وقوله: «حين انشق الفجر» جعل ذلك انشقاقًا؛ لأن الفجر إذا سطع على الظلمة فكأنما شقها؛ لأنها تتمايز الظلمة في مكان النور، فيكون هذا انشقاقًا، ولا يحدث ذلك إلا في الفجر الصادق؛ لأنه يمتدمن الشمال إلى الجنوب ويتصل بالأفق ولا ظلمة بعده؛ هذا هو الفجر الصادق.
يوجد الفجر الكاذب، ويختلف عن الفجر الصادق بثلاثة أمور:
أولًا: أن الفجر الكاذب مستطيل، يعني: يصعد في السماء طولًا.
والثاني: أنه لا يتصل بالأفق؛ لأن ما بينه وبين الأفق ظلمة.
والثالث: أنه يضمحل ويزول.
أما الصادق - فكما عرفتم بالأول - لا يتأتى في هذه الأشياء الثلاثة.
وقوله: «والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا». أي: لا تقرب معرفة بعضهم بعضًا؛ وذلك لشدة الظلمة وعدم الإضاءة بالسروج.
148 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: «كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله». متفق عليه.
قوله: «كنا نصلي» هذه كان واسمها، والمعروف أن «كان» تفيد الدوام غالبا إذا كان خبرها فعلًا مضارعًا «كان يقرأ» ، «كان يفعل» وما أشبه ذلك.
وقوله: «نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا» يعني: من الصلاة، وهم لا ينصرفون إلا بعد انصراف النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نهى أن يسبقوه بالانصراف، وكان صلى الله عليه وسلم يبقى مستقبل القبلة بقدر ما يقول: أستغفر الله ثلاثًا، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف فينصرف الناس، فقوله: «فينصرف أحدنا» يعني: بعد أن ينصرف النبي صلى الله عليه وسلم، و «إنه» الجملة هذه حالية حال من الفاعل في قوله: «ينصرف»؛ أي: من أحدنا، والحال: «وإنه ليبصر مواقع نبله» ، وكسرت «إن»؛ لأن الجملة الحالية تكون مستأنفة، ويضاف إلى ذلك في هذا التعبير أنها قرنت اللام في خبرها، وإذا قرن خبر إن باللام وجب كسرها. «ليبصر مواقع نبله» أي: المكان الذي يقع فيه النبل، يعني: نبل السهم، يعني: السهم إذا أطلقه من القوس وهو بعيد.
ففي هذا الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبكر بصلاة المغرب؛ لأنهم إذا كانوا ينصرفون منها والضياء باق إلى هذا الحد؛ دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم كان يبادر بصلاة المغرب، ولكن لابد من أن يكون هناك فاصل بين الأذان والإقامة لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا قبل المغرب، صلوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
قبل المغرب، صلوا قبل المغرب» ، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». وهذا يقتضي أن يكون بين غروب الشمس وبين صلاة المغرب وقت يتسع للصلاة، وهل يجوز أن تؤخر؟
الجواب: نعم يجوز؛ لأن وقتها موسع، إلى متى؟ إلى أن يبقى بينه وبين دخول وقت العشاء مقدار الصلاة؛ فحينئذ يجب أن يصلي لأنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة عن وقتها ولا بعض الصلاة عن وقتها.
149 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أغتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج فصلى، وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي». رواه مسلم.
«أعتم»؛ أي: دخلت العتمة، والعتمة: اشتداد ظلمة الليل، وكان الرعاة يعتمون بالإبل، أي: يؤخرون حلبها إلى أن تظلم الأرض، فأعتم - إذن - بمعنى: أخر، «حتى ذهب عامة الليل» أي: حتى ذهب كثير من الليل، ولا يمكن أن نفسر «عامة» هنا بأكثر؛ لأننا لو فسرناها بأكثر لزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بعد منتصف الليل، وهذا لا يمكن، بل «عامة» بمعنى: كثير، «حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج فصلى، وقال إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي». وقال: «إنه»؛ أي: هذا الوقت الذي صلى فيه «لوقتها»؛ أي: لوقتها المختار «لولا أن أشق على أمتي».
ففي هذا الحديث دليل على جواز تأخير الصلاة للإمام عن الوقت المعتاد لقولها: «ذات ليلة» ، و «ذات» هنا من حيث المعنى زائدة، وهي ترد بمعنى «صاحبة» مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال». وترد زائدة كثيرًا، مثل قوله تعالى: {وأصلحوا ذات بينكم} [الأنفال: 1]. أي: أصلحوا بينكم.
ومثله هذا الحديث أيضًا: «ذات ليلة» وتطلق في اصطلاح المتأخرين على النفس فيقال: الذات والصفة يعني: النفس، لكنها ليست من لغة العرب الأصيلة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلا أن الناس يستعملونها كثيرًا بمعنى: النفس، «جاء زيد ذاته» بدل أن يقولوا: «جاء زيد نفسه».
وفي هذا دليل على احترام الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يتقدم أحد منهم فيصلي بالناس؛ لأنه تأخر إلى أن ذهب جزء كبير من الليل.
ومن فوائد الحديث: أن الأفضل في صلاة العشاء التأخير لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه لوقتها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
وفيه دليل أيضًا على أن [الشارع يراعي المشقة] ، وأنه مع المشقة تيسر الأمور؛ ولهذا كان من الضوابط عند العلماء: «المشقة تجلب التيسير».
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يستقل بالتشريع لقوله: «إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي» ، ولكن اعلم أن تشريع النبي صلى الله عليه وسلم يكون من شرع الله إذا أقره الله عليه أما إذا اجتهد ولم يقره الله عليه فالأمر واضح؛ مثل إذنه صلى الله عليه وسلم لمن استأذنه من المنافقين قبل أن يتبين الأمر، فقد قال الله تعالى فيه: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} [التوبة: 43].
ومن فوائد هذا الحديث: رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، وأنه يحب لهم الأيسر والأسهل؛ ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا بعث البعوث للدعوة إلى الله قال لهم: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». «وما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» ، والمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة؛ وذلك لأن أمة الدعوة لا يصلون حتى يرفق بهم أو لا يرفق، لكن المراد بذلك: أمة الإجابة.
إذن لو سألنا سائل: ما هي الصلاة التي يسن تأخيرها بكل حال؟ هي العشاء، وغيرها من الصلوات لا يسن تأخيرها إلا بسبب.
حكم الإبراد في صلاة الظهر:
150 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». متفق عليه.
