فضل الدعاء بين الأذان والإقامة:
195 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة.
«لا يرد» يعني: أن الله لا يرد الدعاء؛ لأن رد الدعاء وقبوله عند الله عز وجل.
وقوله: «بين الأذان والإقامة» يعني: من كل صلاة، سواء الفجر، ظهر، عصر، مغرب، عشاء، جمعة لا يرد، والغرض من هذا الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم الحث على اغتنام هذا الوقت بالدعاء، فإنه حري بالإجابة، ففي هذا الحديث أن هذا الوقت ما بين الأذان والإقامة وقت لإجابة الدعاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة» ، وظاهر الحديث العموم، وأنه لا فرق بين الرجال والنساء، وظاهره أيضًا أنه لا فرق بين منتظر الصلاة وغير منتظر الصلاة، وظاهره أيضًا أنه لا فرق بين المتوضئ وغير المتوضئ.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة كما قال - جل وعلا -: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] ، فجعل الله الدعاء عبادة، قال: {ادعوني} ، ثم قال: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}. ولا شك أن عبادة لأن الداعي يظهر أمام الله بمظهر المحتاج المفتقر الذي يشعر بأن الله تعالى هو الذي بيده الأمور وهي الذي يعطي ويحرم.
ومن فوائد هذا الحديث: ما أشرنا إليه في أول الكلام من أن الراد والقابل من؟ هو الله عز وجل.
ويتفرع على هذه القاعدة فائدة عظيمة، وهي: أن الإنسان إذا دعا على آخر فهل يخاف الآخر من دعائه؟
الجواب: لا يخاف إلا إذا كان ظالمًا؛ لأن الإنسان إذا دعا على غير ظالم فإن الذي يجيبه هو الله عز وجل، ولو أجابه على دعائه لكان الله تعالى يعين الظالمين، وحاشاه من ذلك، بل قال الله عز وجل: {إنه لا يفلح الظالمون} [يوسف: 23]. وعلى هذا فلا تخف من دعاء من يدعو عليك بغير حق؛ لأن المستجيب للدعاء هو الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى لا ينصر الظالم أبدًا، لكن إن كنت ظالمًا فاحذر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه وقد بعثه إلى اليمين وأمره بأخذ الزكاة من أموالهم: «واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».
وللدعاء آداب معلومة في الكتب المكتوبة في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
فإن قال قائل: إن الإنسان قد يدعو بين الأذان والإقامة فلا نرى إجابة، فما موقفنا من هذا الحديث؟
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا بأن هذا الوقت سبب لإجابة الدعاء، والسبب قد لا يحصل المسبب لوجود مانع؛ يعني: إذا جاءت مثل هذه النصوص التي فيها الأخبار ثم تخلف الخبر بناء على ظنك فاعلم أنه لن يتخلف إلا لوجود مانع يمنع إجابة الدعاء، واستمع إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام حين ذكر: «الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له».
لذلك انظر لهذا الحديث: أسباب الإجابة موجودة وهي السفر كونه أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يدعو يا رب يا رب يا رب، واستبعد النبي صلى الله عليه وسلم الاستجابة له؛ لأنه يأكل الحرام؛ لأن هذا مانع من إجابة الدعاء مع توافر شروطه.
أيضًا أذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا». مع أن كثيرًا من الناس يقولون هذا ولكن الشيطان يستولي على أولادهم؛ وذلك لوجود مانع يمنع من حصول ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، أو لوجود سبب أقوى حصل فيه تفريط من ولي الأمر، مثلًا أن يكون هذا الولد إذا كبر وترعرع صاحب أناسًا لا خير فيهم، وأبوه لم ينهه عنهم ولم يراقبه، فيكون الأب قد أضاع ما أوجيب الله عليه من رعاية الولد، والولد حصل له سبب قوي، وهو صحبة هؤلاء الأشرار، فلاحظوا من هذه المسائل أن الله عز وجل في شرعه وقدره يربط الأشياء بعضها ببعض، وقد يوجد المسبب على غير السبب المعلوم؛ لأن الأمر كله بيد الله عز وجل، ولكن أبشروا أيها الداعون إلى الله أنه ما من إنسان يدعو الله إلا حصل على أجر قطعًا كيف ذلك؟ لأن الدعاء عبادة من أفضل العبادات، ثم إما أن يستجيب الله له، وإما أن يدخر له عنده ما هو أفضل مما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء الذي انعقدت أسبابه من هذا الداعي ما هو أعظم مما دعا به، فلن يعدم داعي الله تعالى خيرًا، بل هو على خير على كل حال، أكثرمن الدعاء وأحسن الظن بالله عز وجل، ولهذا جاء في الحديث: «ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)
196 - وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلت له شفاعتي يوم القيامة». أخرجه الأربعة.
قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يسمع النداء» أي: حين يسمع النداء كاملًا، ليس حين يسمع أوله كما جاء مفسرًا في حديث آخر، أي: «من قال مثل ما يقول المؤذن، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم سأل الله الوسيلة للرسول عليه الصلاة والسلام حلت له الشفاعة».
فيقول: «حين يسمع النداء» ، أي: حين يسمعه كاملًا: «اللهم رب هذه الدعوة التامة» ما أكثر أن تأتي «اللهم» في الدعاء، قال أهل النحو: وأصلها يا الله فحذفت يا النداء تبركًا بسبق الاسم الأعظم الله، ثم عوض عنها بالميم؛ لأن الميم تدل على الجمع، كأن من ينادي الله عز وجل قد جمع قلبه ولسانه على هذا الدعاء، يعني: ما جاءت بدل الميم قاف، أو كاف، أو فاء، جاءت الميم؛ لأنها تدل على الجمع كما هو معروف على كل حال معناها: يا الله، «رب هذه الدعوة التامة» هذا عطف بيان، أو بدل، وإن شئت فاجعله منادى مستقلًا.
«اللهم يا رب هذه الدعوة التامة» ما هذه الدعوة؟ هي: الأذان دعوة تامة؛ لأنها فيها تعظيم الله بالتكبير، والشهادة له بالتوحيد، والشهادة لنبيه بالرسالة، والدعوة إلى الصلاة، والدعوة إلى الفلاح، والعود إلى التعظيم مرة ثانية، ثم إلى التوحيد مرة ثانية، وتختم بذلك، أي دعوة أكمل من هذه؟ ! أو أي دعوة مثل هذه الدعوة؟ !
«أيها الناس صلوا» ، هذه دعوة لكن لو قارنت بينها وبين الأذان لوجدت أن الأذان دعوة تامة.
