الخارجة بالمخصص لم ترد فيه تناولًا ولا حكمًا، كما يأتي إيضاحه إن شاء اللَّه تعالى.
السابع: أنَّ المتواتر لا يُنسخ بالآحاد بخلاف التخصيص، فإنَّ المتواتر يخصَّص بالآحاد، لأنَّ النسخ رفع والتخصيص بيان، فقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء/ 24] متواتر، خُصِّصَ عمومه بحديث "لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" وهو آحاد.
وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء/ 11] خُصِّص بقوله: "إنا معاشر الأنبباء لا نورث" الحديث، وهو آحاد.
وأمثلته كثيرة، وسيأتي في مبحث التخصيص كثير منها إن شاء اللَّه تعالى.
وأشارَ في "المراقى" إلى جواز بيان المتواتر بالآحاد، وبيان المنطوق بالمفهوم بقوله:
وبين القاصر من حيث السند … أو الدلالة على ما يعتمد
تنبيه:
اعلم أنَّ التخصيص إن لم يرد فيه المخصِّص -بالكسر- إلا بعد العمل بالعام، والتقييد إن لم يرد فيه المقيِّد -بالكسر- إلا بعد العمل بالمطلق، فكلاهما حينئذ نسخ، ولا يجوز أن يكون تخصيصًا وتقييدًا؛ لأنَّ التخصيص والتقييد بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل، فلمَّا تأخر عن وقته تعين كونه نسخًا، وأشار إلى ذلك في "المراقي" في الأول بقوله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وإن أتى ما خَصَّ بعد العملِ … نَسَخَ والغيرُ مخصِّصًا جلي
وفي الثاني بقوله:
وإن يكن تأخر المقيد … عن عمل فالنسخ فيه يعهد
قال المؤلف(1) رحمه الله:
(فصل
وقد أنكر قوم النسخ، وهو فاسد. . .) إلى آخره.
لا شكَّ أنَّ إنكار النَّسخ فاسد، وأن النسخ جائز عقلًا، كما قدمنا أنَّه لا يلزمُه البداء، وواقع شرعًا، والدليل قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة/ 106]، وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل/ 101].
وإنكار أبي مسلم الأصفهاني له معناه أنَّه يميل إلى أنَّه تخصيص في الزمن، لا رافع للحكم، كما تقدمت الإشارة إليه.
قال المؤلف(2):
(فصل
يجوز نسخ تلاوة الآية دون حكمها، ونسخُ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معًا).--------------------------------------------
(1) (1/ 292).
(2) (1/ 294).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
معنى كلامه ظاهر.
ومثال نسخ التلاوة دون الحكم: نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها، وهي قوله تعالى: {والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم} قيل: كانت هذه الآية من براءة، وقيل: من الأحزاب.
ومنه: نسخ تلاوة آية (خمس رضعات) عند الشافعي ومن وافقه.
ومثال نسخ الحكم دون التلاوة: آية العدة المذكورة آنفًا. وهو أغلب ما في القرآن من النسخ.
ومثال نسخهما معًا: نسخ آية (عشر رضعات)، فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن".
تنبيه:
يتوجه على هذا الذي ذكر في هذا البحث ثلاثة أسئلة:
الأول: أن يقال: كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم، فكيف يرفع المدلولُ مع بقاء دليله؛ لأنَّ هذا يلزمه الدليل بلا مدلولى وهو محال، إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول؟
الثاني: أن يقال: تقدَّم في حد النسخ أنه رفع الحكم. . . إلى آخره، فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؛ لأنَّ الحكم فيه لم يرفع؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
الثالث: أن يقال: ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه إنما نزل ليُتلى ويُثاب عليه، فكيف يرفع، إذ رفعه يقتضي انتفاء حكمته؟
الجواب عن السؤال الأول: هو أنا لا نُسَلِّمُ كون اللفظ دليلًا على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو إنَّما يكون دليلًا عليه عند انفكاكه عمَّا يرفع حكمه، فإذا جاء الخطاب الناسخُ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.
وإيضاحه: أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه سابقًا، وتلاوة ذلك اللفظ، وكتابته في القرآن، وانعقاد الصلاة به، كلها أحكامٌ شرعية مع أحكام ذلك اللفظ، وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ.
