وعلى هذا فنقول: المستحاضة تؤمر بالاغتسال لكل صلاة، وإذا شق عليها أن تغتسل للصلوات الخمس اغتسلت ثلاثة مرات، وتجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، لكن هذا الاغتسال ليس بواجب وإنما هو سنة كما سنذكر - إن شاء الله - وحينئذٍ نقول: إذا لم تغتسل فالأفضل أن تصلي كل صلاة في وقتها، فإن قالت إنه يشق عليها؛ قلنا لها: أن تجمع ولو تطهرت بالوضوء.
أحكام الاستحاضة:
132 - وعن حمنة بنت جحشٍ قالت: «كنت أستحاض حيضةً كثيرةً شديدةً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه، فقال: إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنفأت فصلي أربعةً وعشرين، أو ثلاثةً وعشرين، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين. قال: وهو أعجب الأمرين إلي». رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، وحسنه البخاري.
قوله: «حيضة كثيرة» أي: في الكم. «شديدة» يعني: في الاندفاع، يعني: تطول مدتها وهي شديدة، أي: يخرج منها دم كثير.
قولها: «أستفتيه» أي: أطلب منه الفتيا، والنبي صلى الله عليه وسلم مفت، والله تعالى أيضا مفت، والفتيا: هي الإخبار عن حكم شرعي، وحينئذ يكون معنى «أستفتيه»: أي أطلب منه أن يخبرني بحكم شرعي فيما نزل بها، وقوله: «إنما هي ركضة» الركضة بمعنى: الدفعة، كما قال الله تعالى: {اركض برجلك} [ص: 42]. يعني: ادفع بها، «من الشيطان» يعني: أن الشيطان دفع الرحم، فنزل منه الدم، «فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي» ، «تحيضي» أي: اجلسي للحيض ستة أيام، أو سبعة، و «أو» هنا ليست للتخيير ولكنها للتنويع؛ لأن غالب النساء يجلسن ستة أيام أو سبعة، فتنظر إلى أقاربها هل عادتهن سبعة أيام أو ستة أيام، فتجلس كما هي عادة الأقارب، «ثم اغتسلي» بعد أن تحيضت ستة أيام أو سبعة وجوبًا؛ لأننا حكمنا بأن هذه الأيام الستة أو السبعة حيض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا استنقأت فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين» «استنقأت» يعني: استنقأت من الحيض، وذلك بالاغتسال منه، «صلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثة وعشرين؟ » إن تحيضت سبعة أيام تصلي ثلاثًا وعشرين، وإن تحيضت ستة تصلي أربعا وعشرين، «وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك» «يجزئك» أي: يكفيك بالعمل لما يلزمك شرعا، «وكذلك فافعلي كل شهر» ، وقوله: «كذلك فافعلي» يعني: أن تجلسي ستة أيام أو سبعة تتحيضي، ثم بعد ذلك تغتسلي وتصلي، «كما تحيض النساء» ، يعني لأن الغالب أن النساء يحضن ستة أيام أو سبعة.
قوله: «فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين».
قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن استطعت» يعني: أن تقومي بهذا العمل وهو الاغتسال ثلاث مرات للظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والثالث للفجر، وقوله: «تؤخري الظهر، وتعجلي العصر»؛ يعني: معناه تصلي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها. هكذا فسره بعض علماء الحديث، ويأتي الكلام عليه - إن شاء الله - في الفوائد.
قال: «تغتسلين مع الصبح وتصلين» قال: «وهو أعجب الأمرين إلي» ، ما الأمر الأول؟
الأمر الأول: أن تغتسل مرة واحدة، متى؟ عند انتهاء الحيض، وبعد ذلك تتوضأ لكل صلاة.
الأمر الثاني: أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة، لكن للمشقة تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فيكون قوله: «أعجب الأمرين إلي» يعني: أن تجمع وتغتسل، والأمر الآخر ما هو؟ أن تغتسل مرة واحدة عند انتهاء الأيام الستة أو السبعة.
يستفاد من هذا الحديث فوائد:
أولًا: أن الاستحاضة تعددت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في النساء؛ لأن الأولى من هي؟ فاطمة بنت أبي حبيش، وهذه حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، وقد ذكر بعض العلماء أن اللاتي استحضن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بلغن تسعًا من النسوة، وعدهن.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي لجاهل أن يستفتي العالم، بل يجب عليه، لكن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
الوجوب لا نأخذه من هذا الحديث، إنما نأخذه من أدلة أخرى مثل قوله تعالى: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7].
ومن فوائد هذا الحديث: جواز إطلاق الفتيا في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى: أنه يصح أن نقول: إن الرسول مفت، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ لأنه إذا جاز في حق الرب عز وجل فجوازه في حق الرسول من باب أولى، أليس الله تعالى يقول: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} [النساء: 127]. {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176].
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على بني آدم تسليطًا حسيًا، لكن التسليط المعنوي واضح؛ يعني: إلقاء الوسوسة في القلب بالوساوس الخبيثة الرديئة هذا ثابت ولا إشكال فيه، لكن هذا تسليط حسي؛ لأن كونها تمرض بركضة من الشيطان يدل على أن للشيطان تسلطًا، وهو كذلك؛ ولذلك إذا ولد المولود فإن الشيطان يضرب في خاصرته ولذلك يبكي عند الولادة كما جاء في الحديث: «إذا استهل المولود صارخًا ورث». وربما يكون أيضًا من تسليط الشيطان أن يغفل حتى يقع في حفرة أو يضربه حجرًا أو ما أشبه ذلك، وهذا يقع كثيرًا يكون الإنسان ذكيًا فطنًا لكن لا يدري في يوم من الأيام إلا وهو قد صدم جدارًا أو وقع في حفرة، أو صدم حجرًا في غفلة منه، وهذا يمكن أن يكون من تسلط الشيطان يغفله حتى يوقعه في هذا الضرر، وقد قال غلام موسى لموسى: {فإن نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} [الكهف: 63].
ومن فوائد هذا الحديث: رجوع المستحاضة إلى عادة النساء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «كما تفعل النساء» ، ولكن متى يكون هذا؟ يكون في المرأة التي ليس لها عادة ولا تمييز فهذه ترجع إلى عادة النساء، ولكن من أين تبتدئ من نصف الشهر، من أوله، من آخره؟ تبتدئ من أول يوم أتاها الدم فيه، مثلًا إذا كان أتاها أول مرة في اليوم العاشر من الشهر يكون الشهر الثاني تجلس من اليوم العاشر ستة أيام أو سبعة، وإن أتاها من أول يومٍ من الشهر جلست من أول يوم، فإن نسيت متى أتاها تبتدئ من أول الشهر الثاني؛ مثلًا هي علمت بأنه أتاها الحيض في محرم واستحيضت من حين أتاها الحيض لا عادة ولا تمييز، ولكنها تقول: لا أدري هل أتاني في أول الشهر أو وسطه، أو آخره، تجعله من أوله ممن باب الاحتياط {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16].
