وقال:
" هل تدرون ما الإيمان " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم … " الحديث.
ويكون أيضًا بمعنى التداخل، وهو أن يطلق أحدهما، ويراد به مسماه في الأصل، ومسمى الآخر، كما في هذه الآية، إذ قد دخل فيها التصديق والأعمال.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:
" الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان "
أخرجه ابن ماجه.
والحقيقة هو الأول وضعًا وشرعًا، وما عداه من باب التوسع.
واللَّه أعلم.
ا. هـ ما أردته.
* * *
مدخل حول ترتيبات الكليات الخمس
إننا في تعاملنا مع التراث لا ينبغي أن نقف عند مسائل السلف، بل لا بد علينا أن نأخذ بمناهجهم فمسائل السلف مرتبطة بأزمانهم، ومشكلات الواقع الذي عاشوه، في حين أن مناهجهم اهتمت بكيفية تطيق الوحي الإلهي على الوجود، وبمعنى آخر اهتمت بتطيق المطلَق على النسبي.
فإذا ما أردنا أن نلتزم بمناهجهم وأن نهتم بتشغيلها في واقع حياتنا المعاصرة فلا بد علينا أن نتفهمها، وأن لا نقف بها عند المسائل التي عاشوها، وعالجوها.
ومثال ذلك: يتضح من ترتيب الكليات الخمس عند السلف، حيث رتبوها بطريقة تناسب عصرهم، واستوعبت جميع المسائل القائمة، بل والمحتملة في وقتهم.
إلا أنه في العصر الحاضر، ومع سرعة تطور أنماط الحياة، والانطلاقة الهائلة في ثورة المعلومات، والتقدم التقني - أصبح من الضروري، إعادة ترتيبها حتى تعمل بطريقة أكثر فاعلية مع مقتضيات ومتطلبات هذا العصر.
وبذلك فنحن لم نخالف مناهج السلف في ترتيبها، بل رتبناها بدرجة تسمح
بتشغيلها أكثر مع معطيات الحضارة الإنسانية المتشابكة منذ بداية هذا القرن إلى الآن.
والترتيب الذي نراه متوافقا، وهذا الاحتياج كالآتي: حفظ النفس، ثم العقل، ثم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
الدين، ثم النسل، ثم المال.
على حين أن القدامى قد رتبوها ترتيبًا مخالفًا لذلك باعتبار أن مرادنا بالدين هنا:
الشعائر التي تحتاج إلى النية، أو العبادة المحضة، أو محض التعبد، ولو كان في
المعاملات، أو هو إدراك.
وليس مقصودنا بالدين هنا: الإسلام، بل الإسلام في ذلك الاصطلاح أعم من الدين بهذا المفهوم، وبالتالي فهو يشمل هذه المقاصد الخمس، وحينئذ تحل مشكلات كثيرة.
فالإسلام عبارة عن: خطاب اللَّه سبحانه وتعالى للبشر، وخطاب اللَّه للبشر - كما عُرِّف -: " وضع إلهي مَسُوق لذوي العقول السليمة إلى ما فيه منفعة دينهم ودنياهم ".
وهذا الترتيب وإن كان جديدًا إلا أنه لا يخرج عن كلام السابقين، ولا يعارضهم.
وبالتالي فهو لا يخرج أيضًا عن الدليل الشرعي حتى يكون بدعة مثلًا، وإنما هو مدخل من المداخل التي يستقيم معها حال الأمة في العصر الراهن.
وهذا المدخل مؤداه أن الإسلام، وهو خطاب اللَّه سبحانه وتعالى للبشر، أمر
بأوامر، ونهى عن نواهٍ، هذه الأوامر والنواهي مقصدها هو: أن يحافظوا على أنفسهم، وعلى عقولهم في تلك النفوس، وأن يحافظوا كذلك على صلتهم بربهم، تحقيقًا للمقصد الأول من وجود البشرية متمثلة في النفس والعقل وهو: (العبادة) .
