الثالثة: الضرر يزال، وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا ضرر ولا ضرار ".
الرابعة: العادة محكمة، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن ".
قال بعض المتأخرين: في كون هذه الأربع دعائم الفقه كله نظر، فإن غالبه لا يرجع إليها إلا بواسطة وتكلف.
وضم بعض الففلاء إلى هذه قاعدة خامسة، وهي " الأمور بمقاصدها "، لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات "،
وقال: " بني الإسلام على خمس، والفقه على خمس ".
قال العلائي: وهو حسن جدًّا، فقد قال الشيخ تاج الدين السبكي: التحقيق عندي أنه إن أريد رجوع الفقه إلى خمس بتعسف وتكلف وقول جملي، فالخامسة داخلة في الأولى، بل أرجع الشيخ عز الدين بن عبد السلام الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، بل قد رجع الكل إلى اعتبار المصالح، فإن درء المفاسد من جملتها.
ويقال على هذا: واحدة من هؤلاء الخمس كافية، والأشبه أنها الثالثة، وإن أريد الرجوع بوضوح فإنها تربو على الخمسين، بل على المئتين.. اهـ.
* * *
الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي
القواعد الفقهية تختلف عما يسمى بالضوابط الفقهية، فإن مجال الضابط الفقهي أضيق مما وجدناه بالنسبة للقاعدة الفقهية، إذ أن نطاقه لا يتخطى الموضوع الفقهي الواحد الذي يرجع إليه بعض مسائله، وقد نبه على ذلك بعض الأصوليين، ففي حاشية البناني: والقاعدة لا تختص بباب، بخلاف الضابط ".
وكذلك العلامة ابن نجيم يميل إلى الفرق بين القاعدة والضابط، فيقول في الفن الثاني من الأشباه: " الفرق بين الضابط والقاعدة: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية
من المعلوم أن " الفقه " علم مستقل، و " أصول الفقه " علم مستقل، ولكل منهما قواعده على رغم وجود الارتباط الجذري الوثيق بينهما بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر.
والإمام القرافي يعتبر أول من ميز بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية، فقد جاء في مقدمة الفروق ما يلي: " فإن الشريعة المعظمة المحمدية - زاد اللَّه تعالى منارها شَرَفًا وعلوًا - اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العريية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيع،
ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك.
والقسم الثاني: قواعد فقهية كلية، كثيرة العدد، عطمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر شيء منها في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقى تفصيله لم يتحصل.
ونوه بها في موضع آخر بقوله: " فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدًّا عند أئمة الفتوى والقضاء لا توجد في كتب الفقه أصلًا ".
وإذا أجرينا موازنة عامة بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية تبين لنا عدة أمور قد تعد فوارق رئيسية بين المصطلحين:
1 - إن علم أصول الفقه بالنسبة للفقه ميزان وضابط لاسثنباط الصحيح من غيره، شأنه في ذلك علم النحو لضبط النطق والكتابة، وقواعد هذا الفن هي وسط بين الأدلة والأحكام، فهي التي يستنبط بها الحكم من الدليل التفصيلي، وموضوعها دائمًا الدليل
والحكم، كقولك: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والواجب الخُيَّر يُخرج المكلف عن العهدة فيه بفعل واحد مما خُيِّر فيه.
أما القاعدة الفقهية فهي قضية كلية، أو أكثرية، جزئياتها بعض مسائل الفقه، وموضوعها دائمًا هو فعل المكلف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
2 - القواعد الأصولية قواعد كلية تنطق على جميع جزئياتها وموضوعاتها.
أما القواعد الفقهية: فإنها أغلبية يكون الحكم فيها على أغلب الجزئيات، وتكون لها
المستثنيات.
3 - القواعد الأصولية هي ذريعة لاستنباط الأحكام الشرعية العملية، وبذا تنفصل القواعد الفقهية عنها، لأنها عبارة عن مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى علة واحدة تجمعها، أو ضابط فقهي يحيط بها، والغرض منها تقريب المسائل الفقهية وتسهيلها.
4 - القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذاني والواقعي عن الفروع، لأنها جمع لأشتاتها، وربط بينها، وجمع لمعانيها.
أما الأصول فالفرض الذهني يقتضي وجودها قبل الفروع؛ لأنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط، ككون ما في القرآن مقدَّمًا على ما جاءت به السُّنة،
وأن نص القرآن أقوى من ظاهره، وغير ذلك من مساللث الاجتهاد.
وهذه مُقَدَّمة في وجودها إلى استباط الفروع بالفعل، وكون هذه الأصول كشفت عنها الفروع ليس دليلًا على أن الفروع متقدمة عليها، بل هي في الوجود سابقة، والفروع لها دالة كاشفة، كما يدل المولود على والده، وكما تدل الثمرة كلى الغراس،
وكما يدل الفرع على نوع البذور.
5 - القواعد الفقهية تشبه أصول الفقه من ناحية، وتخالفها من ناحية أخرى.
أما جهة المتشابهة: فهي أن كلا منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات.
وأما جهة الاختلاف: فهي أن قواعد الأصول عبارة عن المسائل التي تشملها أنواع من الأدلة التفصيلة، يمكن استنباط التشريع منها.