وقوله: «رب هذه الدعوة» وما وجه كونه عز وجل ربًا لهذه الدعوة؟ لأنه الذي شرعها، ولأنها صدرت من مخلوق الله ربه، و «التامة» كما ذكرنا هي تامة من كل وجه في صيغها وفي عددها وفي كل ما تضمنته، والصلاة القائمة معناها: التي ستقام، هكذا ذكر بعض أهل العلم، ووجهه: أن هذا الأذان لصلاة ماضية أو بعد يومين أو ثلاثة؟ الصلاة القائمة التي ستقام قريبًا، فعبر بالوصف الدال على الحال لقرب الإقامة من الصلاة؛ لأن الإقامة للصلاة، وكذلك الأذان للصلاة، فالأذان قريب والإقامة قريبة، لكن الإقامة لا يقال فيها هذا الذكر كما سيتبين إن شاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
الله، والصلاة القائمة يعني: التي ستقام، ويحتمل أن يكون معنى الصلاة القائمة أي: ذات الاستقامة والتمام حتى يتطابق مع قوله: «رب هذه الدعوة التامة»؛ لأن القائمة بمعنى: القيمة المستقيمة المشتملة على روضات من رياض الذكر والهيئة والدعاء، لا يوجد عبادة تشتمل على ما تشتمل عليه الصلاة؛ رياض متنوعة من العبادات، قيام وركوع وسجود، جلوس، هيئات، حركات باليد أيضًا، أقوالها: قرآن، تسبيح، تعظيم، قيام وركوع وسجود، جلوس، هيئات، حركات باليد أيضًا، أقوالها: قرآن، تسبيح، تعظيم، دعاء، فهي روضة مشتملة على أنواع كثيرة من الرياضات، أي: رياضات العبادة، فصارت كلمة «القائمة» لها معنيان: المعنى الأول: التي ستقام؛ لأن الأذان لها. والمعنى الثاني: القائمة؛ أي: ذات القيام، بمعنى: المستقيمة التامة لما تشتمل عليه من أنواع الذكر وأنواع العبادة.
«آت محمدًا الوسيلة والفضيلة». «آت»؛ بمعنى: أعط، و «ائت»؛ بمعنى: اذهب، ائت زيدًا، بمعنى: اذهب إليه، لكن «آت محمدًا» أعطه، وهذه خذها قاعدة: الهمز بالمد بمعنى: الإعطاء، {وآتي المال على حبه ذوي القربى} [البقرة: 177] ، وبالقصر بمعنى: المجيء، أتى زيد؛ أي: جاء، آت أي: أعط.
«محمدًا الوسيلة»؛ هذا العلم علم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله أعلام متعددة لكثرة أوصافه الطيبة، فله من كل وصف علم، قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: [الطويل]
وشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد
ولما علم المشركون أن كلمة «محمد» تعني: الثناء والتحميد؛ صاروا يسمونه بمذمم، والذم لهم، إذن «محمد» علم على رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله، وله أسماء أعلام كثيرة لكثرة أوصافه الحميدة.
«آت محمدًا الوسيلة والفضيلة». «الوسيلة»: بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، قال: وأرجو أن أكون أنا هو، إذن هي درجة عالية أعلى درجات الجنة؛ لأنه استحقها من أعلى درجات الخلق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: «الفضيلة» هي الفضل في ذاته؛ لأن علو المكان قد يكون لمن لا يستحق في ذاته وفي فضله، فأنت تسأل الله الوسيلة المنزلة العليا والفضيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجمع بين علو المكانة وعلو المكان والفضيلة.
«وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته». «ابعثه» يعني: يوم القيامة، «مقامًا محمودًا» أي: مقامًا يحمد عليه، ولم يعين الحامد إشارة إلى أن كل أحد يحمده صلوات الله وسلامه عليه، ومن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)
المقام المحمود: الشفاعة العظمى التي لا يتقدم إليها أولو العزم من الرسل؛ لأن الناس يوم القيامة يحشرون في مكان واحد يسمعهم الداعي وينفذهم الصبر حفاة عراة غرلًا، لا ماء ولا ظل، ولا أكل، ولا لباس، شاخصة أبصارهم ويلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، حتى إن الإنسان ينسى قريبه {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]. ما يتساءلون أين أخي؟ أين أبي؟ أين عمي؟ ما يتساءلون، بل يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه الرجال والنساء، ولما قالت عائشة: واسوأتاه الرجال والنساء في صعيد واحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك». يتساءل الناس من ينجيهم من هذا الكرب، فيلهمون أن يأتوا إلى آدم أبي البشر فيسألونه الشفاعة فيعتذر، فيذهبون إلى نوح فيعتذر، إلى إبراهيم فيعتذر، إلى موسى فيعتذر، كل منهم يرى أنه فعل فعلًا لا يناسب أن يكون شفيعًا من أجل هذا الفعل، آدم يقول: إنه أكل من الشجرة التي نهي عنها، نوح يقال: إنه سأل ما ليس له به علم، إبراهيم يقول: إنه كذب ثلاث كذبات، موسى يقول: إنه قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها، عيسى لا يذكر شيئًا يحول بينه وبين الشفاعة، ولكنه يحيلهم على محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أشرف الناس، فيقول: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يسألونه الشفاعة عند رب العالمين فيشفع إلى الله عز وجل، فيجيب الله تعالى الشفاعة ويقضي بين العباد فيريحهم من هذا الموقف، إذن هذا الموقف يحمد فيه من؟ الأولون والآخرون؛ لأنه خلص الناس من كرب عظيم، هذا من المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: {عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} [الإسراء: 79].
ولهذا قال: «الذي وعدته» في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} فإذا قال قائل: أهذا وعد؟ قلنا: نعم، كما قال بعض السلف: «عسى» من الله واجبة، إذن فهو وعد، والذي علمنا هذا الدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنستفيد من هذا أن «عسى» من الله وعد، فإذا قرأنا قول الله تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} [النساء: 98 - 99]. ماذا نقول: هذا وعد أو غير وعد؟ وعد، ولابد أن يقع في آخره.
«إنك لا تخلف الميعاد» وهذه الجملة اختلف فيها المحدثون أصحيحة هي أم لا؟ صححها شيخنا عبد العزيز بن باز وناهيك به في علم الحديث، فإنني لا أعلم له مثيلًا في المملكة فمرة صححه ومرة حسنه، وعلى كل حال فالجملة «إنك لا تخلف الميعاد» هي مطابقة تمامًا لما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
جاء في دعاء المؤمنين في القرآن: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} [آل عمران: 194]. وحينئذ لا إنكار على من زادها، بل يحمد من زادها.