قوله: «إذا اشتد الحر» هل المراد: إذا اشتد الحر في الفصول، أو إذا اشتد الحر في النهار؟
الأول؛ يعني: إذا اشتد الحر في الفصول؛ لأن فصول السنة أربعة: فصل الشتاء: وهو بارد، وفصل الربيع: وهو بين البرودة والحرارة، وفصل الصيف - أو القيظ -: وهو حار، وفصل الخريف: وهو بين الحرارة والبرودة، فيكون المعنى: «إذا اشتد الحر» أي: إذا أتت الفصول الحارة، وهو فصل الحر الذي يسميه بعض الناس فصل الصيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
وقوله: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» أبردوا؛ أي: أخروها حتى يبرد الجو، والمراد بالصلاة هنا: صلاة الظهر؛ لأنها هي التي تقع في شدة الحر.
ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم»؛ أي: من سمومها وحرارتها، ووجه ذلك: «أن النار اشتكت إلى الله عز وجل فأذن الله تعالى لها بنفسين نفس في الصيف، ونفس في الشتاء، فأشد ما نجد من الحرارة هذا من نفس الصيف، وأشد ما نجد من البرودة هذا من نفس الشتاء» ، وهذا العلم الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام لا يدركه علماء الفلك بعلومهم وعقولهم، لأنه شيء فوق ما يعرفونه، ولكننا نحن نؤمن بأن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق لا مرية فيه، «وجهن» اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها.
في هذا الحديث: الأمر بالإبراد بالصلاة إذا اشتد الحر، وهل الأمر هنا أمر إباحة ورخصة، أو هو أمر ندب، أو أمر واجب؟ كل هذا محتمل: يحتمل أنه للرخصة؛ لأن الأصل الأمر بتقديم الصلاة فيكون الأمر بعد ذلك - أي: بالتأخير - يكون رخصة، وإذا كان رخصة فإنه ينظر بما يكون أرفق بالناس، وقيل: إنه أمر تشريع، ثم هل هو واجب، أو ليس بواجب؟ في هذا تفصيل، المهم هذه الفائدة مشروعية الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر هذا هو الصواب أنه مشروع، ثم هل يجب أو لا يجب؟ ينظر إذا كان في الحضور إلى الصلاة في وقت الحر مشقة تذهب الخشوع فإن الإبراد واجب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإبراد عام سواء كان في الحضر أو في السفر، وقد جاء ذلك صريحًا في السفر؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقام بلال ليؤذن فقال له: «أبرد» ، ثم قام ليؤذن، فقال: «أبرد» ، ثم قام ليؤذن، فقال: «أبرد» ، حتى رأوا فيء التلول. وهذا يعني: أن الشمس تجاوزت الزوال بكثير، وهذا الذي يحصل به الإبراد، أما ما كان الناس يفعلونه فيما سبق يتأخرون عن زوال الشمس بساعة إلا ربع - أي: 45 دقيقة -، أو بساعة - أي: بـ «60» دقيقة - فهذا لا يغني شيئًا؛ لأنه لم يحصل الإبراد، بل ربما يكون هذا أشد ما يكون حرًا، فالإبراد بمعنى: أن يقرب فعل الصلاة من دخول وقت العصر.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى طلب الخشوع في الصلاة؛ لأن الإنسان إذا كان في شدة الحر فإنه سوف يقل خشوعه؛ لأن الحر مزعج يوجب انشغال القلب، فهل نقول مثل ذلك في التدفئة؟ يعني مثلًا: لو الإنسان قام إلى صلاة الفجر، وصار عليه غسل فاغتسل، هل نقول: لا يصلي ما دام ينتفض من البرد، فليتدفأ أولًا ثم يصلي؟
الجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة، وهي ذهاب الخشوع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وما أحسنه، وما أجمله، وأوضحه، وأبينه - وذلك حيث قرن الحكم بعلته، قال: «أبردوا للصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم».
ومن فوائد هذا الحديث: وجود النار الآن، وقد دل على ذلك القرآن والسنة.
أما القرآن: فقال الله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131]. و «أعد» فعل ماضٍ، والإعداد بمعنى: التهيئة.
وأما السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه النار وهي يصلي صلاة الكسوف، وشاهدها بعينه، ورأى فيها المعذبين.
فإذا قال قائل: أين موضع النار؟
قلنا: الظاهر أن موضعها في أسفل السافلين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن روح الكافر يأمر الله تعالى أن تكتب في سجين في الأرض السابعة السفلى.
فإذا قال قائل: نحن لا نشاهدها الآن، ربما نحفر إلى مدى بعيد ولا نشاهدها؟
قلنا: لا يلزم أن نشاهدها، الأمور الغيبية محجوبة عنا ليس فيها إلا مجرد التسليم، وما لم يظهر اليوم ربما يظهر بعد حين.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله سبحانه وتعالى قد يخرج من النار الحرارة حتى تصل إلى الأرض لقوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم».
فإن قال قائل: إذا كان في الطرف الشمالي من الأرض، أو في الطرف الجنوبي الأقصى من الأرض وليس عندهم البرودة، فهل نقول: إذا دخل فصل الصيف الذي يكون حارًا في المناطق الأخرى فإنهم يبردون بالصلاة؟
الجواب: لأا؛ لأن قوله: «أبردوا» يعني: أخروها إلى أن يبرد الجو، وهؤلاء جوهم بارد لا يحتاج إلى تأخير الصلاة.
151 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم». رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان.
«أصبحوا بالصبح» يعني: لا تصلوا حتى تتيقنوا الصبح خوفًا من أن يتعجل الإنسان ويصلي وهو شاك في طلوع الفجر؛ لأن طلوع الفجر أمر خفي، وهو - كما تعلمون - يظهر شيئًا فشيئًا، فربما يتعجل الإنسان بمجرد ما يرى إضاءة يظنها الصبح فيصلي. فمعنى «أصبحوا»؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
أي: تيقنوا الصبح لا تصلوا مع الشك، وقيل: معنى «أصبحوا بالصبح»؛ أي: أطيلوا قراءة الصلاة حتى يكون الإصباح واضحًا جليًا، ويسفر جدًا لقوله: «فإنه أعظم لأجوركم»؛ لأننا لو فسرناها بالمعنى الأول لكان فعلها قبل الإصباح ليس فيه أجر أصلًا، ولم يكن التعليل أنه أعظم للأجر، وهذا المعنى قوي جدًا.
أن المعنى «أصبحوا بها»؛ أي: أطيلوا الصلاة فيها حتى يظهر الصباح جليًا، وهو بمعنى الحديث الثاني: «أسفروا بالصبح».
من فوائد هذا الحديث: إن قلنا بالمعنى الأول: وجوب الانتظار حتى نتيقن الصبح، وإن قلنا بالثاني فمشروعية إطالة القراءة.