قال في "المراقي":
وكل حكم قابل له وفي … نفي الوقوع لاتفاق قد قفي
وإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا مانع من نسخ بعض أحكام اللفظ كالتحريم، والوجوب المفهوم منه، مع بقاء أحكام أخر من أحكامه لم تنسخ، كالتعبد به وإجزائه في الصلاة ونحو ذلك.
فآية الاعتداد بحولٍ -مثلًا- نُسِخَ ما دلَّت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيتْ أحكام أخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، وكتابتها مع القرآن في المصحف. وهو واضح كما ترى.
والجواب عن السؤال الثاني: هو أنَّ نسخ التلاوة فقط معناه نسخُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
التعبد بلفظه والصلاة به وكتبه مع القرآن في المصحف، وهذه أحكام من أحكامه، فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ، فآية الرجم -مثلًا- لا مانع من نسخ التعبد بها والصلاة بها، وكتبها في المصحف، مع بقاء حكم آخر من أحكامها لم ينسخ، وهو رجم الزانيين المحصنين، كما تقدَّم مثله.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم: هذا منسوخ تلاوة لا حكمًا؛ لأنَّه يفهم منه أن نسخ التلاوة منافٍ لنسخ الحكم؟
فالجواب: أنَّ الحكم المنفي عنه النسخ في قولهم (لا حكمًا) غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة؛ لأنَّها أحكام قد نسخ بعضها دون بعض كما تقدم قريبًا.
والجواب عن السؤال الثالث: هو أنه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكمًا إنَّما هو الحكم دون التلاوة، لكنه أنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بلفظ معين ليثبت به الحكم وليستقر، والحال أنه هو المقصود فلا مانع من نسخ اللفظ؛ لأن المقصود هو مجرد الحكم.
فإن قيل: فإن جاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكمُ معها، لأنَّ الحكم تبع للتلاوة، فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟
فالجواب: أن التلاوة حكم، وانعقاد الصلاة بها حكم آخر، ودلالتها على ما دلَّتْ عليه حكم آخر، فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلَّت عليه، فكم من دليل لا يتلى ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوةً في القرآن، والنسخ لا يرفعُ ورودها ونزولها، ولا يجعلها كانها غير واردة، بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى.
قال المؤلف(1):
(فصل
يجوزُ نسخُ الأمر قبل التمكن من الامتثال. . .) إلى آخره.
حاصلُ إيضاح هذا البحث باختصار أنَّ التحقيق هو جواز وقوع نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال.
فإن قيل: فما حكمة الأمر الأول إذا كان ينسخُ قبل التمكن من الفعل؟
فالجواب: أنَّ الحكمة في الأمر الأول هي الابتلاء، هل يتهيأُ للامتثالِ ويظهر الطاعة فيما أُمر به، أو لا؟
ودليلُ هذين الأمرين قصة أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، فإنَّه نُسِخَ عنه ذبحُه قبل التمكن من فعله، وبيَّن اللَّه تعالى أنَّ الحكمة في ذلك هي ابتلاؤه، هل يتهيأ لذبح ولده، فتهيَّأ لذلك وتلَّه للجبين، ولذا قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)} [الصافات/ 106، 107].--------------------------------------------
(1) (1/ 297).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وهذا واضح، كما ترى.
وأقوال من منع هذا وحججهم ظاهرة البطلان، فلا نطيل الكلام بها.
تنبيه:
منشأ الخلاف في هذه المسألة هو: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، وهو الحقُّ، أو هي الامتثالُ فقط، وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ، والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمتُه الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ.
وإلى هذا أشار في "المراقي" بقوله:
للامتثال كلَّف الرقيبُ … فموجبٌ تمكنًا مصيبُ
أو بينه والابتلا تردَّدا … شرط تمكنٍ عليه انفقدا
وأشار إلى المسألة التي نحن بصددها بقوله:
والنسخ من قبل وقوع الفعل … جاء وقوعًا في صحيح النقل
تنبيه آخر:
ذكر بعض أهل الأصول أنَّ هذه القاعدة المذكورة آنفًا التي هي: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، أو هي الامتثال فقط؟ التي هي مبنى الخلاف في جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال = ينبني عليها بعض الفروع الفقهية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
من ذلك -مثلًا-: من علمتْ بالعادة المطَّردة أنها تحيض في أثناء النهار غدًا فبيَّتت الإفطار، ثم حاضت في أثناء النهار بالفعل كما كانت تعتقده. ومن تعتاده حُمَّى الرِّبْع، وعادته أن تأتيه غدًا في أثناء النهار، فبيَّت الإفطار لذلك، ثم أصابته الحمى بالفعل في أثناء النهار كما كان يعتقد.
