والصوم مثلًا، فإنَّ عدم الحيض لا يلزم منه وجودهما ولا عدمهما؛ لأنَّ المرأة الطاهرة قد تصلي وتصوم، وقد لا تفعل ذلك؛ بخلاف وجود الحيض فإنه مانعٌ من الصلاة والصوم.
تنبيه:
المانع ثلاثة أقسام:
1 - مانع للدوام والابتداء معًا، كالرضاع بالنسبة إلى النكاحِ، فإنه مانع منه ابتداء ودوامًا، ومعنى منعه ابتداء أنه يمنع من ابتداء عقد النكاح، إذ لا يجوزُ عقد النكاحِ ابتداءً على امرأة هي أخته من الرضاعة، ومعنى منعه الدوام أنه لو تزوج رضيعةً ليست له بمحرم، ثم بعد عقد النكاح أرضعتها أمُّه أو أختُه مثلًا، فإنَّ هذا الرضاع الطارئ على العقدِ يمنع من الدوام على العقد، بل يجب فسخه حالًا.
2 - مانع للابتداء فقط دون الدوام، كالإحرام بالنسبة إلى النكاح، فإنَّ الإحرام يمنع ابتداء عقد النكاح ما دام مُحْرِمًا، ولا يمنع من الدوام على نكاح قبله.
3 - مانع للدوام دون الابتداء، كالطلاق، فإنه مانع من الدوام على النكاح الأول ولا يمنع ابتداء نكاح ثان.
وأمَّا الصحة فهي في اللغة: السلامة وعدم الاختلال، ومنه قوله:
وليل يقول المرء من ظلماته … سواء صحيحاتُ العيون وعورها
والصحة في اصطلاح الفقهاء تطلق في العبادات وفي المعاملات،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
فالصحة عندهم في العبادات: هي الإجزاء وإسقاط القضاء، فكلُّ عبادة فُعلت على وجهٍ يجزئ ويسقط القضاء فهي صحيحة.
والصحةُ عندهم في المعاملات: هي ترتبُ الأثر المقصود من العقد على العقد، فكلُّ نكاح أباح التلذذ بالمنكوحة فهو صحيحٌ، وكلُّ بيع أباح التصرف في المبيع فهو صحيح. وهكذا.
وأمَّا عند المتكلمين فضابطُ الصحة مطلقًا في العبادات وغيرها هي موافقةُ ذي الوجهين الشرعي منهما.
وإيضاحه: أنَّ كلَّ فعل -عبادة كان أو معاملة- لا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون موافقًا للوجه الشرعي، أو مخالفًا له، فإنْ وقع موافقًا له فهو الصحيح.
والقائلون بهذا القول منهم من قال: إنَّ الموافقة للوجه الشرعي لابدَّ أن تكون واقعة في نفس الأمر، ولا يكفي فيها ظنُّ المكلف الموافقة، إنْ كانت غير حاصلة في نفس الأمر.
ومنهم من قال: تكفي الموافقة في اعتقاد المكلَّف وإن لم تحصلْ في نفس الأمر، كمن صلى يظنُّ أنَّه متطهر وهو محدث، فالموافقة للوجه الشرعي حاصلة في ظنِّه لا في نفس الأمر، فمن قال: يكفي في ذلك اعتقاده، قال: صلاتُه صحيحة، وهو قولُ بعض المتكلمين، وبعضهم يقول: هي صحيحة، ولكن يجب قضاؤها، وبعضهم يقول: هي صحيحة لا يجب قضاؤها، وعامةُ الفقهاء على أنها باطلةٌ؛ لاختلال شرط الصحة وهو الطهارة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وقولُ المؤلف(1) في هذا المبحث:
(وهذا يبطل بالحج الفاسد، فإنَّه يؤمر بإتمامه وهو فاسد).
إيضاحُ مراده: أنَّ قول المتكلمين إن الصحة موافقةُ ذي الوجهين الشرعي منهما يقدح فيه بأن إتمام الحج الفاسد بعد فساده مأمور به، فتتميمه موافق للوجه الشرعي، ولو كانت الصحة موافقته لكان صحيحًا، مع أنَّه فاسد.