ثم أمرهم بعد ذلك أن يحافظوا على نسلهم، وحقوقهم، وعمارة الأرض، وهو الذي يحقق العمارة والعبادة، والعمارة من خلال تلك العبادة هي التي تقوم بها الدنيا، وهي أيضا تقوم بها الآخرة.
* * *
منطقية الترتيب:
ترتيب الكليات الخمس على نحو ما قررناه: " النفس، العقل، الدين، النسل، المال " هو ترتيب منطقي، وله اعتبار، حيث إنه يجب المحافظة أولًا على النفس التي تقوم بها الأفعال، ثم على العقل الذي به التكليف، ثم نحافظ على الدين الذي به العبادة، وقوام العالم.
ثم نحافظ بعد ذلك على ما يترتب على حفظ الذات، والعقل، والدين، وهو:
المحافظة على النسل النابخ من الإنسان، وما يتعلق، أو ما يندرج تحت هذا العنوان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
الكلي، من المحافظة على العِزض، وحقوق الإنسان وكرامته.
ثم بعد ذلك نحافظ على قضية المِلْك، وهى التي بها عمارة الدنيا عند تداولها،
ذلك المال الذي إذا ما تُدُووِل، فإنه يمثل عصبًا من أساسيات الحياة.
* * *
نماذج لثمرة هذا الترتيب:
من خلال هذا المدخل، وبتصور العلاقة القائمة بين الإسلام والمقاصد الخمسة، والتي منها الدين، ينبني عندنا أمور
1 - علاقتنا مع الآخرين في الداخل والخارج، وأنها مبنية في الداخل على الرعاية، وفي الخارج على الدعوة، وبذلك يكون خطابنا للعالمين معقولًا؛ إذ في علاقتنا مع الآخرين نبين لهم أن الإسلام هذا أوسع من أن يكون دينًا، إذ هو خطاب اللَّه للبشر،
وخطاب الله للبشر يشتمل على ما يمكن للإنسان أن يقيم به حضارة، وعلى ما يمكن أن يعمر به الأرض، وكذلك على ما يمكن أن يعْبد به اللَّهَ سبحانه وتعالى، ويُطيع أوامره تفصيلَا، لا إجمالًا، وعلى ذلك فلا بد لمن في الداخل أن يندرجوا تحت ذلك الإسلام وحضارته، حتى وإن لم يندرجوا تحت ديننا.
ومن هنا يتبين لنا أن هذا الإسلام يشتمل على:
1 - دين يختص به من أسلم، وآمن بالله ورسوله.
2 - ودولة تحافظ على الناس، وتحافظ لهم أيضا على المقاصد الخمسة، التي منها الدين الذي أباح اللَّه سبحانه وتعالى قبول التعدُّد فيه داخل هذا النطاق، أو تحت هذه المظلة، فأباح لأهل الكتاب أن يمكثوا بيننا، وأن يصبحوا مواطنين لنا، وأن نأكل، ونشرب، ونتزوج منهم، وإن كان ديننا يمنعنا أن يتزوج رجالهم من نسائنا، وإن كان أيضا يمنعنا من بعض طعامهم، إلا أنه على مستوى الإسلام هم يعيشون بيننا،
ولغتنا واحدة، وحضارتنا واحدة، وآمالنا وآلامنا واحدة.. إلخ هـ
ذا من ناحية الآخر الذي بالداخل.
أما الآخر الذي في الخارج: فالعلاقة ييننا وبينهم مبنية أصلًا على الدعوة، وليس بيننا وبينهم علاقة سِلْم، ولا علاقة حرب، وإنما يأتي السلم والحرب عَرَضا لقضية الدعوة،
فإذا مُنْعِنَا أو تُجُبر علينا فتكون الحرب، و " آخر العلاج الكي "، وإذا لم يكن كذلك
(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا … ) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا … ) .
إلى غير ذلك من النصوص التي تدعو إلى السلام، وإلى السلم.
