غير الصحابي، فإن كان غير مدلس فهي صحيحة كالتصريح بالسماع، وإن كان مدلسًا لم تقبل ما لم يثبت السماع من طريق أخرى، كما هو مقرر في علم الحديث.
ومن يحتجُّ من العلماء بالمرسل يحتجُّ بعنعنة المدلس، وقوله: "قال"، ونحو ذلك، من باب أولى.
ومثَّل المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- لقول الصحابي: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم" مع أنه لم يسمع منه مباشرة بما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من أصبح جنبًا فلا صوم له"، فلما استُكْشِفَ قال: حدثني الفضل بن عباس.
وما روي عن ابن عباس أنَّه قال: "إنما الرِّبا في النسيئة"، فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد.
وقد بينَّا أنَّ مثل ذلك لا يضرُّ؛ لأنَّ مرسل الصحابي له حكم الوصل.
المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكذا، أو نهى عن كذا، وإنَّما كانت هذه دون التي قبلها؛ لأنَّ فيها من احتمال عدم السماع مباشرة مثل ما في الأولى، وتزيد عليها بأنه قد يظن ما ليس بأمر أمرًا.
هكذا قيل، ولا يخفى بُعْدُه، إذ عدالةُ الصحابي تمنعه من أن ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر فيما ليس بأمرٍ، ولذا جعلت جماعة من أهل الأصول هذه المرتبة في منزلة التي قبلها لضعف الاحتمال المذكور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
المرتبة الرابعة: أن يقول: أُمرنا أو نُهينا، ولا يذكر الفاعل. وإنما كانت دون التي قبلها لأن فيها من الاحتمال ما في التي قبلها، وتزيد باحتمال أن يكون الآمر غير النبي صلى الله عليه وسلم من الأئمة والعلماء، وأكثر أهل الأصول على أنه لا يحمل إلا على أمر اللَّه ورسوله، خلافًا لمن أبطل هذه المرتبة لذلك الاحتمال.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وفي معنى هذه المرتبة قوله: من السنة كذا، والسنة جائزة بكذا. فالظاهر أنه لا يريد إلا سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . .، ولا فرق فى قول الصحابي ذلك بين أن يقوله في حياته أو بعد وفاته صلى الله عليه وسلم).
قال المؤلف(2) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر).
المرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل كذا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو كانوا يفعلون كذا على عهده صلى الله عليه وسلم، كقول جابر: "كنَّا نعزل والوحي ينزل".--------------------------------------------
(1) (1/ 344 - 345).
(2) (1/ 345).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى- ممثلًا لهذا-:
(مثل قول ابن عمر: كنا نفاضلُ على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلا ينكره.
وقال: "كنا نخابرُ أربعين سنة". . .) الخ.
أمَّا إذا لم يذكر زمن النبي صلى الله عليه وسلم بل قال: كانوا يفعلون كذا -مثلًا-، فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع. ومنعه بعض أصحاب الشافعي ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع.
قال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابيُّ: هذا الخبرُ منسوخٌ وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره.
هكذا نقل عنه المؤلف، ومنع الأمرين كثير من علماء الأصول، واللَّه أعلم.
ولم يذكر المؤلف -هنا- جميع صور أداء الحديث؛ لأن رواية الراوي عن شيخه قد تكون بالسماع -كما ذكرنا-، وقد تكون بالعرض وهو قراءته على الشيخ، وقد تكون بالمناولة، وغيرها من أقسام الإجازة، كما سيذكره المؤلف.--------------------------------------------
(1) (1/ 345).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
وحدُّ الخبر: هو الذي يتطرقُ إليه التصديقُ أو التكذيب).
وإيضاحُه: أن ضابط الخبر هو ما يمكن أن يُقال لقائله: صدقت أو كذبت، وما لا يمكن فيه ذلك فهو الإنشاء، كالأمر والنهي، وغيرهما من أنواع الطلب، وكصيغ العقود، لأنَّها لإنشاء العقد لا للإخبار به.