ومن فوائده: أن الأجور تختلف في عظمها وصغرها؛ لقوله: «فإنه أعظم» ، و «أعظم» اسم تفضل يدل على وجود مفضل، ومفضل عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: نعمة الله تبارك وتعالى على عباده؛ حيث سمى الثواب أجرًا مع أنه سبحانه وتعالى هو الموفق للعمل الصالح، ومع ذلك يسمي ثوابه على العمل الصالح أجرًا؛ أي: بمنزلة الأجرة التي يستحقها العامل على من استأجره، ومثل ذلك قوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60]. يعني: هل جزاء العمل الصالح الذي أحسن فيه صاحبه إلا الإحسان بالثواب فيقال: اللهم لك الحمد أن تحسن أولًا ثم تحسن ثانيًا؛ لأن الذي وفقك للإحسان أولًا هو الله عز وجل ومع ذلك أثابك على الإحسان الذي هو فضله عليك.
152 - وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر». متفق عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصبح» يعني: أنه صلى ركعة ثم طلعت الشمس، فتكون الركعة الأولى في الوقت، والركعة الثانية بعد الوقت، وقوله: «قبل أن تطلع الشمس» المراد: يتبين قرنها الأعلى؛ لأن وقت الفجر يخرج بتبين قرن الشمس الأعلى، يعني: ليس بلازم أن تخرج كلها، وقوله: «فقد أدرك الصبح» أي: أدرك وقتها، أي: كأنه صلاها كلها في الوقت، «ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس» ، أي: قبل أن يغرب قرنها الأعلى أو الأسفل؟ الأعلى لأنه لا يصدق أنها غربت إلا إذا اختلفت نهائيًا، «فقد أدرك العصر».
وقوله: «ركعة» في الموضعين يعني: بسجدتيها، وليس المراد: الركوع، المراد: الركعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
كاملة بسجدتيها، ويدل لذلك قوله في الحديث الثاني: «سجدة» إشارة إلى أنه لابد من إدراك السجود الأول والثاني حتى يتم بذلك إدراك الركعة.
في هذا الحديث فوائد منها: أن الوقت يدرك بإدراك الركعة لقوله: «من أدرك ركعة» وهذا القول هو القول الراجح أنه لا يدرك إلا بركعة، وأن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة، فإدراك الجمعة لا يكون إلا بركعة، وإدراك الجماعة لا يكون إلا بركعة، وإدراك الوقت لا يكون إلا بركعة، جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة، وهذا القول هو الذي تدل عليه السنة كما في هذا الحديث، وذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى أن الإدراك يحصل بإدراك تكبيرة الإحرام، فمن أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن تطلع الشمس في الفجر على كلامهم فقد أدرك الفجر، ومن أدرك مع الإمام قبل تكبيرة الإحرام قبل السلام فقد أدرك الجماعة، لكن أصحاب هذا القول استثنوا إدراك الجمعة، يعني: إدراك المسبوق للجمعة، قالوا: لا يدركها إلا بركعة كاملة، وهذا تناقض، والصواب: أن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة كاملة لا بركوع.
إذن نقول: إدراك الوقت يكون بركعة، ينبني على هذا مسائل:
منها: لو أن المرأة أدركت مقدار ركعة، ثم طهرت من الحيض فهل تلزمها الصلاة؟
الجواب: نعم، إذا أدركت المرأة من وقت الصلاة قدر ركعة وجبت عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فقد أدرك العصر» في العصر، «وقد أدرك الصبح» في الفجر، فإن أدركت أقل من ذلك؛ يعني: حاضت قبل أن تغرب الشمس بدقيقتين أو ثلاث فليس عليها صلاة، وعلى القول بأنها تدرك بتكبيرة إحرام فيلزمها الصلاة، لكن الصحيح لا.
المسألة الثانية: بالعكس لو أن المرأة حاضت بعد دخول وقت الصلاة بمقدار ركعة تلزمها الصلاة إذا طهرت؟
نعم، وعلى القول الثاني: إذا حاضت بعد دخول الوقت بتكبيرة الإحرام لزمتها الصلاة وهذه المسألة - أعني: إدراك الوقت من أوله - فيه خلاف؛ فمن العلماء من يقول: إن المرأة إذا أدركت مقدار ركعة من الوقت ثم حاضت لا تلزمها الصلاة؛ لأنه قد أذن لها أن تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، فإذا حاضت قبل آخر الوقت فلا صلاة عليها، وهذا القول قوي جدًا؛ لأن المرأة لم تفرط حتى نلزمها بالقضاء، وإذا كانت لم تفرط وقد أذن لها أن تؤخر فكيف نلزمها بشيء لم يلزمها، لكن القضاء أحوط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
من فوائد هذا الحديث: أن من أدرك ركعة من العصر لم تلزمه الظهر، يعني: لو أن المرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بركعة، أو ركعتين، أو ثلاث لزمتها صلاة العصر، ولا تلزمها - على القول الراجح - صلاة الظهر؛ لأن صلاة الظهر أتت عليها وهي ليست من أهل الصلاة، ولو كان يجب عليها أن تقضيها لكان هذا بين في كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما إذا كان هذا من أقوال العلماء، فأقوال العلماء تكون خطأ وتكون صوابًا؛ ولهذا كان القول الراجح: أن المرأة إذا طهرت قبل أن تغرب الشمس لم يلزمها إلا صلاة العصر وإذا طهرت قبل خروج وقت العشاء الآخرة لم يلزمها إلا صلاة العشاء الآخرة.
* استدراك:
كنا قد نبهنا على الكلام في الأماكن التي ليس فيها أوقات صلاة، وفات الأوان ولكن يمكننا لآن أن نتكلم عليها، توجد أماكن ليس فيها نهار ولا ليل، بمعنى: يمضي (24) ساعة كلها نهار، أو (24) ساعة كلها ليل، أو أكثر من ذلك، فما موقفنا نحو هذا؟
موقفنا بينه الرسول عليه الصلاة والسلام حين تحدث عن الدجال، وأن يومًا من أيامه كسنة يعني: (12) شهرًا فألهم الله الصحابة أن يقولوا: يا رسول الله، هذا اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال: «لا، اقدروا له قدره». وعلى هذا فنقول لمن كانوا في مكان ليس فيه ليل ونهار في خلال (24) ساعة اقدروا له قدره، ولكن هذا القدر هل يعتبر أقرب البلاد إليهم مما فيه ليل ونهار، أو يعتبر الوسط؛ يعني: تساوي الليل والنهار، أو تعتبر مكة لأنها أم القرى؟ هذه فيها ثلاثة أقوال:
منهم من يقول: يعتبر أقرب البلاد إليهم فيما فيه ليل ونهار، وهذا من حيث الفلك أقرب الأقوال.
