الثانية: أنَّه إن شك في حديث من سماعه ثم التبس عليه ذلك الحديثُ المشكوك فيه، فلم يُميزه من غيره، لم يجز له أن يروي عنه شيئًا مع ذلك الشك؛ لأن كل حديث رواه عنه احتملَ أن يكونَ هو ذلك الحديث الذي شك في سماعِه.
الثالثة: إذا غلب على ظنه أنَّه سمع منه حديثًا، ولم يجزم بذلك، فهل تكفي غلبة الظن، فتجوز الرواية بها، أو لا تكفي فلا تجوز بها؟ ولم يرجح واحدًا منهما.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا أنكر الشيخ الحديثَ، وقال: لستُ أذكره، لم يقدح ذلك في الخبر في قول إمامنا، ومالك، والشافعي، وأكثر المتكلمين، ومنع منه الكرخي قياسًا على الشهادة).
خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ شيخ الراوي إذا أنكر الحديث وقال: لستُ أذكره، فلا يبطلُ ذلك روايته عنه؛ لأنَّه نسي الحديثَ والراوي ذاكر له، فلا وجه لرد ذاكر بنسيان ناسٍ. وهذا القول هو الصحيح.
[وقيل بالمنع، قياسًا على الشهادة](2)، وعزاه المؤلفُ للكرخي،--------------------------------------------
(1) (2/ 415).
(2) ما بين المعكوفين ليس في الأصل المطبوع، والسياق يقتضيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
وردَّ المؤلفُ هذا القياس بكثرِة الفوارق بين الرواية والشهادة.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر صوابُه في هذه المسألة هو ما اختاره غير واحد من الأصوليين والمحدِّثين من التفصيل في ذلك: فإن كان الشيخ جازمًا بنفيه، وأنه ما روى هذا الحديث أصلًا، لم تُقبل روايةُ الراوي عنه، ولا يقدحُ ذلك في رواية ذلك الراوي في غير ذلك الحديث؛ لأنَّه لم يَثبت كذبُه، وإن لم يجزم بنفيه بل قال: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحو ذلك، لم يقدح فيه.
وقد روى ربيعة بنُ أبي عبد الرحمن عن سهيل بنُ أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد. ثم نسيه سهيل فكان يقول: حدثني ربيعةُ عنِّي أني حدثته. ولم ينكر عليه أحد.
قال العراقي في الفيته:
وإنْ يردَّه بلا أذكر أو … ما يقتضي نسيانَه فقد رأوا
الحكمَ للذاكر عند المعظم … وحكي الإسقاطُ عن بعضهم
كقصة الشاهدِ واليمين إذ … نَسِيَهُ سهيلٌ الذي أُخِذ
عنه فكان بعدُ عن ربيعة … عن نفسه يرويه لن يضيعه
وذكر صاحب "المراقي" تفصيلًا في جزم الشيخ بعدم رواية الراوي، وعزاه للباجي، وحاصلُه أن الشيخ إذا قال: هذا الحديث من جملة مروياتي إلَّا أن فلانًا هذا لم يروه عني جزمًا، قُبلت روايةُ الراوي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
وإنْ كان الشيخُ جازمًا بعدمها، وإن قال الشيخُ: هذا الحديث لم يكن من مروياتي أصلًا، رُدَّتْ روايةُ الراوي عنه. وذلك في قوله عاطفًا على ما تقبلُ فيه الرواية:
والجزمُ من فرع وشك الأصلِ … ودع بجزمه لذلك النقل
وقال بالقبول إن لم ينتفِ … أصل من الحديث شيخ مقتفِ
ومرادُه بهذا الشيخ الباجي.
ثم أشار إلى أنَّ جزمَ الأصلِ بتكذيب الفرع لا يقدحُ في عدالةِ الفرعِ بقوله:
وليس ذا يقدح في العدالة … كشاهد للجزمِ بالمقالة
تنبيه:
ذكر بعضُ أهل العلمِ في هذا المبحث أنَّ السبب الذي منعَ الحنفيةَ من قبول الحكمِ بالشاهد واليمين هو نسيانُ الراوي المذكورِ للحديث، وأنَّ نسيانَه مبطلٌ للروايةِ عندهم.