في هذا الحديث فوائد منها: مشروعية هذا الدعاء عند سماع المؤذن، وظاهر الحديث أن أي مؤذن يؤذن أذانًا مشروعًا فإنه يقال بعده هذا الدعاء، وعليه فالأذان الأول في يوم الجمعة الذي سنه عثمان يتابع، ويدعى بعده بهذا الدعاء؛ لأنه أذان مشروع، وقد تكايس قوم؛ أي: طلبوا الكيس، ولكنهم تكايسوا إلى أسفل، قالوا: الأذان الأول يوم الجمعة غير مشروع، بل تجرأ بعضهم - والعياذ بالله - وقال: إنه بدعة، وسبحان الله! أن يتجرأ جريء على أذان سنه خليفة من الخلفاء الراشدين وأقره عليه الصحابة رضي الله عنهم ما أنكروا عليه حتى يأتي ضعيف التصور وضعيف التفكير، ويقول: هذا بدعة، أليس ما سنه الخلفاء الراشدون مما أمرنا باتباعه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». ثم ألسنا دون الصحابة بمراحل، والصحابة فوقنا بدرجات، هل أنكروا على عثمان؟ ما أنكروا عليه، ولو كان شيئًا منكرًا لأنكروا عليه كما أنكروا عليه الإتمام في منى. الصحابة لا تأخذهم في الله لومة لائم.
فالأذان الأول يوم الجمعة أذان مشروع بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم وبسنة الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وبإجماع الصحابة فيما نعلم، وعليه فمتابعته سنة مشروعة، والدعاء بعده بهذا الدعاء أيضًا مشروع.
ومن فوائد الحديث: أن من لم يسمع النداء فإنه لا يقوله، يعني: لو فرض أن الإنسان استيقظ بعد إتمام المؤذنين أذانهم ودعا بهذا الدعاء فإننا نقول: ليس بمشروع؛ لماذا؟ ما سمع النداء، والنبي صلى الله عليه وسلم رتب هذا على من سمع النداء.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يصدر الإنسان دعاءه بمثل هذه الجملة: «اللهم رب» ، وهذا كثير في الدعاء لا في القرآن ولا في السنة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأذان من الدعوات التامة «رب هذه الدعوة التامة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
ومن فوائد هذا الحديث: شرف الأذان؛ حيث أضاف النبي صلى الله عليه وسلم الربوبية إليه فقال: «اللهم رب هذه الدعوة».
ومن فوائد هذا الحديث: الثناء على الصلاة بأنها صلاة قائمة مستقيمة؛ لقوله: «والصلاة القائمة».
ومن فوائد هذا الحديث: «آت سيدنا» أي: زيادة سيدنا بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمها أمته، فإن قال الزائد: ألست تؤمن بأن رسول الله سيدنا؟ فالجواب: بلى، ومن سيادته لنا ألا نزيد على ما علمنا؛ لأننا إذا زدنا على ما علمنا جعلنا أنفسنا أعلم منه بشريعة الله وأسد رأيًا، والذي يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم سيدًا حقيقة هو الذي لا يتقدم بين يديه ولا يبتدع في دينه ما ليس منه، بل يعظمه ويحترمه.
ومن فوائد هذا الحديث: جاز ذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم باسمه عند الخبر، أما عند دعائه وندائه فلا، عندما تدعو الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، قل: يا رسول الله، يا نبي الله، لا تقل: يا محمد؛ لقول الله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا} [النور: 63]. على أحد التفسيرين في هذه الآية.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث جعل الله الوسيلة له والفضيلة، وذلك بالإضافة إلى ما ذكرته لكم من أن الوسيلة درجة في الجنة لا ينبغي إلا أن تكون لعبد من عباد الله، قال: «وأرجو أن أكون أنا هو» ز
ومن فوائد هذا الحديث: الإيمان بالبعث، لقوله: «وابعثه مقامًا محمودًا».
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أمرنا أن ندعو الله تعالى بهذا الدعاء الذي لابد أن يستجاب؛ لأنه لو كان لا يستجاب لكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم إيانا به عبثًا لغوًا.
ومن فوائد هذا الحديث: التوسل إلى الله تبارك وتعالى بصفاته؛ لقوله: «الذي وعدته» ، ولا شك أن هذا الوصف من وسيلة الإجابة، فإن الناس حتى فيما بينهم يقول: يا فلان، أعطني كذا وكذا؛ لأنك وعدتني من أجل تأكيد إجابة المطلوب.
من فوائد هذا الحديث: إثبات الشفاعة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: «حلت له شفاعتي يوم القيامة» ، والشفاعة نوعان: عامة في جميع الخلق، وخاصة، فالعامة في جميع الخلق هي أن يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف أن يقضى بينهم، فهذه عامة، لكنها خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ بمعنى: أنه لا يتقدم إليها أحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يشترط فيها - أي: في هذه الشفاعة - رضا الله عن المشفوع له؛ لماذا؟ لأن من ضمنها أعداء الله من المشركين والكفار يدخلون في هذه الشفاعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
الثانية: الشفاعة الخاصة بالمؤمنين لا تكون لكل أحد بالمؤمنين العصاة الذين استحقوا دخول النار دون الخلود فيها، فهؤلاء يشفع فيهم النبيون، والصديقون، والشهداء، والملائكة، والصالحون فيمن استحق النار ألا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها، وهذا النوع من الشفاعة ينكره الوعيدية من المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج يرون ألا شفاعة في عاصٍ قد عصى بكبيرة؛ لأن المعتزلة والخوارج كل منهم يقول: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار، والمخلد في النار ليس فيه شفاعة، لكن أهل الحق يقولون: إن هذه ثابتة وتواترت بها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذا الحديث: هذا الثواب العظيم لمن قال هذا الدعاء أن تحل له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، أي الشفاعتين؟ الخاصة.
الحديث فيه مباحث: إذا قال قائل: كيف حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الدعوة وقد حصلت له، وكيف حثنا على الصلاة عليه وقد حصلت له {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ، وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56]. وكيف حثنا وأمرنا أن نصلي عليه مع أنه يأمرنا أن ندعو له، وسؤال الغير أن يدعو للإنسان غير مستحسن، كم مبحثًا الآن؟ ثلاثة مباحث:
الأول: كيف أمرنا أو حثنا على الدعاء بهذا وقد حصل له الجواب على ذلك: أنه ربما يكون من أسباب الحصول دعاء الأمة؛ لأن الأسباب قد تكون واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة.