ومنهم من يقول: يعتبر الوسط؛ يعني: يجعلون (12) ساعة ليلًا، و (12) ساعة نهارًا ويمشون على هذا.
ودليل هذا: أنهم يقولون: لما سقط اعتبار البلد بنفسه وجب الرجوع إلى الوسط.
والقول الثالث: يقول المعتبر توقيت مكة؛ لأنها أم القرى، كما جاء في القرآن الكريم {وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها} [الشورى: 7]. وعلى هذا فيجب على أولئك أن يكون لهم اتصال بمكة، ويعطون جدول مواقيت على حسب توقيت مكة، فهذه أقوال ثلاثة أقر بها من حيث العلم الفلكي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
الأول: يعتبر أقرب بلد إليهم فيه ليل ونهار مضطرد في خلال (24) ساعة.
ثانيًا: يقولون إن في بعض البلاد يطول وقت المغرب بحيث يبقى الشفق إلى قرب الفجر، فمتى يصلون؟
نقول: ما دام الشفق يغيب ويظهر فالمعتبر مغيبه، ولو طالت المدة؛ لأن الشرع علقه بهذا، وليس لنا أن نتعدى الحدود، أما إذا كان لا يغيب إلا إذا طلع الفجر من الجهة الشرقية فحينئذٍ نقول: اقدروا له قدره.
أسألكم: هذا الذي ليلهم ستة أشهر ونهارهم ستة أشهر كيف تتصورون الشمس؟ يعني: وقوع الواقع بعيد عن التصور، كنا نظن أن الشمس تكون من جانب واحد لكنها لا تغيب، تبقى ستة أشهر مثلًا في الجانب الشرقي، أو الشمالي، أو الجنوبي، أو الغربي، لكنهم يقولون: لا تكون في نفس المكان - يعني المنطقة - لكنها تدور، يعني مثلًا: تدور هكذا … وهذا شيء ما نتصوره، لكن الذين شاهدوه يقولون: هذا هو الواقع، هل تصورتموها الآن؟ لا، تعرفون الدوران حلقة تدور عليها يعني: تدور من الأفق تمشي هكذا في الأفق حتى ترجع إلى مكانها دائمًا.
أسئلة:
- حديث رافع بن خديج، قال: «فينصرف أحدنا ويبصر مواقع نبله» ما معنى هذا؟
- في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء، ما يدل على أن النبي يشرع من عند نفسه، من أين يؤخذ؟
- إذا كان يشرع عليه الصلاة والسلام فهل نقول: إنه يشرع ويكون إقرار الله له كالوحي؟
- هل قوله: «إنه لوقتها» مطابق لأصل التشريع الإسلامي؟
- بماذا يكون الإبراد لصلاة الظهر؟ وكيف الإبراد؟
- هات مثالًا يكون التعليل فيه دال على القياس على مشاركة الحكم للعلة؟
- هل يمكن أن نعكس القاعدة ونقول: كل حرام نجس؟
- ما تقول في رجل بلغ قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة ولم يصل الفجر، أتجب عليه صلاة الفجر؟ وإذا كان قد صلاها هل تلزمه الإعادة؟
153 - ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وقال: سجدة بدل ركعةٍ - ثم قال: - والسجدة إنما هي الركعة.
قوله: «وقال: سجدة بدل ركعة» ، يحتمل أن الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أنه الراوي، ولكنه فسر هذا بقوله: «والسجدة إنما هي الركعة»؛ لأن السجود يطلق على الصلاة كلها كما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
في قوله تعالى: {فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم: 62]. وعليه فيكون معناه معنى حديث أبي هريرة الذي قبله.
الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها:
154 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». متفق عليه.
- ولفظ مسلم: «لا صلاة بعد صلاة الفجر».
يقول: «لا صلاة بعد الصبح» «لا» نافية للجنس، و «صلاة» تعني: بناء على هذا الفرض والنفل، وتشمل الصلاة ذات الركوع والسجود، وما ليس بذات ركوع وسجود كصلاة الجنازة، وقوله: «بعد الصبح» يحتمل أن المراد: بعد صلاة الصبح، ويحتمل أن المراد: بعد طلوع الشمس، لكن رواية مسلم تبين أن المراد: بعد صلاة الصبح، ولذلك لا صلاة بعد صلاة الفجر، وكذلك أيضًا ورد في أحاديث أخرى غير حديث أبي سعيد التصريح بأن المراد: الصلاة؛ حيث قال الراوي: «نهى عن الصلاة بعد صلاتين: صلاة الفجر، وصلاة العصر».
وقوله: «حتى تطلع الشمس» المراد: حتى تطلع كاملة، أو حتى يطلع قرنها الأول والثاني، ولكن مع ذلك سيتبين فيما يأتي - إن شاء الله - في حديث عقبة أن النهي يمتد إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، «ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». «بعد العصر» ، أي: بعد صلاة العصر، «حتى تغيب الشمس» أي: يغيب قرنها الأعلى، يعني: تغيب كلها.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في ذلك؟
قلنا: الحكمة في هذا أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم «أن الشمس تطلع بين قرني شيطان» ، فإذا رآها المشركون سجدوا لها، وكذلك في الغروب تغرب بين قرني الشيطان، ولعلهم يسجدون لها وداعًا، فهم يسجدون لها استقبالًا عند طلوعها ووداعًا عند خروجها، فنهينا عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى التشبه بهم.
فلنأخذ الفوائد:
قوله: «لا صلاة» ذكرنا أن المراد: العموم، أي صلاة تكون، لكن نستثني من ذلك شيئًا، ثم هل المراد نفي الصلاة، أو نفي صلاتها، أو نفي كمالها؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
هذه ثلاثة احتمالات، والقاعدة: أن النفي نفي للوجود، فإن لم يمكن فهو نفي للصحة، ونفي الصحة نفي لوجودها شرعًا، أو لوجود المنفي شرعًا، فإن لم يكن بأن دل الدليل على أن المنفي صحيح وجب أن يحمل على نفي الكمال، فهنا هل المراد أن الصلاة منفية وقوعًا بمعنى لا يمكن أن تقع؟ الجواب: لا؛ لأنه ربما يصلي الإنسان في هذا الوقت.
إذن هل هو نفي للصحة أو الكمال؟ نقول: المرتبة الثانية بعد نفي الوجود أن تكون نفيًا للصحة ولابد، فنقول: «لا صلاة»؛ أي: لا تصح، وليس نفيًا للكمال.
