فقيل: هذا لا يمتنعُ؛ لأن الأمةَ لم تجتمع على خطأ في شيء معين واحد. وقيل: يمتنعُ؛ نظرًا إلى خطأ المجموع في الجملة. وهذه المسألة هي محل الخلاف.
فصل: الإجماع السكوتي
إذا قال بعضُ الصحابة قولًا في تكليف، فانتشر في بقية الصحابةِ فسكتُوا(1)، ففي ذلك ثلاثةُ أقوال -والحق أنَّه إجماع سكوتي ظني-:
1 - أنَّه إجماع، وروي عن أحمد ما يدلُّ عليه، وبه قال أكثر الشَّافعية، أي والمالكية؛ تنزيلًا للسكوتِ منزلةَ الرضا والموافقة.
ويُشترطُ في ذلك ألا يعلم أن الساكت ساخط غير راض بذلك القول، وأن تمضي مهلة تسع النظر في ذلك القولِ بعد سماعِه.
2 - أنَّه حجةٌ لا إجماع.
3 - ليس بحجةٍ ولا إجماع؛ لأن الساكتَ قد يسكتْ وهو غيرُ راضٍ. ولذلك أسباب متعددة، كاعتقاده أن كلَّ مجتهد مصيب، أو أنَّه لا إنكار في مسائلِ الاجتهاد، ونحو ذلك.
وتحريرُ هذه المسألةِ أنَّ لها ثلاث حالات:
1 - أن يُعْلَمَ مِنْ قرينةِ حالِ الساكتِ أنَّه راضٍ بذلك، فهو إجماع قولًا واحدًا.--------------------------------------------
(1) (2/ 492).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
2 - أن يُعْلَمَ مِنْ قرينته أنَّه ساخط غير راضٍ، فليس بإجماع قولًا واحدًا.
3 - ألا يُعْلَمَ منه رضًى ولا سُخط، ففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة.
ومذهبُ الجمهورِ أنَّه إجماع سكوتيٌّ، وهو ظنيٌّ كما تقدَّم.
مسألة
اعلم أنَّ الأصوليين اختلفُوا في مستندِ الإجماع، هل يصحُّ أن يكونَ عن اجتهادٍ وقياس؟(1) على ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه لا يتصور(2).
الثاني: أنَّه يتصور وليس بحجة.
الثالث، وعليه الأكثر: أنَّه جائز وواقع، وهو اختيار المؤلف، ومثل له بعضُهم بالإجماعِ على تحريم شحمِ الخنزير قياسًا على لحمه.
ومن أمثلته: الإجماعُ على تحريم القضاء في حالةِ الجوع والعطشِ المفرطَيْن، ونحو ذلك، كالحقنِ والحقب مِنْ مُشَوِّشات الفكر، قياسًا على الغضب المنصوص عليه في الحديث المتفق عليه: "لا يقضينَّ حكم بين اثنين وهو غضبان".--------------------------------------------
(1) (2/ 497).
(2) في الأصل المطبوع: الأول أحدها أنَّه لا يتصور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
فصل
الإجماعُ ينقسمُ إلى مقطوع ومظنون(1)، وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى هذا.
فصل
الأخذُ بأقل ما قيلَ ليس تمسكا بالإجماع، كالاختلاف في ديةِ الكتابي، فقيل: كدية المسلم. وقيل: نصفُها. وقيل: ثلثها.
فالتمسكُ بالثلث ليس بالإجماع(2)، وأظهرُ دليلٍ على ذلك جوازُ مخالفته(3).--------------------------------------------
(1) (2/ 500).
(2) كذا في الأصل المطبوع، ولعل صواب العبارة: فالأخذ بالثلث ليس تمسُّكًا بالإجماع.
(3) (2/ 502).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
الأصل الرابع: الاستصحاب
استصحاب الحال ودليل العقل(1)
اعلم أن الاستصحاب ثلاثة أقسام، اثنان مقبولان عند الجمهور، وواحد مردود عندهم:
1 - استصحابُ العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقلٌ عنه؛ لأنَّ العقل يدلُّ على براءة الذمَّة حتى يقوم الدليل، كعدم وجوب صيام صفر -مثلًا-؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة منه، فيستصحب الحال في ذلك.
وهذا النوع هو الذي ينصرف إليه اسم الاستصحاب، وهو المعروف بالبراءة الأصلية والإباحة العقلية.
وهذا النوع قد دلَّ القرآن على اعتباره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة/ 275]، وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة/ 115].
