بفقيه".
فقوله صلى الله عليه وسلم: "ورب حامل فقه ليس بفقيه" نصٌّ في محل النزاع، دالٌّ على صحة رواية غير الفقيه كما ترى.
وقد قال المناوي في شرح "الجامع الصغير" في الكلام على هذا الحديث: رواه الترمذي في العلم والضياء في المختارة عن زيد بن ثابت، قال الترمذي: صحيح. وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وابن أبي حاتم والخطيب وأبو نعيم والطيالسي والترمذي. وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأنس وغيرهم. وقال في موضع آخر: الحديث صحيح المتن وإن كان بعض أسانيده معلولًا. اهـ.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
ومعنى هذا ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه؛ لأنَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى المتفق عليه المشهور: "وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. . ." الحديث، مثلٌ مضروبٌ لكون الراوي قد يكون غير فقيه، فكما أن تلك الأجادب لم تنبت، ولم تُثمر، ولكنها أمسكت ذلك الماء للناس، فنفعهم اللَّه به، فشربوا منه وسقوا وزرعوا، فكذلك أولئك الرواة لم يتفقهوا، ولكن نفع اللَّه الناس بما حفظوا من العلم، فانتفعوا به، وتفقهوا فيه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "ربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
وقوله: "مبلَّغ" بصيغة اسم المفعول. وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ربَّ مبلَّغ أوعى من سامع" من حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر صاحبُ "الجامع الصغير" هذا الحديث من رواية ابن مسعود وعزاه للإمام أحمد في المسند والترمذي وابن حبان، وجعل عليه علامة الصحة.
وقال شارحه المناوي: قال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث مشهور خُرج في السنن أو بعضها من حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت وجبير بن مطعم، وصححه ابن حبان والحاكم.
وذكر أبو القاسم بن منده في تذكرته أنه رواه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم.
وقال عبد الغني في الآداب: تذاكرت أنا والدارقطني طرق هذا الحديث، فقال: هذا أصح شيءٍ روي فيه. اهـ.
وهذه النصوصُ تدلُّ على أنَّ ما روي عن مالك وأبي حنيفة رحمهما اللَّه تعالى من عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقًا، أو إذا خالفت القياس، خلافُ الصواب، وقد ردَّ صاحب مراقي السعود هذا القول على أهل مذهبه من المالكية بقوله:
من ليس ذا فقهٍ أباه الجيلُ … وعكسُه أثبته الدليل
والجيل: المصنف من الناس، ومراده بهم علماء المالكية، وقوله: و"عكسه" أي عكس قولهم "أثبته الدليل"، وهو ما ذكرنا آنفًا من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
الأحاديث في ذلك.
قول المؤلف في التزكية والجرح
قال المؤلف(1) رحمه اللَّه تعالى:
(فصل)
المراد بالتزكية في الاصطلاح إخبارُ العدول عنه بصفات العدالة، والمراد بالجرح فِي الاصطلاح: إخبارهم عنه بما يُخِلُّ بعدالته من فسقٍ أو سقوط مروءة.
قال المؤلف(2) -رحمه اللَّه تعالى-:
(اعلم أنَّه يُسْمَعُ الجرح والتعديل من واحد في الرواية؛ لأنَّ العدالة التي تثبتُ بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية، بخلاف الشهادة، وكذلك تقبل تزكية العبد والمرأة كما تقبلُ روايتهما).
معنى كلامه واضح، وهو أن التعديل والجرح بالنسبة إلى الرواية كلاهما يثبتُ بواحد عدل، ولو عبدًا أو امرأة؛ لأن نفس الرواية تثبت بواحدٍ ولو عبدًا أو امرأة، فكذلك التزكية فيها، أمَّا الشهادة فلا يكفي فيها واحد كما هو معروف، وكذلك لا يكفي في التزكية فيها واحد.
وحاصل كلام العلماء في هذه المسألة أنَّ لهم فيها ثلاثة مذاهب:--------------------------------------------
(1) (1/ 397).