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصوم والصلاة يحرمان على الحائض لقوله: «وصومي وصلي» ، وهذا أمر مجمع عليه، وظاهر هذا الحديث أنها لا تصوم حتى تغتسل وتستنقي؛ لأنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
قال: «فإذا استنقأت أربعًا وعشرين فصومي وصلي» ، لكنه باعتبار الصوم غير مراد؛ لأن الحائض يصح منها أن تصوم إذا طهرت من الحيض قبل الاغتسال كامرأة طهرت قبل الفجر بربع ساعة، ولم تغتسل إلا بعد الفجر فهل لها أن تشرع في الصوم قبل الاغتسال؟ الجواب: نعم؛ لأن شأنها حينئذٍ كشأن الجنب، والجنب قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح صائمًا وهو جنب من جماع، صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن عادة النساء قد تكون ستة أيام، أو سبعة، وهل المرأة مخيرة بين هذا وهذا؟ الجواب: لا؛ لأن تخييرها مشكل لأنها في اليوم السابع إما أن نقول: إن الصلاة حرام عليها، أو نقول: واجبة عليها، وهذا تناقض، إذن كيف نعمل والرسول يقول: هذا أو هذا، نقول: «أو» هنا للتنويع وعليها أن تنظر إلى عادة نسائها، إما ستة أو سبعة وتعمل بذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى الغالب، وهل يتناول هذا جميع الأحكام؟ الجواب: نعم، فمثلًا رجل حلف ألا يفعل شيئًا وفعله، ولكنه شك هل هو استثنى في الحلف وقال: إن شاء الله أو لا؛ لأنه إن استثنى فلا حنث عليه، وإن لم يستثن فقد حنث، وعليه الكفارة، نقول: انظر إلى الغالب، ما هو غالب أيمانك، هل الغالب أنك إذا حلفت استثنيت فالحكم للغالب، وأما إذا كان الغالب ألا تستثني أو ترددت أيهما أغلب فإنه تجب عليك الكفارة؛ لأن الأصل عدم الاستثناء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الغالب في النساء أن يحضن في كل شهر مرة؛ لقوله: «فافعلي كل شهر» ، وهذا هو الواقع أن الغالب في النساء أن يحضن كل شهر مرة، ويدل لذلك أن الله جعل عدة المطلقة التي تحيض ثلاث حيض، وعدة من لا تحيض ثلاثة أشهر، وهذا يدل على أن الحيض يأتي النساء في كل شهر.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المستحاضة مخيرة بين أمرين، إما أن تغتسل عند انتهاء الحيض حكمًا، متى يكون هذا؟ إذا مرت ستة أيام أو سبعة، ثم تتوضأ لكل صلاة، وإما أن تغتسل لكل صلاة، ولكن فيما إذا طلبنا منها أن تغتسل لكل صلاة ينبغي لها أن ترفق بنفسها، وذلك بأن تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان صراحة نساء الصحابة رضي الله عنهم حيث قالت حمنة: «كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة» ، ولقد قالت عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
قالت ذلك حين قالت أم سليم: «يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا احتملت؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء».
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل البناء على ما كان معروفاً؛ بمعنى: أن الدم الأصل فيه أنه حيض، ولذلك قالت: «أستحاض حيضة كثيرة شديدة» ، ولم تقل: استحاضة، قالت: حيضة؛ لأنها بنت على الأصل أنها حيض، ولذلك كانت لا تصلي رضي الله عنها، وسيأتي بيان الفائدة التي تستنبط من هذا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن مرجع الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستفتاء، يعني: لا يحاولون أن يجتهدوا ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم حيا بينهم، ويترتب على هذه الفائدة أن المرجع بالنسبة إلينا هو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والكتاب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على الإنسان تسليطًا حسيًا؛ لقوله: «إنما هي ركضة من الشيطان» وهذا واقع، فالشيطان قد يؤثر على الإنسان تأثيرًا حسيًا، كما في فعله في الإنسان حين الولادة، فإن المولود إذا سقط خرج فإن الشيطان يطعنه في خاصرته.
وكذلك أيضًا من التسلط الحسي: إلقاء الخيلات في قلب الإنسان، وأحيانًا في بصره يرى ويشاهد أشياء لا حقيقة لها، من أجل أن يدخل عليه الروع والخوف والحزن، وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله: {إنما النجوى من الشيطان ليجزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله} [المجادلة: 10]. والآية التي سبقتها الآن تدل على أن الشيطان قد يباشر أذية الإنس، وقط يسلط أعداءه على أذيته لأن الذين يتناجون ليسوا شياطين هم بنو آدم، لكن يتناجون من أجل أن يحزنوا المؤمنين وذلك بأمر الشيطان.
ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى عادة النساء، ويترتب على ذلك العمل بالعرف الشائع بين الناس فيما لم تأت الشريعة بتحديده وهو كذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الاغتسال على المستحاضة إذا تحيضت ستة أيام أو سبعة، وهذا الحديث - حديث حمنة - في أي المستحاضات؟ فيمن ليس لها عادة ولا تمييز.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الاغتسال لكل صلاة؛ لأنه قال: «ثم اغتسلي، فإذا استنقأت فصلي» ، وقال: «إن ذلك يجزئك» ولم يذكر الغسل، وهذا أحد الأمرين، والأمر الثاني سيأتي إن شاء الله.
ومن فوائد هذا الحديث: أن العادة الغالبة في النساء أن تحيض كل شهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «فافعلي كل شهر كما تحيض النساء» ، وهو كذلك، ومن النساء من تحيض في الشهر مرتين، وقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
تحيض في الشهر ثلاث مرات لكن هذا نادر وقليل، وقد لا تحيض في الشهر بل تحيض في الشهر الثاني، وهو أيضًا موجود لكنه قليل.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الجمع من المستحاضة؛ لأنه يشق عليها أن تغتسل لكل صلاة بدون جمع، لو قلنا: تغتسل لكل صلاة بدون جمع لاغتسلت خمس مرات، فإذا قلنا: بالجمع لاغتسلت ثلاث مرات.