وهي لا تعارض قوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) ؛ لأن هذا عَرَض وذاك عَرَض لقضية الدعوة، وإنما الأصل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .
وكذلك: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) .
ولا يعترض علينا في هذا المقام بالقول بأن آية السيف قد نسخت غيرها من الآيات التي تدعو إلى السلام.
أضف إلى ذلك الغموض الشديد الذي يكتنف أصل القول بالنسخ.
من هنا ومع كوننا الآن في باب التأصيل والتنطر، فلا نستطيع الأخذ بالاحتمالات، والقرآن في أساسياته وكذا السنة المشرفة لا ينفيان هذا التصور الذي ذهبنا إليه.
ومن فروع هذه المسألة: تفضيل ابن تيمية للكافر العادل في حكمه على المسلم الجائر في حكمه في جانب عمارة الدنيا، إذ العدل أساس الملك.
فابن تيمية يرجح هذا حيث وافق الكافرُ العادلُ - هنا - حضارةَ الإسلام، وإن خالف دين الإسلام، حيث إن منشأ هذه الحضارة هو: العدل، الذي به قوام النفس، والعقل، والنسل، والمال، ذلك الأمر الذي تقوم به الدنيا في حين أن الجور يُذهبها.
فالمسلم وإن كان متعلقًا بدين، إلا أنه - وفي حالة جوره - يُذهب القيمةَ التي تنبني على المقاصد الأخرى التي بها العبادة والعمارة، وهذا لا يحقق النتيجة في الواقع المعاش.
وعلى هذا يتنزل كلام ابن تيمية، أضف إلى ذلك أن كلامه يمكن أن يتخرج على أنه من قبيل تقديم المصلحة العامة على الخاصة، وهو ما يؤكد ويؤيد ما قررناه في ترتيب الكليات.
ويؤيد هذا ما قاله الإمام الشعراني، من أن المسلم إذا دخل أرض كفر فعليه أن يلتزم بقوانينهم التي لا تخالف الشريعة؛ لأن اللَّه قد ألهمهم بها لعمارة الدنيا، فهي إذن لا تتعارض مع ما شرعه اللَّه، وما يريده المسلم ويراه، وطالما أنها من إلهام اللَّه لهم،
فلا بد أن تكون مندرجة تحت الإسلام بالمعنى العام الذي هو أوسع من مفهوم الدين بالمعنى الذي اخترناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
الإسلام دين وحضارة
الإسلام دين عالمي ينظم البشر جميعًا، ولا يمكن أن يحصر في قوم بعينهم، وهذه العالمية التي تستوعب كل الطوائف بما لا يتعارض مع الدين، جعلت علاقة الإسلام بالبشر جميعًا على مستويين:
الأول: أن يؤمنوا به ويدخلوا فيه.
وبالتالي يدخلون تحت مظلة المقاصد الخمسة كلها.
الثاني: أن يحترموه، ويتركوه يسعى للوصول بين الناس، فيكفوا أيديهم عن
المسلمين، ويندرجوا تحت حضارته المتمثلة في نظام الحياة المتحقق بمقاصده دون الدين.
ومن هنا يلقي الإسلام بحضارته في الأرض من خلال شقيه (الوحي والوجود) ، الأمر الذي تنتفي معه أية تبعية للغير، فضلًا عن تحطيم كل دعاويهم التي يروجونها في العالم عامة، وبين الأمة الإسلامية خاصة، فلا نرتمي في أحضان الغير بدون أساس فنفقد هويتنا، وحضارتنا، وكل مقوماتنا.
أضف إلى ذلك: أن هذه الكليات الخمس - كما وضعوها - قد أقرت في جميع الأديان، بمعنى أنها مُقَرَّة في أصل الخلقة ابتداء من آدم صلى الله عليه وسلم، وخطاب اللَّه تعالى له، وانتهاء بمحمد صلى الله عليه وسلم، وخطاب اللَّه تعالى له، وفي هذه المسيرة خاطب اللَّه البشرية بأن
يحفظوا هذه المناحي الخمسة.