إذن يستفاد من هذا الحديث: أنه لا تصح الصلاة في هذين الوقتين: لا الفريضة ولا النافلة، لا المقضية ولا المؤداة، ولكن هذا الحديث مرادًا، أي: لا يراد العموم، فقد دلت السنة على استثناء أشياء من ذلك، منها: الفريضة، فالفريضة لا نهي عنها، فمتى ذكر الإنسان أن عليه فريضة صلاها ولو في هذين الوقتين.
مثال ذلك: رجل لما صلى الفجر تذكر أنه صلى العشاء بغير وضوء، فهنا يصلي العشاء قبل طلوع الشمس أو لا؟
يصليها حين ذكرها، دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
فإن قال قائل: هذا الحديث بينه وبين حديث أبي سعيد عموم وخصوص من وجه، فكيف رجحتم عموم حديث قضاء الصلاة، على عموم حديث النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؟ فالجواب: أن قضاء الصلاة الواجبة واجب والأصل في الأمر «فليصلها إذا ذكرها» أنه على الفور، فيقتضي أن تصلى الفريضة من حين أن يعلم بها الإنسان، هذا واحد.
ثانيًا: حديث: «لا صلاة بعد الصبح» قد يستثنى منه أشياء بالنفي وبالإجماع، وقد ذكر العلماء أن العموم إذا خص فإن دلالته على العموم تكون ضعيفة، بل إن بعضهم يقول: إذا خص العموم فإن دلالته على العموم تبطل، لكن الراجح أنها لا تبطل، وأنه لا يخرج من العموم إلا ما استثني بالتخصيص، إذن يستثنى من ذلك قضاء الفريضة، لا يستثنى من ذلك إعادة الصلاة، يعني: إذا جاء إنسان بعد أن صلى الفجر، ودخل المسجد، وصلى الناس؛ فإنه يصلي معهم ولو كان بعد صلاة الفجر، دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الصبح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
في مسجد الخيف رأى رجلين لم يصليا، فقال لهما: «ما منعكما أن تصليا معنا؟ » قالا: يا رسول الله، صلينا في رحالنا، فقال: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة». فإنها - أي: الصلاتين - المعادة لكما نافلة، فصرح صلى الله عليه وسلم أنهما يصليان، وأنها نافلة، إذن إعادة الصلاة مستثناة.
يستثنى من ذلك سنة الظهر البعدية إذا جمعها مع العصر؛ لأنه لا يمكن أن يصليها بين الظهر والعصر؛ لأنهما مجموعتان، فيقضيها بعد صلاة العصر، كمريض يجمع بين صلاة الظهر والعصر، فيصلي الظهر، ثم يصلي العصر، ثم يصلي راتبة الظهر البعدية ليست القبلية، ولكن البعدية؛ لأنه لا يتمكن من صلاة الراتبة البعدية إلا بعد صلاة العصر.
يستثنى من ذلك أيضًا ركعتا الطواف، إذا طاف الإنسان بعد صلاة الصبح، أو بعد صلاة العصر، فإنه يصلي ركعتين خلف المقام لما سيأتي في «كتاب الحج»؛ ولأنهما تبع للطواف.
يستثنى من ذلك أيضًا ركعتا الطواف، إذا طاف الإنسان بعد صلاة الصبح، أو بعد صلاة العصر، فإنه يصلي ركعتين خلف المقام لما سيأتي في «كتاب الحج»؛ ولأنهما تبع للطواف.
يستثنى من ذلك أيضًا سنة الوضوء، فإنه إذا توضأ الإنسان بعد صلاة الصبح، أو بعد صلاة العصر، يجوز له أن يصلي سنة الوضوء لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
بناءً على هذه الأدلة نقول بالقول الثاني وهو رواية عن أحمد أنه يستثنى من هذا العموم الفرائض، وكل نافلة لها سبب، هذا هو القول الراجح، وهو رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن كل صلاة لها سبب فإنه يصليها في أوقات النهي، يدل لذلك أن في بعض ألفاظ أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحروا الصلاة». فهو يدل على أن المراد من قصد الصلاة في هذه الأوقات، وأما من صلى لسبب فإنه لم يقصد الصلاة في هذه الأوقات، ويدل لذلك أيضًا أنه إذا كانت العلة هي الابتعاد عن مشابهة المشركين، فإن الصلاة ذات السبب تبعد قصد التشبه بالمشركين، وجهه: أنها مقرونة بسبب، فلها سبب ظاهر يجب مشروعيتها، فلا يكون هناك مشابهة للمشركين.
المهم: أن القول الراجح في هذا أنه يستثنى من هذا العموم الفرائض، وكل نافلة لها سبب.
من فوائد هذا الحديث: سد ذرائع الشرك وإن كانت بعيدة؛ لأن أصل الرسالة مبنية على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
التوحيد، فكل طريق يمكن أن ينفذ الشيطان إلى قلب الإنسان فيوقع في الشرك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سده سدًا محكمًا.
إذن نأخذ من هذا: أن جميع وسائل الشرك محرمة، لكن الوسيلة قد تكون قريبة، وقد تكون بعيدة، فلعظم المقام سد النبي صلى الله عليه وسلم كل وسيلة ولو كانت بعيدة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النهي مقيد بالصلاة، صلاة من: صلاة الإنسان، أو صلاة الناس عمومًا؟ صلاة الإنسان، ولذلك لو فرض أن أحدًا من الناس فاتته صلاة الفجر، بل فاتته صلاة العصر، وتطوع بنافلة قبل أن يصليها هو، أيجوز ذلك أو لا؟ نعم، يجوز ذلك؛ لأن العبرة بصلاته هو.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصبح يطلق ويراد به الصلاة، يفسر ذلك لفظ مسلم، واستعمال الصبح بمعنى الصلاة موجود بكثرة في السنة.
أسئلة:
- النفي في قوله: «لا صلاة بعد الصبح» أنفي الوجود، أو الصحة، أو الكمال؟
- لماذا لا نحمله على نفي الوجود؟
- لماذا لا نحمله على الكمال؟
- الصلاة في هذين الوقتين حرام أو لا؟
- ما الذي يستثنى من قوله: «لا صلاة بعد الصبح، ولا صلاة بعد العصر»؟
- الحديثان بينهما عموم وخصوص من وجه، ما هو؟
155 - وله عن عقبة بن عامرٍ: «ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيف الشمس للغروب».
«وله» أي: لمسلم قوله: «ثلاث ساعات» هذا حصر، لكن الحصر لا يمنع من وجود غيره إذا دل عليه دليل؛ ولهذا تجدون كثيرًا ما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». وتارة يقول: «ثلاثة لا يكلمهم الله» ، ويأتي عدد آخر وقوله: «ثلاث ساعات» المراد بالساعة في اللغة العربية وفي الشرع: الوقت المحدد سواء طال أو قصر؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
ولهذا تجدن حديث التقدم من الجمعة: «من جاء في الساعة الأولى … من جاء في الساعة الثانية إلى آخره … ».