قال المؤلف(2):
(وهو قسمان: متواتر وآحاد، فالمتواترُ يفيدُ العلم. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن الخبر قسمان متواتر وآحاد، وأنَّ المتواتر يفيدُ العلم اليقيني الذي لا يتطرق إليه الشكُّ من غير حاجة إلى شيء زائد على نفس الخبر المتواتر، وأنَّ السُّمنية خالفوا في إفادته العلم زاعمين حصر العلم في الحواس، فلا يقين عندهم إلا بمحسوس فقط.
والسُّمَنِيَّة -بضم السين وفتح الميم- فرقة هندية من عبدة الأصنام، دهريون، قائلون بالتناسخ، ينكرون وقوع العلم بغير المحسوس، منسوبون إلى صنم يسمى سمن، أو بلد يسمى سمونات.--------------------------------------------
(1) (1/ 347).
(2) (1/ 347).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
وهذا المذهب لا شك في بطلانه، فلا يشك عاقل في اليقين بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكلَّ أكبر من الجزء، ونحو ذلك من الأحكام العقلية.
قال المؤلف(1):
(فصل
قال القاضي: العلمُ الحاصلُ بالتواتر ضروريٌّ. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ العلم الحاصل بالخبر المتواتر فيه قولان:
أحدهما: أنه ضروري. وهو قول القاضي.
والثاني: أنه نظري. وهو قول أبي الخطاب.
والضروري: هو ما لا يحتاجُ إلى تأمل.
والنظري: هو ما يحتاجُ إلى تأمل.
وحجة من قال: هو ضروري: أن السامع يجد نفسه مضطرًّا للعلم يقينًا به، كوجود الأئمة الأربعة، ووجود مكة وبغداد بالنسبة لمن لم يرهما، فلو أراد التخلص من العلم بذلك لم يقدر.
وحجة من قال: إنه نظري: هي أن العلم لابد له من العلم بمقدمتين قبله:--------------------------------------------
(1) (1/ 350).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
الأولى: أن يعلم أن هذا الأمر أخبر به عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة.
الثانية: أن يعلم أن ما أخبر به عدد على تلك الصفة فهو حقٌّ يقينًا.
فينتج من ذلك أن هذا الخبر يقين.
وأكثر أهل الأصول على الأول.
قال المؤلف(1):
(فصل
ذهب قوم إلى أن ما حصل العلم في واقعةٍ يفيدُه في كل واقعة، وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع. . .) الخ.
خلاصة ما ذكر في هذا الفصل أن القدر الموجب للعلم اليقيني لا يتفاوت بحسب الوقائع والأشخاص، بل ما حصل به العلم في واقعة يحصل به في غيرها، وما حصل به لشخص يحصل به لغيره من غير تفاوت.
وقيل: لا مانع من تفاوته باعتبار الأشخاص والوقائع، ومحلُّ هذا في الخبر المتجرد عن القرائن، أما إن احتفت به قرائن فلا--------------------------------------------
(1) (1/ 353).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
شكَّ أنَّ حصول اليقين به يتفاوت، لأن القرائن الخفية يفهمها الذكي، وتخفى على الغبي، فتقوم القرائن للذكي مقام عدد من المخبرين، وكذلك القرائن الظاهرة إن علم بها بعض المخبرين دون بعض، كما لو تواتر الخبر لجماعة أن فلانًا مات وفلانًا تزوج، وأحدهم قد رأى قبل ذلك الذي أخبروا بموته في النزع، والذي أخبروا بتزويجه في السوق يشتري ما يحتاج إليه المتزوج، فإنَّ العالم بمثل هذه القرائن يحصل له اليقين قبل حصوله لغير العالم بها، لأنَّ القرائن قد تفيد العلم منفردة عن الأخبار، فإنَّا نعلم محبة شخص لآخر، وخوف شخص من آخر بما نرى من القرائن الدالة على ذلك، ونحو ذلك كثير. فإذا انضمَّت القرائن إلى الأخبار قامت مقام بعض المخبرين في إفادة العلم.
قال المؤلف(1) رحمه الله:
(وللتواتر ثلاثة شروط. . .). الخ.
اعلم أن التواتر في اللغة: هو مجئ الواحد بعد الواحد بفترة بينهما. ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون/ 44] لأنَّ التاء الأولى مبدلة من واوٍ كتاء تقوى.