وأما قواعد الفقه: فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها أحكام الفقه نفسه، ليصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المبينة في أصول الفقه، ثم إن الفقيه إن أوردها أحكامًا جزئية فليست قواعد، وإن ذكرها في صور قضايا كلية تندرج تحتها الأحكام الجزئية فهي القواعد.
وكل منهما - القواعد الكلية والأحكام الجزئية - داخل في مدلول الفقه على وجه الحقيقة، وكل منهما متوقف عند المجتهد على دراسة الأصول التي يبني عليها كل ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
خصائص القواعد الفقهية
للقواعد الفقهية خصائص تتمّيز بها دون قواعد أصول الفقه وهي:
1 - الحفظ والضبط للمسائل الكثيرة المتناظرة، بحيث تكون القاعدة وسيلة لمعرفة الأحكام المندرجة تحتها.
2 - تدل على أن الأحكامَ المتحدة العلة مع اختلافها محققةٌ لجنس واحد من العلل، محققةٌ لجنس واحد من المصالح.
3 - إن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد يتمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها.
وعلى العكس القواعد الفقهية، فإنها تخدم المقاصد الشرعية العامة والخاصة، وتمهد الطريق للوصول إلى الأحكام وحكمها.
وهذا التفصيل يعطينا فكرة كاملة عن الموضوع، ويكشف عن الفروق الأساسية بين. المصطلحين.
* * *
القواعد الفقهية العامة والنظريات الفقهية
هذا التراث المؤلف في القواعد الفقهية يُمَكّنُنَا من دراسات غاية في الثراء، نستخرج منها ما يمكن أن أسميه بالقاعدة العامة، بدلًا من قولنا: " نظرية عامة "، حيث أننا قد استعملنا كلمة نظرية ترجمة للكلمة الإنجليزية
(Theory) ،
وهي عندهم ذات دلالة خاصة فرضها وضعهم العلمي، ومصادرهم التي خلت أساسًا من الوحي كمصدر للمعرفة، واقتصارهم على دراسة الوجود، مما ألزمهم إلى إيجاد معيار، ومبدأ يرجعون
إليه للربط بين عدة قوانين، ولاستنباط الأحكام من ذلك المعيار والمبدأ.
ولوجود النص لدى المسلمين معيارًا ومبدأ أساسيًّا لاستنباط الأحكام، لم ترد كلمة نظرية في تراثهم.
يقول د. السنهوري في مصادر الحق: " إن الفقه الإسلامي في مراجعه القديمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
لا توجد فيه نظرية عامة للعقد، بل هو يستعرض العقود المسماة عقدًا، وعلى الباحث أن يستخلص النظرية العامة للعقد من بين الأحكام المختلفة لهذه العقود المسماة فيقف عند
الأحكام المشتركة التي تسري على الكثرة الغالبة من هذه العقود ".
وأرى أن ما يريده العلامة السنهوري رحمه اللَّه تعالى هو عين عملية التجريد المؤدية إلى التقعيد، فالاعتراض عليه لفظي، وهو تسمية ذلك المشترك بالقاعدة العامة، بدلًا من كلمة " نظرية " التي تستعمل في مضمونها، وظلال دلالتها الأجنبية على رأي مستقل عن الوحي، قابل للتغير دائمًا، مشتملًا على التجاوز كقيمة ذاتية، وهو ما ينفي
جزء وعنصر الثبات التي تشتمل عليه شريعة الإسلام.
* * *
الفرق بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية
يرى بعض الباحثين المعاصرين في الفقه الإسلامي أن النظريات العامة مرادفة لما يسمى بالقواعد الفقهية كما جنح إلى ذلك الأستاذ الجليل محمد أبو زهرة في كتابه أصول الفقه، حيث يقول: " إنه يجب التفرقة بين علم أصول الفقه، وبين القواعد الجامعة للأحكام الجزئية، وهي التي مضمونها يصح أن يطلق عليها النظريات العامة للفقه الإسلامي، كقواعد الملكية في الشريعة، وكقواعد الضمان، وكقواعد الخيارات،
وكقواعد الفسخ بشكل عام ".
والواقع أن النظرية العامة، ودراسة الفقه الإسلامي في نطاقها أمر مستحدث طريف استخلصه العلماء المعاصرون الذين أجمعوا بين دراسة الفقه الإسلامي، ودراسة القانون الوضعي خلال احتكاكهم، وموازنتهم بين الفقه والقانون، وبوبوا المباحث الفقهية على هذا النمط الجديد، وأفردوا المؤلفات على هذه الشاكلة.
ويمكن أن تعرف النظرية العامة بأنها: " موضوعات فقهية، أو موضوع يشتمل على مسائل فقهية أو قضايا فقهية، حقيقتها: أركان وشروط وأحكام، تقوم بين كل منها صلة فقهية تجمعها وحدة موضوعية تحكم هذه العناصر جميعًا ".
وذلك كنظرية الملكية، ونظرية العقد، ونظرية الإثبات، وما شاكل ذلك.