فعلى أن الحكمة في التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، فتبييت الفطر ممنوع على كل منهما، وقيل فيه بالكفارة إن فعل موجبها قبل حصول الحيض أو الحُمَّى، وهو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى ومن وافقه.
وعلى أن الحكمة الامتثال فقط، فلا كفارة، ولا مانع من تبييت الإفطار؛ لأنه غلب على ظنه انتفاء الحكمة المقصودة بوجود العذر، واللَّه تعالى أعلم.
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
والزيادة على النص ليست بنسخ، وهي على ثلاثة مراتب: أحدها: ألا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة ثم أوجب الصوم، فلا نعلم فيه خلافًا، لأنَّ النسخ رفعُ الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه. . .) إلى آخره.--------------------------------------------
(1) (1/ 305).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
لا يخفى أن زيادة وجوب الصوم على وجوب الصلاة ليس نسخًا للصلاة كما ترى.
وإيضاحُ هذا المبحث أنَّ فيه تفصيلًا لابدَّ منه لم يذكره المؤلف، وهو أن الزيادة على النص لها حالتان:
الأولى: أن تنفي ما أثبتهُ النصُّ الأول أو تثبت ما نفاهُ، وهذه لا شك أنها نسخ، ولم يتعرض لها المؤلف رحمه الله.
ومثالها: تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونحو ذلك.
فإن تحريم هذه المحرمات ونحوها زادته السنة على آية {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام/ 145] مع أن هذه الآية الكريمة تدلُّ على إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها، بدليل حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة بأقوى أدوات الحصر، وهي النفي والإثبات.
ونظير الآية حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة في النحل والبقرة بقوله تعالى في النحل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [النحل/ 115]، وقوله تعالى في البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة/ 173].
وقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب -أعني مفهوم المخالفة-، وفي المعاني في مبحث القصر، أن (إنَّما) من أدوات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
الحصر، وهو الحق؛ فأحاديث تحريم الحمر الأهلية وذي الناب من السباع -مثلًا- زادت تحريم شيء قد دل القرآن قبل ورود تحريمه على أنه مباح، فكونها نسخًا لاشك فيه، وإن خالف فيه كثير من أهل العلم؛ لوضوح النسخ فيه كما ترى؛ لأنه رفع حكم سابق دلَّ عليه القرآن بخطاب جديد.
الحالة الثانية: هي التي ذكرها المؤلف رحمه الله وقسمها إلى مرتبتين:
المرتبة الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مئة.
والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، تعلق الشرط بالمشروط.
والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحدٌ، كما نصره المؤلف، وكما هو الحقُّ.
وإيضاحُه: أن الأولى منهما زيادة جزء، والثانية زيادة شرط، وحكمُ زيادتهما واحد؛ لأن التغريب جزء من الحد، فزيادته على الجلد زيادة جزء من الحد كما هو واضح، ومثله زيادة ركعتين في الرباعية، بناء على أن الصلاة فرضت اثنتين، ثم زيدت في صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه، كما جاء به الحديث.
ومثال زيادة الشرط: زيادة وصف الإيمان في صفة رقبة كفارة اليمين والظهار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
فمذهب الجمهور -وهو الظاهر- أن هذا النوع من الزيادات لا يكون نسخًا؛ لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًّا، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل صارف عنه، والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي.
وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله، فمنع كون التغريب جزءًا من الحد، وإن جاء بذلك الحديث الصحيح، قائلًا: إنَّ الجلد كان مجزئًا وحده، وزيادة التغريب دلَّت على أنه لا يكفي وحده، بل لابدَّ معه من زيادة التغريب، وهذا نسخ لاستقلال الجلد بتمام الحد، وهذا بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد؛ لأن آية الجلد متواترة، وأحاديث زيادة التغريب آحاد، والفرضُ عنده أنَّ الزيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد؟ فلم يقبل ثبوت التغريب بالآحاد بناء على ذلك.
ولأجل هذا بعينه لم يقل بالحكم بالشاهد واليمين في الأموال، الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بناء على أنه آحاد، وأنه زيادة على آية {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة/ 282]، وأن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد.
وكذلك قال الجمهور: إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخًا، فيلزم القول به حملًا للمطلق وهو رقبة كفارة اليمين والظهار على المقيد بالإيمان وهو كفارة القتل خطأ.
ومنع ذلك أبو حنيفة بأن الزيادة على النص نسخ، وحمل المطلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
على المقيد لا يصلح دليلًا النسخ.
وإيضاح هذا: أن الجمهور قالوا: هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخُ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، ولا يمكن الجمع بينهما، فالمزيد في مثل هذا مسكوت عنه.
فإن قيل: هو مدلول عليه بمفهوم المخالفة.
فالجواب: أن الحنفية المخالفين في هذا لا يقولون بمفهوم المخالفة أصلًا، ونحن لا نقول به هنا، مع أنَّا لا نُسلِّم دلالة المفهوم عليه، فقوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور/ 2] لا يدلُّ على عدم وجوب شيء آخر بدليل آخر، إذ ليس فيه ما يدلُّ على الحصر، فالمزيد مسكوت عنه في النص المتقدم، والزيادة رافعة للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي منصوص بدليل شرعي، ثم تلك الدعوى إنما تستقيم لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر، ثم وردت الزيادة بعده، وهذا لا سبيل إلى معرفته، بل لعله ورد بيانًا لإسقاط المفهوم متصلًا به أو قريبًا منه كما أشار له المؤلف.
وإيضاحه: أنَّا لا نُسلِّم أن قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} دلَّ بمفهومه على عدم التغريب، ثم استقر حكم هذا المفهوم بعدم التغريب، ثم وردت الزيادة بالتغريب بعد ذلك، حتى يقال: إنها نسخ، بل يمكن أن تكون زيادة التغريب ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم متصلة بنزول آية الجلد بيانًا أنه لا مفهوم يراد به الاقتصار على الجلد دون التغريب، ويدلُّ لعدم الانفصال بينهما حديث "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
سبيلا. . . " الحديث، فالسبيل آية الحد، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم التغريب مقترنًا بذكره لها كما ترى، والعلم عند اللَّه تعالى.
وإلى التفصيل المذكور آنفًا أشار في "المراقي" بقوله:
وليس نسخًا كلُّ ما أفادا … فيما رسا بالنصِّ الازديادا
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ونسخ جزء العبادة المتصل بها أو شرطها ليس نسخًا لجملتها. . .) إلى آخره.
حاصل هذا المبحث: أن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لنفس ذلك الجزء وذلك الشرط فقط، لا نسخ لجميع الحكم، وهو واضح؛ لأن هذا نُسِخَ وهذا أُبْقِيَ على ما كان عليه.
فمثال نسخ الشرط: أن استقبال بيت المقدس كان شرطًا في صحة الصلاة، فنسخ هذا الشرط ولم يكن نسخُه نسخًا لحكم الصلاة من أصلها، كما ترى.
ومثال نسخ الجزء: نسخ عشر رضعات بخمس، ولا سيما عند من يقول ببقاء حكم خمس رضعات إلى الآن، كالشافعي.
وحجة من قال بأن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لجملة الحكم هو أنَّ--------------------------------------------
(1) (1/ 311).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الاقتصار على الحكم بدون ذلك الجزء أو ذلك الشرط كان ممنوعًا لا يعتد معه بذلك الحكم، وبعده كان الحكم تامًا، وهذا نسخ.
وأجيب من جهة الجمهور أن ذلك الشرط أو ذلك الجزء إنما كان وقت تشريعه رافعًا للبراءة الأصلية، فلما نسخ رجع سقوطه إلى حكم البراءة الأصلية، والباقي كان مشروعًا، ولم يزل كذلك.