وقيل التواتر: التتابع مطلقًا، ومنه قولُ لبيد في معلقته:
يعلو طريقة متنها متواتر … في ليلة كفر النجومَ غمامُها--------------------------------------------
(1) (1/ 356).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
والتواترُ في الاصطلاح: هو إخبارُ جماعةٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة عن أمر محسوس.
وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أن التواتر المفيد للعلم اليقيني تشترط فيه ثلاثةُ شروط:
الأول: أن يكون إخبارهم عن أمر محسوس، أي مدرك بإحدى الحواس، كقولهم: رأينا وسمعنا، لأنَّ تواطؤ الجم الغفير على الخطأ في المعقولات لا يستحيلُ عادة، فترى الآلاف من العقلاء يتواطؤون على قدم العالم، وعلى كذب الأنبياء، مع أن تواطؤهم باطل، لأنه ليس في إخبار عن محسوس، أمَّا تواطؤهم على الكذب في الإخبار عن محسوس فهو مستحيل عادةً مع كثرتهم وعدم الدواعي إلى التواطؤ.
الشرط الثاني: أن يكون العددُ بالغًا حدًا يستحيلُ معه التواطؤ على الكذب عادةً.
الثالث: أن يكون العدد المذكور في كل طبقة من طبقات السند من أوله إلى آخره.
واختلف أهل الأصول في تحديد العدد الذي يحصلُ بخبرهم اليقين. والمذهب الصحيح المعتمدُ أنَّه ليس له حد معين، بل ما حصل به العلمُ اليقيني فهو العدد الكافي، كالخبز نقطع بأنَّه يشبع، والماء نقطع بأنه يُروي، مع عدم تحديد الحدِّ الذي يقع به الشبعُ والري منهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وقيل: أقلُّه اثنان. وقيل: أقلُّه أربعة. وقيل: خمسة. وقيل: عشرون. وقيل: ثلاثون. وقيل: سبعون.
والصحيح الأول. وبطلان القول بالأربعة فما دونها واضح؛ لوجوب تزكية الأربعة في شهادتهم على الزنا، ومعلوم أنَّ عدد التواتر لا تشترط فيه العدالة، بل ولا الإسلام.
ومثال المتواتر: حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وأشار في "مراقي السعود" إلى هذه المسألة بقوله:
واقطع بصدق خبر التواتر … وسوِّ بين مسلم وكافر
واللفظ والمعنى وذاك خبر … من عادة كذبهم منحظر
عن غير معقول وأوجب العدد … من غير تحديد على ما يعتمد
وقيل بالعشرين أو بأكثرا … أو بثلاثين أو اثني عشرا
إلغاء الأربعة فيه راجحُ … وما عليها زاد فهو صالح
وأوجبن في طبقات السند … تواترًا وفقًا لدى التعدد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ليس من شروط التواتر أن يكون المخبرون مسلمين ولا عدولًا. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن التواتر لا يُشترط في المخبرين به إسلام ولا عدالة؛ لأنَّ القطع بصدق خبرهم من حيث إن اجتماعهم وتواطأهم على الكذب مستحيلٌ عادة لكثرتهم، والعادة تحيل ذلك في الكفار والمسلمين، وليس صدق خبرهم من حيث إن المخبرين به عدولٌ مسلمون، وأنهم لا يُشترط فيهم ألا يحصرهم بلد، بل يحصل القطعُ بخبرهم وإن حصرهم بلد أو مسجد، كالحجيج إذا أخبروا بواقعة صدَّتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن حادثة منعتهم من صلاة الجمعة، عُلِم صدقهم في الأمرين مع حصرهم في محل أو مسجد.
قال المؤلف(2) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ولا يجوز على أهل التواتر كتمانُ ما يحتاجُ إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية. .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أهل التواتر لا يجوز عليهم--------------------------------------------
(1) (1/ 360).