ويجاب عن هذا بأن الحج إنَّما فسد لأنَّه وقع مخالفًا للوجه الشرعي بارتكاب ما يفسده أولًا. وهو واضح.
وأمَّا الفساد فهو في اللغة: ضد الصلاح.
وهو في اصطلاح الفقهاء يُعْرَفُ من تعريف الصحة المتقدم.
فالفساد في اصطلاح الفقهاء في العبادات: هو عدم الإجزاء وعدم إسقاط القضاء، وكلُّ عبادةِ فُعِلَتْ على وجهِ لم يجزئ ولم يسقط القضاء فهي فاسدة. وفي المعاملات: عدمُ ترتبِ الأثر المقصود من العقد على العقد، فكلُّ نكاح لم يفد إباحة التلذذ بالمنكوحةِ فهو فاسد، وكلَّ شراءٍ لم يفد إباحة التصرف في المشترى فهو فاسد.
وعند المتكلمين، فالفساد: هو مخالفة ذي الوجهين الشرعي منهما.--------------------------------------------
(1) (1/ 252).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
والفاسد والباطل مترادفان، فمعناهما واحد عند الجمهور، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، فجعل الباطل هو ما منع بوصفه وأصله، كبيع الخنزير بالدم، وجعل الفاسد هو ما شرع بأصله ومنع بوصفه، كبيع الدرهم بالدرهمين، فهو مشروع بأصله وهو بيع درهم بدرهم، ممنوعٌ بوصفه الذي هو الزيادة التي سببت الربا، ولذا لو حذف الدرهم الزائد عنده صح البيع في الدرهم الباقي بالدرهم، على أصل بيع الدرهم بالدرهم يدًا بيد.
قال في مراقي السعود:
وقابل الصحة بالبطلان … وهو الفساد عند أهل الشان
وخالف النعمانُ فالفسادُ … ما نهيُه بالوصف يستفاد
وأمَّا الإعادة فهي في اللغة: تكرير الفعل مرة أخرى. ومنه قول توبة بن الحمير:
من الخفرات البيض ودَّ جليسها … إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
وهي في اصطلاحهم: فعل العبادة مرة أخرى؛ إمَّا لبطلانها -مثلًا- فتعاد في الوقت وبعده، وإمَّا لغير ذلك، كإعادتها لفضل الجماعة في الوقت.
وأمَّا القضاء في اللغة، فيأتي لمعان كثيرة، ومنها: فعل العبادة كيف ما كان في وقتها أم لا، لقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} الآية [النساء/ 103]، {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} الآية [البقرة/ 200]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} الآية [الجمعة/ 10].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وهو في اصطلاح أهل الأصول: فعلُ جميع العبادة المؤقتة خارج الوقت المقدَّر لها.
وقولنا: "جميع العبادة" لأنَّها إن فعل بعضها في الوقت كانت أداء على الأصح.
وأمَّا الأداء في اللغة: فهو إعطاء الحق لصاحب الحق، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء/ 58]، وقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران/ 75]:
والأداء في الاصطلاح: هو إيقاع العبادة في وقتها المعيَّن لها شرعًا لمصلحة تشتمل عليها في الوقت.
وعرفه صاحب مراقي السعود بقوله:
فعلُ العبادة بوقت عُيِّنا … شرعًا لها باسم الأداء قُرِنا
وكونه بفعل بعض يحصل … لعاضد النصِّ هو المعولُ
وقيل ما في وقته أداء … وما يكون خارجًا قضاء
وعرَّف القضاءَ بقوله:
وضدُّه القضا تداركًا لما … سبق الذي أوجبه قد علما
وعرَّف الوقت بقوله:
والوقتُ ما قدره من شرعا … من زمن مضيقًا موسعًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وعرَّف الإعادة بقوله:
وانتفيا في النفل والعبادة … تكريرُها لو خارجًا إعادة
تنبيه:
قد يجتمع الأداء والقضاء في العبادة، كالصلوات الخمس، فإنَّها تؤدَّى في وقتها وتُقضى بعد خروجه.