مع أن هذه الساعات تختلف طولًا وقصرًا بحسب الوقت والفصول، فالساعة في اللغة: كل وقت محدد طال الزمن أو قصر، إلا إذا قال: «ساعة من نهار» فهي لا تتجاوز النهار، «نهانا أن نصلي فيهن» أي: صلاة فريضة أو نافلة، وذلك لأن (أن) مصدرية، وهي بعد النهي، فإذا أول الفعل بالمصدر، صار كأنه بعد النهي فتفيد العموم، لكن هذا العموم سبق أنه خصص بمخصصات بيناها.
«وأن نقبر فيهن موتانا». «نقبر» القبر بمعنى: الدفن، يعني: أن ندفن الموتى في هذه الساعات، ثم فسرها فقال: «حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع» ، «بازغة» حال مؤكدة؛ لأن البزوغ والطلوع بمعنى واحد، فتكون «بازغة» حال مؤكدة، لعاملها أو لصاحبها؟ لعاملها، «حتى ترتفع» ، ولم يبين الرفع، لكنه قد بين في أحاديث أخرى: «حتى ترتفع قيد رمح» ، أي: قدر رمح، والمراد بالرمح: ما يرمى به في القتال، وهو نحو متر، وتقريب ذلك في الساعة المصطلح عليها الآن ما بين عشر دقائق إلى ربع ساعة.
«وحين يقوم قائم الظهيرة»؛ أي: حين يقف واقف الظهيرة، وذلك أن الشمس إذا توسطت السماء صارت كأنها قائمة لا تتحرك، «وحتى تزول» ، وهذا يقدر بعشر دقائق فأقل.
والثالث: «حين تتضيف الشمس للغروب» ، «حين تتضيف» أي: تميل للغروب، وقيل: حين تشرع في الغروب، والصحيح الأول؛ أنها حين تتضيف للغروب، فإذا كانت عين المغرب بمثلها في المشرق يعني: مقدار رمح حين يدخل هذا الوقت الذي ذكره عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني: حين يبقى على مغيبها مقدار رمح، هذه ثلاثة ساعات، وتسمى هذه الساعات عند الفقهاء: أوقات النهي القصيرة، أضف هذه الساعات الثلاث إلى صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس تكون الأوقات أربعة، ومن صلاة العصر حتى تغرب تكون خمسة، ويجتمع فيما قرب من الغروب النهي الخاص والعام؛ لأنها حين تتضيف يدخل فيها النهي عن الصلاة العصر حتى تغرب الشمس، فهذه أوقات النهي.
هذه الأوقات ينهى فيها عن كل صلاة ليس لها سبب من النوافل والفرائض لا نهي عنها، وسبق الكلام على هذا، لكن بقي الكلام «أن نقبر فيهن موتانا» الحكمة من ذلك لم تظهر لي
جيدًا، لماذا نهى عن دفن الميت في ذلك الوقت؟ لكن الذي يهمنا هو الحكم؛ لأننا نحن معبدون بالأحكام، ولسنا مكلفين بمعرفة الحكم والأسرار؛ لأن هذا قد تعجز عنه عقولنا، لكن نقول: إذا وصلنا بجنازة إلى قبر وقد بزغت الشمس لكن لم ترتفع قيد رمح، فإننا لا ندفن الميت، ننتظر إلى متى؟ حتى ترتفع قيد رمح ثم ندفنه، كذلك أيضًا إذا وصلنا بالميت إلى القبر وقد قام قائم الظهيرة فإننا ننتظر حتى تزول الشمس. كذلك إذا وصلنا بالميت إلى القبر وقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
بقي على غروب الشمس مقدار رمح، فإننا لا ندفنه حتى تغيب الشمس، فيما عدا هذه الأوقات الثلاثة لا بأس أن نقبر الموتى.
فنأخذ الفوائد منها: النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة، ويستثنى من ذلك ما تقدمز
ثانيًا: النهي عن دفن الأموات في هذه الأوقات الثلاثة.
ولكن إذا قال قائل: لو اضطررنا إلى الدفن في هذه الأوقات الثلاثة فهل يجوز؟
الجواب: نعم، لو كان هناك ضرورة مثل شدة حرارة الشمس، لا يستطيع المشيعون أن يبقوا في حرارة الشمس حتى تزول الشمس، نقول: هذا ضرورة، أو يكون هناك خوف، فيضطروا الناس إلى أن يدفنوا الميت في هذه الأوقات، فنقول: لا بأس، أو يكون هناك مطر، ننتظر حتى نقدر أنها ارتفعت قيد رمح، وأنها غابت في آخر النهار، ويعرف هذا بالساعة.
ومن فوائد الحديث: جواز دفن الميت في أي ساعة سوى هذه الساعات الثلاث، وجه ذلك: أن النهي عن شيء معين يدل على إباحة ما سوى هذا الشيء، فتكون دلالته على جواز الدفن في أي وقت دلالة مفهوم.
هل يجوز الدفن ليلًا؟ نعم يجوز؛ لأن ذلك ثبت بالسنة، والنبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم الإثنين، ولم يدفن إلا ليلة الأربعاء في الليل.
فإن قيل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد زجر أن يدفن الرجل ليلًا؟
قلنا: بلى، لكن لسبب؛ لأن هذا الرجل الذي مات ونهى النبي صلى الله عليه وسلم بسببه الصحابة عن الدفن بالليل، أنه مات ولم يحسن كفنه، فصار فيه تفويت شيء مطلوب، فإذا مات الإنسان في الليل ولم نستطع أن نغسله التغسيل الذي ينبغي، أو لم نجد الكفن الذي يطلب، أو ما شابه ذلك، فحينئذ نقول: لا تدفنوا ليلًا، أما إذا كانت الأمور متوفرة كما هو في وقتنا الحاضر فإنه لا بأس بالدفن ليلًا.
فإذا قال قائل: لو حصل أمطار غزيرة، فهل يجوز أن نؤخر؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
فالجواب: نعم، نؤخر؛ لأن ذلك يؤدي ألا يدفنه الناس على وجه مطلوب، هذا من جهة، من جهة أخرى: يؤدي إلى أن القبر يمتلئ ماء فيؤخر.
والخلاصة: أن هذا الحديث - حديث عقبة بن عامر - يؤدي إلى جواز الدفن في جميع أوقات الليل والنهار، إلا هذه الأوقات الثلاثة.