(2) (1/ 361).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
كتمان ما يحتاج إلى نقله؛ لأنَّ كتمانه يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو عليه، فلم يجزْ وقوعُ ذلك منهم، وتواطؤهم عليه، فإن قال رجل من أهل الجمعة: إن الخطيب ضربه رجل بالسيف فقتله وهو يخطب على المنبر، ولم يذكر هذا باقي أهل الجمعة، جزمنا بأن ذلك الرجل كاذب، لأنَّ توطأهم على كتمان مثل هذا الأمر مستحيل عادة، ومن هنا قالوا: ما نُقل آحادًا مع توفر الدواعي إلى نقله تواترًا حكم ببطلانه.
فإن قيل: لم ينقل النصارى كلام عيسى في المهد نقلًا متواترًا مع أنه حقٌّ واقع؟
فالجواب: أن كلامه في المهد وقع قبل ظهوره واتباعهم له.
وخالف في هذه المسألة الإمامية قائلين: إن أهل التواتر قد يكتمون، ورتَّبوا على ذلك أنَّ جميع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم مع كثرتهم كتموا كلُّهم النصوص المصرحة بإمامة علي رضي الله عنه، وقالوا: والوقوع دليل على الجواز(1).
حاشا أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ممَّا يفتريه عليهم الإمامية من المختلقات.--------------------------------------------
(1) قولهم: "والوقوع دليل على الجواز" يعنون به ما زعموه من كتمان الصحابة رضي الله عنهم نصوص إمامة علي رضي الله عنه، وليس هناك وقوع كتمان آخر. وهذا الاستدلال باطل؛ لأنه استدلال بصورة الخلاف، والممانع يقول لهم: لم توجد النصوص التي زعمتم، ولو وجدت لنقلت؛ لأن أهل التواتر لا يتواطؤون على الكتمان. "عطية".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(القسم الثاني: أخبارُ الآحاد، وهي ما عدا المتواتر).
اعلم أولًا أن الآحاد جمع أحد، وهمزة أحد مبدلة من واو، فأصلها وَحَد، وربَّما نطقت العرب فيه بالواو على الأصل، ومنه قولُ نابغة ذبيان:
كأنَّ رحلي وقد زال النهار بنا … بذي الجليل على مستأنس وَحِدُ
وضابط خبر الآحاد أنه هو ما لم يدخل في حدِّ المتواتر الذي قدمنا تعريفه؛ لأن القسمة ثنائية عند الجمهور.
وعليه، فالمستفيض الذي لم يبلغ حد التواتر من الآحاد، خلافًا لمن جعل القسمة ثلاثية، فجعل المستفيض واسطة بين المتواتر والآحاد.
وأقل المستفيض أربعة، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثة.
وأشار في "المراقي" إلى هذا بقوله:
وخبرُ الآحاد مظنون عرا … عن القيود في الذي تواترا
والمستفيض منه وهو أربعة … أقلُّه وبعضهم قد رفعه
عن واحد وبعضهم عما يلي … وجعله واسطة قول جلي--------------------------------------------
(1) (1/ 362).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
قال المؤلف(1) رحمه الله:
(اختلفت الرواية عن إمامنا رحمه الله في حصول العلم بخبر الواحد. . .) الخ.
حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة التي هي هل يفيد خبر الآحاد اليقين، أو لا يفيد إلا الظن؟ أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب:
الأول -وهو مذهب جماهير الأصوليين-: أنَّ أخبار الآحاد إنَّما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين، وهو مراد المؤلف بالعلم، فالعلم هو اليقين في الاصطلاح.
وحجة هذا القول أنك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الآحاد، أيجوز في حقه الكذب والغلط؛ لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعُك إذن بصدقِه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له.
المذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولًا ضابطين.
واحتج القائلون بهذا بأن العمل بخبر الآحاد واجب، والظن ليس من العلم حتى يجب العمل به؛ لأنَّ اللَّه تعالى يقول: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس/ 36]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إياكم والظن فإن الظن كذب الحديث".
وهذا القول بإفادته العلم رواية عن أحمد، وحكاه الباجي عن--------------------------------------------
(1) (1/ 362).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية.
المذهب الثالث: هو التفصيلُ بأنَّه إن احتفت به قرائنُ دالة على صدقه، أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن.
ومثال ما احتفَّت به القرائن: إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش.