وقد ينفرد الأداء دون القضاء، كصلاة الجمعة، فإنها تُؤدَّى في وقتها ولا تقضى بعد خروج الوقت بل يجب قضاؤها ظهرًا.
وقد ينفرد القضاء دون الأداء، كما في صوم الحائض، فإنَّ أداءه حرام، وقضاءه واجب.
وقد ينتفيان معًا في النوافل التي ليس لها أوقات معينة.
ولا يخفى أن القضاء في الاصطلاح إنَّما هو فيما فات وقته المعين له، وقد سبق له وجوب في وقته، فما لم يعين له وقت لا يُسمى قضاءً، كالزكاة إذا أخرَّها عن وقتها، وكمن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخرها، فلا يقال: إنَّ صلاته بعد التأخير قضاء القضاء.
وهنا سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقال: الحائض في بعض أيام رمضان يجبُ عليها القضاء إجماعًا مع أن الوقت فات، والصوم عليها حرام، فكيف يجب قضاء ما فات وقته وهو حرام؟
وكذلك يُقال في الناسي والنائم؛ لأنَّهما فات عليهما وقت الصلاة وهي غير واجبة عليهما، بدليل الإجماع على سقوط الإثم عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وقد تكلَّمنا فيما سبق على مسألة الناسي والنائم بما يُغني عن إعادة الكلام هنا.
وأمَّا الحائض فقد اختلف في إطلاق وجوب الصوم عليها زمن الحيض وعدمه، فأكثر العلماء على أنَّ انعقاد السبب مع وجود المانع يكفي في إطلاق الوجوب على العبادة المنعقد سببها المانع منها مانع.
وقال بعضهم: انعقاد سبب الوجوب مع وجود المانع لا أثر له، فلا يوصفُ بوجوب إلا ما توفرت شروطه وانتفت موانعه.
وعلى قول الجمهور: إنَّه يكفي في إطلاق اسمِ الوجوب عليه انعقادُ سببه وإن منع منه مانع، فالفعل الثاني قضاء للأول، وعلى قول من قال: إنه لا يطلق عليه اسم الوجوب، فالفعل الثاني أداء بأمر جديد وليس قضاء للأول.
وفرق بعض العلماء بين النائم والناسي والمسافر وبين الحائض، فقال: الفعل في غير زمن الحيض كزمن النوم والنسيان والسفر يوصف بالوجوب، ففعله الثاني قضاء لذلك الواجب، وأمَّا الحيض فالصوم فيه حرام، فلا يمكن وصفه بالوجوب، فصوم الحائض عدَّة من أيام أخر على هذا أداءٌ بأمر جديد لا قضاء.
وذكر ابن رشد في "المقدمات" أنَّ هذا التفصيل هو الراجح عند المالكية. وعليه درج في المراقي بقوله:
هل يجب الصوم على ذي العذر … كحائضٍ ومُمْرَضٍ وسَفْرِ
وجوبه في غير الأول رجح … وضعفه فيه لديهمُ وَضَح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
وهذا القول بأن صوم الحائض ما فاتها من رمضان إذا طهرت أداءٌ لا قضاءٌ هو الذي رده المؤلف بقوله(1):
(وهذا فاسد؛ لوجوهٍ ثلاثة:
1 - ما روي عن عائشة رضي الله عنها: "كُنَّا نحيض على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرُنا بقضاء الصلاة".
2 - أنَّه لا خلافَ بين أهلِ العلمِ في أنهم ينوون القضاء.
3 - أنَّ العبادة متى أمر بها في وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه لا يجب بعده. . .) الخ.
هذه الأوجه الثلاثة التي رد بها المؤلف ذلك:
الوجه الأول منها لا دليل فيه؛ لأنَّ إطلاق عائشة رضي الله عنها اسم القضاء على صوم الحائض ما فاتها من رمضان لا دليل فيه؛ لأن القضاء يطلق في اللغة على فعل العبادة مطلقًا في وقتها أم لا.
وتخصيصه بفعلها بعد خروج الوقت اصطلاح خاص للأصوليين والفقهاء، فلا دليل قطعًا في لفظ عائشة المذكور؛ لأن الاصطلاح المذكور حادث بعدها.