ونحن نتفق - كمسلمين لنا شرعة خاصة في جانب الدين - مع باقي الأمم في
أربعة من هذه المقاصد، ونختلف معهم في قضية الدين، مع أننا نقرهم كذلك على حفظ أصله، وهو أن يكون للإنسان دين يؤمن من خلاله بأن هناك منهجا يوصل إلى رضا الله عز وجل.
ويتفرع على هذه المسألة، ويتضح لنا: أن الإسلام دين ودولة، دين بالمعنى الأخص الذي بيَنَّاه فيما سبق، ودولة تحافظ على المقاصد الأربعة الباقية.
مع ملاحظة أن الدين وإن تأخر في هذا الترتيب؛ لأنه لا يقوم إلا بقيام النفس
والعقل، إلا أن أحكامه تضرب بظلالها وأطنابها على المقاصد كلها، بما يجعلها لا تقوم إلا به؛ إذ أن الوحي هو الحاكم المنظم للوجود، مما يؤكد أن المندرج تحتها متحقق بالإسلام حضارة ودولة، ومن هنا ينصاع لأحكامه وإن لم يدينوا بديانته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
بعض الاعتراضات الواردة على هذا الترتيب والرد عليها:
1 - يدعي بعضهم الإجماع على ترتيب الإمام الغزالي: " الدين ثم النفس ثم العقل فالنسل فالمال "، ويرى أن استقراء موارد الشرع يدل على ذلك.
والرد على ذلك: بأن هذا الإجماع لم يحكه أحد من العلماء السابقين المعتبرين، بل هو من إطلاقات بعض المحدثين، فهو ادعاء يعوزه الدليل، أو النقل الصحيح فضلا عن أننا لم نخالف الغزالي في ترتيبه، إذ إنه قَصَدَ بالدين الإسلامَ، ونحن لم نقصد ذلك،
بل أوردناه بمعناه الأخص كما أسلفنا.
وإن كنا نرى أن هذه المقاصد الخمسة تمثل دائرة واحدة، فنحن وإن رَتَّئضا حسا إلا أنها كالخيمة ذات العمود والأوتاد الأربعة، والخيمة هي الإسلام، والعمود هو الدين، والأوتاد الأربعة هي سائر المقاصد.
على أن الترتيب المنطقي، وإعمال الآيات كلها في محلها دون بعضها البعض يؤيد ما ذهبنا إليه من الترتيب، وهذا ما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى في مرحلة تأصيل هذا المدخل.
كما أن ترتيب المقاصد ورد بصورة مختلفة على غير ترتيب الغزالي، فمثلًا عند الزركشي: " النفس، ثم المال، ثم النسل، ثم الدين، ثم العقل ".
2 - يرى بعضهم أن قضية الجهاد تُبَينِّ لنا أن الدين مُقَدَّم على النفس، إذ قد أودى بها في سبيله، مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) .
وللرد عليه نقول: أنا - كمسلم - لم أومر إطلاقًا بالتفريط في النفس من أجل الدين، ولكن أمرت بالمحافظة على النفس بأفعال قد تؤدي بي إلى إهلاكها عَرَضًا لا قصدًا.
ونحن نتكلم في المقاصد، لا في ما يتم من الأمور بالعَرَض.
ففي الجهاد: لم يأمرني ربي بأن أذهب فأقتل نفسي، بل أمرني أن أفعل فعلًا معينًا هذا الفعل أظن فيه السلامة، وإن كان فيه مظنة القتل، ومظنة ذهاب النفس، لكنه ليس قاطعًا في ذهابها، ومن هنا جاءت صيغ الحث على القتال في القرآن، أو المقاتلة.
وفي الجهاد أيضا: محافظة على النفس، والنفس هنا بمعنى (النفس الكلية) ، ولو ذهبت في سبيل ذلك النفس الجزئية.
بمعنى آخر: فإن الجهاد هو من قبيل تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، إذ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
قد يتعرض البعض للقتل، أو القتال من أجل الحفاظ على باقي الأمة من ضياع أنفسها.
