الحكم على رؤية الماء، وهذا يقتضي أنه متى رؤي الماء وجب الغسل؛ ولهذا قيد بعض الفقهاء هذه فقال: من موجبات الغسل: خروج المني دفقا بلذة من غير نائم، وقصده بذلك: أن النائم قد ينزل ولا يحس بنفسه، لكنه إذا استيقظ رأى أثر الجنابة فهنا يجب الغسل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الغسل بانتقال المني إذا لم يخرج لقوله: "إذا هي رأت الماء". وهذا القول هو الراجح، وقد ذهب بعض أهل العلم إى أن المني إذا انتقل ولكن لم يخرج لفتور الشهوة أو لغير ذلك من الأسباب فإنه يجب عليه الغسل، لكن هذا قول ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد وجوب الغسل برؤية الماء؛ لأن الشيء في باطنه لا يعتبر شيئا؛ ولهذا أجسامنا ممتلئة بالعذرة، وممتلئة بالبول، ولا يكون هذا نجسا، حتى إن العلماء ضربوا مثلا، قالوا: لو أن رجلا حمل وهو يصلي قارورة فيها نجاسة، وظاهرها طاهر مفصول والغطاء محكم؛ فالصلاة غير صحيحة، ولو حمل طفلا فالصلاة صحيحة، مع أن بطنه مملوء بالقاذورات؛ لأن الشيء في معدنه ليس له حكم.
فائدة: هل الإحساس بانتقال الحيض كخروجه؟
إذن نقول: هذا الحديث يدل على أن الإنسان لو أحس بانتقال المني لقوة شهوته ولكن لم يخرج فلا غسل عليه، وهل مثله انتقال الحيض؛ يعني: لو أن المرأة أحست بانتقال الحيض لكن لم يخرج الدم فهل نقول: انتقاله كخروجه؟
الجواب: إن قلنا: إن انتقال المني كخروجه، صار انتقال الحيض كخروجه، وإن قلنا: لا، صار انتقال الحيض ليس كخروجه، وتظهر الفائدة في امرأة صائمة أحست قبل غروب الشمس بقليل بأن الحيض انتقل، ولكن لم يخرج إلا بعد غروب الشمس؛ فعلى القول بأن الانتقال كالخروج يكون صومها باطلا، وعلى القول الراجح صومها صحيح؛ لأنه لم يخرج إلا بعد غروب الشمس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الغسل مع الشك؛ يعني: إاذ وجد النائم بللا بعد استيقاظه ولا يدري أهو جنابة أم بول أم مذي ما يدري، هل يجب عليه الغسل أم لا؟ لا يجب.
من أين نأخذ هذا؟ من قوله: "إذا رأت الماء". لم يقل: إذا ظنت الماء، أو إذا غلب على ظنها، قال: "إذا رأت الماء"، فإذا استيقظ النائم ورأى بللا ولا يدري أهو عرق، أو بول، أو مذي، أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
سائل آخر أو مني، فليس عليه غسل، ولكن هل يجب عليه ان يغسل ما أصابه؟ نقول: نعم يغسله احتياطا، أما الغسل فلا يجب، ولا فرق في ذلك بين أن يتقدم نومه ما يثير الشهوة أو لا ما دام على شك، فالأصل براءة الذمة، وهذا الحديث يدل على ما ذكرنا.
ومن فوائد الحديث: الفائدة العظيمة وهي أن الشريعة الإسلامية مبنية على الحقائق لا على الأوهام، ولا على الظنون إلا فيما طلب من الإنسان فعله فلا حرج عليه أن يبني عل ظنه أنه أتى بالفعل المطلوب، لكن الأوهام الطارئة على أصل ثابت هذه لا عبرة بها في الشريعة، وهذه قاعدة من أحسن قواعد الإسلام حتى يبقى الإنسان غير متحير ولا قلق، وإلا لبقي الإنسان في أوهام لا نهاية لها، أما ما طولب الإنسان به وغلب على ظنه أنه اداه فإن الظن يكفي ولهذا قلنا: إذا شك هل طاف سبعة أشواط أو ستة وغلب على ظنه أنها سبعة، كم تكون؟ سبعة، كذلك أيضا في الصلاة شك هل صلى ثلاثا أو أربعا وغلب على ظنه أنها أربعا فهي أربعا، لكن الصلاة فيها سجود السهو، والطواف ليس فيه سجود السهو؛ لأن أصله ليس فيه السجود فكذلك سهوه.