وأما الوجه الثاني، وهو الإجماع على أنهم ينوون القضاء، فهو الدليل الجيد المعتمد في محل النزاع، مع أن بعض أهل العلم ناقش--------------------------------------------
(1) (1/ 256 - 257).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
هذا الدليل قائلًا: إنه لم ينعقد فيه إجماع، وإنه لا مانع من قصد الحائض الأداء بأمر جديد.
وعليه -أي الخلاف في ذلك- درج في المراقي بقوله:
وهو في وجوب قصد للأدا … أو ضده لقائل به بدا
والاكتفاء بانعقاد سبب الصوم -مثلًا- في وجوب القضاء، وإن منع من تمام الوجوب مانع كالحيض، هو مراد المؤلف بقوله(1):
(ولا يمتنع وجوب العبادة في الذمَّة بناء على وجود السبب مع تعذُّرِ فعلها، كما في النائم والناسي، وكما في المحدث تجب عليه الصلاة مع تعذر فعلها منه في الحال، وديون الآدميين تجب على المعسر مع عجزه عن أدائها) وهذا واضحٌ كما ترى.
وأمَّا العزيمة فقد عرَّفها المؤلف رحمه الله في اللغة بقوله(2): (العزيمة في اللسان: القصدُ المؤكد، ومنه قوله تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه/ 115] {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران/ 159]).
وعرفَّها -أيضًا- في عرف حملة الشرع بقوله(3): (فالعزيمة الحكمُ الثابتُ من غير مخالفةِ دليلٍ شرعيٍّ. وقيل: ما لزم بإيجاب اللَّه تعالى).
والتعريفُ الأولُ أكمل؛ لأنَّ العزيمة تشملُ الواجب والمندوب--------------------------------------------
(1) (1/ 825).
(2) (1/ 258).
(3) (1/ 259).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
والحرام والمكروه.
وكثير من أهل الأصول يُطْلِقُ اسم العزيمة على كل ما ليس برخصةٍ كما سيأتي.
وأما الرُّخصة فهي في اللغة: النعومة واللِّين، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
وثَدْيًا مثل حق العاج رخصًا … حصانًا من أكف اللامسينا
وعرَّفها المؤلف لغة بأنها السهولة واليسر، قال(1): (ومنه رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء).
وعرَّفها في اصطلاح أهل الأصول بأنها: (استباحة المحظور مع قيام الحاظر. وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح)(2).
وهذا التعريف الأخير الذي حكاه بقيل أجود من الأول.
ومثاله: إباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور الذي هو أكل الميتة مع قيام الحاظر أي المانع الذي هو خبث الميتة الذي حُرِّمت من أجله، وهو -أيضًا- ثابت على خلاف دليل شرعيِّ هو {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة/ 3] لمعارضٍ راجح، كقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} الآية [المائدة/ 3] ونحوها من الآيات.--------------------------------------------
(1) (1/ 258).
(2) (1/ 259).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
ومن أجود تعاريف الرُّخصة، ما عرُّفها به بعضُ أهل الأصول من أنَّها: هي الحكم الشرعي الذي غُيِّر من صعوبة إلى سهولةٍ لعذرٍ اقتضى ذلك، مع قيام سبب الحكم الأصلي.
فخرج بالتغيير ما كان باقيًا على حكمه الأصلي، كالصلوات الخمس، وخرج بالسهولة نحو حرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، لأنه تغيير من سهولة إلى صعوبة، وكذلك الحدود والتعازير، مع تكريم(1) الآدمي المقتضي للمنع من ذلك قبل وروده.
وخرج بالعذر ما تغيَّر من صعوبة إلى سهولة لا لعذر، كترك تجديد الوضوء لكل صلاة، فإنَّ التجديد لكل صلاة كان لازمًا ثم غير إلى سهولةٍ هي أنَّه يصلي بوضوء واحد كلَّ الصلوات ما لم يُحْدِث، إلا أن هذا التغيير لا يسمى رخصة اصطلاحًا، لأنه لم يكن لعذر جديد.