وقد قدَّمنا في النسخِ أن الموجبَ لردِّ حديث الحكم بالشهادة واليمين عندهم أنَّه زيادة على قوله تعالى: {لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة/ 282]، وأنَّ الزيادة على النصِّ نسخ عندهم، والحديث المذكور آحاد، والآيةُ معلومُ أنَّها من المتواتر، والمتواترُ لا يُنسخ عندهم بالآحاد، كما تقدَّم إيضاحُه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
انفرادُ الثقةِ في الحديث بزيادةٍ مقبول، سواء كانت لفظًا أو معنى. . .) الخ.
خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أن الثقةَ إذا روى زيادةً في الحديث لم يروها غيرُه، بل انفرد بها، فروايتُه لها مقبولة.
واستدلَّ لذلك بأمرين:
الأول: أن الثقةَ لو انفردَ بحديثٍ لَقُبِلَ، فكذلك الزيادة في حديثٍ.
الثاني: إمكانُ انفراده دون غيره بحفظ الزيادة، لاحتمال أن يكونَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذكر الحديث في مجلسين، وذكر الزيادة في أحدهما دون الآخر، وحضر هذا المجلس الذي ذكر فيه الزيادة الثقةُ الذي زادها ولم يحضره الآخر الذي روى الحديث بدونها، كما يحتملُ أيضًا أن الراوي الذي لم يرو الزيادة دخل في أثناء المجلس، وقد سمع غيره الزيادة قبل دخوله، أو عَرض له في أثناءِ الحديثِ ما يزعجُه أو يدهشُه عن الإصغاءِ أو يوجبُ له القيامَ عن تمامِ الحديث، وسَمع غيره الزيادة بعد أن عرضَ له هو ما يمنعُه من سماعها، كمَا يحتملُ أنْ يسمعَ جميع الحديث وينسى منه بعضَ الذي زاده الثقةُ الآخر.--------------------------------------------
(1) (2/ 419).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
فهذه الاحتمالاتُ تبينُ أنَّ انفرادَ الثقة بحفظها دون غيره ممكن، وقد أخبر بها الثقةُ، ولا داعي لردِّ خبر ثقةٍ عن أمرٍ ممكنٍ لم يُعارِضْهُ فيه غيرُه كما ترى.
فإنْ عُلِمَ أنَّهما معًا إنَّا سمعا في مجلسٍ واحد، فقال أَبو الخطاب: يُقدَّمُ قولُ الأكثرين وذوي الضبط، فإنْ تساووا في الحفظ والضبط قدِّمَ قول المثبت.
وإيضاح معنى قول أبي الخطاب المذكور أن السماع إذا كان في مجلس واحد قُدِّمَ قول الأكثرين، سواء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم، تغليبًا لجانب الكثرة، لأن الخطأ أبعد عن العدد الكثير من غيره، فإن تساووا في العدد قُدِّمَ أحفظهم وأضبطهم، للترجيح بالحفظ والضبط، فإن استووا في الكثرة والحفظ قُدِّمَ قول المثبت على النافي.
وقال القاضي: إذا تساويا، فى روايتين. أي إحداهما: قبول الزيادة، وهو الصحيح. والأخرى: عدمُ قبولِ الزيادة.
هذا حاصل كلامه رحمه الله.
واعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن فيها تفصيلًا، لأنها واسطة وطرفان:
طرفٌ لا تقبل فيه الزيادة على التحقيق، وهو ما إذا كانت الزيادة مخالفةً لروايةِ الثقاتِ الضابطين، لأنها يحكمُ عليها حينئذ بالشذوذ فتُرَدُّ.
وطرفٌ تقبلُ فيه الزيادة بلا خلاف، وهو ما إذا تفرَّدَ ثقة بجملةِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
حديثِ لا تعرض فيه لما رواه بمخالفة أصلًا، ومِمَّن حكى الإجماع على قبول هذا الطرفِ الخطيبُ.
وواسطةٌ هي محلُّ الخلاف، وهو زيادةُ لفظة في حديث لم يذكرها غيرُ مَنْ زادَ من رواة ذلك الحديث، كحديثِ حذيفة "وجُعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا"؛ انفرد أَبو مالك سعد بن طارق الأشجعي فقال: "وجعلت تربتها لنا طهورًا" وسائر الرواةِ لم يذكروا ذلك.
والصحيحُ قبولُ مثل هذه الزيادة، كما قرر المؤلف رحمه اللَّه تعالى، وعليه جمهورُ الأصوليين.