فمثلًا نظرية الإنبات في الفقه الجنائي الإسلامي تألفت من عدة عناصر، وهي المواضيع التالية: حقيقة الإثبات، الشهادة، شروط الشهادة، كيفية الشهادة، الرجوع عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
الشهادة، مسئولية الشاهد، الإقرار، القرائن، الخبرة، معلومات القاضي، الكتابة، اليمين، القسامة، اللعان، فهذا مثال للمنهج الجديد الذي يسلكه المؤلفون في النظريات العامة في تكوينها، إذ كل موضوع عنصر من عناصر هذه النظرية، وتندرج تحته فصول، والربط بينها علاقة فقهية خاصة.
وخلاصة القول: إن النظرية العامة هي غير القاعدة الكلية في الفقه الإسلامي إن هذه القواعد هي بمثابة ضوابط بالنسبة إلى تلك النظريات، أو إنما هي القواعد الخاصة أمام القواعد العامة الكبرى.
وقد ترد قاعدة بين القواعد الفقهية ضابطًا خاصًّا بناحية من نواحي تلك النظريات العامة، فقاعدة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني " مثلًا
ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من أصل نظرية العقد، وهكذا سواها من القواعد.
قال د. مصطفى أحمد الزرقا: " نريد من النظريات الفقهية الأساسية تلك
الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كل منها على حدة نظامًا حقوقيًّا موضوعيًّا منبثًا في الفقه الإسلامي كإثبات أقسام الجملة العصبية في نواحي الجسم الإنساني، وتحكم عناصر ذلك النظام في كل ما يتصل بموضوعه من شعب الأحكام، وذلك كفكرة
الملكية وأسبابها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه، وفكرة الأهلية وأنواعها ومراحلها وعوارضها، وفكرة النيابة وأقسامها، وفكرة البطلان والفساد والتوقف، وفكرة التعليق والتقييد والإضافة في التصرف القولي، وفكرة الضمان وأسبابه وأنواعه، وفكرة العرف
وسلطانه على تحديد الالتزامات..
إلى غير ذلك من النظريات الكبرى التي يقوم على
أساسها صرح الفقه بكامله، ويصادف الإنسان أثر سلطانها في حلول جميع المسائل والحوادث الفقهية.
وهذه النظريات هي غير القواعد الكلية التي صُدِّرَت مجلة الأحكام الشرعية بتسع وتسعين قاعدة منها، فإن تلك القواعد إنما هي ضوابط وأصول فقهية تراعي في تخريج أحكام الحوادث ضمن حدود تلك النظريات الكبرى.
فقاعدة " العبرة في العقود للمقاصد والمعاني " مثلًا ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من ميدان أصل نظرية العقد، وهكذا سواها من القواعد، وإن مطالعة هذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
النظريات الأساسية بعد طلوعها من مكامنها وراء فروع الأحكام تعطي الطالب ملكة فقهية عاجلة تؤهل فكره، وتعينه على مدارك الفقه.
وهذه النظريات هي: نظرية الملكية - نظرية العقد - نظرية الحق - نظرية التعسف باستعمال حق الغير - نظرية الشرط - نظرية المؤيدات الشرعية - نظرية الأهلية والولاية
- نظرية العرف - نظرية الشخصية الاعتبارية وغيرها.
والاختلاف الأساسي بينهما يتلخص في أمرين:
1 - القاعدة الفقهية تتضمن حكمًا فقهيًّا في ذاتها، وهذا الحكم الذي تتضمنه القاعدة ينتقل إلى الفروع المندرجة تحتها،
فقاعدة: " اليقين لا يزول بالشك "،
تضمنت حكمًا فقهيًّا في كل مسألة، اجتمع فيها يقين وشك.
وهذا بخلاف النظرية الفقهية فإنها لا تتضمن حكمًا فقهيًّا في ذاتها، كنظرية
الملك، والفسخ، والبطلان.
2 - القاعدة الفقهية لا تشتمل على أركان وشروط، بخلاف النظرية الفقهية، فلابد لها من ذلك.
ويمكن أن ندرج مجموعة من القواعد الفقهية التي تختلف في فروعها وجزئياتها
وآثارها ولكنها قد تتسم بصفة عامة ومزايا مشتركة، أو تتحد في موضوعها العام تحت نظرية معينة على سبيل المثال القواعد التالية:
1 - العادة محكَّمة.
2 - استعمال الناس حجة يجب العمل به.
3 - لا ينكر تغير الأحكام (المبنية على المصلحة أو العرف) بتغير الزمان.
4 - إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت.
5 - المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
6 - المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.
7 - التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
فهذه المجموعة من القواعد الفقهية المعروفة - بغض النظر عن الفروع والجزئيات المختلفة تحت كل منها - فإنه يمكن أن نضعها جميعًا تحت عنوان نظرية العرف، فإن العرف هو الطابع العام الغالب على جميع هذه القواعد المذكورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
وعلى هذا الطراز بعد الدقة والتأمل يمكن أن نوزع كثيرًا من تلك القواعد مجموعة تحت قواعد كبرى معينة، أو نظريات معينة.