ويتضح لنا هذا الترتيب أيضًا من خلال موقف عَمَّار مع المشركين، وِإذْن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنطق بكلمة الكفر حفاظا على النفس (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) .
3 - وقد يعترض بعضهم بأننا في تقديم النفس والعقل على الدين نؤول إلى القول بالتحسين والتقبيح العقليين.
وهذا مردود عليه: بأن مرادنا بالعقل هنا: القدرة على الفهم، تلك القدرة التي بها مناط التكليف.
فالأحكام العلمية والعملية متعلِّقة بهذا المفهوم، وهو القدرة على الفهم.
أما استعمال العقل في إنشاء الأحكام فهذا شيء آخر، ونحن لا نقصده بهذا الاعتبار، بل المقصود هو أن يدرك العقل الأحكام، بمعنى أن العقل الذي له التقبيح والتحسين إنما هو ذلك الذي
ينشئ الأحكام، والذي معنا هو إدراك الأحكام بواسطة العقل.
وقد يعمل العقل في طريق إنشاء الحكم، ولكن دوره هو دور الفهم، ولو كان هذا الفهم مركبًا (كطريق القياس) الذي يكون فيه العقل كاشفًا للحكم، وليس منشئًا له، لأن الذي ينشئ الحكم إنما هو اللَّه تعالى وحده، وهذا الإنشاء يظهر عن طريق كلامه سبحانه
وتعالى في القرآن، وعن طريق كلام نبيه في السنة، وعن طريق إجماع الأمة حول حكم
معين، وكذلك عن طريق إعمال العقل في استنباط حكم معين، وفي كل ذلك فالحكم:
" هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع ".
فقالوا: " خطاب اللَّه تعالى " وحده، ولم يقولوا: "خطاب اللَّه ورسوله والأمة "؟
لأن الرسول والأمة غير منشئين، وإنما خطاب الله تعالى المدلول عليه ب: القرآن، والسنة، والإجماع، وبإعمال العقل (القياس) ،
وبالاستدلال (وهو باقى الأدلة المختلف فيها) ، وكل هذه كواشف عن الحكم، وليست منشئة له.
4 - وقد يعترض بعضهم بأن تقديم النفس على الدين يَكِرُّ على حد الردة
بالبطلان، ويصبح لا معنى له.
فنقول: بأن هذا يتصور لو قصدنا بالدين في هذا الترتيب (الإسلام) ، أما إذا عرفنا أن المقصود بالدين هنا هو المعنى الأخص الذي قلنا -: لإدراكنا أن هذا الترتيب أدق من سابقه في هذا الاسم، فهو يفرق بين عدم الالتزام بأصل الإيمان وما هو معلوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
ضرورة من الدين (وذلك هو الإسلام) ، وبين عدم الالتزام بالشعائر الدينية (وهو مقصودنا من الدين) .
فنراه يعد الأول كفرًا ينهدم معه الإسلام نفسه، وبالتالي المقاصد كلها عقيدة
ونظامًا، بينما يعد الثاني فسقًا لا يهدم المقاصد الأربعة الأخرى المتعلقة بالوجود والحضارة.
بل إننا نرى أن هذا الترتيب يفرق بدقة بين الكفر والنفاق، وعليه فلا يقتل المنافق لظهور إسلامه.
وذلك ما يتفق مع النصوص كلها، ويتواءم مع القاعدة العريضة
" هلا شققت عن قلبه؟! ".
وما نحب أن نضيفه: هو أن هذه الترتيبات والتقسيمات في الواقع هي تقسيمات نظرية لمزيد من التشغيل والتفعيل، وإن كان الواقع مركبا من هذا كله تركيبا يصعب فيه هذا الفصل، إذ لا تنفك ذات الإنسان عن عقله، أو دينه، أو نسله ومشاعره، فهو مركب من كل هذا.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
الفصل التاسع
القواعد والنظريات الفقهية
التقعيد الفقهي:
إن طريقة التقعيد الفقهي التي ظهرت بوضوح في القرن الرابع الهجري لخدمة
الفقه جديرة بالنظر، والتوقف عند آلياتها، وبيان كيفية حدوثها، ومحاولة الاستفادة من هذا كله في دراسة عقلية المجتهد في الفقه الإسلامي من ناحية، وكيفية تشغيل هذه القواعد على هذه المستجدات من ناحية أخرى.