ومن أمثلة هذا الباب: حديثُ ابن مسعود الثابتُ في الصحيحين قال: سألتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "أيُّ العملِ أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها"، اتفق أصحاب شعبة عنه على هذا اللفظ، وزاد عليُّ بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم فقال: "الصلاةُ في أولِ وقتها" كما أخرجها الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقه.
وكذلك روى الزيادة المذكورةَ الحسن بن علي المعمري في "اليوم والليلة" عن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة كذلك.
قال ابنُ حجر في "الفتح": وكذلك روى الزيادة المذكورةَ عثمانُ بن عمرَ عن مالك بن مِغْوَل عن شيخِ شعبةَ في الحديث المذكورِ، وهو الوليد بن العَيْزار، عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود، أخرجه ابنُ خزيمةَ في صحيحه والحاكم وغيرهما، قاله ابنُ حجر -أيضًا-.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
فالظاهرُ ثبوتُ هذه الزيادة وإن لم تكن في جميع طرقها.
وقال النووي في "شرح المهذب": إنَّها ضعيفة.
ومن أمثلته -أيضًا- حديث الصحيحين عن أَنس: "أُمِرَ بلال أن يشفعَ الأذان، ويوتر الإقامة".
زاد سماك بنُ عطية "إلَّا الإقامة"، وزيادتُه لها عن أيوب عن أبي قلابةَ عن أَنس ثابتةٌ في صحيح البخاري وغيره.
ومن أمثلة ما قدَّمنا في هذا الباب من أن راوي الحديث بدون الزيادة قد يدخل في أثناء الحديث فتفوته الزيادة: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بنُ عامر رضي الله عنه قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروَّحتها بعشيٍّ، فأدركت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائمًا يحدِّث الناس فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلًا عليها بقلبه ووجهه إلَّا وجبت له الجنَّةَ"، فقلتُ: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر، قال: إني قد رأيتُك جئت آنفًا، قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا عبد اللَّه ورسوله، إلَّا فتحت له أَبواب الجنَّةَ الثمانية يدخل من أيها شاء".
هذا لفظ مسلم في صحيحه.
ومثال ما قدَّمنا من أن راوي الحديث بدون الزيادة قد يعرض له في أثناء الحديث ما يزعجه عن سماع الزيادة التي رواها غيره: ما ثبت في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
الصحيح من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم، فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم"، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم". قالوا: قد قبلنا يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر؟ قال: "كان اللَّه ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض". فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت، فإذا هي يقطع دونها السراب، فواللَّه لوددت أني تركتها. هذا لفظ البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق.
تنبيه:
التحقيق أن الرفع والوصل نوعٌ من الزيادة، فلو روى بعض الرواة حديثًا موقوفًا، ورواه ثقة آخر مرفوعًا، أو رواه بعض الرواة مرسلًا، ورواه ثقة آخر موصولًا، فذلك الرفع وذلك الوصل يُقبل؛ لأَنَّه من زيادة الثقات، وهي مقبولة، ولا تكون الطَّرِيقِ الموقوفة أو المرسلة علة في الطَّرِيقِ المرفوعة أو الموصولة، خلافًا لمن زعم ذلك.
وللأصوليين أقوال كثيرة في زيادات العدول، منها: عدم القبول مطلقًا، ومنها عدمُ القبول إن علم اتحاد المجلس، ومنها: التعارض إذا غيَّرت الزيادة الإعرابَ، إلى غير ذلك من الأقوال.
وأشار إلى بعضها في "المراقي" بقوله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
والرفع والوصل وزيد اللفظ … مقبولة عند إمام الحفظ
إن أمكن الذهول عنها عادة … إلَّا فلا قبول للزيادة
وقيل لا إن اتحاد قد علم … والوفق في غير الذي مر رسم
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
وتجوزُ رواية الحديث بالمعنى للعالم المفرِّق بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، عند الجمهور، فيُبدلُ لفظًا مكان لفظ فيما لا تختلف الناس فيه، كالألفاظ المترادفة، مثل القعود والجلوس، والصبِّ والإراقة، والحظر والتحريم. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره رحمه الله في هذا الفصل: أنَّ نقل الحديث بالمعنى جائز عند الجمهور بشروط، وأنَّ بعض أصحاب الحديث قال بمنعه مطلقًا، وأنَّه لابدَّ من أداء الحديث بنفس اللفظ لا بمعناه.