ووجه الدلالة في الآية الأولى: أنَّه لمَّا نزل تحريم الربا خافوا من الأموال المكتسبة من الربا قبل التحريم، فبينت الآية أن ما اكتسبوا من الربا قبل التحريم على البراءة الأصلية حلال لهم، ولا حرج عليهم فيه.
ووجه دلالة الآية الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب--------------------------------------------
(1) (2/ 504).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين، وأنزل اللَّه {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة/ 113]، ندموا على استغفارهم للمشركين، فبينت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم على البراءة الأصلية، لا إثم عليهم فيه ولا حرج، حتى يبيِّن لهم اللَّه ما يتقونه، كالاستغفار لهم -مثلًا-.
2 - استصحابُ دليل الشرع، كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ، والعموم حتى يرد المخصص، ودوام الملك حتى يثبت انتقاله، ودوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها، ونحو ذلك.
3 - وهو المردود عند الجمهور، هو استصحابُ حال الإجماع في محل النزاع، واعتبره بعضهم، واختاره أَبو إسحاق بن شاقلا.
ومثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: الإجماعُ منعقد على صحة صلاته ودوامه فيها، فنحن نستصحب ذلك إلى ورود الدليل الصارف عنه.
وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الإجماع إنما دل على الدوام فيها حال عدم الماء، أما مع وجوده فلا إجماع حتى يقال باستصحابه.
فصل
اعلم بأنه من نفى حكمًا بأن الأمر الفلاني ليس بكذا اختلف فيه، هل يكفيه مجرد النفي بناء على أنَّه الأصل حتى يرد دليل الوجوب، أو يكلف بالدليل على ما ادعاه من النفي؟(1)--------------------------------------------
(1) (2/ 511).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
وهذا الأخير هو مذهب الجمهور، وهو الحقُّ، واختاره المؤلف، واستدلَّ له بقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)} [البقرة/ 111].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
الأصول المختلف فيها
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(هذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة:
الأول: شرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟ وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم متعبدًا قبل البعثة باتباع شريعة من قبله؟
فيه روايتان:
إحداهما: أنَّه شرعٌ لنا، اختارها التميمي، وهو قول الحنفية.
الثانية: ليس شرعًا لنا.
وعن الشافعي كالمذهبين).
اعلم -أولًا- أن كونه صلى الله عليه وسلم متعبدًا بعد البعثة بشرع من قبلنا أو غير متعبد به متفرعٌ على الاختلاف في شرع من قبلنا؛ فعلى أنَّه شرع لنا بعد وروده في شرعنا فهو متعبد به، وعلى العكس فلا.
وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا الأصل، أن فيه قولين، ورجح أنَّه شرع لنا إن ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينسخ في شرعنا. وهو مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة.
ومشهور مذهب الشافعي أنَّه ليس شرعًا لنا.--------------------------------------------
(1) (2/ 517 - 518).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
وحاصل تحرير هذه المسألة: أن لها واسطة وطرفين، طرفٌ يكون فيه شرعًا إجماعًا، وطرفٌ يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا، وواسطةٌ هي محلُّ الخلاف المذكور.
أما الطرف الذي يكون فيه شرعًا لنا إجماعًا فهو ما ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم ثبت بشرعنا أنَّه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا في قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة/ 45]، ثم صرَّح لنا في شرعنا بأنَّه شرع لنا في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة/ 178].
وأما الطرف الثاني الذي يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا فهو أمران:
أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، كالمأخوذ من الإسرائيليات.
الثاني: ما ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لهم، وصرح في شرعنا بنسخه، كالأصر والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف/ 157].
وقد ثبت في صحيِح مسلم أنَّه صلى الله عليه وسلم لما قرأ: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة/ 286] قال: قال اللَّه: "قد فعلت".
والواسطة: هي ما ثبت بشرعنا أنَّه شرع لمن قبلنا ولم يصرح بنسخه في شرعنا.
وحجة الجمهور أنَّه ما ذكر لنا في شرعنا إلَّا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعًا لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة، كتوبيخه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)} [الصافات/ 137 - 138].
وقد صرح تعالى بأن الحكمة في قصِّ أخبارهم إنما هي الاعتبار بأحوالهم في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف/ 111].
وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام/ 90].
وحجة الشافعي رحمه الله قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة/ 48]، وحمل رحمه الله الهدى في قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}، والدين في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ} [الشورى/ 13] على خصوص التوحيد، دون فروعه العملية.