(2) (1/ 397).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
الأول: لا بدَّ في التعديل والتجريح من عدلين مطلقًا، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الرواية أو الشهادة.
والثاني: يكفي فيهما معًا واحد.
والثالث: التفصيل، فيكفي الواحدُ فيهما بالنسبة إلى الرواية دون الشهادة. وهو الذي درج عليه المؤلف.
وأشار في "مراقي السعود" إلى هذه المسألة بقوله في الجرح والتعديل:
كلاهما يثبته المنفردُ … ومالك عنه روى التعددُ
وقال بالعدد ذو دراية … في جهة الشاهد لا الرواية
والقولُ باشتراط التعدد في المعدِّل والمجرِّح في الرواية والشهادة معًا عزاه الفهري للمحدِّثين، والأبياري لأكثر الفقهاء.
وأظهرها عندي الفرقُ بين الرواية والشهادة في ذلك، وكون التعديل والتجريح تبعًا لما فيه التعديل والتجريح، فإن كان يكتفى فيه بواحد، اكتفى في تعديله وتجريحه بواحدٍ، وإلا فلا.
وإنْ كان صاحب "الضياء اللامع" يقول: إن الفرق بينهما غلط، قائلًا: إن معقول الشهادة فيهما سواء؛ لأن كلا منهما إخبار عن شخص بصفات العدالة أو عدمها.
وما قاله يرده الإجماع على الفرق بين الرواية والشهادة في مسائل كثيرة، كقبول رواية المرأة منفردة ولو في الدماء والحدود، مع عدم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
قبول شهادتها في ذلك، وكلا الأمرين إخبار منها عن أمر.
وقد قال ابن عاصم المالكي في تحفته:
وواحد يُجزئ في باب الخبر … واثنان أولى عند كل ذي نظر
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(واختلفت الرواية في قبول الجرح إذا لم يتبين سببه. .) إلخ.
خلاصةُ ما ذكره في هذا المبحث أن فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنَّ الجرح يقبل ولو لم يبين المجرِّح سببه؛ لأن عدالته تمنعه من الجرح بأمر غير قادح.
الثاني: أنَّ الجرح لا يقبلُ إلا مع بيان سببه؛ لاختلاف الناس فيما يحصلُ به الجرح، فقد يُظَنُّ الأمر قادحًا وهو ليس بقادح.
الثالث: التفصيل بين المجرِّح الذي حصلت الثقةُ ببصيرته وشدة معرفته وتمييزه لأسباب الجرح، فيقبل تجريحُه مع عدم بيان السبب، وبين من ليس كذلك، فلا يقبلُ تجريحه حتى يبين السبب.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
جمهور أهل الأصول والحديث: لا يقبل إلا مع بيان السبب؛ لأنَّ المجرِّحَ قد يظنُّ ما ليس بقادح قادحًا، وقد قيل لشعبة: لم تركتَ حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون، فتركت حديثه.--------------------------------------------
(1) (1/ 397).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
وروي عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديث صالح المري؟ فقال: وما تصنع بصالح؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة فامتخط حماد.
وأشباه هذا كثيرة.
ولأجل هذا احتج الشيخان في صحيحيهما بجماعة سبق من غيرهما تجريحهم، فلم يقبلوا ذلك التجريح لعدم بيان السبب.
ومن أمثلة ذلك روايةُ البخاري عن عكرمة وعمرو بن مرزوق، وروايةُ مسلم عن سويد بن سعيد وغيره.
قال العراقي في ألفيته:
وربما رد الكلام الجارح … كالنَّسَئِي في أحمد بن صالح
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(أمَّا إذا تعارض الجرحُ والتعديل قدَّمنا الجرح. .) الخ.
خلا ما ذكره في هذا المبحث: أنَّ الجرح إذا تعارض مع التعديل قدِّم الجرح؛ لأنَّ المجرِّح اطَّلع على أمر خفي على المعدِّل، هذا إن تساوى عدد المجرِّحين والمعدِّلين، أو كان المجرِّحون أكثر.