وشروط جوازه عند من أجازه:
الأول منها: أن يكون ناقلُ الحديث بالمعنى عالمًا باللسان العربي، لا تخفى عليه النكت الدقيقة التي يحصل بها الفرق الخفيُّ بين معاني الألفاظ، عارفًا بالمحتمل وغيره، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، ونحو ذلك؛ لأنَّ من ليس كذلك قد يبدل اللفظ بلفظ يساويه--------------------------------------------
(1) (2/ 422).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
في ظنه وبينهما تفاوت في المعنى خافٍ عليه، فيأتي الخلل في حديثه من ذلك.
الثاني: أن يكون جازمًا يقينًا بمعنى الحديث، لا أن يكون فهمُه للمعنى بنوع استنباط واستدلال يختلف فيه، أو بظنٍّ عدم وضوح الدلالة، خلافًا لمن زعم الاكتفاء بالظن الغالب.
الثالث: أن لا يكون اللفظ الذي نقل به الراوي معنى الحديث أخفى من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا أظهر، أما منع نقله بما هو أخفى منه فواضح، وأمَّا منعه بما هو أظهر منه فقد علَّله المؤلف بأنَّ الشارع ربما قصد إيصال الحكم باللفظ الجلي تارة وبالخفي أخرى. والمعروف عند أهل الأصول تعليلُه بأن الظهور من المرجحات عند التعارض، فقد يتعارضُ مع الحديث الذي رواه الراوي بأظهر من معناه حديثٌ آخر فيرجحه المجتهد عليه بالظهور ظانًّا أن اللفظ للنبي صلى الله عليه وسلم والواقع أنَّ موجب الترجيح من تصرف الراوي لا من النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه العلة ظاهرةٌ كما ترى.
وحجج جواز نقله بالمعنى المذكورة في هذا الفصل:
منها: الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدالُ كلمة عربية بكلمة عجمية فإبدالها بكلمة عربية أولى.
ومنها: أن سفراء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يبلغونهم أوامره بلغتهم.
ومنها: أن الخطب المتحدة والوقائع المتحدة رواها الصحابة بألفاظ مختلفة والمعنى واحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
ومنها: أنَّ من سمع شاهدًا يشهد بالعجمية جاز أنْ يشهد على شهادته بالعربية، والشهادة آكد من الرواية.
ومنها: أن الرواية بالمعنى عن غيره صلى الله عليه وسلم جائزة، فكذلك الرواية عنه، بجامع حرمة الكذب فيهما معًا.
وحجة من قال بالمنع في هذا الفصل حديثُ: "نضَّر اللَّه امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها" الحديث.
هذا هو خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
التحقيقُ في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز نقل الحديث بالمعنى بالشروط المتقدمة، لأَنَّه غير متعبد بلفظه، والمقصود منه المعنى، فإذا أدَّى المعنى على حقيقته كفى ذلك دون اللفظ، ومن أتى بالمعنى بتمامه فقد أدَّاه كما سمعه، فيدخل في قوله: "فأدَّاها كما سمعها"، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى/ 18، 19]، والذي في تلك إنَّما هو معنى ما ذكر، لا لفظه. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن.
فإنْ قيل: ما الجوال عن حديث البراء بن عازب المشهور الصحيح، ومحلُّ الشاهد منهْ أن البراء سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث ومن جملته: "آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت"، فقال البراء: "ورسولك الذي أرسلت" فأبدل لفظ النبي بلفظ الرسول فقال له صلى الله عليه وسلم: "قل آمنت بنبيك الذى أرسلت".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
فأنكر عليه إبدال لفظ النبي بلفظ الرسول، وهذا يدلُّ على منع نقل الحديث بالمعنى.
قلنا: قد أُجيب عن هذا بأجوبة متعددة، والذي يظهر لي -واللَّه تعالى أعلم- أن وجه إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على البراء إبدال النبي بالرسول أن لفظ الرسول لا يقوم مقام لفظ النبي في الحديث المذكور لتفاوت معنى الكلمتين، فإنَّك لو قلت "ورسولك الذي أرسلت" كان قولك "الذي أرسلت" لا حاجة له مع قولك "ورسولك" فهو تكرار ظاهر، وتأكيد لا حاجة إليه، بخلاف لفظ النبي، فإن النبي قد يكون غير مرسل، فصرَّح بأنه مرسل، فيكون قولُه "الذي أرسلت" تأسيسًا لا تأكيدًا، ومعلوم أن التأكيد لا يساوي التأسيس.