* * *
القواعد الفقهية الأساسية
وأمهات القواعد خمس، وهي التي يدور عليها معظم أحكام الفقه، وقد نظمها بعضهم في قوله:
خمس محررة قواعد مذهب … للشافعي بها تكون خبيرًا
ضرر يزال وعادة قد حكمت … وكذا المشقة تجلب التيسيرا
والشك لا ترفع به متيقنًا … وخلوص نية إن أردت أجورا
القاعدة الأولى: الضرر يزال:
وهذه القاعدة مسوقة لبيان وجوب إزالة الضرر إذا وقع، وأصل هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا ضرر ولا ضرار ".
وهذه القاعدة ينبني عليها كثير من أبواب الفقه: من ذلك: الرد بالعيب، وجميع أنواع الخيارات، من اختلاف الوصف المشروط، والتعزير، وإفلاس المشتري، وغير ذلك، والحجر بأنواعه، والشفعة لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود، والكفارات، وضمان المتلف، والقسمة، ونصب الأئمة، والقضاة، ودفع الصائل، وقتال المشركين، والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب، أو الإعسار، أو غير ذلك.
ويتعلق بهذه القاعدة قواعد:
الأولى: الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها: ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه، وكذا إتلاف المال، وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله، ولو عم الحرام قطرًا بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادرًا، فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه،
ولا يقتصر على الضرورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
الثانية: ما أبيح للفرورة يقدر بقدرهما: ومن فروعه: لا يأكل من الميتة إلا بقدر سد الرمق، ومن استشير من خاطب واكتفى بالتعريض كقوله: لا يصلح لك، لم يعدل إلى التصريح.
الثالثة: الضرر لا يزال الضرر: قال ابن السبكي: وهو كعائد يعود على قولهم: الضرر يزال ولكن لا بضرر، فشأنهما شأن الأخص على الأعم، بل هما سواء؛ لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق " الضرر يزال ".
ومن فروعها: عدم وجوب العمارة على الشريك في الجديد، وعدم إجبار الجار على وضع الجذوع، وعدم إجبار السيد على نكاح العبد والأمة التي لا تحل له.
الرابعة: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما.
الخامسة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح: فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة، قدم دفع المفسدة غالبًا، لأن اعتناء الشارع أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ".
* * *
القاعدة الثانية: العادة محكَّمة:
والعادة هي: الاستمرار على شيء مقبول للطبع السليم، والمعاودة إليه مرة بعد أخرى، وهي المرادة بالعرف العملي.
فالمراد بها حينئذٍ: ما لا يكون مغايرًا لما عليه أهل الدين والعقل المستقيم، ولا منكرًا في نظرهم.
والمراد من كونها عامة: أن تكون مطردة، أو غالبة في جميع البلدان.
ومن كونها خاصة: أن تكون كذلك في بعضها.
فالإطراد والغلبة شرط لاعتبارها سواء كانت عامة أو خاصة.
وأصل هدْه القاعدة: قول ابن مسعود رضي الله عنه:
" ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح"
وهو حديث حسن، وإن كان موقوفًا عليه فله حكم المرفوع، لأنه لا مدخل للرأي فيه.
ويتعلق بهذه القاعدة مباحث منها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
المبحث الأول: فيما تُثْبِت العادةُ: وفيه فروع، منها: الجارحة في الصيد لابد من تكرار يغلب على الظن أنه عادة، ولا يكفي مرة واحدة قطعًا، وفي المرتين والثلاث خلاف.
ومنها القائف: لا خلاف في اشتراط التكرار فيه، وهل يكتفي بمرتين أو لابد
من ثلاث، وجهان.
ومنها اختبار الصبي قبل البلوغ بالمماكسة، قالوا: يختبر مرتين
فصاعدا حتى يغلب على الظن رشده.
المبحث الثاني: إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإن اضطربت فلا، وإن تعارضت الظنون في اعتبارها فخلاف، وفي ذلك فروع:
- باع شيئًا بدارهم وأطلق، نزل على النقد الغالب، فلو اضطربت العادة في البلد وجب البيان، وإلا يبطل البيع.
- غلبت المعاملة بجنس من القروض، أو نوع منه، انصرف الثمن إليه عند الإطلاق في الأصح كالنقد.
- استأجر للخياطة والنسخ والكحل، فالخيط والحبر والكحل على من؟ خلاف، صحح الرافعي في الشرح، الرجوع فيه إلى العادة، فإن اضطربت وجب البيان، وإلا فتبطل الإجارة.
* * *
القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير:
المشقة تجلب التيسير؛ لأن الحرج مدفوع بالنص، ولكن جلبها التيسير مشروط بعدم مصادمتها نضًا، فإذا صادمت نصًّا روعي النص دونها، والمراد بالمشقة الجالبة للتيسير المشقة التي تنفك عنها التكليفات الشرعية.
أما المشقة التي لا تنفك عنها التكليفات الشرعية، كمشقة الجهاد، وألم الحدود، ورجم الزناة، وقتل البغاة والمفسدين والجناة فلا أثر لها في جلب تيسير ولا تخفيف.
والأصل في هذه القاعدة: قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
وقوله صلى الله عليه وسلم:
" بعثت بالحنيفية السمحة " وغير ذلك.