المهم: أن هذه من نعمة الله عز وجل أن الشريعة الإسلامية تحارب القلق محاربة تامة، والحمد لله هذا من تيسير الله، لو أن الإنسان كلما أصيب بما يوجب الشك ذهب مع الشك ما قر له قرار ولا اطمأن له بال، لكن من نعمة الله هو ما ذكرته لكم، كذلك مر علينا من قبل قصة الرجل الذي يجد في نفسه شيئا ويشكل عليه أخرج منه أو لا فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث - ولا سيما زيادة مسلم-: جواز استكشاف الأمر حتى من الكبراء؛ بمعنى: أن الإسلام جعل للإنسان الحرية أن يستكشف عن الأمر الذي يمكن إدراكه وذلك في قول أم سلمة: "هل يكون ذلك" وهي تخاطب الرسول، وهي تعلم رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر أن المراة تحتلم؛ لأنه من لازم حكمه أن عليها الغسل إذا رأت الماء أن يكون الاحتلام واقعا، فهي قد عرفت أن الرسول أقرها لكن استكشفت كيف يكون ذلك، وهل يكون؟
فمن فوائده: جواز الاستكشاف عما يمكن إدراكه وبيانه، أما ما لا يمكن فالاستكشاف عنه غلط؛ ولهذا قال الإمام مالك رحمه اله في الذي سأل عن كيفية الاستواء قال: السؤال عنه بدعة لكن ما يمكن إدراكه لا بأس أن تسأل.
ومن فوائد هذا الحديث: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم التواضع الجم؛ حيث إن زوجته تتكلم تقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
هل يكون هذا؟ وربما يظن السامع أنها تعترض وحاشاها من ذلك، ولكنها تريد أن تستكشف، بينما لو أن أحدنا كلمته زوجته في مثل هذا جاءت امرأة تستفتيه وقال: عليك كذا وكذا، فقالت الزوجة: كيف يصير علي كذا وكذا هل يمكن؟ ماذا يقول؟ على كل حال هذا: من خلق النبي عليه الصلاة والسلام وحسن سيرته، ولكن يا إخوان إذا مر عليكم مثل هذا وقيل: هذا من سيرة الرسول، هذا من خلقه، هل المراد أن تعلموه علما نظريا؟ لا، أبدا المراد أن تطبقوه، وإلا فما الفائدة، فينبغي للإنسان أن يمارس مثل هذه الأمور، وأن يعود نفسهعلى ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتاده في أهله.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي تعداد الأدلة وتنويعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم"، وهذا دليل شرعي يكتفى به عند كل مؤمن، وأضاف إلى هذا الدليل دليلا حسيا، وهو قوله: "فمن أين يكون الشبه؟ ".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للمستدل أن يذكر الدليل الذي يقتنع به المخاطب من الناحيتين الشرعية والحسية وكذلك العقلية إذا أمكن؛ لأنه كلما ازدادت الأدلة ازداد الإنسان طمأنينة، ويدل لهذا الأصل العظيم: أن إبراهيم الخليل عليه السلام قال: {رب أرني كيف تحي الموتى}، فقال الله له: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]. فليس الخبر كالمعاينة، فأراه الله عز وجل ذلك فيما أمره به أن يفعل ففعل؛ فرأى كيف يحيي الله الموتى عز وجل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ربما يستدل بالشبه على ثبوت النسب لقوله: "فمن أين يكون الشبه؟ "، ويؤيد هذا ما ورد في قصة عتبة بن أبي وقاص حينما زنى فولد له ولد من الزنا، فلما مات عتبة تنازع اخوه سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في هذا الولد الذي ولد، عبد بن زمعة قال: يا رسول الله، هذا أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد: هذا ابن أخي عتبة عهد به إلي، وقالسعد للرسول عليه الصلاة والسلام: يارسول الله، انظر شبهه، فنظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام فراىشبها بينا بعتبة فأعمل هذا الشبه لم يلغه، ولكنه احال الحكم على سبب أقوى وهو الفراش، فقال عليه الصلاة والسلام: "الغلام لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، فثبت الآن أن هذا الغلام أخ لسودة بنت زمعة، زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكنه لما رأى الشبه بين لعتبة قال لها: "احتجبي منه يا سودة". فهنا أعمل الشبه، مع أن الولد شرعا الذي حصل فيه التنازع لمن؟ لزمعة شرعا، يرثه إخوانه ويرثونه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
وبينهما محرمية، لكن أعمل النبي صلى الله عليه وسلم الشبه وجعل سودة تحتجب منه من باب الاحتياط نظرا لهذا الشبه، فدل ذلك على اعتبار الشبه في الأمور الاحتياطية.