156 - والحكم الثاني عند الشافعي من حديث أبي هريرة بسندٍ ضعيفٍ. وزاد: «إلا يوم الجمعة».
«الحكم الثاني» هو في الواقع ليس حكمًا، لكن الحكم في المسألة الثانية وهي: «حين يقوم قائم الظهيرة»؛ لأن حديث عقبة بن عامر فيه ثلاث مسائل، والحكم واحد وهو النهي، ولذلك نعتبر عبارة المؤلف رحمه الله فيها تسامح، فالمراد: الحكم في المسألة الثانية هي: «حين يقوم قائم الظهيرة».
يقول: عند الشافعي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف، وزاد: «إلا يوم الجمعة» الشاهد: هو قوله: «إلا يوم الجمعة» فاستثنى يوم الجمعة؛ أي: أنه ليس فيه نهي عند زوال الشمس، وهذه المسألة فيها خلاف عند الفقهاء رحمهم الله منهم من قال: إن يوم الجمعة ليس فيه نهي، يعني: نهي عند قيام الشمس، لكنهم لم يستدلوا بهذا الحديث الضعيف، استدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا دخلوا المسجد صاروا يصلون حتى يحضر الإمام بدون نكير، وهذا يدل على أن الحكم المتقرر عندهم: أنه لا نهي عن الصلاة يوم الجمعة.
ومن العلماء من قال: إن الجمعة كغيرها. وهذا أقرب إلى الصواب، وإن كان الأول أقرب للصواب، لأن كون الصحابة يفعلون ذلك، يبعد أن يكونوا يفعلونه بدون أن يطلعوا على ترخيص الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الذي ينكر: ما يفعله بعض الناس اليوم، تجده متقدمًا إلى الجمعة، صلى ما كتب له، ثم جعل يقرأ القرآن، فإذا بقي على الزوال عشر دقائق أو نحوها قام يصلي، وهذا رأيناه كثيرًا، هذا هو الغلط؛ لأن هؤلاء لم يفعلوا كفعل الصحابة، يعني: لم يبقوا يصلون حتى جاء الإمام، بل هم جالسون، فلما جاء وقت النهي قاموا يصلون، لكن على رأي من يرى أنه لا نهي يوم الجمعة، يعني: ليس فيه النهي عند الزوال يباح لهم ذلك، لكن نقول: لا ينبغي لكم أن تتسلطوا على الصلاة في وقت اختلف العلماء في جواز الصلاة فيه، وظاهر هذا اللفظ «إلا يوم الجمعة» أنه لا فرق بين من كان في المسجد - أي: مسجد الجمعة -، ومن كان خارجه، وهذا نعم إذا صح الحديث فلا فرق، لكن إذا استدللنا بفعل الصحابة؛ فالصحابة إنما يفعلون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
ذلك فيما إذا حضروا الجمعة، فيكون هذا خاصًا فيمن حضر يوم الجمعة، له أن يصلي حتى يأتي الإمام.
157 - وكذا لأبي داود: عن أبي قتادة نحوه.
158 - وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد منافٍ، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعةٍ شاء من ليل أو نهار». رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن حبان.
قوله صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف» وجه الخطاب إليهم؛ لأنهم هم القائمون على المسجد الحرام، و «مناف» ما صلته بالرسول عليه الصلاة والسلام هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهو الأب الرابع؛ لأنهم هم القائمون على المسجد الحرام ولهم السلطة أن يمنعوا أو يفسحوا، فقال: «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى» يعني: فيه «أية ساعة شاء من ليل أو نهار» بعد الفجر، بعد العصر، عند قيام الشمس، في أي وقت لا تمنعوه؛ وذلك لأن المسجد لله عز وجل {وأن المساجد لله} [الجن: 18] ، وقد قال الله عز وجل: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114]. انتبهوا إلى كلمة {أن يذكر فيها اسمه} بدل اشتمال من قوله: {مساجد الله} يعني: أن النهي منصب على هذا، على منع ذكر اسم الله في المساجد، وكذلك لو منع المساجد أصلًا، وأقفل الباب في وقت الناس يحتاجون إليه بغير سبب شرعي.
من فوائد هذا الحديث: أولًا: حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيه الخطاب إلى من هو أليق به، وأخص به لقوله: «يا بني عبد مناف». وهل يعني ذلك أنه لغير القائمين على المسجد الحرام أن يمنعوا؟ لا، لكن الحكم واحد، لكن وجه الخطاب إليهم لكونهم هم الولاة عليه، نظير ذلك - أي: نظير توجيه الخطاب إلى من هم أليق به من غيرهم -: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج». وهذا الأمر للشباب وغيرهم، كل من يريد الزواج وفيه شهوة الزواج، فإنه يؤمر بهذا.
ومن فوائد هذا الحديث: نهي من قام على المسجد الحرام أن يمنع أحدًا طاف فيه بسلطة الولاية.
انتبهوا لهذا القيد: أن يمنع أحدًا طاف فيه بسلطة الولاية؛ لأن الرسول عمم، قال: «أية ساعة شاء من ليل أو نهار»؛ وإنما قيدت ذلك لأجل أن نرد قول من يقول: إن المسجد الحرام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
ليس فيه نهي عن الصلوات؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هنا خاطبهم خطاب ولي، يعني: لا تحملنكم الولاية على أن تمنعوا الناس من الصلاة في المسجد أو الطواف.
يبقى النظر: هل للإنسان أن يطوف أو يصلي، هذا إذا اشترط عندنا الآن الخطاب للولاة على المسجد الحرام، الخطاب للناس هل يصلون أو لا؟
الحديث في الحقيقة ليس فيه دليل على جواز الصلاة في المسجد الحرام في أي وقت؛ لأن كون الصلاة تجوز أو لا تجوز لا يخاطب بها الولاة، من يخاطب بها؟ عامة الناس، فإذا أراد أحد أن يصلي فلا تمنعوه؛ ولذلك قلت لكم: لا تمنعوا بسلطة الولاية، لكن لو قام يصلي في وقت النهي ومنعوه بحكم الشرع؛ لهم ذلك؛ لأن هذا من باب منع المنكر.
انتبهوا لهذه النقطة؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله قالوا: هذا الحديث يدل على أن الإنسان في المسجد الحرام يصلي في أي ساعة، فيقال: هذا غلط، الخطاب موجه لبني عبد مناف بحكم الولاية، يعني: لا تمنعه، أما كونه يصلي أو لا يصلي، فهذا يرجع إلى الأدلة الأخرى، إذا كان في وقت يصلي فيه جواز أن يصلي، وإلا فلا.