وأسباب التخفيف في العبادات، وغيرها سبعة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
الأول: السفر، وتيسيراته كثيرة منها: القصر، والفطر، والمسح أكثر من يوم وليلة في السفر الطويل.
ومنها: تحميل الشهادة للغير في غير حد، وقود.
ومنها: الجمع في الصلاة وغير ذلك.
الثاني: المرض، وتيسيراته كذلك كثيرة، منها: التيمم عند مشقة استعمال الماء، والفطر في رمضان، وتأخير إقامة الحد على المريض - غير حد الرجم - إلى أن ييرأ.
الثالث: الإكراه
الرابع: النسيا ن.
الخامس: الجهل.
السادس: العسر، وعموم البلوى كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها.
السابع: النقص، كالصغر والجنون والأنوثة.
* * *
القاعدة الرابعة: اليقين لا يزال بالشك:
اليقين لغة: العلم الذي لا تردد معه، وهو في أصل اللغة: الاستقرار.
وفي الاصطلاح: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثابت عن دليل.
والشك: التردد بين النقيضين، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر.
وهذه القاعدة من أمهات القواعد التي عليها مدار الأحكام الفقهية.
وقد قيل: إنها تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرَّجة عليها من عبادات ومعاملات وغيرها يبلغ ثلاثة أرباع علم الفقه.
ومعناها: أن ما كان ثابتًا متيقنًا لا يرتفع بمجرد طروء الشك؛ لأن الأمر اليقيني، لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، بل ما كان مثله أو أقوى.
هذا ولا فرق يين أن يكون اليقين السابق مقتضيًا للحظر، أو مقتضيًا للإباحة، فإن العمدة عليه في كلتا الحالتين، ولا يلتفت إلى الشك في عروض المبيح على الأول، وعروض الحاظر على الثاني.
ودليل هذه القاعدة: قوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا وجد أحدكم في بطه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟
فلا يخرجن من المسجد، حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
ويندرج في هذه القواعد عدة قواعد:
1 - منها قولهم: " الأعمل بقاء ما كان على ما كان "، ومن أمثلة ذلك: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث فهو متطهر، أو تيقن في الحدث وشك في الطهارة فهو محدث.
2 - ويدخل فيها قاعدة أخرى: " من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل "، لأنه المتيقن، اللهم إلا أن تشغل الذمة بالأصل فلا تبرأ إلا بيقين، وغير ذلك.
* * *
القاعدة الخامسة: الأمور بمقاصدها:
الأمور: جمع أمر، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، ومنه قوله تعالى:
(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) ، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) ،
وقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) .
أي: ما هو عليه من قول أو فعل.
ثم إن الكلام على تقدير مقتضى، أي: أحكام الأمور بمقاصدها؛ لأن علم الفقه إنما ييحث عن أحكام الأشياء، لا عن ذواتها.
والأصل في هذه القاعدة: قوله صلى الله عليه وسلم:
" إنما الأعمال بالنيات "
حديث صحيح.
وهذه القاعدة تجري في كثير من الأبواب الفقهية، قال ابن مهدي:
حديث النية يدخل في ثلاثين بابًا من الفقه، وقال الشافعي يدخل في سبعين.
ومن الأبواب الفقهية التي يجري فيها هذه القاعدة: المعاوضات، والتمليكات المالية، والإبراء، وتجري في الوكالات، وإحراز المباحات، والضمانات، والأمانات، والعقوبات، وقد شرعت النية لتمييز العبادات من العادات، وتمييز رتب العبادات بعضها من بعض.
ومن ثم ترتب على ذلك أمورٌ.
أحدها: عدم اششراط النية في عبادة لا تكون عادة، أو لا تلتبس بغيرها، كالإيمان باللَّه تعالى، والمعرفة، والخوف، والرجاء.
الثاني: اشتراط التعيين فيما يلتبس دون غيره، قال في شرح المهذب: ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
" وإنما لكل امرئ ما نوى "
فهذا ظاهر في اشتراط التعيين، لأن أصل النية فهم من أول الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
الثالث: ما يترتب على ما شرعت النية لأجله وهو التمييز: اشتراط التعرض
للفرضية، وفي وجوبها في الوضوء والغسل والصلاة والزكاة والخطة، وجهان، والأصح اشتراطها في الغسل دودن الوضوء، لأن الغسل قد يكون عادة، والوضوء لا يكون إلا عبادة.
الرابع: اشتراط الأداء والقضاء، وفيهما في الصلاة أوجه:
أحدها: الاشتراط،
والثاني: تشترط نية القضاء دون الأدء،
والثالث: إن كان عليه فائتة اشترط في المؤداة نية الأداء، وإلا فلا،
والرابع: وهو الأصح: لا يشترطان مطلقًا.
* * *
عملية التقعيد
ما الذي يتم في ذهن المجتهد والفقيه حتى تتم عملية التقعيد؟
فالقاعدة في قضية كلية مُنْطقَة على جميع جزئياته، ومن هنا، فإن التقعيد سعي إلى إدراك الكل، وعلى ذلك فهو انتقال من مستوى إلى مستوى أعلى منه، في تدرج الفرد، والنوع، والجنس المنطقيين، وهذا ما يمكن أن نسميه بالتجريد.