وخرج بقيام سبب الحكم الأصلي النسخُ، كتغيير إيجاب مصابرة المسلم الواحد العشرة من الكفارِ بمصابرة اثنين منهم فقط المنصوص في أخريات الأنفال؛ لأنَّ الحكم الأصليَّ الذي هو مصابرة العشرة كان في أول الإسلام لقلة المسلمين وكثرة الكافرين، وفي وقت النسخ زال هذا السبب بكثرة المسلمين، وكذلك ما لو قطع من إنسان بعض أعضاء الوضوء فإن غسله يسقط عنه وجوبه ولا يسمى رخصة؛ لأن سبب الحكم الأصلي وجود محله وقد زال هنا بقطعه.--------------------------------------------
(1) أي أن إكرام الآدمي حق له، فتغير هذا الحق بصعوبة، وهو التعزير، فليس ذلك رخصة. "عطية"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وعرَّف صاحب المراقي الرخصة والعزيمة بقوله:
للعذر والرخصة حكمٌ غُيِّرا … إلى سهولةٍ لعذر قُرِّرا
مع بقاء علة الأصلي … وغيرها عزيمة النبي
وقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا المبحث أنَّ إباحة التيمم إنْ كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرضٍ أو لزيادة ثمنٍ سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه كعدم الماء فلا تسمى رخصة؛ لأنّ سبب الحكم الأصلي وهو وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه. وهو ظاهر.
والأكثرون على أنَّ إباحة الميتة للمضطر رخصة وإنْ وجب عليه الأكل لإحياء نفسه، لأنَّ الرخصة قد تجبُ كما هنا، وسميت رخصة لما فيها من التسهيل عليه بالإذن في أكل الميتة، ولم يضيق عليه بإلزامه ترك الأكل منها حتى يموت. وقيل: من جهة التوسيع رخصة، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة، والواحد بالشخص له جهتان كما تقدم.
وذكر المؤلف في هذا المبحث أيضًا ما خلاصتُه: أنَّ الصورة المخرجة من العموم بمخصص إن كانت توجد فيها علة الحكم العام تسمى رخصة، وإن كانت لا توجد فيها لا تسمى رخصة.
مثال ما وجدت فيه علة الحكم العام من صور التخصيص: مسألة بيع العرايا؛ لأنَّ بيع الرطب بالتمر اليابس فيها داخل في عموم أدلة النهي عن المزابنة، وعلة تحريم المزابنة التي هي عدم تحقق المماثلة الواجب تحققها في التمر بالتمر إجماعًا موجودة في الصورة المخرجة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
من حكم العام بدليل خاص، وهي إباحة بيع العرايا المذكور.
ومثال ما لم توجد فيه علة العام: إباحة رجوع الأب فيما وهب لابنه، فإنه داخل في عموم المنع في حديث الواهب: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" ولكنه خرج بدليل خاص، وعلةُ المنع غيرُ موجودةٍ في الأب؛ لأنَّ الأبوة تجعل له من التسلط على ما تحت يد الولد ما لم يكن لغيره.
وناقش بعضُ العلماء في الفرق بينهما، وقال: لا فرق بين المسألتين.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
باب أدلة الأحكام
قال المؤلف(1):
(الأدلةُ جمع دليل، وهو فعيل بمعنى فاعل، من الدَّلالة وهي فهم أمر من أمر، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمرٌ فُهِمَ أو لم يُفْهَم، وهي مثلثة الدال والفتح أفصح، والدليل في اصطلاح أهل الأصول: هو ما يمكن التوصلُ بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري).
وعرَّفه في المراقي بقوله:
وما به للخبر الوصول … بنظر صحَّ هو الدليل
والنظر في الاصطلاح: الفكرُ الموصل إلى علمٍ أو غلبةِ ظن.
وعرَّفه في المراقي بقوله:
والنظرُ الموصل من فكرٍ إلى … ظنٍّ بحكم أو لعلمٍ مسجلا
والفكرُ في الاصطلاح: حركةُ النفس في المعقولات. أمَّا حركتُها في المحسوسات فتخييل.