وقد تقرَّر في الأصول أنَّه إنْ دار اللفظ بين التأكيد والتأسيس فحملُه على التأسيس أرجح إلَّا لدليل، كما أوضحناه في كتابنا "أضواء البيان" في سورة النحل في الكلام على قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل/ 97].
تنبيهات:
الأول: حكى قوم الإجماع على جواز نقل الحديث بالمعنى في التَّرجمة، أعني إبدال اللفظ العربي بلفظ أعجمي لإفهام أهل ذلك اللسان الأعجمي، وحكى قوم الإجماع -أيضًا- على إبدال لفظ بمرادفه، وأدخل ذلك في الخلاف قوم آخرون.
والفرقُ بين إبدال اللفظ بمرادفه وبين مسألة نقل الحديث بالمعنى،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
أن إبدال اللفظ بمرادفه لابدَّ فيه من بقاء التركيب الأول على حالته من غير تقديم ولا تأخير، ولا إبدال فعل باسم -مثلًا- ولا عكسه، فلو فرضنا مثلًا أن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد "أريقُوا على بوله سجلًا من ماء" فقال الراوي: أريقوا على بوله دلوًا ملأى، أو ذنوبًا من ماء، فهذا من إبدال لفظ بمرادفه، لأنَّه لم يغير فيه شيئًا من تركيب الكلام، وإنَّما أبدل السَّجْل بمرادفه، وهو الذَّنوب أو الدلو المليء، ولو قال -مثلًا-: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب دلوٍ ملأى من الماء على بول الأعرابي، فهذا من النقل بالمعنى، لأنه غيَّره من تركيب إلى تركيب آخر يساويه في المعنى.
وببيان الفرق بين المسألتين يظهر أن المؤلف أدخل إحداهما في الأخرى في قوله: (فيبدل لفظًا مكان لفظٍ).
التنبيه الثاني: اعلم أنَّ الخلاف في جواز نقل الحديث بالمعنى إنَّما هو في غير المتعبد بلفظه، أمَّا ما تُعبد بلفظه كالأذان والإقامة والتشهد والتكبير في الصلاة، ونحو ذلك، فلا يجوز نقله بالمعنى لأنَّه متعبد لفظه.
وقال بعض أهل العلم: وكذلك جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، فلا يجوزُ نقلُها بالمعنى إذْ لا يقدر غيره على الإتيان بمثلها.
قال: ومثال ذلك قوله: "الخراجُ بالضمان"، "البينةُ على المدَّعي"، "العجماء جُبار"، "لا ضرر ولا ضرار"، "الآن حمي الوطيس"، ونحو ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
التنبيه الثالث: اختلف أهلُ العلم في الاحتجاج بألفاظ الحديث على مسائل اللغة العربية، فقال قوم: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ الغالب الرواية بالمعنى دون اللفظ، وكثير من الرواة الذين يروون بالمعنى لا يحتجُّ بهم في اللغة؛ لأنَّ أصلهم عجم أو عرب لا يحتجُّ بقولهم.
واستدلُّوا لهذا بكثرة اختلاف ألفاظ الرواة في الواقعة الواحدة، إذْ ليس كل تلك الألفاظ المختلفة من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم.
وممن قال بهذا القول الدَّمامينيُّ زاعمًا أن علماء عصره، كالبلقيني، وابن خلدون، وغيرهم، وافقوه في ذلك، كما ذكره العبَّادي في "الآيات البينات" عن شهاب الدين عميرة.
وذهب آخرون إلى جواز الاحتجاج بألفاظ الحديث على اللغة العربية بناءً على أن الأصل والغالب الروايةُ باللفظ.
قالوا: ولا حجة على خلاف ذلك باختلاف الألفاظ في الواقعة الواحدة؛ لجواز كونه صلى الله عليه وسلم حدث عن واقعة واحدةٍ في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة، فروى كلُّ راوٍ كما سمع.
وممَّن اشتهر بالاستدلال بلفظ الحديث على اللغة ابن مالك رحمه الله.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
الذي يظهر لي في هذه المسألة -واللَّه أعلم- هو التفصيل فيها، فما غلب على الظن أنَّه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، كبعض الأحاديث التي اتفق فيها جميع الرواة أو معظمهم على لفظ واحد، فإنَّه حجة في اللغة، وما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
غلب على الظن أنَّه من لفظ الراوي بالمعنى، لا يحتج بقوله في العربية، فلا يحتج بلفظه، والعلم عند اللَّه تعالى.