فإن كان المعدِّلون أكثر من المجرِّحين، فكذلك على الصحيح؛ لأنَّ سبب تقديم الجرح علم المجرِّح بما خفي على المعدِّل، وذلك لا--------------------------------------------
(1) (1/ 398).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
ينتفي بكثرة عدد المعدِّلين. وقيل: قُدِّم التعديلُ؛ للكثرة، وهو ضعيف.
هذا حاصل كلامه.
وتحقيق المقام في هذه المسألة أنَّ المجرِّحين إن كانوا أكثر فالتجريح مقدم إجماعًا، فإن تساوى عدد المجرِّحين والمعدِّلين أو كان المعدِّلون أكثر فكذلك على الصحيح، وقيل بالترجيح فيهما.
وأسباب الترجيح ستأتي إن شاء اللَّه تعالى في آخر الكتاب.
وأشار في "المراقي" إلى هذه المسألة بقوله:
والجرح قدم باتفاق أبدا … إن كان من جرَّح أعلى عددا
وغيرُه كهو بدون مَيْنِ … وقيل بالترجيح في القسمينِ
وشذ من زعم أن التعديل يقدَّم في جميع الصور.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في التعديل، وذلك إمَّا بقول وإمَّا بالرواية عنه. .) الخ.
قد قدَّمنا ما ذكره في هذا المبحث مستوفى في الكلام على اشتراط العدالة، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
وأعلى أنواعِ التزكية الشهاده له بأنه عدلٌ رضا، وإنْ لم يبين أسباب--------------------------------------------
(1) (2/ 400).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
ذلك.
واعلم أنَّ التحقيق قبولُ التعديل بدون بيان السبب، كما هو مذهبُ الجمهور من أصوليين ومحدِّثين.
واعلم أنَّ عدم العمل بشهادة شاهد ليس تجريحًا له، كما هو ظاهر.
قال المؤلف(1) رحمه اللَّه تعالى:
(فصل
والذي عليه سلفُ الأمة وجمهورُ الخلف أنَّ الصحابة رضي الله عنهم معلومةٌ عدالتُهم بتعديل اللَّه تعالى وثنائه عليهم، قال اللَّه تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} [التوبة/ 100]، {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح/ 18] وقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} [الفتح/ 29]. .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره في الفصل أنَّ الصحابة كلَّهم عدول؛ للثناء عليهم في كتاب اللَّه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا قولُ جمهور علماء المسلمين، وهو الصواب إن شاء اللَّه تعالى.
وعلى هذا فجهالةُ الصحابي لا تضرُّ لأنَّهم كلَّهم عدول.
والصحابيُّ: هو من اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا ومات على ذلك.--------------------------------------------
(1) (2/ 403).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
والصحبة تثبتُ بقوله عن نفسه: إنَّه صحب النبي صلى الله عليه وسلم، إنْ كان أدرك عصره، وكذلك تثبتُ بقول غيره من الصحابة رضي الله عنهم.
هذا حاصل كلامه رحمه الله.
وخالف جماعة، فقالوا: لا تثبتُ العدالةُ إلا لخصوص الذين لازموه صلى الله عليه وسلم، واهتدَوْا بهديه، أمَّا من رآهُ مرة مثلًا ثم فارقه، فلا تثبتُ له العدالة بذلك.
وممَّن اختار هذا التفصيل المازريُّ في شرح "البرهان" لإمام الحرمين، والقرافي، وغيرهما.
والصواب -إن شاء اللَّه تعالى- هو مذهبُ الجمهور، وأنهم كلُّهم عدولٌ رضي الله عنهم وأرضاهم، سواء لازموه أو اجتمعوا به وذهبوا.
وقد أطبقَ العلماءُ على قبول رواية وائل بن حُجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وغيرهم، ممَّن اشتهرتْ صحبتُهم وروايتُهم عنه صلى الله عليه وسلم، مع أنَّهم وفدُوا إليه، واجتمعُوا به صلى الله عليه وسلم، ورجعُوا إلى أهليهم، ولم يلازموه.
وقال ابنُ حجر في مقدمة "الإصابة": اتفق أهل السنة على أنَّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة.