وقال: إن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم في نحو قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} لا يشمل حكمه الأمة إلا بدليل منفصل؛ لأنه لا يشملها في الوضع اللغوي، فإدخالها فيه صرف للفظ اللغوي عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل.
وأجيب عن استدلال الشافعي بأن النصوص دالة على شمول الهدى والدين في الآيتين للأمور العملية.
أما في الأولى: فقد روى البخاري في صحيحه عن مجاهد أنَّه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص)؟ فقال: "أَوَمَا تقرأ {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} حتى بلغ {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
اقْتَدِهْ}؟ فسجدها داود فسجدها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
فهو تصريح صحيح عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قد أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}، وسجود التلاوة من الفروع العملية، لا من الأصول.
وأمَّا الدين في قوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ} [الشورى/ 13] فقد دل الكتاب والسنة على شموله -أيضًا- للأمور العملية، فقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"، يعني الإسلام والإيمان والإحسان، مع أنه فسر الإسلام فيه بأنه يشمل الأمور العملية كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: "بني الإسلام على خمس". الحديث. ومعلوم أن الصلاة والزكاة والصوم والحج أمور عملية لا عقائد.
وقد قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران/ 19]، وقال {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران/ 85]؛ فدل على أنَّ الدينَ يشمل الأمورَ العلمية كتابًا وسنة.
وبأنَّ الأدلة دلَّت على أنَّ الخطابَ الخاصَّ به صلى الله عليه وسلم يشملُ الأمةَ حكمُه لا لفظُه إلا بدليل على الخصوص، كقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب/ 21]، وقد علمنا من استقراء القرآن أن اللَّه يخاطبُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم بخطاب لفظه خاصٌّ، والمقصودُ منه تعميمُ الحكم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
فمن ذلك قولُه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ}، ثم قال: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} الآية [الطلاق/ 1]، فأفهمَ شمولَه حكمَ الخطابِ للجميع.
وقال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم/ 1 - 2].
وقال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الأحزاب/ 1 - 2].
وقال: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} ثم قال: {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} [يونس/ 61].
فدل التعميم بعد الخطابِ الخاص به في الآيات المذكورة على عموم حكمِ الخطاب الخاصِّ به.
وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} ثم قال: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ} [الروم/ 30 - 31] فهو حال من الضمير المستتر في {فَأَقِمْ} وهو خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم، وتقديره: "فأقم وجهك للدين يا نبي اللَّه في حال كونكم منيبين".
فلو لم يشمل الأمة حكمًا لقال: "منيبًا" بالإفراد، لإجماع أهل اللسان العربي على أنَّ الحالَ الحقيقية، أعني التي لم تكن سببية، لا بد من مطابقتها لصاحبها إفرادًا وتثنيةً وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا، فلا يجوز: جاء زيد ضاحكين، إجماعًا، ودعوى أنَّ العامل في الحال "الزموا" مقدَّرًا، وصاحبها الواو فى "الزموا"، أي: الزموا فطرة اللَّه فى حال كونكم منيبين، تقديرٌ لا دليل عليه، ولا حاجة إليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
وقال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} ثم قال: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} [الأحزاب/ 37].
وقال تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب/ 50] مع أن الكلام خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} الآية، فلو كان حكمُه خاصًّا به لأغنى ذلك عن قوله: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}.
وبأنَّ قولَه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة/ 48] معناه أن بعض الشرائع يُنْسَخُ فيه بعض ما كان فى غيره منها، ويزاد فيها أحكام لم تكن مشروعة مِنْ قبل، وبهذا الاعتبارِ يكونُ لكلٍّ شرعةٌ ومنهاجٌ مِنْ غير مخالفة لما ذكرنا.
قال صاحب "المراقي" فى هذه المسألة:
ولم يكن مكلَّفا بشرع … صلى عليه اللَّه قبل الوضع
وهو والأمةُ بعدُ كلفا … إلا إذا التكليفُ بالنص انتفى
وقيل: لا، والخلف فيما شرعا … ولم يكن داع إليه سمعا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
قول الصحابي
الأصل الثاني المختلف فيه: قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(قول الصحابي ليس بحجة على صحابي آخر).
وخلاصة كلام المؤلف في قول الصحابي أنَّه ذكر فيه أربعة أقوال:
1 - أنَّه حجة يقدَّم على القياس، ويُخَصُّ به العموم. وعزاه لمالك، والشافعي فى القديم، وبعض الحنفية، واستدل بحديث "أصحابي كالنجوم" الحديث.