قال المؤلف(2) -رحمه اللَّه تعالى-:
(الأصول أربعة: كتابُ اللَّه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والإجماع، ودليلُ العقلِ المبقي على النفي الأصلي.--------------------------------------------
(1) (1/ 264).
(2) (1/ 264).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
واختلف في قول الصحابي، وشرع من قبلنا، وسنذكرُ ذلك إنْ شاء اللَّه).
كلامُه واضح.
واعلم أنَّ المؤلف ترك مسائل كثيرة يذكرها الأصوليون في كتاب الاستدلال، كتحكيم العرف، والقضاء بسد الذرائع إلى المحرَّمات، وفتحها إلى الواجبات، وغير ذلك.
قال المؤلف(1) رحمه الله:
(وأصل الأحكام كلها من اللَّه سبحانه، إذْ قولُ الرسول إخبارٌ عن اللَّه بكذا).
معنى كلامه ظاهر، وهو الحق، فالحلالُ ما أحلَّه اللَّه، والحرامُ ما حرَّمه اللَّه، والدين ما شرعه اللَّه، فالحكم له وحده جلَّ وعلا، كما قال: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر/ 12]، وقال {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام/ 57]، [يوسف/ 40، 67]، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى/ 10]، وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} [النساء/ 59]، ونحو ذلك من الآيات.
فكلُّ من يتبع تشريع غير اللَّه معتقدًا أن جَعْلَه عوضًا من تشريع اللَّه جائزٌ أو أفضل منه فهو كافر بإجماع المسلمين، وقد دلَّت على ذلك آيات كثيرة، كقوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام/ 121]--------------------------------------------
(1) (1/ 264).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وقوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس/ 60]، ونحو ذلك من الآيات.
وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ من يحكم غير شرع اللَّه، يتعجب من دعواه الإيمان، وإذا كان زعمه أنَّه مؤمنٌ مع تحكيم غير الشرع أمرًا يتعجب منه، دلَّ ذلك على أنَّ دعواه الإيمان دعوى كاذبة وبعيدة وعجيبة، وذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء/ 60].
وقول المؤلف(1): (الإجماعُ يدلُّ على السنة. . .) إلى آخره، يأتي إيضاحه في الإجماع.
فصل
قال المؤلف(2) -رحمه اللَّه تعالى-:
(وكتاب اللَّه سبحانه هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم. . .) إلى آخره.
اعلم أنَّ هذا القرآن المكتوب في المصاحف الذي أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، كما صرَّح تعالى بأن هذا المسموع هو كلام اللَّه في قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ--------------------------------------------
(1) (1/ 264).
(2) (1/ 266).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة/ 6]، فصرَّح بأنَّ هذا الذي يسمعه هذا المشرك المستجير هو كلام اللَّه، فالكلام كلام الباري، والصوتُ صوت القاري.
وما يزعمه بعضُهم من تجريد كلامه جلَّ وعلا عن الحروف والألفاظ، وأنَّ التوراة هي القرآن والإنجيل، وأنَّ القرآن هو التوراة والإنجيل، وأنَّ الاختلاف إنما هو بحسب التعلق فقط، كلُّ ذلك باطل، ومخالف لما عليه أهل الحقِّ.
فالقرآن هو بألفاظه ومعانيه كلام اللَّه، ومن ادعى أنَّ تأليف لفظه من فعل مخلوف عبَّر عن تلك المعاني القائمة بالذات بعبارةٍ من نفسه، وأنَّ اللَّه خلق له علمًا بذلك، فعبرَّ عنه من تلقاء نفسه، فهذا من أبطل الباطل، ولو كان اللفظ لمخلوق لما جاز التعبد به، والتقرب إلى اللَّه بالصلاة به، ولجاز حمل المحدث له كسائر كلام المخلوقين، إلى غير ذلك.
فالحاصلُ أنَّ هذا القرآن المحفوظ في الصدور، المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، تكلَّم به اللَّه تعالى فسمعه جبريل منه، وتكلم به جبريل فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم منه، وتكلَّم به النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته منه أمته وحفظته عنه، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، قال اللَّه تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة/ 6].