ومن فوائد هذا الحديث: ما ذهب إليه بعض العلماء من ثبوت الجمع الصوري؛ أي: أن الإنسان يصلي كل صلاة في وقتها، لكن كل صلاة قريبة من الأخرى فيكون جمعًا صوريًا؛ لأنه صلى كل صلاة في وقتها، فلم يجمع الصلاتين في وقت واحد منهما، بل صلى كل صلاة في وقتها، لكنه أخر الأولى وعجل الثانية، ولا يلزم من هذا أن تكونا متواليتين، قد يؤخر هذه في آخر الوقت ويعجل هذه في أول الوقت، ويكون بينهما فاصل، فإذا قيل بالجمع الصوري في مثل هذا، بمعنى: أن يكون بينهما فاصل، فإنه ممكن؛ يعني: يمكن أن يقال بالجمع.
وأما ما قيل بالجمع الصوري مع الموالاة فهذا لا يمكن؛ لماذا لا يمكن؟ لأن الجمع الصوري معناه: أن تؤخر الصلاة - صلاة الظهر - إلى آخرها إلى أن يصير ظل كل شيء مثلها، ثم تعجل العصر، ومن الذي يرقب الشمس حتى يصير ظل كل شيء مثله؟ لو قلنا باللزوم لكان هذا أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها المتسع؛ ولهذا الجمع الصوري - كما ذكرنا لكم - إن كان المراد: أنه لا موالاة بينهما لكن الأولى يصليها في آخر الوقت، والثانية يصليها في أول الوقت، فهذا ممكن.
وأما إذا قيل: جمع بالموالاة؛ فهذا لا يمكن، وأشق من ذلك المغرب والعشاء متى يدخل وقت العشاء؟ بعد مغيب الشفق، ومن الذي يرقب مغيب الشفق حتى يدع صلاة المغرب آخر شيء قبل مغيب الشفق، ويجعل صلاة العشاء أول شيء، هذا صعب جدًا، ولاسيما إن قلنا في الشتاء؛ لأنه يلزمه أن يطلع إلى السطح أو أن يخرج إلى البرية من أجل أن يعرف متى يغيب الشفق.
على كل حال: الجمع الصوري الذي ذهب إليه بعض الناس واستدل بهذا الحديث نقول: إن كان المراد مع التفريق دون اشتراط الموالاة، فهذا ممكن، أما مع اشتراط الموالاة فهذا لا يمكن.
ولكن القول الراجح في هذه المسألة: أنه يجوز الجمع حتى الحقيقي إذا كان هناك مشقة ولسنا نستدل على هذا بحديث حمنة، ولكن بحديث ابن عباس رضي الله عنها حين قال: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر» ، قالوا: ما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
أراد بذلك؟ قال: «أراد ألا يحرج أمته». فدل هذا التعليل من ابن عباس وهو المفقه في الدين على أنه كلما كان الحرج في عدم الجمع جاز الجمع، وهذا هو الضابط.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان تفاضل الأعمال لقوه: «وهو أعجب الأمرين إلي». «أعجب» بمعنى: أحسن، كما في حديث عائشة: «كان يعجبه التيمن». أي: يستحسنه، ففيه دليل على تفاضل الأعمال، وأن بعضها أفضل من بعض، وهذا ثابت بالقرآن والسنة، ولا إشكال فيه أن بعض الأعمال أفضل من بعض، قال الله تعالى: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا} [النساء: 95]. مع أنهم كلهم في جهاد، يعني: القاعد لم يجاهد، لكن المجاهد بنفسه وماله يتفاضل جهاده بحسب ما بذل من نفس ومال، ثم قال المؤلف:
حكم الاغتسال لكل صلاة للمستحاضة:
133 - وعن عائشة رضي الله عنها، «أن أم حبيبة بنت جحشٍ شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم، فقال: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، فكانت تغتسل لكل صلاة». رواه مسلم.
قولها: «أن أم حبيبة بنت جحش» والأولى التي في الحديث الذي قبل هذا «حمنة بنت جحش» ، بقي «زينب جحش» هؤلاء الثلاث أخوات «زينب بنت جحش» إحدى أمهات المؤمنين، قال بعض العلماء: إنها أيضًا استحيضت لكنه لم يثبت فيها الذي ثبت في حمنة، الثانية «أم حبيبة» شكت إلى رسول الله - أي: رفعت إليه الشكوى - هو الإخبار بما يؤلم الإنسان نفسيًا، أو جسديًا هذه هي الشكوى، «شكت إليه الدم» يعني: كثرته، فهو على حذف المضاف، والتقدير: «كثرة الدم» ، قال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» هذه لها عادة، ولهذا قال لها: «اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» ، وأختها لم يقل لها رسول الله عليه الصلاة والسلام ذلك، بل قال: «سبعة أيام، أو ستة». وكأنه عليه الصلاة والسلام علم أن الأولى - أعني: حمنة ليس لها عادة ولا تمييز، والثانية لها عادة ولهذا لم يستفصل، بل حكم بدون استفصال أنها تمكث «قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي» بعدما تنتهي المدة؛ لأننا حكمنا بطهارتها، قالت: «فكانت تغتسل لكل صلاة» ، وهذا يدل على أنه اجتهاد منها أي: كانت تغتسل يعني: دون أن يأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك لكن سبق أن حمنة أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
لكل صلاة، لكن أذن لها في هذه الحال أن تجمع، والحكمة من ذلك - والله أعلم -: أن الاغتسال يؤدي إلى تقلص العروق، وتقليل الدم، ويكون سببًا لانقطاع الاستحاضة.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه قد يقول قائل: إن الاستحاضة تأتي عن وراثة؛ لأن هاتين الأختين كلتيهما استحيضت، فلعل هذا يكون عن وراثة، فإن ثبت هذا أن الاستحاضة كسائر الأمراض تكون عن وراثة فلا عجب في ذلك، وإن لم يثبت ألغيت هذه الفائدة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاستفتاء عن الشيء المؤلم يسمى شكوى لقولها: «شكت إلى رسول الله الدم».
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشكوى للمخلوق جائزة بشرط ألا تكون تنبئ عن السخط عن الخالق، وعلى هذا فإذا قلت لشخص: أنا أشكو من كذا من المرض فإنه لا بأس به، بشرط أن لا يكون القصد السخط من الخالق عز وجل، مجرد إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام لما قالت عائشة: وارأساه، قال: «بل أنا وارأساه». فلا بأس في الشكاية إلى الخلق إذا كان المقصود مجرد الإخبار لا شكوى الخالق والسخط منه؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن الشكوى إلى المخلوق إذا لم يكن المقصود السخط من الخالق لا تنافي الصبر الجميل.
ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى العادة في المستحاضة لقوله صلى الله عليه وسلم: «قدر ما كانت تحبسك حيضتك» وإن قل عن ستة أيام وسبعة؟ نعم وإن قل، وأيضًا وإن زاد عليها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحيض يحبس المرأة عن الصلاة والصيام، وأشياء كثيرة تترتب على الحيض.