وذكر الخطيبُ في "الكفاية" فصلًا نفيسًا في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومةٌ بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران/ 110]، وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
[البقرة/ 143]، وقوله {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح/ 18]، وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة/ 100]، وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال/ 64]، وقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)} إلى قوله: {إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر/ 8 - 10].
في آيات كثيرة يطول ذكرُها، وأحاديث كثيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل اللَّه إلى تعديل أحدٍ من الخلق، على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء ممَّا ذكرناه، لأوجبت الحالُ التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ بتعديلهم.
إلى أن قال: والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، ومن أدلَّها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مغفَّل قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اللَّه اللَّه في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا، فمن أحبَّهم فبحبي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذى اللَّه، ومَنْ آذى اللَّه فسيوشك أنْ يأخذه".
وقال أبو محمد بن حزم: الصحابةُ كلُّهم من أهل الجنة قطعًا، قال اللَّه تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد/ 10]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} [الأنبياء/ 101]؛ فثبت أنَّ الجميع من أهل الجنَّة، وأنَّه لا يدخلُ أحد منهم النار؛ لأنَّهم هم المخاطبون بالآية السابقة.
فإنْ قيل: التقييد بالإنفاق والقتال يُخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة/ 100] يخرج من لم يتصف بذلك.
فالجواب أنَّ التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمرادُ من اتصف بالإنفاق بالفعل أو القوة. انتهى منه مع حذف واختصارٍ غير مخل بالمقصود.
وأشار في "مراقي السعود" إلى مسألة عدالة الصحابي جامعًا معها الفرق بين الرواية والشهادة بقوله:
شهادةُ الأخبار عمَّا خصَّ إنْ … فيه ترافع إلى القاضي زُكِنْ
وغيرُه رواية والصحب … تعديلُهم كلٌّ إليه يصبو
واختار في الملازمين دون مَنْ … رآه مرةً إمامٌ مؤتمن
ومراده بالإمام المؤتمن القرافي، وقد سبقه إلى ذلك القول المازريُّ وغيره، كما تقدم.
فالحاصلُ أنَّ الحق الذي عليه من يعتدُّ به من المسلمين أنَّ الصحابة كلَّهم محكوم لهم بالعدالة، ولا يبحثُ عن عدالة أحد منهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
وليسوا معصومين، فمن ثبت عليه في خصوصه قادح ثبوتًا واضحًا لا مطعن فيه، عُمِلَ به، وقد ارتد بعضهم كعبيد اللَّه بن جحش الذي كان زوج أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة رضي الله عنها، والرِّدة أعظم من ارتكاب كبيرة توجب الفسق، وقد مات والعياذ باللَّه على ردته متنصِّرًا.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
المحدود في القذف إن كان بلفظ الشهادة، فلا يرد خبره؛ لأن نقصان العدد ليس من فعله، ولهذا روى الناس عن أبي بكرة، واتفقوا على ذلك، وهو محدود في القذف، وإن كان بغير لفظ الشهادة فلا تقبل روايتُه حتى يتوب).
حاصل ما ذكر في هذا الفصل أن في إبطال الرواية بالحد في القذف تفصيلًا:
فإنْ كان المحدودُ شاهدًا عند الحاكم بأن فلانًا زنى، وحُدَّ لعدم كمال الأربعةِ، فهذا لا تردُّ به روايتُه؛ لأنَّه إنما حُدَّ لعدم كمالِ نصاب الشهادة في الزنا، وذلك ليس من فعله، وإن كان القذف ليس بصيغة الشهادة كقوله لعفيف: يا زاني، ويا عاهر، ونحوِ ذلك، بطلت روايتُه حتى يتوب، أي ويُصْلِح، بدليل قوله تعالى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا--------------------------------------------
(1) (2/ 405).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} [النور/ 4 - 5].