وهذا القول يُحْمَلُ على ما إذا كان مما لا مجال فيه للرأي.
2 - ليس بحجة. وعزاه لعامة المتكلمين، والشافعي فى الجديد، واختيار أبي الخطاب، واستدل له بإمكان الغلط والخطأ من الصحابة، وبأنه يجوز عليهم الاختلاف، ولم تثبت عصمتهم.
3 - قول الخلفاء الراشدين دون غيرهم. واستدل له بحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" الحديث.
4 - قول أبي بكر وعمر. واستدلَّ له بحديث: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"--------------------------------------------
(1) موضع الكلام على المسألة (2/ 525). وليس فيه النص المذكور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
ويظهر من الثالث والرابع أنه ولو هناك مخالف.
هذه خلاصة كلامه رحمه الله في هذا المبحث.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
حاصلُ تحرير هذه المسألة أنَّ قول الصحابي الموقوف عليه له حالتان:
الأولى: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.
الثانية: أن يكون مما له فيه مجال.
فإن كان مما لا مجالَ للرأي فيه فهو في حكم المرفوع، كما تقرَّر في علم الحديث؛ فيقدَّمُ على القياس، ويُخَصُّ به النصُّ، إن لم يُعْرَفْ الصحابيُّ بالأخذ من الإسرائيليات.
وإن كان مما للرأي فيه مجال، فإن انتشر فى الصحابة ولم يظهر له مخالف فهو الإجماع السكوتي، وهو حجة عند الأكثر.
وإن علم له مخالف من الصحابة فلا يجوز العمل بقول أحدهم إلا بترجيح بالنظر فى الأدلة، كما ذكره المؤلف فى الفصل الذي بعد هذا.
وإن لم ينتشر؛ فقيل: حجة على التابعي ومن بعده؛ لأن الصحابي حضر التنزيل، فعرف التأويل؛ لمشاهدته لقرائن الأحوال.
وقيل: ليس بحجة على المجتهد التابعي -مثلًا-؛ لأن كليهما مجتهد يجوز في حقه أن يخطئ وأن يصيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
والأول أظهر.
وعن أحمد: لا يُخْرَجُ عن قول الخلفاء الأربعة.
فقولهم عنده حجة، وليس بإجماع.
وحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" أخرجه الترمذي وأبو داود. وقال المحلي: إنَّ الترمذي صححه. وهو كذلك.
وحديث: "اقتدوا باللذين من بعدي" أخرجه الترمذي وغيره.
وقال صاحب "الضياء اللامع" عن ولي الدين: إنه صححه ابن حبان والحاكم. وقال المحلي: إنَّ الترمذيَّ حسنه.
وحديث: "أصحابي كالنجوم. . " الحديث، ضعيفٌ لا يحتج به.
تنبيه:
قول الصحابي الذي ليس له حكمُ الرفعِ ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة إجماعًا.
واعلم أن الذين قالوا: إن قول الخلفاء الأربعة، وقول أبي بكر وعمر، كغيرهم من الصحابة، قالوا: إنَّ المراد بالأمر بالاقتداء بهم هو المقلِّد، وأما المجتهد العارف بالدليل فليس بمأمور بترك الدليل الظاهر له إلى قول غيره.
واعلم أنَّ التحقيق أنه لا يُخَصَّصُ النصُّ بقول الصحابي إلا إذا كان له حكمُ الرفع، لأنَّ النصوصَ لا تُخَصَّصُ باجتهاد أحد، لأنَّها حجة على كل مَنْ خالفها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
وأشار صاحب "المراقي" إلى مسألة قول الصحابي بقوله:
رأي الصحابي على الأصحاب لا … يكون حجة بوفق من خلا
في غيره، ثالثها: إن انتشر … وما مخالف له قطُّ ظهر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
الاستحسان
الأصل الثالثُ المختلفُ فيه: الاستحسان.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-: (الثالث: الاستحسان، ولا بدَّ أولًا من فهمه، وله ثلاثة معان:
أحدها: أنَّ المراد به العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليلٍ خاصٍّ من كتابٍ أو سنة.
قال القاضي يعقوب: القولُ بالاستحسان مذهبُ أحمد رحمه الله.
وهذا التعريف للاستحسان هو الصحيح عند المؤلف، ولذا ردَّ التعريفين الآخرين.
(الثاني: أن المراد به ما يستحسنُه المجتهدُ بعقله)(2).