وعملية التجريد هذه محاولة:
1 - لبيان المشترك في الكثرة المبحوثة
2 - وفيما يتم إسقاط المشخصات.
3 - ويتم أيضًا مراعاة الفروق وبين ما ظاهره التشابه.
4 - وكذلك مراعاة ما يدخل في القاعدة من فروع مع استثنائه، حيث تعد هذه الفروع عند إغفالها، أو إغفال موجب امشثنائها معطلة لعملية التقعيد.
5 - كما تراعى الجوامع، وهو الجمع بين ظاهره الافتراق لنفس السبب.
* * *
القواعد الفقهية والتجريد الذهني
وفي محاولة لبيان عملية التجريد على قاعدة " الميسور لا يسقط بالمعسور " وهي المأخوذة من قوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
والتي يقول عنها السيوطي في الأشباه والنظائر:
" وبها رد أصحابنا على أبي حنيفة قوله: إن العريان يصلي قاعدًا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
فقالوا: إذا لم يتيسر ستر العورة فلم يسقط القيام المفروض ".
أقول - في محاولة لبيان التجريد هذه -: أورد فروعًا من تلك القاعدة، وأبين كيف توصل الفقيه منها إلى التقعيد والصياغة المذكورة، ثم ألحق بها، أو شغلها ذلك التشغيل
البديع فمن فروعها:
1 - إذا كان مقطوع بعض الأطراف يجب غسل الباقي جزمًا.
2 - القادر على بعض السترة يستر به القدر الممكن جزمًا.
3 - القادر على بعض الفاتحة هل يأتي بها، خلاف.
4 - لو انتهى في الكفارة إلى الإطعام فلم يجد إلا طعام ثلاثين مسكينًا، فالأصح وجوب إطعامهم، وقطع به الإمام.
فإذا قمنا بتحليل الفرع الأول إلى عناصر تُمَكِّن من عملية التجريد لوجدنا أن الفرع يتحدث عن بتر بعض الأطراف التي يجب غسلها، وهنا يمكن أن تتصور عملية الغسل، وترى فيها:
1 - محلًّا
2 - أداء
3 - فعلًا.
فالمحل: هو العضو المغسول، والأداة: هي الماء، والفعل: هو الغسل، وترى أن المحل قد ذهب بعضه وبقى بعضه في حين لم يتعرض الفعل، ولا الأداة إلى النقصان، فانتقالنا في التحليل من اليد إلى الطرف، وهو كلي بالنسبة لليد، ثم من الطرف إلى المحل وهو كلي له من ناحية.
وتصورنا لعناصر العملية التي ينتمي إليها الفرع من ناحية أخرى يمثل عملية
التجريد التي إذا أكملناها بإسقاط المشخصات في الطرف الأول لتبقى لنا أن الباقي حكمه الفعل.
وإذا تأملنا في الفرع الثاني: نجد لدينا أداة، وهي السترة لمحل العورة، وفعل وهو الستر، وأن الخلل والنقص هنا حدث في الأداة، وليس في المحل كما حدث في الفرع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
ومع عملية التجريد بالسعي لإدارك الكلي، وإسقاط المشخصات تخرج بأن الباقي من الأداة (السترة) حكمه الفعل (الستر به) ، وهو عين ما توصلنا إليه في الفرع الأول.
وإذا تأملنا الثالث: نجد أن الصورة تتكون أيضًا من فعلْ وهو القراءة، ومحل: وهو: اللسان، وأداة: وهي حروف الفاتحة.
وتجد أن ما يعيق الإتمام هنا قد يكون راجعًا إلى خلل في الفعل حيث لا يقدر لأي عارض عن القراءة، أو راجعًا إلى المحل بوجود آفة في اللسان، أو الأداة بخلل في تحصيل حروف الفاتحة لعدم حفظ، أو فهم، أو استرجاع.
وترى الحكم عند وجود أي من هذه الأنواع من الخلل أنه يأتي بما يستطيع، أي أن الباقي حكمه الفعل.
والفرع الرابع: يحلل إلى: محل: وهو: ستون مسكينًا، وأداة: وهي الطعام، وفعل: وهو الإطعام، وقد يكون الخلل راجع إلى المحل حيث لا يوجد إلا ثلاثون، أو الأداة حيث لا يملك أو لم يجد إلا ما يطعم الثلاثين، أو الفعل وهو عدم القدرة على توصيل الطعام إلا إلى الثلاثين، وترى الحكم في كل ذلك إنما هو أن الباقي حكمه الفعل.
وعلى ما تقدم يمكن جمع هذه الفروع كلها تحت قاعدة واحدة مؤداها أن الباقي من المحل أو الأداة أو الفعل حكمه الإيقاع.
ثم يأتي دور الصياغة، وهي: تحويل ذلك إلى عبارة تشتمل على محسنات بلاغية، أو بديعية، وهي ما أسماها العلماء بعملية الترقيق والتنميق.
فالترقيق: صوغ المعنى بعبارة بليغة.