واستدل المؤلفُ رحمه الله لما ذكره من الفرق بين الحدِّ على سبيل القذف، والحدِّ على سبيل عدم كمال النصابِ في الشهادة، بقصة أبي بكرة؛ لأنه متفق على قبول روايته، مع أنَّه محدود في شهادته على المغيرة بن شعبةَ الثقفي بالزنا، والشهادةُ في هذا ليست كالرواية، فلا تُقْبَلُ شهادة المحدود في قذفٍ أو شهادةٍ حتى يتوب ويصلح، بدليلِ قول عمرَ لأبي بكرة: "تُبْ أَقبل شهادتك"، خلافًا لمن جعل شهادته كروايتهِ فلا تُردُّ، وهو محكيٌّ عن الشافعي.
والحاصلُ أنَّ القاذفَ بالشتمِ تردُّ شهادتُه وروايتُه بلا خلافٍ حتى بتوب ويُصْلح، والمحدود في الشهادةِ لعدمِ كمالِ النصابِ تقبلُ روايتُه دون شهادته، وقيل: تقبلُ شهادتُه وروايتُه.
وقصةُ أبي بكرةَ المشارُ إليها أنه شهد على المغيرة بن شعبةَ بالزِّنا، هو وأخوه زياد ونافع بن الحارثِ وشبل بن معبد(1)، فتلكأ زياد أو غيرُه في الشهادة، فجلد عمر الثلاثةَ المذكورين.
قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:
يظهرُ لنا في هذه القصةِ أن المرأةَ التي رأوا المغيرةَ رضي الله عنه مخالطًا لها عندما فتحت الريح الباب عنهما إنَّما هي زوجتُه، ولا يعرفونها، وهي تشبه امرأة أخرى أجنبية كانوا يعرفونها تدخل على--------------------------------------------
(1) وقع في المطبوع: سعيد بن سهيل، وهو خطأ، والإصلاح من مصادر القصة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
المغيرة وغيره من الأمراء، فظنُّوا أنها هي، فهم لم يقصدُوا باطلًا، ولكنَّ ظنَّهم أخطأَ، وهو لم يقترف إن شاء اللَّه فاحشة، لأنَّ أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعظم فيهم الوازعُ الدينيُّ الزاجرُ عمَّا لا ينبغي في أغلب الأحوال، والعلمُ عند اللَّه تعالى.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
في كيفية الرواية، وهي على أربع مراتب. .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ كيفية الروايةِ -يعنى الرواية عن غير النبيَّ صلى الله عليه وسلم، بدليل ما تقدم- على أربع مراتب.
الأولى، وهي أعلاها عند المؤلف: قراءةُ الشيخ عليه في معرض الإخبار، ليروي عنه، وذلك يسوغُ للراوي أنَّ يقول حدَّثني، وأخبرني، وسمعته يقول، وقال كذا، ونحو ذلك من صيغ الأداء.
المرتبة الثانية: أن يقرأَ على الشيخِ فيقول: نعم، أو يسكت، فتجوزُ الروايةُ به، خلافا لبعض أهلِ الظاهرِ القائل بأنه لابد من إقرار الشيخِ نطقًا، ولا يكفي سكوتُه، لأنَّ الساكتَ لا يُنسبُ إليه قول عندهم، واستدلاله -أيضًا- بظاهر قوله: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آل عمران/ 81].
والجمهور على قبول الرواية ولو سكتَ، لأنَّ عدالته تمنعه من أن--------------------------------------------
(1) (2/ 406).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
يسكت مع علمه بعدم صحةِ ما يقرأُ عليه، ما لم تكن هناك مخيلة إكراه، أو غفلة، ونحو ذلك، فلا يكتفى بسكوته.
وهذه المرتبةُ الثانيةُ تسوغُ للراوي أن يقول: أنبأنا، وحدَّثنا فلانٌ قراءةً عليه.
وهل يجوزُ الاقتصارُ على حدثنا فلانٌ، دون ذكره قراءةً عليه؟
فيه روايتان:
إحداهما: يجوزُ ذلك. وعزاه المؤلف لأكثر الفقهاء.
والأخرى: لا يجوزُ ذلك، كما لا يجوز سمعت من فلان في ذلك.