ثانيًا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حثنا على ذلك من أجل أن نذكر ما للرسول صلى الله عليه وسلم من حق علينا أن ندعو له عند كل أذان في اليوم خمس مرات على الأقل:
الإشكال الثاني: أمرنا وحثنا على الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام مع أن الله أخبر أنه يصلي عليه؟
الجواب: أنه أمرنا بذلك لمصلحتنا من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا. إذن المصلحة لمن؟ لنا، لكن أمرنا بذلك وهي للرسول عليه الصلاة والسلام من أجل ما قدمنا قبل قليل أن نذكره عليه الصلاة والسلام، وألا يبعد عن قلوبنا.
ويقال أيضًا في الإشكال الثالث، وهو كيف يسأل أن ندعو له؟ نقول: هو ما سأل أن ندعو له لمصلحته هو؛ لأنه عارف عليه الصلاة والسلام وعالم أنه حاصل له لكن لمصلحتنا نحن؛ لأن الصلاة عليه الواحدة بعشر صلوات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
أسئلة:
- ما سبب مشروعية الأذان؟
- ما هو الأذان لغة؟ وفي الشرع؟
- هل يخالف المستمع المؤذن في شيء؟
- ما الحكمة في أنه لا يوافقه في الحيعلتين؟
- ما المقصود بلا حول ولا قوة إلا بالله؟
- ماذا يقول السامع إذا سمع المؤذن في الفجر يقول: الصلاة خير من النوم؟
- اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة؛ ما معنى الصلاة القائمة؟
***
3 - باب شروط الصلاة
الشروط جمع شرط، والشرط ما تتوقف عليه صحة العبادة أو العقد، هذا إذا كان شرطًا للعبادة، أما الشرط في العقد فهو يختلف، الشرط في العقد ما يتوقف عليه لزوم العقد، فعندنا الآن شرط للصحة، وشرط للزوم، الشرط للصحة من قبل الشرع، ليس لنا فيه تدخل الشرط للزوم من قبل العبد، فمثلًا رجل باع بيتًا وشرط سكناه سنة؛ تقول: هذا شرط للبيع أو في البيع؟ في البيع، فهو شرط للزوم، وأما إذا باع بعد نداء الجمعة الثاني فإنه لا يصح البيع لوجود المانع، فالحاصل: أن شرط الشيء من عبادة أو عقد ما تتوقف عليه صحته.
فإن قال قائل: ما هذه الشروط؟ ما هذه الواجبات؟ ما هذه الأركان التي قالها العلماء، أتجدون هذا في القرآن أو السنة؟
الجواب: لا، لا نجد هذا في الكتاب والسنة، لكن العلماء رحمهم الله تتبعوا النصوص وأحصوا ما يشترط للعبادة أو المعاملة، ثم جمعوها ورتبوها حيث ما تقتضيه النصوص تسهيلًا لطالب العلم، وحينئذ لا يجوز الاعتراض على ما مشى عليه العلماء؛ لأن بعض الناس يقول: ما لنا وللشروط، ما لنا وللأركان ما لنا وللواجبات، هذه أوصاف ما أنزل الله بها من سلطان، فيقال: سبحان الله! إن الناس لا يتعبدون الله تعالى بهذه الأوصاف، لكن جعلوها وسيلة لتقريب العلوم على طالب العلم، والوسائل لها أحكام المقاصد. فلا تغتر بمن يقول: لا، دع الناس يفعلون العبادات بدون أن يعلموا أنها شرط أو واجب أو ركن، ولا تتعرض لهذا، نقول: الحمد لله هذه مسائل احتاج المسلمون إليها لفض المسائل العلمية وتسهيلها على الطالب وليست
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
هي مقصودة بذاتها حتى نقول: إننا أحدثنا في دين الله ما ليس منه. شروط الصلاة إذن ما تتوقف عليه صحة الصلاة.
شرط الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر:
197 - عن علي بن طلق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، وليتوضأ، وليعد الصلاة». رواه الخمسة، وصححه ابن حبان.
«إذا فسا» الفساء معروف، وهو الريح التي تخرج من الدبر، وهل هناك ريح تخرج من غير الدبر؟ نعم، بعض النساء تحس بريح تخرج من فرجها، هذا لا عبرة بها ولا يترتب عليها شيء، لكن الريح التي تخرج من الدبر هي التي تترتب عليها الأحكام.
«إذا فسا أحدكم» هنا فساء، وهناك ضراط الفرق بينهما: ما كان له صوت فهو ضراط، وما لم يكن له صوت فهو فساء، وقوله: «في الصلاة» يشمل ما إذا كان في أول الصلاة أو في آخرها، ويشمل كل صلاة تشترط لها الطهارة، وقوله: «فلينصرف» يعني: من صلاته؛ ولأنها بطلت فلا فائدة من الاستمرار فيها، «وليتوضأ» وذلك لانتقاض وضوئه بالفساد، وليعد الصلاة بعدها من جديد أم يبني؟ من جديد؛ لأنه قال: «وليعد» ، والإعادة: فعل الشيء ثانية.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: ما ساقه المؤلف من أجله، وهو أن من شرط صحة الصلاة أن يكون الإنسان متوضئًا؛ لقوله: «فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة» ، وبناء على ذلك لو صلى وهو محدث فإن كان عامدًا فقد أتى ذنبًا عظيمًا، حتى إن بعض أهل العلم كفره، وقال: إذا صلى محدثًا وهو عالم فهو كافر، وعلل ذلك بأنه مستهزئ بآيات الله عز وجل لكن جمهور العلماء على أنه لا يكفر، ولكن قد أتى إثمًا عظيمًا، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه، لكن عليه الإعادة، مثال ذلك: رجل صلى المغرب بوضوء، ثم أحدث ولم يتوضأ، ثم صلى العشاء ناسيًا أنه أحدث بعد صلاة المغرب، فصلاة العشاء غير صحيحة؛ لأنه صلى بغير وضوء.
مثال آخر: رجل صلى المغرب بوضوء ثم تعشى وأكل لحم إبل، ولم يعلم أنه لحم إبل، ثم صلى العشاء، وعلم بعد صلاة العشاء، فعليه أن يتوضأ ويعيد صلاة العشاء؛ لأنه صلى بغير وضوء، وإذا كان عليه جنابة فهل هو مثله أو لا؟ نعم هو مثله؛ لأنه يستبيح بالحدث الأصغر ما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
لا يستبيحه بالحدث الأكبر، فإذا قدر أن رجلًا قام من الليل وصلى الفجر، ثم رأى على ثوبه أثر الجنابة فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة؛ لأنه صلى بغير طهارة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بما يستحيا منه عند الحاجة؛ لقوله: «إذا فسا أحدكم» والناطق بهذا هو أشد الناس حياء.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الانصراف من الصلاة إذا أحدث الإنسان، وأنه لا يجوز أن يستمر لقوله: «فلينصرف».