ومن أمثلته -أيضًا-: أحاديث الشيخين؛ لأنَّ القرائن دالةٌ على صدقها، لجلالتهما في هذ الشأن، وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحدٍ.
واختار هذا القول ابنُ الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي. قاله صاحب "الضياء اللامع".
وممَّن اختار هذا القول أبو العباس ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى.
وحمل بعضُهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائنُ على صدقه خاصة دون غيره.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر لي أنَّه هو التحقيق في هذه المسألة -واللَّه جل وعلا أعلم- أنَّ خبر الآحاد -أي الذي لم يبلغ حد التواتر- ينظر إليه من جهتين؛ هو من إحداهما قطعي، ومن الأخرى ظني.
ينظر إليه من حيث إن العمل به واجب، وهو من هذه الناحية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
قطعي؛ لأن العمل بالبينات -مثلًا- قطعي منصوص في الكتاب والسنة، وقد أجمع عليه المسلمون، وهي أخبار آحاد.
وينظر إليه من ناحية أخرى، وهي هل ما أخبروا به مطابق للواقع في نفس الأمر؟ فلو قتلنا رجلًا قصاصًا بشهادة رجلين، فقتلنا له هذا قطعي شرعًا لا شك فيه، وصدق الشاهدين فيما أخبرا به مظنونٌ في نفس الأمر لا مقطوعٌ به؛ لعدم العصمة.
ويوضح هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة المتفق عليه: "إنَّما أنا بشر تختصمون إليَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلمٍ فإنَّما هي قطعةٌ من نارٍ فليأخذها أو ليتركها".
فعمل النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه قطعي الصواب شرعًا، مع أنه صرَّح بأنه لا يقطع بحقيقة الواقع في نفس الأمر كما ترى.
وأشار في "المراقي" إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله في خبر الآحاد:
ولا يُفيد العلم بالإطلاق … عند الجماهير من الحذَّاق
وبعضهم يفيد إن عدل روى … واختير ذا إن القرينة احتوى
وفي الشهادة وفي الفتوى العمل … به وجوبه اتفاقًا قد حصل
كذاك جاء في اتخاذ الأدوية … ونحوها كسفر والأغذية
ويوضحُه -أيضًا-: قول علماء الحديث في تعريف الصحيح: إنَّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
المراد صحتُه في ظاهر الأمر.
تنبيه:
اعلم أنَّ التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تُقبل في الفروع تقبلُ في الأصول؛ فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحيحة من صفات اللَّه يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال اللَّه وجلاله على نحو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى/ 11].
وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أنَّ أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، ولا يثبت بها شيء من صفات اللَّه، زاعمين أنَّ أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، وأنَّ العقائد لا بدَّ فيها من اليقين، باطل لا يُعَوَّلُ عليه.
ويكفي من ظهور بطلانه أنَّه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد تحكيم العقل. والعقولُ تتضائل أمام عظمة صفات اللَّه.
وقد جرت عادة المتكلمين أنَّهم يزعمون أنَّ ما يسمونه الدليل العقلي -وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها- أنَّه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل؛ لأن ما يسمونه الدليل العقلي، ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعيٌّ، هو جهل وتخبط في الظلمات.
ومن أوضح الأدلة وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقولُ -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
مثلًا-: إن العقل يمنع كذا من الصفات، ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناءً على ذلك.
فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعُه كذبتم فيه، بل العقل يوجبه، وما ذكرتم بأنه يجيزه أو يوجبه، كذبتم فيه، بل هو يمنعه، وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة، كاختلافهم في أفعال العبد، وجواز رؤية اللَّه بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين. . . إلى غير ذلك.
فيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدى والنجاة باتباع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل.
وعلى كل حال، فإثبات صفات اللَّه بأخبار الآحاد الصحيحة، واعتقاد تلك الصفات، كالعمل بما دلت عليه من أوامر اللَّه ونواهيه، كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه، وكذلك تثبت بها صفاته.
وقد بينَّا أنها من إحدى الجهتين قطعية.