أسئلة:
- سبق لنا أن الاحتلام يوجب الغسل لكن بشرط؟
- هل يقاس على المرأة الرجل؟
- إذا احتلم الرجل ورأى الماء هل يجب عليه الغسل؟
- لو أن نائما احتلم ولم ير شيئا ما الحكم؟
- لو رأى أثر الجنابة ولم يذكر احتلاما هل يجب الغسل؟
- رجل أحس بشهوة وأن الماء انتقل من موضعه ولكن لم يخرج أعليه شيء؟
- وامرأة أحس بانتقال الحيض ولكن لم يخرج هل عليها الغسل؟
- رجل أحس بأن بوله انتقل من المثالنة إلى قصبة الذكر ولكن لم يخرج شيئا؟
استحباب الاغتسال من تغسيل الميت:
104 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت". رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة.
قالت: "كان يغتسل" قال العلماء رحمهم الله: أن "كان" إذا كان خبرها فعلا فإنها تفيد الدوام الغالب لا المستمر، فإذا قال: "كان يفعل كذا"؛ فإن هذا يدل على أن هذا غالب أحواله، وليس حتما أنه مداوم عليه، فإطلاق بعضهم قول: "كان" تفيد الدوام ليس مرادا والدليل على هذا أن الصحابة رضي الله عنهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية. وفي حديث آخر: كان يقرأ بالجمعة والمنافقين.
قولها: "يغتسل من أربع" "من" هنا للسببية؛ أي: بسبب أربع، وبينتها بقولها: "من الجنابة" وهذا بدل من قولها: "من أربع"، ولكنه بإعادة العامل وهو من الجنابة، والجنابة تفسر بأمرين: إما بالإنزال، وإما بالجماع، والأصل أنها للإنزال، لكن ألحق بها الجماع شرعا لحديث أبي هريرة السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
"من الجنابة" وهي شرعا إنزال المني بشهوة أو بجماع.
وقولها: "ويوم الجمعة" يعني: ويغتسل يوم الجمعة لليوم أو للصلاة؟ للصلاة؛ لأنه لو كان لليوم لكان الغسل جائزا في أول النهار وفي آخر النهار، ولكنه للصلاة.
وقولها: "ومن الحجامة" يعني: ويغتسل أيضا من الحجامة، والحجامة: إخراج الدم بصفة مخصوصة معلومة عند الحجامين.
"ومن غسل الميت" يعني: إذا غسل الميت اغتسل، فهذه أربعة أشياء كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منها.
أما غسله من الجنابة فهو فرض بالإجماع؛ لقول الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6].
وهذه أول الفوائد أو من فوائد هذا الحديث: مشروعية الغسل من الجنابة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم له، لكنه واجب بافجماع لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]. وأما غسل يوم الجمعة يأتي إن شاء الله، الغسل من الحجامة ليس فيه إلا الفعل فيستفاد منه مشروعية الغسل من الحجامة لا وجوب الغسل على أن بعض العلماء ضعف هذا الحديث، وقال: إنه لا يسن الغسل من الحجامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ؛ ولأن الحجامة خروج دم من البدن فلا يشرع ل اغتسال كالرعاف.
ومن فوائده: الاغتسال من تغسيل الميت، وهذا ليس بواجب، وإذا لم يصح الحديث فليس بمشروع، وسبق الكلام عليه في باب نواقض الوضوء، فلم يبق عندنا الآن إلا شيئان: الغسل من الجنابة وهو فرض، والغسل من الجمعة وفيه الخلاف الذي يأتي إن شاء الله.
حكم اغتسال الكافر إذا أسلم:
105 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "في قصة ثمامة بن أثال، عندما أسلم وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل". رواه عبد الرازق، وأصله متفق عليه.