فإن قال قائل: إذا حدث ذلك لي وأنا في الصف أنصرف أم أبقى أتابع بلا نية؟
فالجواب: انصرف حتى تتوضأ وتدرك ما بقي من الصلاة، فإن قال: أستحي أن أنصرف من الصف والناس ينظرون، فنقول: أولًا: لا حياء في مثل هذه الأمور؛ لأنها تعتري كل أحد. ثانيًا: إذا خفت من هذا تضع يدك على أنفك حتى إذا رآك الناس، قالوا: إن هذا الرجل أرعف أنفه، وإرعاف الأنف لكل أحد، وليس فيه حياء، المهم ألا تستمر، بعض الناس حدثني أنهم يستمرون إذا كانوا أئمة يقول: مشكل إذا انصرفت وأنا الإمام سيقولون: فسا إمامنا، وهذه مشكلة، نقول: الحمد الله الحق أحق أن يتبع، انصرف وأمر أحد المصلين أن يتمم بهم الصلاة، فإن لم تأمر أحدًا فللمصلين.
أن يقدموا واحدًا منهم يتم بهم الصلاة، فإن لم يفعلوا صلوا فرادى.
ومن فوائد هذا الحديث: عظم شأن الصلاة، وما أحراها وأجدرها بتعظيم الشأن؛ لأن الإنسان إذا صلى حقيقة - يا إخواننا - ينسلخ من الدنيا ويقبل على الله عز وجل، وجدير بمن انسلخ ليقف بين يدي الله عز وجل أن يكون على أكمل وجه حتى إن بعض السلف لما قرر الأطباء أنه لابد من قطع رجله وافق على ذلك، ولكن قال: دعوني أصلي فإذا دخلت في الصلاة فاقطعوها، لماذا؟ لأنه إذا دخل في الصلاة نسي كل شيء، وصار قطعهم إياها غير مؤلم ولا موجع؛ لأنه مشغول بكونه بين يدي الله عز وجل فالمهم أن إيجاب الطهارة للصلاة دليل على عظم شأنها وأنها جديرة بذلك.
ومن فوائد الحديث: أن من حصل له حدث في صلاته فإنه لا يبني على ما مضى بل يستأنف الصلاة، ويتفرع على هذا أنه لو أحدث في الطواف وقلنا: بأن الوضوء شرط لصحة الطواف، فإنه ينصرف من الطواف وجوبًا ويتوضأ، ويبني على ما سبق أو يستأنف الطواف؟ يستأنف الطواف، وما أعظم مشقة هذا في أيام المواسم.
رجل أحدث في الشوط السابع وبشق الأنفس بلغ الشوط السابع، فنقول: له اخرج وتوضأ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
ومن المعلوم أنه سيجد مشقة في الخروج من صحن المطاف، ثم بوجود محلًا يتوضأ فيه؛ لأن الميضآت ستكون مزدحمة، ربما يمشي كيلوات حتى يجد ما يتوضأ به، ثم إذا رجع نقول: أعد من جديد؛ ولهذا كان القول الذي ينبغي أن يفتى الناس به - لا سيما في المواسم - قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الوضوء في الطواف ليس بشرط لكنه من كماله، وأما أنه شرط لصحته كما يشترط ذلك في الصلاة فلا دليل عليه، لا في القرآن ولا في السنة، وقد بحث شيخ الإسلام رحمه الله بحثًا مستفيضًا في فتاويه وفي منسكه، بحثًا إذا قرأه الإنسان علم أن القول الصواب هو قول شيخ الإسلام رحمه الله، بأن الطواف لا يشترط له الوضوء لكنه من كماله، ولاسيما في أيام المواسم والزحام الشديد؛ لأن الإنسان يجد حرجًا أن نكلف عباد الله بالوضوء وإعادة الطواف مع عدم وجود دليل يكون له حجة عند الله عز وجل.
إذن من شرط صحة الصلاة: الطهارة من الحدث حتى يتوضأ، فإن نسي أو جهل أعاد الصلاة، وهل مثل ذلك إذا نسي أو جهل النجاسة في ثوبه؟ لا، لو صلى وفي ثوبه نجاسة ناسيًا أن يغسلها فصلاته صحيحة، لو لم يعلم بالنجاسة في ثوبه؟ لا، لو صلى وفي ثوبه نجاسة ناسيًا أن يغسلها فصلاته صحيحة، لو لم يعلم بالنجاسة في ثوبه إلا بعد الصلاة لم يلزمه أن يعيدها، لو كان يعلم بهذه البقعة لكن لم يتيقن أنها نجاسة إلا بعد الصلاة لم يلزمه أن يعيدها، والفرق أن اجتناب النجاسة من باب ترك المحظور، وعدم الوضوء من باب ترك المأمور، والفرق بينهما ظاهر.
أسئلة:
- ما هو الفرق بين شروط الشيء والشروط في الشيء؟
- ما هي الحكمة من وضع الشروط في العبادات شروط وجوب الحج، شروط وجوب الصوم، شروط وجوب الزكاة وغيرها، ما هي الحكمة؟
الحكمة لأجل أن ينضبط الناس في العبادات بحيث يكون أمرهم واحدًا؛ لأنها لو لم تذكر هذه الشروط لكان كل واحد يذهب مذهبًا غير مذهب أخيه، فكان من حكمة الله عز وجل أن تكون هناك شروط للوجوب، وشروط للصحة حتى ينضبط الناس في العبادات ولا يختلف بعضهم عن بعض.
- ما سبب إدخال المؤلف حديث علي بن طلق في شروط الصلاة؟
- هل هناك دليل يؤيد هذا؟
- ما دليل انصراف الرجل من الصلاة إذا أحدث؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
* تكملة الفوائد:
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أنه لا يجب الاستنجاء من الريح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر إلا بالوضوء.
فإن قال قائل: من لازم الوضوء الاستنجاء؟
قلنا: لا، ليس من لازمه الاستنجاء، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المذي: «يغسل ذكره ويتوضأ».
فإن قال قائل: هل يقاس على هذا بقية شروط الصلاة، وأنها إذا فقدت وهو يصلي وجب عليه أن ينصرف مثل أن تطير الريح في ثوبه فيبقى عاريًا؛ فهل يلزمه أن يخرج من الصلاة ويلبس الثوب؟
الجواب: نعم، إذ لا فرق، فلو فقد شرط من شروط الصلاة في أثناء الصلاة وجب على المصلي أن يصرف ليأتي بهذا الشرط.
198 - وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة.