والتنميق: إدخال المحسنات البديعية ليسهل انتشارها وحفظها، وترى هنا (الميسور لا يسقط بالمعسور) عبارة وجيزة، وبها سجع بين الميسور والمعسور، وفيها مقابلة وطباق بينهما.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
القواعد الفقهية والفروع المستثناة
وهناك مستثنيات من القاعدة، ومن المعلوم أن الفروع الخارجة عن القاعدة على نوعين:
1 - إما أنها منها، ولكن منع مانع من أخذ حكمها، وتسمى مستثناة من القاعدة.
2 - وإما أنها يُظَنُّ بها اندراجها ببادئ الرأي، ثم عند التأمل يظهر أنها ليس من فروع القاعدة.
فمثال النوع الأول: القادر على صوم بعض يوم دون كله، لا يلزمه إمساكه.
وهنا نرى أن ذلك الفرع من فروع القاعدة، ولكن منع من اندارجه تحت حكمها التناقض الحاصل عند تصور ذلك الاندراج، لأن الفطر إن تم في أول اليوم، والإمساك في آخره، لم يحصل الامتثال في تحقيق الأمر بالإمساك من الفجر إلى الغروب، وإن وقع آخر اليوم أبطل أوله.
ومثال الثاني: واجد بعض الرقبة في الكفارة لا يعتقها، بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف، ولو حللنا ذلك الفرع لوجدناه أيضًا به محل: (الرقيق) - أداة: (بعض الرقبة) الفعل: (الإعتاق) .
ويلاحظ هنا اتحاد المحل والأداة، ولكن ليس هذا هو الذي أخرج الفرع عن اندراجه تحت حكم القاعدة، بل قاعدة أصولية أخرى تمنع من استنباط معنى من النص يَكِر عليه البطلانُ، لأن ذلك يذهب بمقاصد الشرع الشريف من التشريع، فلو عتق بعض الرقيق لا يتم الامتثال بإعتاق الرقبة، مع إمكان الانتقال إلى خصلة أخرى من خصال الكفارة.
وهنا الانتقال مأمور به في الشرع، وعليه فليس الفرع من قضية الإعسار التي تشتمل عليها القاعدة، ولذلك يصلح أن نقول إنه ليس من فروعها.
لابد إذن من الاهتمام بعملية التجريد، وعمل المزيد من الدراسات حولها، لأنها تمثل آليات يمكن أن تساعد في عملية الاجتهاد، وفي عملية فهم القواعد وتشغيلها، أي: في عملية الإلحاق بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
ولم يكتب أحد إلى الآن في هذه العملية بالتفصيل، وإن كانت مباحث المنطق
العربي من ناحية، ومسالك العلة في باب القياس من علم أصول الفقه خاصة تنقيح المناط، والسبر، والتقسيم من ناحية ثانية، ومباحث العلل في النحو العربي من ناحية أخرى، تساعد كثيرًا في رسم ملامح وخطوات التجريد.
كما يساعد على صياغتها دراسات تحليل المضمون، وعلم الدلالة (السيمانتيك) ،
وعلم النص والخطاب في جانبه اللغوي في الدراسات المعاصرة.
إن لدينا عددًا كبيرًا من الفروع الفقهية، فكتاب المغني لابن قدامة وهو شرح على مختصر الخرقي يشتمل على (2027) مسألة، على أن كل مسألة لها فروع، ولكل فرع صور مختلفة.
ونرى اختلاف العادين لجمل الفقه في ضوء الأنوار في شرح المنار لحسين بن إبراهيم ابن حمزة بن خيل الأولوي، حيث يقول عند ترجمته للإمام أبي حنيفة: قال مولانا درة في حاشيته على شرح التفتازاني:
قال الإمام صدر الأئمة:
" بلغت مسائل أبي حنيفة خمسمائة ألف مسألة،
مع ما أودع في كتبه من المسائل الغامضة المبنية
على خفيات النحو، وأسرار العربية، ودقائق الحساب ".
وذكر الخطيب الخوارزمي: أنه وضع ثلاث آلاف وثمانين مسألة.
وقيل: ستين ألف مسألة ذكره في الانتصار.
وذكر في العناية شرح الهداية ما وضعه أصحابنا من المسائل الفقهية: ألف ألف ومائة وسبعون ألف ونيف مسألة) ..
انتهى ما أردته.
وأقول: إن هذا العدد الضخم إنما هو باعتبار الصور والتفاريع، على أنه يحتاج إلى تلك القرون التي سادت فيها عملية التقعيد بآليات التجريد التي أشرنا إليها.
ونلاحظ أن القواعد قد بدأت بعدد قليل (سبع عشرة قاعدة في رواية من نسبها إلى أبي طاهر الدباس الحنفي، وخمس قواعد عند القاضي حسين …
إلخ) ، وسبع وثلاثين قاعدة في رسالة أبي الحسن الكرخي، ثم بدأت في الزيادة حتى يقول تاج الدين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
السبكي (ت 771 هـ) إنها تربو على الخمسين بل على المئتين.
ونجد قواعد ابن المقري
قد زادت على الألف وخمسمائة.