ومن فوائده: أن المعتادة ترجع إلى عادتها سواء كان لها تمييز أو لا، وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل، لم يقل: كيف حال الدم، بل أطلق الرجوع إلى العادة، وهذا لا شك أنه أيسر على المرأة أن ترجع إلى عادتها؛ لأن الأصل بقاء العادة على ما كانت عليه، وتغير الدم ربما يتغير في أول الشهر، وفي الشهر الثاني في آخره، وربما يتغير تغيرًا بينًا، وقد يتغير تغيرًا يسيرًا لكن الرجوع للعادة أضبط بلا شك، فإذا عدمت العادة رجعنا إلى التمييز.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا تمت العادة بالنسبة للمستحاضة المعتادة وجب عليها الاغتسال؛ لأنها الآن طهرت.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز اجتهاد الإنسان في العبادات لقولها: «فكانت تغتسل» ، ولكن على أي شيء بنت أم حبيبة؟ الظاهر والله أعلم أنها بنت هذا على ما أفتى النبي صلى الله عليه وسلم به أختها؛ حيث أمرها أن تغتسل لكل صلاة، وقال: «هذا أعجب الأمرين».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة؛ لأن الاغتسال من فعلها رضي الله عنها، وباجتهاد منها، ولو كان واجباً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث حمنة صريح في أنه ليس بواجب.
وجوب الوضوء لكل صلاة للمستحاضة:
- وفي رواية للبخاري: «وتوضئي لكل صلاة». وهي لأبي داود وغيره من وجهٍ آخر.
فيستفاد منه: وجوب وضوئها لكل صلاة.
فإذا قال قائل: ما الحكمة في أنها تتوضأ لكل صلاة؟
قلنا: إن هذه طهارة ضرورة؛ إذ إن الحدث الموجب للطهارة لم يزل قائمًا فتكون الطهارة ضرورة تتقدر بقدرها، وقوله: «لكل صلاة» المراد: لوقت كل صلاة، وليس المراد: أنها إذا جمعت توضأت للظهر، ثم توضأت للعصر، لا بل المراد: توضئي لوقت كل صلاة.
فإذا توضأت فهل لها أن تصلي فروضًا ونوافل، أو الفروض فقط؟
الصحيح: أنها تصلي فروضًا ونوافل؛ لأن هذا الوضوء رفع، لم نقل: رفع حدثها، ولكن بمعنى: ارتفاع الحدث، وإذا خرج الوقت فإن دخل وقت الصلاة الأخرى وإن لم يدخل وقت صلاة أخرى لم تتوضأ إلا إذا أرادت أن تتنفل، فمثلًا في صلاة الفجر إذا خرج الوقت وهي قد توضأت لصلاة الفجر وأرادت أن تصلي صلاة الضحى، نقول لها: توضئي لها، كذلك في العشاء الآخرة على القول الراجح أن وقتها يخرج في منتصف الليل، فإذا انتصف الليل وأرادت أن تتهجد نقول: توضئي من جديد.
ألحق العلماء رحمهم الله بالقياس الجلي، بالمستحاضة من كان حدثه دائمًا كإنسان لا يستمسك بوله، أو لا يستمسك الريح من دبره، أو دبره دائمًا يفرز رطوبة، فقالوا: إن حكم هؤلاء حكم المستحاضة، بمعنى: أنه لا يتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها، ولكن لابد من محاولة التقليل من النجاسة بالتحفظ بالحفاظات الموجودة الآن - ولله الحمد - سواء كان رجلًا أو امرأة بقدر المستطاع، وأما ما يفعله بعض الجهال بربط الذكر فهذا غلط عظيم؛ لأن ربط الذكر ضرر على الإنسان فإن البول سينزل من المثانة، وإذا نزل احتقن في القنوات وهي ضعيفة جدًا فربما تنفجر، ولذلك يجب أن ينهى عن هذا، بل يقال: ضع على محل الخارج شيئًا يحفظ من انتشار البول وكفى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
حكم الكدرة والصفرة:
134 - وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا». رواه البخاري، وأبو داود واللفظ له.
«أم عطية» أنصارية معروفة رضي الله عنها قالت: «كنا لا نعده». «كنا» يعني: معشر النساء، ولم تقل: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا اختلف فيه العلماء هل هو من اجتهاد الصحابة أو له حكم الرفع، ما لو قالت: في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه في حكم الرفع، لكن هنا لم تقل: في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلذلك هل نقول: إنه في حكم الرفع، أو نقول: إنه من عمل الصحابيات واجتهادهن؟ وقوله: «لا نعد»؛ أي: لا نحسبها ولا نعتبرها، و «الكدرة» أن يكون الدم متكدرًا، وشبهوا ذلك بغسالة اللحم، وأما «الصفرة» فهو شيء يشبه الصديد أصفر، «بعد الطهر» أي: بعد زمن الحيض، يعني: إذا طهرت المرأة بالقصة البيضاء ثم وجدت الكدرة أو الصفرة فإنها لا تعد شيئًا، ومعنى «لا تعد شيئًا» أي: لا تعد شيئًا معتبرًا في الحيض، وإلا فإنها تنقض الوضوء، وإذا استمرت مع المرأة صار لها حكم سلس البول.
المؤلف يقول: «رواه البخاري، وأبو داود، واللفظ له» ، وهذا سهو من المؤلف رحمه الله، فإن البخاري لم يرو: «بعد الطهر» ، وإنما رواية: «بعد الطهر» لأبي داود، ولا يسلم المؤلف من التبعة حين قال: «واللفظ له» ، بل نقول: كان الذي ينبغي أن يقول: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا» رواه البخاري، وأبو داود، وزاد: «بعد الطهر»؛ حتى يبين اللفظ الذي رواه البخاري من اللفظ الذي رواه داود.
هذا الحديث يدل على أن النساء قد يرين دمًا خالصًا، ويرين كدرة، ويرين صفرة، وفيه قسم رابع يرين ماء أبيض وهي القصة البيضاء.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذا الحديث هل هو مرفوع أو موقوف هذه واحدة، فإن كان مرفوعًا فهو حدة، وإن كان موقوفا فهو رأي واجتهاد قابل للنقاش.