«لا يقبل الله» نفي القبول تارة يراد به: رد العبارة المستلزم لعدم صحتها ووجوب إعادتها، وتارة يرادبه: أنها لا تقبل؛ بمعنى: أن السيئة التي في هذه العبادة تربو على المفسدة، أو السيئة التي خارج العبادة تربوا على مصلحة الصلاة فلا تقبل، وهذا لا يستلزم الفساد، والأصل أن نفي القبول يعني رد العبادة، فإذا وجد دليل يدل على أنها تقبل مع هذا الذي انتفى القبول من أجله صار معنى ذلك: أن السيئة التي منعت القبول تكون محيطة بهذه الحسنة.
مثال الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». معنى نفي القبول هنا: الرد، وأن العبادة لا تجزؤه، وعليه أن يعيدها.
ومثال الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرافًا فسأله؛ لم يقبل له صلاة أربعين يومًا». فنفي القبل هنا لا يعني الرد؛ لكن يعني أن ذهابه إلى العراف وسؤاله إياه سيئة تحيط بحسنة، هذه العبادة وإن كانت هي صحيحة غير مردودة، ولهذا لا نقول لهذا الرجل: يجب أن تعيد الصلاة بعد مضي أربعين يومًا.
وقوله: «حائض» أي: متصفة بالحيض، يعني: قد حاضت، وليس المراد أنها متلبسة بالحيض؛ لأن الحائض لا تصح منها الصلاة مطلقًا، لكن المراد: أنها بلغت بالحيض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)
وقوله: «إلا بخمار» الخمار ما يخمر به الرأس؛ أي: يغطى به.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أن العبادات قد تقع مقبولة أو مردودة، فما هو الضابط؟ الضابط ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وفي لفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» ، فهذا الضابط في المردود، وما عدا ذلك فهو مقبول.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المرأة إذا بلغت وجب عليها عند الصلاة أن تستر رأسها بالخمار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». سكت عن بقية البدن، سكت عنه لأحد أمرين: إما أن يكون بقية البدن ليس من العورة في الصلاة، وإما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم سكت عنه لأن ستره معلوم، فلننظر: الوجه سكت عنه فماذا نقول؟ نقول: سكت عنه؛ لأن ستره في الصلاة ليس بواجب، سكت عن اليدين والقدمين هل نقول: لأن سترهما معلوم، أو لأن كشفهما معلوم؟ يحتمل هذا وهذا؛ ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله في وجوب ستر الكفين والقدمين في أثناء الصلاة، فمنهم من قال بالوجوب، ومنهم من قال بعدم الوجوب، والقول بعدم الوجوب أظهر، والقول بالوجوب - أي: وجوب الستر - أحوط، وعلى هذا فنأمر المرأة قبل أن تصلي أن تستر الكفين والقدمين، لكن لو أنها صلت مكشوفة الكفين والقدمين ثم جاءت تسأل فهل نأمرها بالإعادة أو لا؟ لا نأمرها؛ لأن الأظهر في الدليل عدم ستر الكفين والقدمين، يعني: هناك شيء يكون على سبيل الاحتياط يؤمر به الإنسان قبل فعله، أما بعد أن يفعل فما وجب على سبيل الاحتياط لا يمكن أن يقوى على إبطال العبادة.
ومن فوائد هذا الحديث: التفريق بين الصغيرة والبالغة؛ لأن قوله: «حائض» وصف مؤثر، مفهومه: أن غير الحائض تصلي بدون خمار، فالمرأة التي لم تبلغ ولو بلغت إحدى عشرة سنة، أو اثنتي عشرة سنة، أو ثلاث عشرة، أو أربع عشرة سنة ولو تبلغ، عورتها في الصلاة ما بين السرة والركبة كما قال الفقهاء رحمهم الله، بمعنى: أنها لو صلت وقد انكشفت ذراعها، أو عضدها، أو رقبتها، أو ساقها فصلاتها صحيحة؛ لأنها لم تكن بالغة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحيض يحصل به البلوغ، وجه ذلك: تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين الحائض وغير الحائض، فلولا أن هناك تمييزًا بينهما بأن تكون الحائض مكلفة، ومن لم تحض غير مكلفة لكان تعليق الحكم بهذا الوصف عديم التأثير.
فإن قال قائل: وهل يحكم ببلوغ الأنثى بالنفاس؟
فالجواب: لا، وهذا مما يفرق فيه بن الحيض والنفاس؛ لأن حملها لا يكون إلا بإنزال،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)
فتكون بالغة بالإنزال السابق للحمل، أما النفاس فهو بعده، وهذا من الفروق بين النفاس والحيض، ومن الفروق: أن الطلاق في النفاس جائز، وفي الحيض ليس بجائز، دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]. والنفاس لا يعتد به في العدة، وإذا كان لا يعتد به في العدة، وإنما تبدأ المطلقة في العدة من حين الطلاق فإنه يكون قد طلق للعدة، أما الحيض فهو إذا طلق في أثناء الحيضة ستلغى هذه الحيضة التي وقع فيها الطلاق وحينئذ لم يكن طلق للعدة؛ لأن عدة الحائض ثلاث حيض.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «مره - يعني: عبد الله بن عمر - فليطلقها طاهرة أو حاملًا».
قلنا: بلى، لكن ليطلقها طاهرًا من الحيض؛ لأن ابن عمر طلقها وهي حائض؛ ولهذا قال: «أو حاملًا» ، واستدل النبي صلى الله عليه وسلم بالآية، فيكون هنا فرق بين النفاس وبين الحيض، الحيض لا يجوز فيه الطلاق، والنفاس يجوز فيه الطلاق، وفيه ستة فروق مع أن كثيرًا من الفقهاء لم يذكروا إلا أربعة لكن فيه زيادة.
شرط ستر العورة وضوابطه:
199 - وعن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحق به» - يعني: في الصلاة -. ولمسلم: «فخالف بين طرفيه وإن كان ضيقًا فاتزر به». متفق عليه.
قال: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحف به» ، يعني: اجعله لحافًا لك يشمل جميع البدن؛ ولهذا قال: «خالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاتزر به» يعني: استر أسفل البدن؛ لأنه إذا كان ضيقًا لا يتسع للبدن كله، فهو إما أن يستر أعلاه أو يستر أسفله، وأيهما أحق؟ ستر الأسفل؛ ولهذا قال: «فاتزر به» ، أي: اجعله إزارًا، فهذا أيضًا يستفاد منه أنه لابد من ستر العورة في جميع البدن، لكن إذا كان الثوب واسعًا، فإن كان ضيقًا كفى الاستتار، فيستفاد من هذا الذي ذكرنا: أن الأولى للإنسان في حال الصلاة أن يستر جميع بدنه، ويدل لهذا قول الله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31]. يعني: لباسكم، عند كل مسجد أي: عند كل صلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب ستر أعلى البدن في حال الصلاة لقوله: «فاتزر به» ولم يقل: فصل بما يستر البدن، أو كلمة نحوها، فدل هذا على أن أعلى البدن ليس بعورة وهو كذلك، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن عورة الرجل في الصلاة ما بين السرة والركبة، فتكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 500)
الفخذان داخلتين في العورة في الصلاة، وتكون الركبة والسرة غير داخلتين في العورة؛ لأن العبارة «ما بين السرة والركبة»؛ فالسرة والركبة ليستا من العورة.