وعرَّف القرآن في "المراقي" بقوله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
لفظٌ منزَّل على محمد … لأجل الاعجاز وللتعبد
فصرَّح بأنَّ القرآن لفظ، أي مشتمل على تلك المعاني العظيمة، لا مجرد المعنى القائم بالذات المجرَّد عن الألفاظ والحروف.
والكتابُ هو القرآن بلا شكَّ، ومن ادَّعى أنَّه غيره كما نسبه المؤلف لقوم، فإنَّ مقصودهم بالتغاير تغاير المفهوم لا تغاير المصدوق، فإنَّ ما يصدق عليه القرآنُ هو ما يصدق عليه الكتاب، وهو هذا القرآن العظيم، وإنْ كان التغاير حاصلًا في مفهومهما، فإنَّ مفهوم الكتابة هو اتصاف هذا القرآن بأنه مكتوب، ومفهوم القرآن هو اتصافه بأنه مقروء، والكتابةُ غير القراءة بلا شك، ولكن ذلك الموصوف بأنه مكتوب هو بعينه الموصوف بأنَّه مقروء، فهو شيء واحد موصوف بصفتين مختلفتين، ومن هنا ظهر لك أن القرآن والكتاب واحد باعتبار المصدوق، وإن تغاير باعتبار المفهوم.
وكتابُ اللَّه هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، ولا خلاف بين العلماء في قراءة السبعة: نافع المدني، وابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، وأبي عمرو البصري، وعاصم وحمزة والكسائي الكوفيين، وكذلك على الصحيح قراءة الثلاثة: أبي جعفر، وخلف، ويعقوب.
قال في "المراقي":
مثل الثلاثة ورجح النظر … تواترًا لها لدى من قد غبر
تواتر السبع عليه أجمعوا … ولم يكن في الوحي حشو يقع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
تنبيه:
اختلفَ العلماء في البسملة، هل هي آيةٌ من أولِ كلِّ سورةٍ، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقًا؟
أما قوله في سور النمل: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل/ 30] فهي آية من القرآن إجماعًا، وأمَّا سورة براءة فليست البسملة آية منها إجماعًا، واختُلف فيما سوى هذا.
فذكر بعض أهل الأصول أنَّ البسملة ليست من القرآن.
وقال قومٌ: هي منه في الفاتحة فقط.
وقيل: هي آية من أول كل سورة. وهو مذهب الشافعي رحمه اللَّه تعالى.
قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:
ومن أحسن ما قيل في ذلك: الجمعُ بين الأقوال بأنَّ البسملة في بعض القراءات كقراءة ابن كثيرٍ آيةٌ من القرآن، وفي بعض القراءات ليست آية، ولا غرابة في هذا.
فقوله في سورة الحديد: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد/ 24]، لفظة (هو) من القرآن في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع وابن عامر؛ لأنهما قرآ: {فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، وبعض المصاحف فيه لفظة (هو) وبعضُها ليست فيه، وقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة/ 115 - 116] فالواو من قوله: (وقالوا) في هذه الآية من القرآن، على قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن؛ لأنه قرأ: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} بغير واو وهي محذوفة في مصحف أهل الشام.
وقس على هذا، وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء.
وأشار إلى هذا الجمع في "المراقي" بقوله:
وليس للقرآن تعزى البسملة … وكونها منه الخلافي(1) نقله
وبعضهم إلى القراءة نظر … وذاك للوفاق رأي معتبر
فصل
قال المؤلف(2) رحمه الله:
(فأمَّا ما نقلَ نقلًا غير متواتر كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، فقد قال قوم: ليس بحجة، لأنه خطأ قطعًا. . .) إلى آخره.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل، أنَّ ما نُقِلَ آحادًا كقراءة (متتابعات) المذكورة لا يكون قرآنا، وهذا لا خلاف فيه، وهل يجوز--------------------------------------------
(1) الخلافي: أي المخالف، أي أن المخالف نقل كون البسملة من القرآن الكريم. "عطية".
(2) (1/ 269).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)