ثانيًا: وعلى تقدير صحته وأنه مرفوع فإنهم اختلفوا أيضًا هل هذا يعني بعد حذف «بعد الطهر»؛ لأن «بعد الطهر» ليست في البخاري هل تعد الصفرة والكدرة شيئًا أو لا تعد؟ على أقوال متعددة تبلغ الستة والسبعة؛ لأن الحديث:
أولًا: غير صريح في الرفع. وثانيًا: ليست زيادة «بعد الطهر» متفق عليها، ولا من رواية البخاري؛ فالعلماء اختلفوا، منهم من قال: الصفرة والكدرة ليستا بشيء سواء كانتا قبل الحيض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
أو بعد الحيض متصلًا بالحيض، وأن الحيض هو الدم الخالص المعروف، وإلى هذا ذهب ابن حزم رحمه الله، وأيد هذا بأدلة قوية وقال: ليس لنا أن نلزمها بما لم يلزمها الله عز وجل؛ أو نحرم عليها ما لم يحرمه الله، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله ذلك وجها لأصحابنا الحنابلة، وهذا القول هو الذي تطمئن نفسي إليه سواء قبل الحيض أو بعد الحيض متصلة بالحيض أو منفصلة، وهذا في الحقيقة مع وضوحه وبيانه أريح للنساء؛ لأن بعض النساء تبقى معها الصفرة مدة طويلة بعد الدم، فإذا قلنا: إن الحيض هو الدم المعروف كما قال ابن حزم رحمه الله في اللغة العربية، نقول: هذا شيء معروف لا يحتاج إلى إشكال، وفي حديث أم عطية أنهم كانوا لا يعدونه شيئًا، فهو أصوب وأقرب للصواب.
يلي ذلك القول بأن الصفرة المتصلة بالحيض بعد الحيض من الحيض، وأما التي تسبق الحيض فليست من الحيض، وهذا أقرب من الأقوال الأخرى.
ويلي ذلك أن الصفرة والكدرة المتصلة بالحيض في أوله أو آخره من الحيض، والأقوال المتعددة ذكرها النووي رحمه الله في شرح المهذب.
فالقول الراجح عندي: أن الصفرة والكدرة ليستا بحيض مطلقًا، نعم لو وقع في أثناء الحيض مثلًا: امرأة عادتها خمسة أيام في بعض الأيام نصف يوم أو ساعة أو ما أشبه ذلك تجد صفرة هذا لا يعتبر طهرًا بل هو تابع للحيض، وإن لم تر الصفرة؛ لأن الجفاف أو الجفوف مدة يسيرة في أثناء الحيض تعتبر حيضًا.
الاستمتاع بالحائض:
135 - وعن أن رضي الله عنه: «أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلا النكاح». رواه مسلم.
قوله: «كانت اليهود إذا حاضت المرأة» أنث اليهود باعتبار الجمع؛ لأن اليهود بمعنى: القبيلة، أو الطائفة، أو ما أشبه ذلك، وقوله: «لم يؤاكلها» أي: هجروها ولا يأكلون معها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» يخاطب أصحابه يعني: افعلوا مع النساء كل شيء، يعني: الأكل، والنوم، والمباشرة كل شيء إلا النكاح، والمراد بالنكاح هنا: الجماع، وليس عقد النكاح، بل الجمع.
ففي هذا الحديث فوائد، منها: تشديد اليهود في التطهر من النجاسة؛ ولهذا كانوا لا يؤاكلون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
الحائض، ولا يضاجعونها، ولا يقربونها، وكانوا إذا أصابت ثوبهم النجاسة قصوه بالمقص، ولا يرون أن الماء يطهره كما ذكر أهل العلم، ولما ذكر أهل العلم أن الأمة الإسلامية وسط بين الأمم في النجاسات قالوا: إن اليهود إذا تنجس الثوب عندهم قصوه ولا يطهرونه بالماء، والنصارى، بالعكس يتلوث بالنجاسة أو لا يتلوث لا يهمهم هذا، المسلمون - والحمد لله - وسط.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستمتاع بالحائض في كل شيء إلا الوطء، وعلى هذا فله أن يقبلها ويؤاكلها، ويضمها ويجامعها بين الفخذين، كل شيء يفعل إلا النكاح: إلا الجماع.
وهل يلزم مع ذلك أن تأتزر إذا أراد أن يباشرها أو لا يلزم؟ لا يلزم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق فله أن يباشرها وإن لم تأتزر، لكن اتزارها أفضل وأكمل لوجهين:
الوجه الأول: أنه ربما يعجز عن كبح نفسه إذا كانت غير مئتزرة فيجامع في الفرج.
وثانيًا: لئلا يرى منها ما يكره من الدم، فإذا كانت مئتزرة فليباشرها ما شاء لكن لئلا يرى هذا؛ ولهذا قال:
136 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض». متفق عليه.
«يأمرني فأتزر» أي: ألبس الإزار، «فيباشرني» المباشرة أبلغ من التقبيل، «وأنا حائض» الجملة هذه حالية، يعني: والحال أني حائض.
ففي هذا الحديث فوائد، منها: أن الإنسان إذا أراد أن يتمتع بامرأته وهي حائض فليأمرها بالاتزار.
ومن فوائد الحديث: جواز استمتاع الرجل بزوجته بدون إزار إذا كانت طاهرة، وهذا واضح، فإنه يجوز للزوجين أن يباشر أحدهما الآخر وهما عاريان ولا حرج في هذا، لكن ينبغي أن يكونا عليهما رداء أو نحوه يغطيهم في هذه الحال.
من فوائد الحديث: أنه يشرع للمرأة إذا كانت حائضًا وأراد زوجها أن يستمتع بها أن يأمرها بالاتزار اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: صراحة نساء الصحابة في الأمر الذي يستحيا حائضًا بكل شيء إلا النكاح - أي: الجماع -.
ثانيًا: أنه ينبغي إذا أراد أن يباشر أن تتزر لوجهين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
الأول: لئلا يرى منها ما يكره.
والثاني: لئلا تغلبه نفسه فيجامعها.
كفارة وطء الحائض:
137 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينارٍ، أو بنصف دينارٍ». رواه الخمسة، وصححه الحاكم وابن القطان، ورجح غيرهما وقفه.
هذه المسألة - مسألة وطء الحائض - فوطء الحائض لا شك أنه حرام بنص القرآن، قال الله تعالى: {ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222]. ومتى يرتفع هذا التحريم؟ قيل: إنه يرتفع بانقطاع الدم، وقيل: إنه يرتفع بالاغتسال، فالذين قالوا إنه يرتفع بانقطاع الدم، قالوا: إن الله قال: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} والطهر: هو انقطاع الحيض، وقوله: {فإذا تطهرن} أي: من الحيض، والمراد بذلك: أن تغسل محل الدم والفرج فتحل بعد ذلك، وليس المراد: الاغتسال، وأن المرأة إذا طهرت من الحيض وغسلت الفرج وما أصاب الدم فإنه يجوز للزوج أن يجامعها، وهذا رأي ابن حزم رحمه الله، ولكنه ضعيف.
والصواب: أن المراد بالتطهر: الاغتسال لقول الله تعالى: {وإن كنتم جنبًا فاطهروا} [المائدة: 6]. فسمى الاغتسال تطهرًا، وهذا أحوط وأبرأ للذمة، ولعله أصح للمرأة؛ لأن المرأة بعد الاغتسال سوف يكون لها نشاط وتعود عليها قوتها وتكون متهيئة للجماع.