قال المؤلف(1):
(فصل
وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا. .) إلخ.--------------------------------------------
(1) (1/ 366).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن قومًا أنكروا جواز التعبد بخبر الآحاد عقلًا، قالوا: لا يجوز عقلًا أن يأمر اللَّه خلقه أن يعبدوه بمقتضى ما يبلغهم عنه وعن رسله على ألسنة الآحاد، وعللوا ذلك الامتناع العقلي بأن الآحاد غير معصومين، فخبرهم غير مقطوع بصدقه، وغير المقطوع بصدقه ليس من العلم، والتكليف بما ليس بمعلوم علفا يقينيًا يقبح، والقبيح مستحيل في حق اللَّه تعالى.
وممن يروي عنه هذا القول ابن عُليَّة والأصم والجبائي وجماعة من المتكلمين، وهذا القول لا شك في بطلانه، كما أنَّه لا شك أنَّ التحقيق هو مذهب الجمهور، وهو جوازُ وقوع التعبد بأخبار الآحاد، فالعمل بها قطعي، والموافقة لما في نفس الأمر ظنية، ولا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة من بناء قطعي شرعًا على أمر ظني بالنسبة لما في نفس الأمر، كما تقدَّم قريبًا.
قال المؤلف(1):
(فصل
وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة. .) إلخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أبا الخطاب قال: إن العمل بخبر الآحاد يوجبُه العقلُ؛ لثلاثة أمور:--------------------------------------------
(1) (1/ 368).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
الأول: أن الأمور القطعية في الشرع قليلة، والأغلب فيه الظنيات، فلو علِّق العمل على القطع لتعطل أغلب الأحكام؛ لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين.
الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافةً، ولا تمكن مشافهةُ جميعهم، ولا إبلاغ جميعهم بالتواتر.
الثالث: أن العدل الراوي لخبر الواحد مظنونُ الصدق لعدالته، والظن أرجح من مقابله، والعمل بالراجح يوجبه العقل، فمتى ترجح وجود أمر اللَّه ورسوله بإخبار العدل فالعمل به إذن أرجح من مقابله، فالعقل يقتضيه.
وأجاب المخالفون عن الأمور الثلاثة بأنه لا يلزم من عدم التعبد به تعطل الأحكام؛ لإمكان البقاء على البراءة الأصلية، واستصحاب العدم الأصلي.
وكذلك الظن الناشئ منه، قالوا: لا يرفع حكم اليقين الثابت بالبراءة الأصلية واستصحاب العدم الأصلي.
قالوا: والنبي يكلَّف بتبليغ من أمكنه تبليغه من أمته دون من لم يمكنه.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
التحقيق أن العقل بالنظر إليه وحده لا يمنع التعبد بخبر الواحد ولا يوجبه، فكلا القولين المتقدمَيْن باطل بلا شك، أعني قول من قال: يمنعه العقل، كالأصم والجبائي، وقول من قال: يوجبه، وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
أبو الخطاب. فالعقل يجيز التعبد به ولا يمنعه ولا يوجبه، وهذا هو الحق إن شاء اللَّه تعالى.
قال المؤلف:(1)
(فصل
فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا، فهو قول الجمهور، خلافًا لأكثر القدرية، وبعض أهل الظاهر، ولنا دليلان قاطعان. .) إلخ.
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنَّ التعبد بخبر الواحد بالنظر إلى الحكم الشرعي -فهو مراده بقوله: "سمعًا"- هو مذهب الجمهور، خلافًا لأكثر القدرية، وبعض أهل الظاهر، وأن للجمهور دليلين قاطعين على التعبد به شرعًا:
الأول: إجماع الصحابة رضي الله عنهم في وقائع لا تنحصر على قبوله، كرجوع أبي بكر لقول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة لما أخبراه أنه صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس.
ومنها: رجوع عمر رضي الله عنه إلى قول المذكورين في دية الجنين أنه صلى الله عليه وسلم قضى فيها بغرةٍ عبد أو وليدة.
ومنها: رجوع عمر إلى قول الضحاك بن سفيان أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكرجوعه إلى قول عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر.--------------------------------------------
(1) (1/ 370).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)