ومن فوائد هذا الحديث: التيسير على الأمة؛ حيث فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الواسع والضيق، وهذه القاعدة في الشريعة الإسلامية قاعدة أصيلة، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الذين يسر». وقال لمن يبعثهم لدعوة الناس إلى الإسلام: «يسروا ولا تعسروا؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». فاتخذ هذه القاعدة بين عينيك دائمًا أن الدين الإسلامي - والحمد لله - دين اليسر والسهولة والسماحة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن أسفل البدن أولى بالستر من أعلاه؛ لقوله: «إن كان ضيقًا فاتزر به». قال:
200 - ولهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء».
وفي لفظ بالتثنية: «ليس على عاتقيه» ، ولا منافاة، قوله: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد» المراد بالثوب في الحديث ليس هو القميص، بل الثوب ما يستتر به الإنسان من قميص، أو إزار، أو لحاف، أغير ذلك.
وقوله: «في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» العاتق: هو ما بين الكتف وأصل العنق، وقوله: «شيء» نكرة في سياق النفي فيعم القليل والكثير، ولنضرب لهذا مثلًا: لو كان عند إنسان خرقة يريد أن يصلي بها، قلنا: لا تصلي فيها إلا وعلى عاتقك منها شيء، ولا شك أن هذا كمال الستر، لكن هل هذا واجب، أو هذا على سبيل الاستحباب؟ اختلف في ذلك العلماء رحمهم الله فقال بعضهم: إن ستر المنكبين واجب في الفريضة والنافلة. وقال بعضهم: في الفريضة دون النافلة. وقال آخرون: إنه ليس بواجب، ولكنه من كمال الستر، وهذا هو الأصح؛ ويدل له حديث جابر رضي الله عنه السابق.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد، وأنه لابد للمصلي أن يضع على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 501)
عاتقه منه شيء، وهل هو على سبيل الاستحباب أو الوجوب، أو التفصيل؟ الصحيح التفريق في ذلك بين الفرض والنفل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط أنه يلبس الإنسان ثوبين في الصلاة، يعني: قميصًا وسراويل مثلًا، وأنه لو صلى في قميص كفى؛ لأن القميص سيكون على عاتقيه منه شيء.
مسألة: لو أن أحدًا صلى في إزار فقط، هل تجزئه الصلاة؟
الجواب: إذا لم يجد سواه فلا شك أنها تجزئه، وإن وجد فإن من العلماء من يقول: إن صلاته باطلة، وهؤلاء هم الذين يقولون بوجوب ستر العاتق، ومنهم من يقول: صلاته صحيحة، لكنه قصر في ستر العورة، وهذا هو الصحيح، وهذا يحصل كثيرًا في أيام الحج، تجد الرجل يشتغل مثلًا في طبيخ أو غيره ويصلي في إزاره وردائه الحاضر؛ فعلى القول الراجح تكون صلاته صحيحة، وعلى القول باشتراط ستر أحد المنكبين أو المنكبين جميعًا تكون صلاته باطلة، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتهاون في هذه المسألة مع وجود الخلاف بين العلماء.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد إذا جعل على عاتقه منه شيء؛ لقوله: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد» وهو كذلك، وعلى هذا فلو صلى الإنسان في ثوب واحد، ورأسه مكشوفة وهو رجل فصلاته صحيحة.
فإن قال قائل: وهل يستحب ستر الرأس للرجل في الصلاة؟
فالجواب: يرجع في ذلك إلى الآية {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31]. فإذا كان من قوم لا يتم أخذ زينتهم إلا بغطاء الرأس قلنا: غطاء الرأس مستحب، وإذا كان من قوم لا يهتمون بهذا ولا يجعلون غطاء الرأس من الزينة قلنا: لا يستحب؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
201 - وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: «أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها». أخرجه أبو داود، وصحح الأئمة وقفه.
قوله: «أتصلي المرأة» الاستفهام هنا للاستخبار والاستعلام، «في درع وخمار» ، الدرع: هو الثوب يشبه القميص وسمي درعًا لأنه يشبه الدرع الذي يلبسه المقاتل في اتقاء السهام، والخمار: ما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 502)
يغطى به الرأس والرقبة، «بغير إزار» ما يأتزر به الإنسان فيستر أسافل بدنه، فقال: «إذا كان الدرع سابغًا» السابغ يعني: الوافي تام، ثم فسره بقوله: «يغطي ظهور قدميها» يعني: فلا بأس.
في هذا الحديث يقول المؤلف: «أخرجه أبو داود، وصحح الأئمة وقفه» ، وقفه: يعني جعله من كلام أم سلمة رضي الله عنها، فهل يقال: إن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي، أو يقال: إنه موقوف ليس له حكم الرفع؛ لأنه قد تقوله بالرأي، قد ترى رضي الله عنها أن من تمام أخذ الزينة أن يكون درعها سابغًا يغطي ظهور قدميها، والفرق بين الموقوف والمرفوع: أن ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع، وما أضيف إلى الصحابي فهو موقوف، وما أضيف إلى التابعي فمن بعده فهو مقطوع.
من فوائد هذا الحديث إذا صح مرفوعًا: حرص الصحابة رضي الله عنهم على الفقه في الدين، وذلك بسؤال أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما جاء في هذا الحديث، وأسئلة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة في القرآن، منها نحو اثني عشر سؤالًا: {يسألونك ماذا ينفقون} [البقرة: 215]. {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219]. {ويسألونك على المحيض} [البقرة: 222]. حوالي اثني عشر سؤالًا، لكن في السنة كثير جدًا، وهو يدل على عناية الصحابة رضي الله عنهم بدينهم وحرصهم على الفقه في الدين.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز صلاة المرأة في الدرع، لكن بشرط أن يغطي ظهور قدميها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن القدمين ليسا بعورة، ووجه ذلك: أن ما يغطي ظهور القدمين لا يغطي بطون القدمين عند السجود، ولو كان القدم عورة لقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها وبطونهما عند السجود.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نزول ثوب المرأة إلى أسفل من الكعب؛ لأنه من ضرورة تغطية ظهر القدم أن ينزل دون الكعب، بخلاف الرجل لا يحل له أن ينزل قميصه أو إزاره إلى أسفل من الكعبين، فإن صلى - أعني: الرجل - في ثوب ينزل عن الكعبين فهل صلاته صحيحة أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء، والصحيح أن الصلاة صحيحة، لكنه آثم؛ لأن ستر العورة حصل وكون الثوب محرمًا يعود إلى أمر خارج، بدليل أن هذا التحريم ليس خاصًا في الصلاة حتى نقول إنه مما يختص بها فيبطلها، بل هو تحريم عام؛ يعني: تحريم نزول الثوب بالنسبة للرجل أسفل الكعبين هذا عام في الصلاة وغير الصلاة، والتحريم العام لا يبطل الصلاة، ويدل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 503)
لهذا - يعني: من هذه القواعد - الغيبة لا تفطر الصائم مع أنها حرام؛ لأن تحريمها لا يختص بالصوم، والأكل يفطر الصائم؛ لأن تحريمه خاص بالصوم.