ولكن إذا فعل الإنسان فجامع في الحيض فهو آثم بلا شك، إلا أن يكون جاهلًا فالجهل عذر، لكن إذا كان عالمًا فهو آثم، ثم هل يلزمه مع التوبة إلى الله أن يتصدق بشيء؟ في هذا خلاف بين العلماء:
فمنهم من قال: لا شيء عليه، عليه أن يتوب فقط، ولا يلزمه أكثر من ذلك، والأصل براءة الذمة، فلا تلزم المسلمين بشيء إلا بيقين؛ لأنك إذا ألزمته شيئًا فقد استبحت بعض ماله بقدر ما تلزمه، ومن الذي أحل لك ماله حتى يخرجه من ملكه إلى الفقير، والأصل احترام الأموال ولا نلزم الناس يبذلها إلا بدليل، فصار عندنا أصلان:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
الأول: براءة الذمة.
والثاني: عصمة المال، واحترام المال.
فكيف نقول لهذا الرجل: عليك الكفارة ونخرج شيئًا من ماله بدون دليل شرعي؟ !
وقال بعض أهل العلم: بل عليه الكفارة لحديث ابن عباس الذي ساقه المؤلف رحمه الله، والكفارة إما دينار أو نصف دينار، والدينار الإسلامي مثقال من الذهب، يعني: ما يزن مثقالًا من الذهب، أو نصف مثقال، وقيمته معروفة عند أهل الصرف.
ولكن الحديث - كما تشاهدون - اختلف العلماء في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر المحدثين بأنه موقوف على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثم الحديث فيه اضطراب في إسناده، وفيه أيضًا شيء من الاضطراب في موجبه ومقتضاه ديار أو نصف دينار، ولم يرد مثل هذا التخيير في جنس واحد، في أي كفارة من الكفارات، التخيير الذي يكون في الكفارات يكون بين جنسين طعام، أو كسوة، أو عتق مثلًا في كفارة الأيمان، أما أن يكون دينار أو نصفه فهذا لا يستقيم.
ثم هل الحديث صريح في الوجوب؟
الحديث يقول: «يتصدق» فيحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب، ويحتمل أن يكون على سبيل الوجوب، واحتمال كونه على سبيل الوجوب أقرب؛ لأنه في مقابلة ذنب، والذنب لا يرفع إلا بواجب، لكن يبقى النظر في كونه مخيرًا بين الدينار أو النصف دينار، فهل هذا مستقيم؟ ثم يبقى النظر أن الحديث مختلف فيه، هل هو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول ابن عباس، ثم الحديث أيضًا فيه اضطراب في سنده ولذلك عدل عنه الإمام الشافعي رحمه الله وقال: «إن وطء الحائض ليس فيه كفارة، ولو صح الحديث لقلت به».
ولكن لا شك أن الإنسان إذا احتاط وكان الله قد أعطاه سعة من المال وكفر فإن هذا يكون سببًا لردعه عن العودة إليه، فإخراج الكفارة بلا شك أولى من التبعة.
فإذا قلنا: التخيير فيه إشكال وهو كيف يخير بين شيئين من جنس واحد أحدهما أقل من الآخر؟ فيقال: هذا من فضل الله عز وجل أن الله تعالى أوجب الدينار وهذا على الكمال، أو نصفه وهذا على الإجزاء، فالكمال دينار، والإجزاء نصف دينار، على أن بعض العلماء قال: إن هذا التخيير ليس تخييرًا تشهيًا ولكنه تنويع، وأنه إذا كان الجماع في فور الحيض فدينار، وإن كان في آخره فنصف دينار؛ لأن الحيض في فور الدم أشد ضررًا وأكثر إثما، ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أنه على التخيير مطلقًا.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
أحكام تترتب على الحيض:
138 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟ ». متفق عليه في حديث طويل.
هذا جواب من الرسول عليه الصلاة والسلام لسؤال ورد عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ النساء بعد أن وعظ الرجال في خطبة صلاة العيد، وذكرهن وقال: «ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». و «لبه» يعني: عقله، فقال: «ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين» فانتبهت النساء لهذا، وقالوا: يا رسول الله، ما نقصان عقلنا، وما نقصان ديننا؟ فبين أن نقصان العقل المراد بالعقل: عقل الأشياء وضبطها، وليس العقل الذي هو ضد الجنون، وبين أن نقصان عقلها أن شهادة الرجل بشهادة امرأتين لقوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282]. وبين الله السبب قال: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282]. {تضل} ، بمعنى: تجهل، أو بمعنى: تنسى، و {فتذكر} بمعنى: تنبه إن كانت جاهلة فبالتعليم، وإن كانت ناسية فبالتذكير، فبين الله الحكمة أن المرأة قليلة العقل ما تعقل الأشياء ولا تحفظها كما يفعل الرجل.
أما الصلاة فقال: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «هذا نقصان دين» ، فمثلًا إذا حاضت المرأة سبعة أيام لا تصلي والرجل يصلي صار أكمل منها دينًا، وأكثر منها عملًا فهذا نقصان دينها.
ولكن هل تلام على هذا النقص؟ الجواب: لا؛ لأن نقص الإيمان ينقسم إلى قسمين: إن كان لترك واجب أو فعل معصية النقص؟ الجواب: لا، لأن نقص الإيمان ينقسم إلى قسمين: إن كان لترك واجب أو فعل معصية فهو نقصان يلام عليه العبد، وإن كان لترك مستحب أو لترك معذور فيه الإنسان فهو نقص لا يلام عليه.
فإن قال قائل: المرأة الآن لا تصوم بإذن الله وبأمر الله ولو صامت لأثمت، فكيف تجعلونها ناقصة؟ نقول: نجعلها ناقصة كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الفقراء ناقصين عن الأغنياء الذين ينفقون أموالهم فيما يرضي الله، وأرشدهم إلى أن يسبحوا الله ويحمدوه ويكبروه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، فلما علم الأغنياء بذلك فعلوا مثله، فجاء الفقراء يشتكون، قالوا: يا رسول الله، إن إخواننا الأغنياء فعلوا مثل ما فعلنا، فال: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فإذا احتجت المرأة وقالت: إنها لم تترك الصلاة إلا بأمر الله، ولم تترك الصوم إلا بأمر الله، قلنا: هذا فضل الله وليس لك حجة على الله، والله تعالى يؤتي ملكه من يشاء، أليس الله تعالى يفضل بعض الناس على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
بعض في العلم، في العبادة، في الرسالة، في النبوة، في الولاية، في كل شيء، فضل الله يؤتيه من يشاء.