(الثالث: أنَّه دليل ينقدح في نفس المجتهدِ لا يقدر على التعبير عنه)(3).
وبطلان هذين التعريفين ظاهر؛ لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرَّد عقله في تحسين شيء، وما لم يُعبِّر عنه لا يمكن الحكم له بالقبولِ حتى يظهر ويُعْرَضَ على الشرع.--------------------------------------------
(1) (2/ 531).
(2) (2/ 532).
(3) (2/ 535).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
ومثالُ الاستحسان على معناه الذي ارتضاه المؤلف: ما لو باع رجل سلعةً بثمن لأجل، ثم اشتراها بائعها بعينها قبل قبض ثمنها بأكثر من الثمن الأول لأبعد من الأجل الأول.
فالقياسُ يقتضي جواز البيعتين فيهما، لأنَّ كلًّا منهما بيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم، لكنْ عُدِلَ بهذه المسألة عن نظائرها من أفراد بيع سلعةٍ بثمن إلى أجلٍ بدليلٍ خاصٍّ، وهو هنا أنَّ السلعة الخارجةَ من اليد العائدة إليها ملغاة، فيؤول الأمر إلى أخذه عند الأجلِ الأولِ نقدًا، ودفعُه أكثر منه من حينه عند الأجل الثاني. وهذا عين الرِّبا.
وأشار في "المراقي" إلى مسألة الاستحسان بقوله:
والأخذ بالذي له رجحانُ … من الأدلة هو استحسان
أو هو تخصيص بعرفٍ ما يَعُم … ورَعْيَ الاستصلاح بعضُهم يَؤُم
وردُّ كونِه دليلًا ينقدح … ويقصر التعبير عنه متضح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
الاستصلاح
الأصل الرابع المختلف فيه: الاستصلاح، وهو الوصف الذي لم يشهد الشرع لا بإلغائه ولا باعتباره.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(الرابع من الأصول المختلف فيها: الاستصلاح واتباع المصلحة المرسلة. . .) الخ.
وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنَّ المصلحة المرسلة إن كانت من الحاجيات أو التحسينيات، فهو لا يعلم خلافًا في منع التمسك بها؛ لأنَّه وضع حكمٍ بغير دليل.
وإن كانت من الضروريات، فهو يرى جواز العمل بها عن مالك وبعض الشافعية، مع أنَّه يرى منع العمل بها مطلقًا.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
اعلم أن الوصف من حيث هو إمَّا أن يكون في إناطة الحكم به مصلحة أو لا، فإن لم تكن في إناطة الحكم به مصلحة فهو الوصف الطردي، كالطول والقِصَر بالنسبة إلى جميع الأحكام، وكالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، والطردي لا يعلل به حكم.
وإن كان في إناطة الحكم به مصلحة فهو المسمى بالوصف--------------------------------------------
(1) (2/ 537).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
المناسب، وهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يشهد الشرع باعتبار تلك المصلحة، كالإسكار، فإنه وصف مناسب لتحريم الخمر؛ لتضمنه مصلحة حفظ العقل. وقد نصَّ الشرع على اعتبار هذه المصلحة، فحرَّم الخمر لأجلها.
وهذا هو المؤثر والملائم. وسيأتي الكلام عليهما فى القياس إن شاء اللَّه.
فقول المؤلف(1): (إنَّ هذا القسم هو القياس) لا يخلو من نظر.
الثاني: أنْ يلغي الشرع تلك المصلحة، ولا ينظر إليها، كما لو ظاهر الملك من امرأته، فالمصلحة في تكفيره بالصوم، لأنَّه هو الذي يَرْدَعُه؛ لخِفَّةِ العتق ونحوه عليه، لكنَّ الشرع ألغى هذه المصلحة، وأوجب الكفارة بالعتق من غير نظر إلى وصف المكفِّر بكونه فقيرًا أو ملكًا، وهذا الوصف يسمَّى "الغريب" عند جماعةٍ من أهل الأصول.
الثالث: أن لا يشهد الشرعُ لاعتبار تلك المصلحة بدليل خاص، ولا لإلغائها بدليل خاص، وهذا بعينه هو الاستصلاح، ويسمَّى المرسل، والمصلحة المرسلة، والمصالح المرسلة، وسُمِّيَ مصلحة لاشتماله على المصلحة، وسميت مرسلة لعدم التنصيص على اعتبارها ولا على إلغائها.
وعرفه في "المراقي" بقوله:--------------------------------------------
(1) (2/ 537).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)