من فوائد هذا الحديث: أن الطواف ليس بصلاة؛ لأنه قال: «لا تمنعوه أي ساعة» ، وقد ذكرت لكم أن الفاعل الذي هو غير ولاة الأمر يرجع أمره إلى الشرع، هل نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن الطواف في الأوقات الخمسة أوقات النهي؟ لا، وهذا مما يؤيد ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أن الطواف ليس بصلاة، وأن الطهارة فيه ليست بشرط، وسبق الكلام على هذا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز لولاة الأمور أن يمنعوا الناس من حقوقهم، لكن إذا اقتضت المصلحة أن يمنعوهم من حقوقهم فلهم ذلك، الدليل: فعل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وأشياء كثيرة، لكن نذكر منها: الإنسان إذا طلق زوجته ثلاثًا بفمٍ واحد، من حقه أن يراجعها، يعني: إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، من حقه أن يراجعها في أي عصر كان؟ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر لما تتايع الناس في هذا وصاروا يكثرون الطلاق الثلاث منعهم من الرجوع وحرم الزوجة عليهم مع أن الحق لهم، لهم أن يراجعوا، لكن رأى من المصلحة أن يمنعهم من هذا الحق حتى يمتنعوا من الطلاق الثلاث؛ لأن الطلاق الثلاث محرم، من اللعب بكتاب الله.
أمهات الأولاد تباع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأبي بكر، أم الولد من هي؟ الأمة التي أتت بولد من سيدها كانت تباع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأبي بكر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
وصدر من خلافة عمرو ثم تجرأ الناس على التفريق بين الأم وولدها، وهو طفل صغير ينصهر قلبها والولد يبكي لها، فمنعهم عمر من بيع أمهات الأولاد مع أن لهم أن يبيعوها؛ إذن نقول: ليس لولي الأمر أن يمنع الناس من حقوقهم إلا لمصلحة، أو حاجة، أو ضرورة.
ومن فوائد هذا الحديث: الرد على طائفة مبتدعة: الجبرية يقولون: ليس للإنسان مشيئة ولا إرادة، وفعله مجبور عليه، ولا شك أننا لو أتينا بواحد منهم وجلدناه أشد الجلد، وقلنا: اعذرني يا أخي أنا مجبور، لا يوافقون؛ ولهذا احتج سارق كما روي عن عمر أتي بسارق وأمر بقطع يده، فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله، قال: ونحن ما نقطع يدك إلا بقدر الله، وأيضًا عمر رضي الله عنه يقطع يده بقدر الله، وشرع الله، وذاك يسرق بقدر الله دون شرع الله.
أسئلة:
- فهمنا من الأحاديث السابقة أن أوقات النهي بالاختصار ثلاثة، وبالبسط خمسة؟
- ما هو القول الراجح فيما يجوز في هذه الأوقات؟
- المؤلف ساق حديث جبير بن مطعم في هذا الباب، لماذا؟
- استدللنا من هذا الحديث على أن الطواف ليس بصلاة، وجه ذلك؟
159 - وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفق الحمرة». رواه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة، وغيره وقفه على ابن عمر.
«الشفق» يشير إلى آخر وقت صلاة المغرب إلى أن يغيب الشفق، فما هو الشفق أهو الحمرة أو البياض؟ بين في هذه الحديث - سواء عن ابن عمر أو عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفق هو: الحمرة التي تكون إثر غروب الشمس، وهذه الحمرة تستمر إلى نحو تسعين دقيقة، ربما تزيد قليلًا أو تنقص، يعني: ربما تصل إلى (75) دقيقة، وربما تصل إلى (90) دقيقة حسب الفصول، لكن متى غاب الشفق، يعني: متى ابيضت جهة الغروب، فمعنى ذلك: أن وقت المغرب انتهى ودخل وقت العشاء، إذا تأملت الترتيب وجدت أن هذا الحديث ينبغي أن يجعل فيما سبق، إذ ليس هذا مكانه؛ إذ إنه ينبغي أن يلي بيان أوقات الصلوات الخمس، لا أن يكون في سياق أوقات النهي، لكن لعل المؤلف رحمه الله حين كتب الكتاب غفل عن هذا، وكل إنسان معرض للنسيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
يوجد شفق آخر غيره الحمرة؟ نعم، شفق البياض يتأخر كثيرًا إلى نحو ثلث الليل، لا عبرة به، العبرة بشفق الحمرة.
الفجر الصادق والفجر الكاذب:
160 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفجر فجران: فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة - أي: صلاة الصبح - ويحل فيه الطعام». رواه ابن خزيمة، والحاكم، وصححاه.
قسم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الفجر إلى قسمين من حيث الحكم: فذكر أنهما قسمان: «فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة» ، وهذا هو الفجر الصادق الذي لا ظلمة بعده. تحل فيه الصلاة، يعني: صلاة الصبح، ويحرم فيه الطعام على من؟ على الصائم.
«وفجر تحرم فيه الصلاة» أي: صلاة الصبح، ويحل فيه الطعام - يعني: للصائم -، وهذان الفجران يختلفان في الحكم الشرعي، ويختلفان في الحكم القدري، يعني: حسًا وشرعًا، الفرق بينهما حسًا ذكره في الحديث الذي بعده.
161 - وللحاكم من حديث جابر نحوه، وزاد في الذي يحرم الطعام: «إنه يذهب مستطيلًا في الأفق». وفي الآخر: «إنه كذنب السرحان».
يعني: الذنب كالفجر الذي يحرم الطعام، وهو الفجر الصادق يذهب مستطيلًا في الأفق، يعني: من الشمال إلى الجنوب، والثاني: «كذنب السرحان» وهو أيضًا يمتد من الشرق إلى الغرب، هذا الفرق، الفجر الصادق الذي تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام يكون مستطيلًا من الشمال إلى الجنوب، والثاني بالعكس يكون من الشرق إلى الغرب، هذا فرق واضح.
الفرق الثاني: أن الصادق لا ظلمة بعده، بل يزداد النور حتى يشمل الأفق كله، وأما الثاني: فيظلم بعد هذا ويزول، هذان فرقان.
الفرق الثالث: الصادق نوره متصل بالأفق، والثاني نوره غير متصل، بمعنى: أنك إذا رأيت أسفل الأفق لم تر نورًا، يعني هذا في الكاذب، فهذه فروق ثلاثة.
قال شيخنا عبد الرحمن رحمه الله: الفرق بينهما نحو نصف ساعة، يعني: أن الكاذب يخرج قبل الصادق بنحو نصف ساعة ثم يضمحل، فصار الفرق بينهما من الناحية الكونية - الحكم الكوني القدري - من وجوه ثلاثة:
الصادق ممتد من الجنوب إلى الشمال، وذاك بالعكس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)