استفدنا من هذا الحديث: أولًا: حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه أحسن الناس خلقًا وأرحب الناس صدرًا، وأنه عليه الصلاة والسلام يقبل أن يناقشهن ولا يأنف عن ذلك ولا ينهر ولا يكفهر عليه الصلاة والسلام.
ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا طلب منه الإرشاد إلى معرفة الحكمة أن يبين ذلك بصدر منشرح إن تبينت له الحكمة وإلا يقول: الله أعلم.
ومنها: أنه قد تقرر في الدين الإسلامي أن المرأة إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك مقررًا: «أليس إذا حاضت» ، والاستفهام هنا للتقرير.
ومنها: أن الحائض لا تصلي نفلا ولا فرضًا، ولا تصوم نفلًا ولا فرضًا، وجه ذلك:
الإطلاق، والشيء إذا أطلق لا يمكن أن يقيد.
أسئلة:
- لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر عائشة أن تتزر فيباشرها؟
- من أتى امرأته وهي حائض ماذا عليه؟
- ما هو الدينار؟
- هل قول ابن عباس «يتصدق» على سبيل الوجوب؟
- هل قوله: «أليس إذا حاضت» استفهام أم ماذا؟
- لماذا ساقه المؤلف في باب الحيض؟
- إذا قال قائل: كيف تكون ناقصة وهي ممتثلة؟
139 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما جئنا سرف حضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». متفق عليه في حديث طويل.
«لما جئنا» الضمير هنا يعود على الرهط الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قد خرج بزوجاته كلهن، وأحرمن بعمرة متمتعات بها إلى الحج، ومنهن عائشة، فلما بلغوا «سرف» وهو مكان في طريق المدينة إلى مكة حاضت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي وسألها لماذا؟ فأخبرته بأنها حاضت، فقال: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» ، قال تسلية لها حتى تتأسى؛ لأن الإنسان إذا تأسى بغير هانت عليه المصيبة، ويشير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
إلى هذا قوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} [الزخرف: 39]. لكن في الدنيا إذا اشترك المجرمون في العذاب هان عليهم، وقالت الخنساء ترثي أخاها صخر: [الوافر]
وما يبكون مثل أخي ولكن … أسلي النفس عنه بالتأسي
فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، وليس خاصًا بك، وليس الأمر بيديك، فقال لها: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» ، «افعلي» الأمر هنا للإرشاد، ويبقى إذا كان للإرشاد ما كان مأمورًا به في الحج على سبيل الوجوب واجبًا، وما أمر به على سبيل الاستحباب يكون مستحبا.
ويحتمل أن يكون الأمر هنا للإباحة، يعني: لك أن تفعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت، وقوله: «الحاج» المراد به: الجنس؛ فيشمل الذكر والأنثى، «غير» هذا استثناء من عموم الأحوال أو من قوله «ما» في: «ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» ، يعني: طواف القدوم؛ لأنها ستقدم وهي حائض، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم السعي، لكنه ذكره مالك رحمه الله في موطئه بإسناد صحيح، وكذلك البخاري ذكر أنها لما طهرت طافت وسعت؛ ولهذا يكون عدم ذكره في بعض الروايات لا ينافي ذكره في الروايات الأخرى، وقوله: «حتى تطهري» حتى للغاية، يعني: حتى تطهري من الحيض، والطهارة من الحيض هو انقطاع الدم متى انقطع الدم فهي الطهارة، وما بعد انقطاع من الحيض، والطهارة من الحيض هو انقطاع الدم متى انقطع الدم فهي الطهارة، وما بعد انقطاع الدم ليس بشيء سواء كان أبيض أو أصفر أو كدرة، متى انقطع الدم - دم الحيض المعروف - فإنها تكون طاهرة.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: جاء به المؤلف في كتاب الحيض ليبين أن الحائض لا تطوف بالبيت، وهذا أمر مجمع عليه.
ويستفاد من هذا الحديث فوائد منها: جواز إدخال الحج على العمرة عند تعذر إتمامها؛ لأن عائشة أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى جواز إدخال الحج على العمرة؛ لأنه قال لها عليه الصلاة والسلام: «اجعليها عمرة».
ولكن إذا لم يكن هناك حاجة فهل يجوز أو لا يجوز؟
من العلماء من قال: أنه لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196]. وهذا لم يتم العمرة؛ ولأنه لم ينتقل إلى نسك أفضل بل إلى نسك مفضول؛ لأن الإنسان سينتقل من التمتع إلى القران، والتمتع أفضل، وليس كالذي يحول الإفراد أو الإقران إلى تمتع؛ لأن هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
ثبتت به السنة، لكن هذا قد تحول من نسك مفضول إلى نسك أفضل ولا إشكال فيه؛ لأن تحول القارن إلى متمتع أو المفرد إلى متمع لا إشكال فيه، وهذا هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي.
لكن الإشكال أن ينتقل من تمتع إلى قران، فنقول: عند الضرورة لا شك في جوازه، وذلك فيما إذا حاضت المرأة وتعرف أنها لن تطهر قبل الوقوف بعرفة، ومن ذلك لو خاف الإنسان فوت الوقوف بأن جاء متأخرًا وأحرم بالعمرة ثم خاف أن يفوته الحج فإنه هنا يدخل الحج على العمرة، فيكون قارنًا.
لكن السؤال هل يجوز ذلك في حال السعة؛ بمعنى: أن الإنسان يدخل الحج على العمرة مع سعة الوقت؟ هذا محل نظر، ولولا أن بعضهم حكى الإجماع في الجواز لقلنا بعدم الجواز، فإن كان أحد من العلماء يقول بأنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة إلا عند الضرورة الشرعية أو الحسية؛ فهذا القول أقرب للصواب بلا شك، ووجه ذلك: أنه انتقال من فاضل إلى مفضول، والأعمال الشرعية إذا كانت واجبة لا يمكن أن ينتقل من فاضل إلى مفضول أبدًا، بخلاف الانتقال من المفضول إلى الفاضل.
ومن فوائد الحديث: أن القارن فعله كفعله المفرد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها أن تطوف مرتين، وأن تسعى مرتين، بل قال: «افعلي ما يفعل الحاج» ، وهذا القول هو الراجح، بمعنى: أن القارن كالمفرد سواء في أفعال الحج، فلا يلزمه طوافان وسعيان، لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج» ، ولقوله لعائشة: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك» أي: يكفيك لحجك وعمرتك. فالقارن والمفرد سواء في الأفعال، لكنهما يختلفان من جهة أن القارن يحصل له نسكان، والمفرد لا يحصل له إلا نسك، وأن القارن عليه هدي، والمفرد ليس عليه هدي.