ثمامة بن أثال الحنفي المشهور رضي الله عنه، كان كافرا فخرج إلى مكة معتمرا، فصادفته خيل النبي صلى الله عليه وسلم فأسروه وجاءوا به إلى المدينة وأسر في سارية المسجد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليه بقوله: "ما عندك يا ثمامة؟ " فيقول: عندي خير إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم أنعمت على شاكر، وإن ترد المال فسل ما شئت، فتركه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم في اليوم الثاني أتى إليه فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير، إن تنعم تنعم على شاكر، وتركه في اليوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
الثالث أتى إليه، مر به وقال: "ما عندك؟ " قال: عندي خير وما قلت لك بالأمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أطلقوه"، فأطلقوه، فكان في هذا الإطلاق ملك له في الواقع، بمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم بمنه عليه بالإطلاق ملكه، ذهب الرجل إلا حائط واغتسل ودخل المسجد، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أسلم ثم قال: يا محمد، والله ما كان على الأرض أحد أبغض إلي من وجهك؛ ولقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، وما على الأرض دين أبغض إلي من دينك؛ فأصبح دينك أحب الدين غلأي، وما في البلاد بلاد أبغض إلي من بلادك؛ فأصبحت بلادك أحب البلاد إلي، ثم قال: يا محمد، إن خيلك أخذوني وأنا أريد العمرة فما تأمرني - يعني: هل أمضي أو أرجع إلى قومي؟ -فقال له: "امض" وبشره بالخير، فمضى في عمرته.
فلما دخل مكة سمعه أهل مكة يلبي لبيك اللهم لبيك، فقالوا له: لقد صبئت يا ثمامة، فقال: والله ما صبئت ولكني كنت مع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه، ثم قال لهم: والله لا يأتيكم مني جبة إلا بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أهل مكة يأتون منه بالحب؛ يعني: يمتارون منه، فأقسم ألا يعطيهم إلا بعد أن يأذن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن قريشا كتبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: إنك لتصل الرحم وهذا ثمامة منع منا الحب، يستشفعون بالرسول عليه الصلاة والسلام فأرسل إليه وأمره أن يأذن لهم بالامتيار من عنده، فهذه قصة الرجل هذا الرجل أسر في سارية المسجد، وإنما أسر في هذه السارية من أجل أن يرى المسلمين وصلاتهم وتحابهم وتعاطفهم وأخلاقهم تأليفا له على الإسلام لا إهانة له؛ لأنه بالإمكان أن يربط خارج المسجد لكنه ربط بالمسجد من اجل هذه الفائدة العظيمة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يمر به ويسأله كما سمعتم.
ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز ربط الأسير بسارية المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك إن لم يكن أمر به.
ومنها: ملاطفة الأسير والإحسان إليه؛ لأن في ذلك تأليف له على الإسلام، وقد عرفتم النيجة.
ومنها: جواز مكث الكافر في المسجد؛ لأن ربطه بسارية في المسجد يستلزم مكثه، فاستدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز لبث الجنب في المسجد، وقالوا: إن الكافر حدثه أعظم من حدث الجنب؛ فإذا جاز لبثه في المسجد جاز لبث الجنب، ولكن هذا قياس في مقابلة النص، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمكث الجنب في المسجد. بل قال الله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} [النساء: 43].
ومن فوائد هذا الحديث: أمر الكافر إذا أسلم بالاغتسال، هذا إن صح الحديث بهذا اللفظ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وكما سمعتم أن الحديث في الصحيحين، لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكن هو الذي ذهب إلا أنه لا منافاة بينهما؛ لأن اغتساله قد يكون عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون في هذا الحديث دليل على أمر الكافر إذا أسلم بالاغتسال.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، منهم من قال: إن الأمر للاستحباب، والذي صرفه إلى الاستحباب العدد الكثير الذين كانوا يسلمون ولا يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال، ولو كان الاغتسال واجبا لكان هذا مما ينتشر بين الناس؛ لأن الذين يسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كثير، وعلى هذا فيكون الأمر للاستحباب.