وإذا راعينا الضوابط الخاصة بكل باب فإنها تربو أيضًا على ذلك، فالضوابط
والقواعد الموجودة في ربع العبادات من كتاب مغني المحتاج شرح المنهاج للخطيب الشرييني تصل إلى عدة مئات، وكذلك نرى أنها أكثر من مائتين عند الزركشي في المنثور في القواعد.
ونخرج من هذا كله أن عملية التقعيد مستمرة، وينبغي أن تستمر.
* * *
كتب القواعد الفقهية
بيان طائفة من الكتب التي ألفت في القواعد، والجموع والفروق:
فمنها: أصول الكرخي (340 هـ) ، وتأسيس النظر للدبوسي (ت 430 هـ)
والأشباه والنظائر لابن نجيم (ت 970 هـ) ، وشرحه للحموي المسمى: " غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر "، وخاتمه مجامع الحقائق لأبي سعيد الخادمي (ت 1176 هـ) ولَواعد مجلة الأحكام العدلية (انتهت منها اللجنة سنة 1239 هـ - 1876 م) ، وما جرى عليها من شراح، والفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية
لمحمود بن حمزة الحسيني مفتي الشام (ت 1305 هـ) ، وشرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا، وهي قواعد المجلة (طبع منه جزءان والباقي في دور الطبع) ، كل هذه الكتب مطبوعة وهي على مذهب الحنفية.
ومنها الفروق للقرافي (ت 684 هـ) ، والقواعد للمقري (ت 758 هـ) ،
وإيضاخ المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي (ت 914 هـ) ، وعدة البروق جمع ما في المذهب من الجموع والفروق له أيضًا، وإعداد المهج للاستفادة من المنهج في قواعد الفقه المالكي، للشيخ أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي، وكلها في مذهب مالك وكلها مطبوعة.
ومنها قواعد الأحكام في مصالح الأنام أو القواعد الكبرى، والفوائد في مختصر القواعد أو القواعد الصغرى،
كلاهما للعز بن عبد السلام (ت 660 هـ) ،
والأصول والضوابط للإمام النووي (ت 676 هـ) ،
والأشباه والنظائر لابن الوكيل (766 هـ) ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
والأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي (ت 771 هـ) ،
ومطالع الدقائق في تحرير الجوامع
والفوارق للأسنوي (ت 772 هـ) ،
والمنثور في القواعد للزركشي (ت 794 هـ) ،
ومختصر من قواعد العلائي وكلام الأسنوي لابن خطيب الدهشة (ت 834 هـ) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ت 911 هـ) ،
والفوائد الجنية حاشية المواهب السنية
شرح الفوائد البهية في نظم القواعد الفقهية للشيخ الفاداني (ت 1410 هـ) ، وهي على مذهب الشافعية وكلها مطبوعة.
ومنها: القواعد النورانية لابن تيمية (728 هـ) ،
وقواعد ابن رجب (ت 795 هـ) ،
وقواعد مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد للعلامة القارئ (ت 1359 هـ) ،
وكلها على مذهب الحنابلة، وكلها مطبوعة.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
الفصل العاشر
تاريخ التشريع
معظم الكاتبين في تاريخ الفقه الإسلامي يكادون يتفقون على تقسيم التاريخ الفقهي إلى مراحل ستة:
المراحلة الأولى: عصر النبوة، وهو عصر النص.
المرحلة الثانية: عصر الخلفاء الراشدين، وهو عصر نقل النص، وضبطه، والاجتهاد في أهم الوقائع الحادثة.
المرحلة الثالثة: العصر الذي يبدأ من نهاية عهد الخلفاء الراشدين، وينتهي في أوائل القرن الثاني الهجري.
المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي تبدأ من سنة 101 هـ، وتنتهي بسنة 310 هـ.
المرحلة الخامسة: وهي المرحلة التي تبدأ من منتصف القرن الخامس، وتنتهي بسقوط بغداد سنة 656 هـ.
المرحلة السادسة: وهي المرحلة التي تبدأ بسقوط بغداد وتبقى مستمرة حتى يومنا هذا، والدولة العثمانية داخلة فقهيًّا في هذه المرحلة السادسة.
وبعضهم يجعل تاريخ الفقه وتطوره في مراحل أربعة:
المرحلة الأولى: مرحلة النشأة، وهي عصر النص، والشرح النبوي.
المرحلة الثانية: مرحلة الشباب والقوة، وهي مرحلة بدأت بعصر الخلفاء الراشدين، وانتهت بعد القرن الأول بقليل.
المرحلة الثالثة: توازي نفس المرحلة في التقسيم الأول.
المرحلة الرابعة: مرحلة توقف الاجتهاد، وشيوع التقليد، وهي المرحلة التي لا تزال قائمة منذ منتصف القرن الرابع الهجري حتى يومنا هذا.
يقول د. طه جابر العلواني: والتقسيم الأول، لم أجد فيه ما يسوغ إضافة
المرحلتين الخامسة والسادسة فإن المرحلتين جزء من فترة الركود واللجوء إلى التقليد، التي امتدت من القرن الرابع إلى يومنا هذا، إلا إذا أريد أن التقليد أصبح موقفًا رسميًّا،
ومأمورًا به في أواخر المرحلة الخامسة، وما تلاها وأصبح الاجتهاد تهمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)