وهل يجوز للراوي أنْ يُبْدِلَ قوله، شيخه "حدثنا" بأخبرنا، أو عكسه؟ فيه روايتان أيضًا بالجوازِ والمنع.
ووجه القولِ بجواز ذلك اتحادُ اللفظين في المعنى لغةً.
ووجه المنع من ذلك اختلاف مقتضى اللفظين عند المحدِّثين، لأنهم يخصُّون "حدَّثنا" بما سُمع من لفظ الشيخ، و"أخبرنا" يصلحُ عندهم لذلك أيضًا ولما قُرئ على الشيخ فأقرَّ به، فالإخبارُ عندهم أعمُّ من التحديث.
المرتبة الثالثة: الإجازة، وهي أربعة أنواع:
الأول: الإجازةُ لمعيَّن في معيَّن، "كقوله: أجزت لك أو لكم أنْ تروي، أو ترووا عني الكتاب الفلاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
الثاني: الإجازةُ لمعيَّن في غير معيَّن، كقوله: أجزتُ لك، أو لكم أنْ ترووا عني جميع مروياتي.
الثالث: الإجازةُ لغير معيَّن في معيَّن، كأنْ يقولَ: أجزتُ للمسلمين أنْ يرووا عني الكتاب الفلاني.
الرابع: الإجازة لغير معيَّن في غيرِ معيَّن، كأنْ يقولَ: أجزت للمسلمين أنْ يرووا عنِّي جميع مروياتي.
وجمهورُ أهل العلم على جواز الرواية والعمل بالإجازة، واستقر عليه عملُ عامة أهل العلم، وحكى الإجماع على ذلك أبو الوليد الباجي وعياضُ من المالكية.
ومنع الروايةَ بالإجازة والعمل بها جماعةٌ من الطوائف، ممَّن روى عنه ذلك شعبةُ بنُ الحجاجِ، قائلا: لو جازتْ الإجازةُ لبطلت الرحلة، وإبراهيم الحربي، وأبو نصر الوائلي، وأبو الشيخ الأصبهاني. ومِمَّن قال بذلك من الفقهاء القاضي حسين، والماوردي، وأبو بكر الخجندي الشافعي، وأبو طاهر الدبَّاس الحنفي، وهذا هو إحدى الروايتين عن الشافعي، وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك، وقال ابن حزم: إنها بدعة غيرُ جائزة.
وفيها أقوال آخر غيرُ ما ذكرنا، بالتفصيل بين أنواع الإجازة، مذكورة في الأصول وعلوم الحديث.
والحقُّ جواز الرواية بالإجازة، كما عليه الجمهور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
وقال صاحب "المراقي":
واعمل بما عن الإجازة رُوِي … إن صح سمعه بظن قد قوي
تنبيه:
فإن قيل: ما الدليل على جواز الرواية والعملِ بالإجازة؟
فالجوابُ أنَّ بعض أهل العلم استدل لذلك بما يأتي:
قال صاحب "تدريب الراوي": قال ابن الصلاح: وفي الاحتجاج لتجويزها غموض، ويتجه أن يقال: إذأ أجاز له أن يروي عنه مروياته، فقد أخبره بها جملة، كما لو أخبره بها تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح قطعًا، كما في القراءة، وإنما الغرض حصولُ الإفهام والفهم، وذلك حاصل بالإجازة.
وقال الخطيب في "الكفاية": احتجَّ بعض أهل العلم لجوازها بحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كتب سورة براءة في صحيفةٍ ودفعها لأبي بكر، ثم بعث علي بن أبي طالب فأخذها منه، ولم يقرأها عليه، ولا هو أيضًا، حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس".
فكأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أجاز له أنْ يروي عنه ما في تلك الصحيفة من غير سماع منه.
المرتبة الرابعة: المناولة، وهي أن يناوله كتابًا ويقول له: ارو عني ما فيه، فهو كالإجازة؛ لأنَّ مجرد المناولة دون اللفظ لا يكفي، واللفظ وحده يكفي، وكلاهما تجوز الرواية به، فيقول: حدثني إجازة، أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
أخبرني إجازة، فإن لم يقل إجازة لم يجز على أصح القولين.