ومنهم من قال: إن الأمر للوجوب؛ وعلل ذلك بأن الأصل في الأمر الوجوب؛ وكونه لم ينقل أنه لم يأمر كل من أسلم بالاغتسال لا يدل على العدم؛ لأن عدم النقل في أعيان من أمروا لا يدل على عدم الأمر، فلعل هذا كان أمرا مشهورا، وكان الرجل إذا أسلم اغتسل ولا يحتاج إلى أمر؛ ولأن ذلك أحوط وأبرأ للذمة؛ ولأن ذلك يعطي المسلم حافزا على التطهر من أدران الشرك، كما أمر أن يتطهر ظاهره فيكون تطهير ظاهره عنوانا على تطهير باطنه، وهذا القول لا شك أنه أقرب إلى الصواب أن كل من أسلم يؤمر وجوبا أن يغتسل.
ولكن إذا لم يفعل فهل تصح صلاته بدون ذلك؟ الظاهر نعم؛ لأن هذا الاغتسال ليس عن حدث، وإنما هو من اجل تطهير ظاهره كما طهر باطنه، وقال بعض العلماء: إن كان قد حصل له في حال كفره ما يوجب الغسل وجب عليه أن يغتسل وإلا لم يجب سواء اغتسل في كفره أو لم يغتسل، وقال بعضهم: إذا حصل عليه ما يوجب الغسل في كفره فاغتسل لم يجب عليه الغسل بعد الإسلام وإلا وجب، لكن أقرب الأقوال هو الوجوب، لما في ذلك من بعث الهمة وتنشيطها وإشعاره بأنه يجب أن يتطهر الإنسان من الكفر في ظاهره وباطنه، أما بقية الفوائد في القصة فلا حاجة لذكرها، لأنها لم تذكر في الأصل.
غسل يوم الجمعة:
106 - وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". أخرجه السبعة.
وهم البخاري، وميلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
قال: "غسل الجمعة واجب" فأضافه إلى الجمعة، والأصل: أن الجمعة هي الصلاة لا اليوم؛ ولهذا يقال: يوم الجمعة، وبه نعلم أن الغسل هنا للصلاة وليس لليوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
وقوله: "واجب" الواجب هو الشيء الثابت اللازم، ومنه قوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36]. أي: سقطت، ومنه قولهم: وجبت الشمس؛ يعني: غابت؛ لأن هذا مكث وثبوت.
وهو عند الأصوليين - الواجب- ما أمر به على وجه الإلزام ويثاب فاعله امتثالا ويستحق العقاب تاركه.
قوله: "على كل محتلم" أي: على كل بالغ، وذلك أن البلوغ يحصل بالاحتلام وهو إنزال الماء بشهوة في حال النوم، فيكون هذا القيد مبنيا لما سنذكره إن شاء الله تعالى.
في هذا الحديث نص صريح واضح على أن غسل الجمعة واجب، والمتكلم به هو أفصح الخلق، والمتكلم به أنصح الخلق، والمتكلم به أعلم الخلق، فهو عليه الصلاة والسلام اجتمع في كلامه العلم، والثاني الفصاحة، والثالث النصح، ومثل هذا يمكن أن يقول قولا يوهم معنى غير ظاهره، ونحن إذا نظرنا إلى الظاهر عرفنا أن الوجوب محتم، ويدل لها أنه علقه بوصف يقتضي التكليف، وهو الاحتلام، فيكون هاذ دليلا واضحا على أن المراد بالوجوب: اللزوم، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله.
منهم من قال: إن الاغتسال للجمعة اغتسال لليوم؛ فيجوز أن يغتسل قبل الصلاة وبعد الصلاة، لكن هذا قول ضعيف، ولولا أنه قيل ما ذكرناه، والصواب: أن الغسل قبل الجمعة، لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنة مطلقا في القولين، أو واجب على من كان فيه رائحة، أو حيث تتوقع الرائحة كأيام الصيف التي يكثر فيها العرق، والنتن، فالأقوال ثلاثة:
الأول: الوجوب. والثاني: الاستحباب. والثالث: التفصيل، فإذا كان مظنة انبعاث لرائحة كريهة، أو كان نفس الإنسان فيه عرق ووسخ كثير تنبعث منه الرائحة الكريهة كان الغسل واجبا، وإلا فلا، والذي تقتضيه الأدلة أن الغسل واجب مطلقا؛ لأن الأحاديث علمة "غسل الجمعة واجب"، والقائل بهذا يعرف بماذا يتكلم، ويعرف من يخاطب عليه الصلاة والسلام، ويدل للوجوب:
أولا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام صرح به، ولو أن هذه العبارة في متن من متون الفقه ما توقف شارح المتن بأن المؤلف يرى الوجوب فكيف وهو حديث.