وأشار إلى هذا في "المراقي" بقوله:
والنسخ للجزءِ أو الشرط انتقي … نسخه للساقط لا لِلَّذْ بقي
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
يجوز نسخ العبادة إلى غير بدل. وقيل: لا يجوز، لقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة/ 106]).
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
هذا الذي حكاه رحمه الله بصيغة التضعيف التي هي قيل، يجب المصير إليه، ولا يجوز القول بسواه البتة؛ لأنَّ اللَّه جل وعلا صرَّح به في كتابه، واللَّه يقول: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)} [النساء/ 87]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)} [النساء/ 122]؛ {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} الآيات [الأنعام/ 115] أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في--------------------------------------------
(1) (1/ 313).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
الأحكام.
فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من مالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل ووقوعه، مع أن اللَّه يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} فقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط رَبْطَ الجزاءِ بشرطِه، ومعلوم عند المحققين أنَّ الشرطية إنَّما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أنَّ هذا الربط الذي صرَّح اللَّه به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيحٌ لا يمكن تخلفُه بحال، فمن ادَّعى انفكاكه وأنَّه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقضُ القاطع كاذبٌ يقينًا، لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق اللَّه العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئًا من كلامه جل وعلا.
وقول المؤلف(1) رحمه الله (ولنا: أنَّه متصوَّر عقلًا. . .) ظاهر السقوط، لأن صريح القرآن لا يناقض بالتجويز العقلي.
وقوله(2): (قام دليله شرعًا. .) ليس بصحيح، إذ لا يمكن قيام دليل شرعي على ما يخالف صريح القرآن.
وقوله(3): (إن نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي، وتقديم--------------------------------------------
(1) (1/ 313).
(2) (1/ 313).
(3) (1/ 313).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
الصدقة أمام المناجاة، كلاهما نسخ إلى غير بدل، وأن ذلك دليل على النسخ لا إلى بدل. .) غيرُ صحيح؛ لأنَّ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي نسخ ببدل خير منه، وهو التخيير في الادخار والإنفاق المذكور في الأحاديث، وتقديم الصدقة أمام المناجاة منسوخ ببدل خير منه، وهو التخيير بين الصدقة تطوعًا ابتغاء لما عند اللَّه وبين الإمساك عن ذلك، كما يدل عليه قوله: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [المجادلة/ 13].
وقولُ المؤلف(1) رحمه الله: (فأمَّا الآية فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر. . .) ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنَّ الآية الكريمة صريحة في أنه مهما نسخ آيةً أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها، كما هو واضح.
وقول المؤلف(2): (على أنَّه يجوز أن يكون رفعُها خيرًا منها في الوقت الثاني، لكونها لو وجدت فيه لكانت مفسدة) يُقال فيه: ذلك الرفع الذي هو خير منها، هو عينُ البدل الذي هو خير منها، الذي هو محل النزاع.
وما أجاب به صاحب "نشر البنود شرح مراقي السعود" تبعًا للقرافي من أن الجواب لا يجب أن يكون ممكنًا فضلًا عن أن يكون واقعًا، نحو: إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان = ظاهر--------------------------------------------
(1) (1/ 314).
(2) (1/ 314).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
السقوط أيضًا؛ لأن مورد الصدق والكذب في الشرطية إنَّما هو الربطُ، فتكون صادقة لصدق ربطها، ولو كانت كاذبة الطرفين لو حُلَّ ربطُها.
ألا ترى أنَّ قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء/ 22] قضية شرطية في غاية الصدق، مع أنها لو أزيل منها الربط لكذب طرفاها، إذْ يصير الطرف الأول: كان فيهما آلهة إلا اللَّه، وهذا باطل قطعًا، ويصير الطرف الثاني: فسدتا، أي السموات والأرض، وهو باطل أيضًا، والربط لاشك في صحته، وبصحته تصدق الشرطية، فلو كان فيهما آلهة غير اللَّه لفسد كل شيء بلا شك.
وكذلك لو صحَّ أن الواحد نصف العشرة لصح أن العشرة اثنان، لكنَّه لم يصح أن فيهما آلهة غير اللَّه، ولا أن الواحد نصف العشرة، كما هو معروف، بخلاف الشرط في الآية فقد صح، وبصحته يلزم وجود المشروط.