وهل يجوز إدخال العمرة على الحج ليصير قارنًا بمعنى: أن الرجل أحرم بالرجل، ثم أدخل العمرة عليه؟ هذا فيه خلاف، فمن العلماء من يقول: لا بأس بإدخال العمرة على الحج، ومنهم من قال: لا يجوز. والصحيح جوازه؛ لأن هذا هو ظاهر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث أحرم بالحج أولًا، ولقول عائشة رضي الله عنها وهي تقسم الناس لإحرامهم وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، ثم قيل له: قل عمرة في حجة. وهذا يعني: أنه أدخل العمرة على الحج، وهو من ناحية القياس أن يقال: أي فرق بين أن تدخل الحج على العمرة، أو العمرة على الحج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
وأما من قال: لا يستفيد بإدخال العمرة على الحج لأنه لن يزيد على أفعاله. فنقول: وكذلك إدخال الحج على العمرة لا يزيد على أفعاله، ثم نقول: القول بأنه لم يستفد ممنوع؛ لأنه استفاد نسكين فهو مستفيد.
عرفنا أن عائشة رضي الله عنها أدخلت الحج على العمرة قبل أن تطوف لا شك فهل يجوز إدخال الحج على العمرة بعد الطواف؟ يرى بعض العلماء أنه لا بأس به، حتى بعد السعي ما دامت العمرة لم تتم فله إدخال الحج على العمرة ويصير قارنًا، أما مذهبنا فإنه لا يصح أن يدخل الحج على العمرة بعد الشروع في الطواف، وهذا فيه شيء من الإشكال فيما لو أن المحرم طاف وسعى ولم يقصر إما ناسيًا أو جاهلًا، ثم أدخل الحج على العمرة؛ فعلى المذهب - مذهبنا - يكون حجه فاسدًا لا يصح؛ لأنه أدخل على العمرة بعد الطواف وهذا لا يصح، والإفتاء بهذا فيه صعوبة أن يأتي الإنسان من مسافة بعيدة وينفق كل ما جمعه من مال، ثم يقال له: رجعت بلا حج، وليس هناك دليل واضح في هذه المسألة إلا أن يقال: إذا لم يبق إلا الحلق أو التقصير فقد تم النسك فكيف يصح إدخال الحج عليه؟ في مثل هذا نحن نفتي بأن يفدي الإنسان عن ترك الحلق ونجعله كأنه تركه ولما تحلل من العمرة ثم شرع في النسك، فشروعه في نسك الحج صحيح، وعليه فدية بناء على القول بأن تارك الواجب تلزمه فدية، وأما أن نقول: لا يصح، ففيه نظر؛ المذهب يصح إدخال الحج على العمرة فيما إذا ساق الهدي وإلا فلا، لكن الصواب أنه لا فرق بين من ساق الهدي ومن لم يسق الهدي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع المناسك لا تشترط لها الطهارة السعي، الوقوف، المبيت، الرمي، لكن الأفضل أن يفعلها على طهارة.
فإن قال قائل: كيف تقولون السعي، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا بين الصفا والمروة»؟
قلنا: إن العلة في عدم صحة السعي هي أنه لم يسبقه طواف؛ ولذلك أنبه هنا على مسألة يفعلها بعض أهل مكة، وهي أنهم يحرمون بالحج من بيوتهم ثم يذهبون إلى البيت ويطوفون، ثم يسعون سعي الحج، وهذا لا يصح، يعني: السعي: هنا لا يصح؛ لأنه وقع بعد طواف وليس بنسك فإن السعي إنما يكون بعد طواف النسك، إما طواف الإفاضة، وإما طواف القدوم، وهؤلاء ما قدموا، هؤلاء هم أهل مكة، وهؤلاء يقال لهم: أعيدوا السعي؛ لأن سعيكم الأول لم يصح.
فإن قال قائل: في أن الحائض لا تطوف بالبيت؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
فالجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: إنه لا يصح طواف الحائض؛ لأن من شرط الطواف الطهارة، وهذه لم تكن طاهرة، فلا يصح طوافها، وعلى هذا القول لا يصح طوافها بأي حال من الأحوال حتى عند الضرورة لا يصح أن تطوف؛ لأن من شرط الطواف الطهارة، وهذه يمكنها أن تأتي بالشرط إذا طهرت.
وبناء على هذا القول لو حاضت امرأة قبل طواف الإفاضة وكان رفقتها لا يمكن أن ينتظروها ولا محرمها، وإذا عادت إلى بلدها لا يمكنها أن ترجع إما لمنع الحكومات، وإما لمشقة الرجوع لئلا تجد محرمًا، وإما لمشقة الرجوع بألا تجد مالًا حكم هذه بين أمرين: إما أن تبقى على إحرامها دائمًا وهو المذهب؛ بمعنى: أنها تبقى على ما بقي من إحرامها، وهو التحلل الثاني تبقى إن كانت ذات زوج فهي حرام على زوجها، وإن لم تكن ذات زوج فحرام عليها أن تتزوج، بناء على أن عقد النكاح بعد التحلل الأول حرام، وإن كان في هذا خلاف وفيه نظر، لكن الكلام على المعروف ولا يمكنها أن تتحلل بالحصر؛ لأن الحصر عندهم خاص بحصر العدو، وتبقى المسألة مشكلة - حرج لا نظير له - أو يقال على قول آخر على القول بأن الحصر يكون حصر عدو، وحصر مرض، وحصر ضياع نفقة، أو حصر كسر، المهم الحصر يكون لكل عذر يمتنع معه إتمام النسك، على هذا القول يقولون: تكون محصرة، وكيف تعمل؟ تذبح هديًا في مكان الإحصار بمكة وتتحلل، لكنها لم تؤد الحج، لماذا؟ لأنه فاتها منه ركن فيكون الحج غير تام، فتبقى المسكينة خصوصًا إذا كان حجها فريضة فتبقى لم تؤد الفريضة، لكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: ليست العلة اشتراط الطهارة؛ لأن اشتراط الطهارة في الطواف ضعيف؛ إذ إن هذا مستنده ما روي عن ابن عباس رضي الله عنها: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام».
وهذا الحديث لا يمكن أن يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصح - معناه غير صحيح - إذا قلنا: الطواف بالبيت صلاة إلا الكلام؛ فيقال: هذا غير صحيح، هناك أشياء كثيرة مستثناة مثل التكبير في أوله قراءة الفاتحة، عدم الاتجاه للقبلة، الحركة الكثيرة، وأشياء كثيرة مستثناة، فالحديث لا يصح عن الرسول - عليه الصلاة والسالم -، ثم إن قوله: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» يمكن أن يحمل على أنه بمثابة الصلاة في الأجر وأخص منها؛ لأنه خاص بالكعبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)