ثتانيا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام علق الحكم بوصف يقتضي التكليف والإلزام وهو البلوغ.
ثالثا: الأوامر الأخرى: "إذا أتى أحدكم الجمعة فلغتسل". والأصل في الأمر الوجوب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
رابعا: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يخطب الناس يوم الجمعة، فدخل عثمان وهو يخطب غكأنه لامه على تأخره، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت. فقال: والوضوء أيضا! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم الجمعة فلغتسل"، فلامه على عذره، حيث إنه اقتصر على الوضوء، وتعلمون أن المتكلم عمر رضي الله عنه خليفة المسلمين، والمخاطب عثمان أفضل الصحابة بعده، والجمع من؟ الصحابة رضي الله عنهم فكيف يمكن لعمر أن يوبخ عثمان على الاقتصار على الوضوء في هذا الجمع العظيم، مع علو منزلته رضي الله عنه لولا أن الاغتسال واجب؛ فالصواب عندي كالمقطوع به أن غسل الجمعة واجب على كل إنسان، وما تركته منذ علمت بهذا الحديث لا صيفا ولا شتاء، ولا حرا ولا بردا، ولا إذا كان في مرض يتحمل الاغتسال، وقلت هذا حتى أنني لا أشك في وجوبه، وأرى أنه لابد أن يغتسل الإنسان، وسبحان الله! ماذا يكون جوابنا لله رب العالمين يوم القيامة إذا قال: أبلغكم رسولي بأنه واجب؟
فنقول: لا ليس بواجب، قال: واجب لأنه مؤكد، هذا لا يمكن للإنسان، ليس جوابا صوابا.
فلو قال قائل: إذا كان واجبا فهل هو شرط لصحة الصلاة؟
فالجواب: لا، لدليلين:
الدليل الأول: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يلزم عثمان أن يذهب ويغتسل، ولو كان شرطا؛ لألزمه لأن معه وقت يدرك به الجمعة، يمكنه أن يذهب ويغتسل ويرجع ويصلي الجمعة.
الدليل الثاني: أن الله سبحانه وتعالى إنما جعل الغسل للصلاة من الجنابة، فقال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]. فأوجب التطهر للصلاة من الجنابة فقط، وعليه فلو أن الإنسان ترك الغسل يوم الجمعة ثم صلى فهل نقول: إن صلاته باطلة؟ لا، نقول: صلاته صحيحة، ولكنه آثم لترك الغسل.
فإذا قال قائل: لو أنه نوى في غسل الجمعة من الجنابة وللجمعة أيجزئ أم لا؟
فالصواب: أنه يجزئ؛ لأنهما عبادتان من جنس واحد متفقتان في الهيئة والوصف فقامت إحداهما مقام الأخرى، ولكن لو أراد أن يفرد أحدهما بنية فهل ينوي الغسل من الجنابة ويجزء عن غسل الجمعة، أو بالعكس؟ الأول نقول: إذا كنت تريد أن تقتصر على نية واحدة فإنه غسل الجنابة؛ لأنك إذا نويت غسل الجنابة أديت ما يجب لأنه حصل المقصود بالاغتسال، لكن إذا نويت غسل الجمعة وأنت عليك جنابة فإنها لا تصلح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
هناك قول آخر أشرنا إليه: وهو أنه لابد أن يغتسل للجنابة غسلا تاما، وللجمعة غسلا تاما، وهذا رأي ابن حزم رحمه الله، يقول: لأنهما طهارتان واجبتان اختلف سببهما فوجب أن يجعل لكل سبب طهارته، لكن الصحيح: الأول وهو أنه إذا نواهما جميعا حصلا، وإن نوى غسل الجنابة سقط به غسل الجمعة، وإن نوى غسل الجمعة لم ترتفع الجنابة؛ لأن هذا الغسل ليس عن حدث، وإنما هو واجب للجمعة لا لكونه عن حدث، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
لكن بعض العلماء يقول: إذا نسي الجنابة أو جهل واغتسل للجمعة ثم ذكر أو علم فإنه يجزئ؛ لأنه حينئذ معذور، لكن في نفسي من هذا شيء، والأولى أن يعيد الغسل، ويعيد الصلاة، والصلاة ستكون ظهرا.