* * *
معنى القاعدة لغة واصطلاحًا:
القاعدة في اللغة: الأساس، وهي تجمع على قواعد، وهي أسس الشيء وأصوله، حسيًّا كان ذلك الشيء كقواعد البيت، أو معنويًّا كقواعد الدين، أي: دعائمه، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم، قال تعالى:
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ،
وقال تعالى: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) .
فالقاعدة في هاتين الآيتين الكريمتين بمعنى الأساس،
وهو: ما يرفع عليه البنيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
أما في الاصطلاح، فقد عرفها التفتازاني بقوله:
" إنها حكم كلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه ".
* * *
القواعد الفقهية - مدخل تاريخي:
1 - من الملاحظ أن عملية السعى نحو الكلي الضابط للجزئيات وردت في السنة المطهرة في مثل أحاديث: " قل هو اللُّه أحد تعدل ثلث القرآن "، أو " يس " تعدل ربع القرآن " على مذهب من فسرها على نحو ذلك.
ثم نرى أمثال ذلك عند عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه في كتابه إلى أبي
موسى الأشعري والذي ورد فيه: " أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، لا يمنعك قضاء قضيته، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم فيما يختلج في صدرك، مما لم يبلغك في
الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق ".
فيما ترى فهذه قطعة من كتاب عمر رضي اللَّه تعالى عنه، وكتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري، أخرجه الدارقطي في السنن.
قال حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد النعماني أخبرنا عبد اللَّه بن عبد الصمد بن خداش أخبرنا عيسى بن يونس أخبرنا عبيد اللَّه بن حميد عن أبي المليح الهذلي قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة … " إلخ.
وأخبرنا محمد بن مخلد أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل حدثني أبي أخبرنا
سفيان بن عيينة أخبرنا إدريس الأودي عن سعيد بن أبي بردة، وأخرج الكتاب فقال: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: " أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة … "إلخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
وأخرجه البيهقي في المعرفة: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن كناسة حدثنا جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر، فذكره.
والبيهقي في السنن الكبرى: حدثنا أبو طاهر الفقيه إملاء وقراءة أنبأنا أبو حامد بن بلال حدثنا يحيى بن الربيع المكي حدثنا سفيان بن إدريس الأودي قال: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتابًا، فقال: هذا كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه فذكر الحديث،
قال فيه: " الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن
والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك … " إلخ.
وقال الخطب البغدادي في الفقيه والمتفقه: أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن زياد القطان حدثنا أبو الحسن على بن عبد الملك ابن أبي الشوارب حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا إدريس أبو عبد اللَّه ابن إدريس: قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة،
فأخرج إليَّ كتبًا، فرأتحا كتابًا منها: " أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة … "إلخ.
وقال ابن حزم في إحكام الأحكام: حدثنا أحمد بن عمر العذري حدثنا أبو ذر
الهروي حدثنا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي السجستاني حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا يوسف بن موسى القطان حدثنا عبيد اللَّه بن موسى حدثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى موسى الأشعري - فذكر الرسالة - وفيها:
" الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم
اعرف الأمثال، والأشكال فقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أشبهها بالحق وأقربها إلى اللَّه "، وذكر باقي الرسالة.
وحدثنا أحمد بن عمر حدثنا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي حدثنا القاضي أحمد ابن محمد الكرجي حدثنا محمد بن عبد اللَّه العلاف حدثنا أحمد بن علي بن محمد الوراق حدثنا عبد اللَّه بن سعد حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
حدثنا سفيان بن إدريس بن يزيد الأودي عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى فذكر الرسالة..