فإن قال: هذا الكتاب سماعي، ولم يأذن في روايته عنه، فلا تجوزُ الرواية بذلك؛ لأنَّه يمكن ألا يجيز روايته عنه لخلل يعلمه فيه.
وكذلك لو قال: عندي شهادة، لا يشهد بها ما لم يقل: أذنت لك أن تشهد على شهادتي، وكذا لو وجد شيئًا بخطه لا يرويه عنه، لكن يجوزُ له أن يقول: وجدت بخط فلان كذا وكذا.
فإن قال العدل: هذه نسخة من صحيح البخاري أو مسلم -مثلًا-، فليس له أن يرويه عنه ما لم يأذن. وهل يلزمه العمل به؟ فيه خلاف، وأظهره لزومُ العمل به؛ لأنَّ أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامليها بصحتها دون أن يسمعها كلُّ واحد منهم، فإن ذلك يفيد سكون النفس، وغلبة الظن، وإلى ذلك أشار في المراقي بقوله:
والخلف في إعلامه المجرد … وأعملن منه صحيح السند
هذا هو خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث، مع زيادات إيضاح واستدلال واستظهار، وهذا الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله من ترتيب هذه المراتب الأربعة المذكورة قولُ بعض أهل العلم، وفيه أقوال أُخر غير هذا.
منها: أنَّ المناولة والسماع والعرض -الذي هو القراءة على الشيخ، فيقول: نعم- في مرتبة واحدة، وأنَّ الإجازة المجردة عن المناولة مرتبة ثانية دونها. وهذا هو المشهور عند المالكية، وعليه درج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
في مراقي السعود بقوله:
للعرض والسماع والإذن استوى … متى على النوال ذا الإذن احتوى
ومرادُه بالإذن الإجازةُ، وبالنوال المناولةُ، يعني أنَّ الإجازة المشتملة على المناولة في مرتبة السماع والعرض. وكون المناولةِ المذكورة تساوي السماع هو ما ذهب، إليه ابن شهاب، وربيعة، ومالك، وخلق كثير. قاله في "نشر البنود". وكونها دون السماع هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وصححه النووي. قاله في "نشر البنود" أيضًا.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا وجد سماعَه بخط يوثق به جاز له أن يرويَه، وإن لم يذكر سماعه. . .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره فى هذا الفصل أنه إذا وجد سماعه بخط يغلب على الظن به أنَّه سمعه، مع أنَّه ناسٍ للسماع، فهل له أنْ يرويه اعتمادًا على الخط؟ وهو ما اختاره المؤلف وعزاه للشافعي، وعلل ذلك بأنَّ مبنى الرواية على حسنِ الظن وغلبته بناءً على دليل، وقد وُجِدَ ذلك في هذه المسألة؛ لأنَّ الثقة بالخط المذكور يغلبُ على الظن بها صحة السماعِ المذكور.--------------------------------------------
(1) (2/ 412).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
و [قيل](1): لا يجوزُ له أن يروي ذلك اعتمادًا على الخط؛ لأجل نسيانه للسماع. وعزاه لأبي حنيفة، مستدلًا له بقياس الرواية على الشهادة في ذلك.
واعترض المؤلف قياس الرواية على الشهادة في هذه المسألة من جهتين:
الأولى: أنَّ الشهادة تصحُّ اعتمادًا على الخط الموثوق به، وإن لم يتذكرها على إحدى الروايتين.
الثانية: أن الشهادة أضيق من الرواية؛ لما علم بينهما من الفروق، كما تقدم، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف(2) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا شكَّ في سماعِ حديث من شيخه لم يجزْ أن يرويه عنه. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل ثلاث نقط:
الأولى: أنَّه إن شك في سماع حديث من شيخه لا يجوز له أن يرويه عنه مع الشك. وهذا واضح؛ لأنَّ منعَ رواية المشكوك فيه ضروري كما ترى.--------------------------------------------
(1) زيادة ضرورية، وليست في الأصل المطبوع.
(2) (2/ 414).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)