شروط الساتر وضرورة طهارته:
انتهت الأحاديث التي ساقها ابن حجر في بلوغ المرام في ستر العورة، بقي الكلام على ما هي شروط الساتر؟
الساتر يشترط أن يكون مباحًا، فإن كان حرامًا فإنه لا يحل الستر به، كثوب الحرير للرجل في غير الحالات التي يباح له فيها لبسه، وكثوب الإسبال بالنسبة للرجل، لكن هذا الشرط فيه الخلاف كما قلت لكم، هل يكون هذا آثمًا وصلاته صحيحة، أو هو آثم وصلاته باطلة؟ فيه الخلاف، والراجح: أن صلاته صحيحة، لكنه آثم.
ومن الشروط: أن يكون ما يستر به طاهرًا، فإن كان نجسًا فإنها لا تصح الصلاة به، دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه لما أخبره جبريل بأن بهما قذرًا؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل ثوبه من النجاسة إذا بال الصبي على ثوبه غسله عليه الصلاة والسلام؛ ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم الحائض إذا أصاب ثوبها دم الحيض أن تغسله ثم تصلي فيه، هذان شرطان.
الشرط الثالث: أن يكون صفيقًا بحيث لا يتبين من ورائه لون البشرة، فإن تبين من ورائه لون البشرة فليس بساتر، فلو ستر عورته بثوب بلاستيك يرى من ورائه لون البشرة فإن هذا الستر لا يصح؛ لأن وجوده كعدمه فلا تصح الصلاة به، لكن لو قال قائل: إذا لم يجد غير هذا البلاستيك هل يستتر به أو يصلي عريانا؟ الظاهر أن استتاره به أهون من كونه يصلي عريانًا بحتًا، فنقول: الأفضل أن تلبس هذا لأنه يوجد الآن ثياب بلاستيك يلبسها الناس أيام المطر بدل أن يحمل الإنسان الشمسية يلبسها على ثيابه العادية، فالشروط إذن ثلاثة.
مسائل مهمة:
إذا لم يجد شيئًا فإنه يصلي عريانًا ولكن هل يصلي قائمًا أو يصلي قاعدًا؟ معلوم أنه إذا صلى قاعدًا فهو أستر؛ لأنه يستر الدبر ويستر القبل أيضًا إذا ضم فخذيه، فيكون هذا أستر، لكن يفوته شيء آخر، وهو القيام في الفريضة، فاختلف العلماء في هذه الحال أيجلس أو يصلي قائمًا؟ الصحيح أنه يصلي قائمًا، وجه ذلك: أن القيام ركن، وأن الستر سقط بالعجز عنه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 504)
والقيام هو قادر عليه والستر غير قادر عليه، إذن يسقط لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. وعلى هذا فيصلي قائمًا كالعابر عريانًا، هذا إذا كان خاليًا واضحًا أو كان في ظلمة، لكن إذا كان حوله أحد فهنا قد يشق عليه مشقة عظيمة مشقة نفسية أن يصلي قائمًا، فهل نقول: إن هذه المشقة واشتغال البال تبيح له أن يصلي جالسًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». واشتغال القلب في هذا أشد من اشتغاله بحضرة الطعام، فالقول في مثل هذه الحال بأنه يصلي جالسًا قريب جدًا، ويقال: إنه يصلي جالسًا لأجل كمال الصلاة وارتياح البال.
إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا ولم يتمكن من غسله فماذا يصنع، هل يصلي بالثوب النجس ولا يعيد، أو يصلي بالثوب النجس ويعيد، أو يصلي عريانًا؟ ثلاثة احتمالات؛ المشهور عند فقهائنا رحمهم الله أنه يصلي بالثوب النجس ويعيد، وهذا قول ضعيف جدًا؛ لأننا إن قلنا: إن الصلاة في الثوب النجس حرام، حرم أن يصلي فيه، وإن قلنا: إن الصلاة في الثوب النجس للضرورة جائز امتنع أن نقول: أعد الصلاة؛ لأنه صلى على حسب ما أمر به، هل يصلي عريانًا مع إمكان الستر؟ لا يصلي عريانًا؛ لأنه لا شك أن ستر العورة بثوب نجس أولى من أن يصلي عريان، فالصواب أنه إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يصلي فيه ولا يعيد؛ لأن حمله للنجاسة في هذه الحال ضرورة، ويحصل به ستر العورة، فيحصل المقصود بسبب هذا المقصود، ويعفى عن النجاسة؛ لأنه غير قادر على اجتنابها؛ هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
إذا لم يجد إلا ثوبًا محرمًا كرجل ليس معه إلا ثوب حرير أيصلي عريانًا، أو يصلي في ثوب الحرير؟ نقول: يصلي في الثوب الحرير؛ لأنه لما اضطر إلى هذا الثوب زال التحريم، فصار لبسه في هذه الحال مباحًا، فيصلي وجوبًا في الثوب الحرير ولا إعادة عليه.
إذا لم يجد إلا ثوبًا مغصوبًا، يعني: رجل سرق ثوبًا ولبسه وحانت الصلاة، فهل نقول يصلي عريانًا، أو يصلي في هذا الثوب المحرم؟ قال بعض العلماء: يصلي عريانًا؛ لأن تحريم هذا ليس لحق الله ولكن لحق الآدمي، وهو لا يملك أن يتصرف في ملك غيره، فوجوده كعدمه، ولا شك أن هذا التعليل تعليل قوي أن يقال: إذا لم يجد إلا ثوبًا لغيره مغصوبًا يصلي عريانًا لأن وجوده كعدمه، لكن قد يعارض هذا التعليل القوي بأن الناس في مثل هذه الحال يتسامحون؛ بمعنى: أن صاحب الثوب لا نظنه يحرج هذا الذي لم يجد إلا هذا الثوب فإن غلب على ظننا أنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 505)