اهـ.
قال ابن حزم: لا يصح؛ لأن السند الأول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان وهو كوفي متروك الحديث، ساقط بلا خلاف، وأما السند الثاني، فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهولون، وهو أيضًا منقطع فبطل القول به جملة. اهـ.
على أنه يمكن القول بأن عبد الملك متوسط، ولم يصفه أحد إلا ابن حزم، وأما أبوه فهو ثقة معروف، ذكره ابن حيان في الثقات.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: قال أبو عبيد: حدثنا كثير بن هشام عن جعفر برقان، وقال أبو نعيم بن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام البصري،
وقال سفيان بن عيينة: حدثنا إدريس أبو عبد اللَّه بن إدريس قال:
أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبو موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إليه كتبًا، فرأيت في كتاب منها وذكر الكتاب … إلخ.
قال أبو عبيد: قلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا.
قال ابن القيم "وهذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة ".
وقال ابن حجر في التلخيص: أخرجه الدارقطي والبيهقي، وساقه ابن حزم من طريقين وأعلهما بالانقطاع، لكن اختلاف الخرج فيهما مما يقوي أصل الرسالة، لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة المكتوبة.
وقال شيخنا الحافظ أبي الفضل عبد اللَّه بن الصديق في تخريج أحاديث اللمع: أخرجه الدارقطني في السن من طريق عبيد اللَّه بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي، وعبيد اللَّه بن أبي حميد ضعيف متروك، لكن ورد من طرق تدل على أن له أصلًا، لا سيما وفي بعض طرقه عند الدارقطني أن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أخرج الكتاب وقال: هذا كتاب عمر، ثم قرئ على سفيان بن عيينة، وقد تلقاه الناس بالقبول، وجعلوه أصلًا في باب القضاء فأغنى ذلك أيما غناء اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
2 - ثم ترى ذلك عن الإمام الشافعي (ت 402 هـ) في حديث " إنما الأعمال بالنيات " حيث يقول: يدخل في هذا الحديث ثلث العلم، ويجعل ثلاثة أحاديث يبني عليها الدين، وهي طريقة تبين آلية التقعيد في ذهن الإمام الشافعىِ.
ثم يأتي البيهقي (ت 458) فيذكر خمسة أحاديث، ثم يأتي النووي (ت 676 هـ)
ويجمع أربعين حديثًا من هذه التي قيل فيها إنها من قواعد الدين، وهكذا.
وأرى أن هذا التوجيه إنما يبين الرغبة في التقعيد المؤيد بالفعل النبوي الشريف، المشتمل على الإرشاد لمثل هذا النوع من التعامل مع العلم والمعلومات.
3 - قال الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية: " اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه، وأسراره، ويتمهر في فهمه، واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة
أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر.
وحكى القاضي أبو سعيد الهروي أن بعض أئمة الحنفية بهراة، بلغه أن الإمام أبا طاهر الدباس إمام الحنفية بما وراء النهر رد على جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة فسافر إليه، وكان أبو طاهر ضريرًا، وكان يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد أن يخرج الناس منه، فالتف الهروي بحصير، وخرج الناس وأغلق أبو طاهر المسجد، وسرد من تلك القواعد سبعًا، فحصلت للهروي سعلة، فأحسَّ به أبو طاهر
فضربه وأخرجه من المسجد، ثم لم يكررها فيه بعد ذلك، فرجع الهروي إلى أصحابه وتلا عليهم تلك السبع.
قال القاضي أبو سعيد: فلما بلغ القاضي حسينًا ذلك رد جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد:
الأولى: اليقين لا يزول بالشك، وأصل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول له: أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ".
الثانية: المشقة تجلب التيسير، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
وقال صلى الله عليه وسلم: " بعثت بالحنيفية السمحة ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)