وأشار صاحبُ "المراقي" إلى ما في هذه المسألة من الأقوال بقوله:
والنقلُ للحديث بالمعنى مُنع … ومالك عنه الجواز قد سُمع
لعارف يفهمُ معناه جزم … وغالبُ الظنِّ لدى البعض انحتم
والاستواء في الخفاء والجلا … لدى المجوِّزين حتمًا حصلا
وبعضُهم منع في القصارِ … دون التي تطول لاضطرار
وبالمرادفِ يجوزُ قطعًا … وبعضُهم يحكون فيه المنعا
وجوزت وفقًا بلفظ عجمي … ونحوه الإبدال للمترجمِ
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
مراسيلُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مقبولة عند الجمهور، وشذَّ قومٌ فقالوا: لا يُقبل مرسل الصحابي إلَّا إذا عرف بصريح خبره أو عادته أنَّه لا يروي إلَّا عن صحابي، وإلَّا فلا، لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبتُه. . .) الخ.--------------------------------------------
(1) (2/ 425).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
حاصل ما ذكره في هذا الفصل أن مراسيل الصحابة لها حكم الوصل، لأنَّ الصحابي لا يروي -غالبًا- إلَّا عن صحابي، ولأن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عبَّاس ونظرائه من صغار الصحابة، مع إكثارهم من الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، وكثير من روايتهم عنه مراسيل.
وشذَّ قوم فخالفوا في ذلك، إلَّا إذا عرف عن الصحابي أنَّه لا يروي غالبًا إلَّا عن صحابي.
هذا خلاصة ما ذكره في هذا الفصل.
وقبول مرسل الصحابي هو الصواب.
والذي يظهر لي أن الصحابي لو علم أن أكثر روايته عن التابعين كان مرسله كمرسل غيره، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
فأمَّا مرسلُ غير الصحابة، وهو أن يقول: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم من لم يعاصره، أو يقول: قال أَبو هريرة ولم يدركه، ففيها روايتان:
إحداهما: تقبل، اختارها القاضي، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجماعة من المتكلمين.
والأخرى: لا تقبل، وهو قولُ الشافعي، وبعضِ أهل الحديث،--------------------------------------------
(1) (2/ 428 - 429).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
وأهل الظاهر. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن في قبول الحديث المرسل روايتين عن الإمام أحمد، وأن مذهب مالك وأبي حنيفة ومَنْ ذكر معهم قبوله، ومذهب الشافعي ومن ذكر معه عدم قبوله.
وحجة من قال بقبوله هي: أنَّ العدل لا يحذفُ الواسطة مع الجزم بالخبر إلَّا وهو عالم أنَّ الواسطة التي حذف ثقة، فحذفُه لها مع الجزم بالخبر بمثابة قوله: أخبرني فلان وهو ثقة؛ لأنَّ إخباره عنه صلى الله عليه وسلم بالجزم مع عدم عدالة الناقل الذي لم يذكره ينافي عدالته، لما في ذلك من إحلال الحرام وتحريم الحلال، وإلزام الناس بالعبادات بأمر مشكوك فيه.
وحجة من قال بعدم قبوله: أنَّ الواسطة المحذوفة في المرسل لا تعرفُ عينُها، ومن لا تعرف عينه لم تعرف عدالتُه، وروايةُ مجهول العدالة مردودة كما تقدَّم، ولأنَّ شهادة الفرع لا تقبل على شهادة الأصل، فكذلك الرواية، وافتراق الشهادة والرواية في بعض الأحكام -كما تقدم- لا يستلزمُ افتراقهما في هذا المعنى، كما أنهما لا فرق بينهما في عدم قبول رواية المجروح والمجهول.
هذا هو خلاصة ما ذكره في هذا المبحث، وما أشار إليه هنا من الفوارق بين الشهادة والرواية تقدمت الإشارةُ إلى ما فيه كفاية منه.
تنبيهات:
الأول: اعلم أنَّ المرسل في اصطلاح أهل الأصول غيرُ المرسل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
في الاصطلاح المشهور عند المحدثين.
فضابط المرسل في الاصطلاح الأصولي: هو ما عُرف أنَّه سقطت من سنده طبقة من طبقات السند، كما مثَّل له المؤلف في هذا الفصل.