واعلم أن قول من قال: إن أهل العربية يجعلون الصدق والكذب في الشرطية إنَّما يتواردان على الجزاء والشرط إنَّما هو شرط في ذلك. . . غيرُ صحيح، بل التحقيق أن الصدق والكذب عندهم يتواردان على الربط بينهما كما ذكرنا، كما حقَّقه السيد في حواشيه على "المطول"، وكما حققه البنَّاني في "شرح السلم"، وهو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه؛ لصدق الشرطية مع كذب الطرفين كما بينَّا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
ويجوز النسخ بالأخف والأثقل. . .) إلى آخره.
حاصل هذا المبحث أنه يجوز نسخ الحكم الأثقل بالأخف منه، كما يجوز نسخ الأخف بالأثقل منه.
ومثال نسخ الأثقل بالأخف: نسخ الاعتداد بالحول في قوله تعالى: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة/ 240]، بأربعة أشهر وعشر في قوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة/ 234]، ومعلوم أن الأربعة أشهر وعشر ليال أخف من السنة.
وكنسخ مصابرة الواحد عشرة من الكفار، المنصوص في قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال/ 65] بمصابرة اثنين، المنصوص في قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال/ 66]؛ فإن مصابرة اثنين أخف من مصابرة عشرة.
وكنسغ قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة/ 284] بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة/ 286].
ومثال نسخ الأخف بالأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والإطعام،--------------------------------------------
(1) (1/ 315).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
المنصوص في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة/ 184] بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة/ 185] لأن إيجاب الصوم أثقل من التخيير بينه وبين الإطعام.
ونسخ حبس الزواني في البيوت، المنصوص عليه بقوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} [النساء/ 15] بالجلد بقوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور/ 2]، والرجم أثقل من الحبس في البيوت.
ولو قيل: إن آية الحبس في البيوت غير منسوخة؛ لأنَّها كانت لها غاية هي قوله تعالى: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)} الآية، وقد حصلت الغاية بجعل السبيل كما قال صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني، خذو عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" الحديث، فذلك السبيل هو الجلد والرجم = لكان حسنًا متَّجهًا.
ومن أمثلته: نسخ إباحة الخمر المنصوص في قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل/ 67] بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة/ 90 - 91]، خلافًا لمن زعم أنَّ تحريم الخمر رافع للبراءة الأصلية، لا حكم شرعي، فليس عنده بنسخ؛ لأنه فسر قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} بأن المراد بالسَّكر الطعم أو الخل لا الخمر، وهو خلافُ الصحيح.
فإن قيل: كيف جاز نسخُ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف مع أن اللَّه يقول: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، فإن كان الأثقل خيرًا لكثرة الأجر فلم جاز نسخه بالأخف؟ وإن كان الأخف خيرًا لسهولته فلم جاز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
نسخه بالأثقل؟
فالجواب: أنَّ الخيرية دائرة بين الأخف والأثقل، فتارة تكون في الأخف فينسخ به الأثقل لسهولة الأخف، وتارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه فينسخ به الأخفُّ.
وإنكار الظاهرية لنسخ الأخف بالأثقل، محتجين بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة/ 185] وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء/ 28]، ونحو ذلك من الآيات = لا وجه له، لأنَّ المراد بالآيات التخفيف بالجملة، فلا ينافي أنَّه ربما شرع حكمًا أثقل مما قبله، كما أوجب الصوم بعد التخيير، ونحو ذلك.
وإلى هذه المسألة أشار في "المراقي" بقوله:
ويُنْسَخُ الخِفُّ بماله ثِقَل … وقدْ يجيء عاريًا من البدل
قال المؤلف(1) -رحمه اللَّه تعالى-:
(فصل
إذا نزل الناسخُ فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه. . .) الخ.
حاصل هذا المبحث: أن الحكم اختلف فيه، هل يثبت بمجرد وروده، وإن لى يبلغ المكلف، أو لا يثبت بحق المكلف إلا بعد بلوغه له؟--------------------------------------------
(1) (1/ 318).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)