فالمرسل في اصطلاح أهل الأصول يشملُ أنواع الانقطاع، فيدخلُ فيه المنقطع والمعضل، فمن قال من أهل الأصول بقبول المرسل، فإنه يقبلُ المنقطع والمعضل، كما بينَّا.
والمرسل في الاصطلاح المشهور عند المحدثين: هو قولُ التابعي مطلقًا، أو التابعي الكبير خاصة: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وبعض أهل الحديث يُطلقُ الإرسال على كل انقطاع، كاصطلاح أهل الأصول.
التنبيه الثاني: اعلم أن من يحتجُّ بالمرسل يحتج بعنعة المدلسين من باب أولى، كما نبَّه عليه غير واحد.
التنبيه الثالث: اعلم أن في المرسل لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب:
الأول: أنَّه مردود؛ للجهل بالساقط فيه، وعلى هذا جماهيرُ أهل الحديث.
الثاني: أنَّه مقبول كما تقدَّم، وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأحمد، ولكنه يقدَّم عليه عند التعارض المسندُ؛ لأنَّه أرجح منه.
الثالث: قولُ جماعةٍ: إنَّ المرسل يرجخ على المسند عند التعارض؛ لأنَّ الراوي ما حذف الواسطة في المرسل إلَّا لأنَّه جازم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
بعدالتها، بخلاف المسند، فقد يحيل فيه الناظر على تعديل الراوي.
ولا يخفى عدم اتجاه هذا القول لأنَّ من كانت عدالتُه معروفة لا شك أنَّه أولى ممن لم تعرف عدالته ولا عينه إلَّا بحسن الظن بمن روى عنه أنَّه عالم بأنه عدلٌ وإلَّا لما جزم بالخبر.
التنبيه الرابع: اعلم أن قول المؤلف "فأمَّا مراسيل الصحابة" فيه بحث عربي وهو أن يقال: الياءُ في المراسيل من أين جاءت، والمفردُ مرسل، فالقياس مراسل، كمساجد، لعدم موجب للياء؟
وأظهر ما يقالُ في ذلك -عندي- أن إشباع الكسرة في بعض الكلمات أسلوب عربيُّ معروف، ومنه قولُ كعب بن زهير:
أمست سعادُ بأرض لا يبلغُها … إلَّا العتاق النجيبات المراسيل
وقول الآخر، وهو من أبيات كتاب سيبويه:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة … نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
فالدراهيم بالياء جمع درهم، وأمَّا على زعم من قال: إنَّها جمعُ درهام لغةٌ في درهم، فلا شاهد في البيت.
وأشار في المراقي إلى تعريف المرسل ومذاهب العلماء فيه بقوله:
ومرسل قولةُ غير من صحب: … قال إمامُ الأعجمين والعرب
عند المحدثين قول التابعي … أو الكبير قال خير شافع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
وهو حجة ولكن رجحا … عليه مسند وعكس صححا
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويُقبل خبرُ الواحد فيما تعمُّ به البلوى، كرفع اليدين في الصلاة، ومسِّ الذكر، ونحوه، في قول الجمهور.
وقال أكثر الحنفية: لا يقبل، لأنَّ ما تعمُّ به البلوى، كخروج النجاسة من السبيلين، يوجد كثيرًا، وتنتقض به الطهارة، ولا يحلُّ للنبي صلى الله عليه وسلم ألا يشيع حكمه، إذْ يؤدي إلى إخفاء الشريعة وإبطال صلاة الخلق، فتجبُ الإشاعة فيه، ثم تتوفر الدواير إلى نقله، وكيف يخفى حكمه وتقف روايته على الواحد. . .) الخ.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ مذهب الجمهور هو قبول أخبار الآحاد فيما تعمُّ به البلوى، أي فيما يعمُّ التكليف به، وأن أكثر الحنفية خالف في ذلك قائلًا: إنَّ ما تعمُّ به البلوى تتوفر الدواعي إلى نقله، فلا يقبل إلَّا متواترًا، وأن الحق قبوله، بدليل أنّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون خبر الواحد فيما تعمُّ به البلوى، كقبولهم خبر عائشة في وجوب الغسل من الجماع بدون إنزال، وخبر رافع بن خديج في المخابرة، ولأنَّ الراوي عدل جازم بالرواية، وصدقُه ممكن، فلا يجوز تكذيبه مع إمكان صدقه، وأنَّ ما تعمُّ به البلوى يثبت بالقياس، والخبر--------------------------------------------
(1) (2/ 432).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)