نعود إلى القول بالوجوب والقول بالاستحباب - يعني: في الغسل- من العلماء من قال: إن هذا الحديث - حديث أبي سعيد- لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على التأكد، واستدلوا بحديث سمرة بن جندب قال:
107 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.
قوله عليه الصلاة والسلام: "من توضأ" "من" شرطية، أي إنسان يتوضأ "يوم الجمعة" للجمعة، "فبها" أي فبالرخصة أخذ، "ونعمت" أي: ونعمت الرخصة، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الطهارة، أي: فبالطهارة أخذ، "ونعمت الطهارة" أي: طهارة الوضوء.
قوله: "ومن اغتسل فالغسل أفضل" قالوا: إنه قال: الغسل أفضل، وهذا يدل على أن الغسل ليس بواجب؛ لأنه إن كان واجبا لم يقل إنه أفضل؛ ولكن هذا الحديث:
أولا: فيه مقال من ناحية السند فهو ضعيف من حيث السند، ومعلوم أنه لا يمكن لهذا الحديث الضعيف السند أن يقاوم حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه الأئمة كلهم.
ثانيا: أن هذا الحديث إذا تأملته لفظا وجدت لفظه ركيكا يبعد أن يصدر من النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام علي طلاوة وحلاوة ورونق من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
حين ما تقرأه تعرف أنه كلام الرسول، لاسيما إذا كنت تكرر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكثر عليك ورودها فإنك ربما تعرف الشأن من كلامه، كما أنك لو كنت معتادا أن تقرأ كلام عالم من العلماء لعرفت أنه كلامه وإن لم ينسب إليه إذا مر بك في موضع آخر، فالصواب: أن هذا الحديث في سنده مقال، فلا يثبت على قدميه فضلا عن أن يعارض حديث أبي سعيد الخدري.
حكم قراءة الجنب القرآن:
108 - وعن علي رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا". رواه أحمد والخمسة، وهذا لفظ الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان.
قوله رضي الله عنه: "كان النبي يقرئنا القرآن" أي: يعلمنا إياه؛ لأن القرآن ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام ثم يعلمه الصحابة، "ما لم يكن جنبا" يعني: فإن كان جنبا امتنع عن الإقراء فلم يقرئهم مع أنه صلى اللهعليه وسلم أحرص الناس على إبلاغ الرسالة لإيجاب ذلك عليه في قوله تعالى: {يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وغن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67]. "ما لم يكن جنبا"، وسبق معنى الجنب وأنه شرعا: من أنزل منبا بشهوة أو جامع وإن لم ينزل.
من فوائد الحديث: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إبلاغ القرآن، وأنه كان بنفسه يقرئ أصحابه امتثالا لقول الله تعالى: {يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك مربك}.
ومن فوائده: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرئهم إذا كان جنبا، وهل هنا الامتناع على سبيل الأفضلية، أو على سبيل الوجوب؟
قيل: على سبيل الأفضلية؛ لأنه ليس إلا مجرد إمساك وافمساك نوع من الفعل، والفعل المجرد يدل على الاستحباب، وعلى هذا التأويل فالأفضل للجنب ألا يقرأ القرآن، وإن قرأ فلا إثم عليه.
وقيل: إنه على سبيل الوجوب؛ لأن إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر واجب لا يكون إلا عن محرم، وهذا أقرب أن الجنب يحرم عليه قراءة القرآن، وتعليم القرآن.
فإن قال قائل: لو كتب القرآن كتابة فهل يلحق باللفظ؟
فالجواب: لا، لأن الكتابة لها حكم اللفظ في مواضع ولها حكم الإشارة في مواضع، ولذلك لو أن أحدا كتب ورقة إلى شخص وهو يصلي افعل كذا وكذا، فإن صلاته لا تبطل، ولو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
قال: افعل كذا بطلت صلاته، فهنا لم تلحق الكتابة بالقول، بل ألحقناها بالفعل، ولو كتب رجل طلاق امرأته صارت هذه الكتابة كاللفظ، ولو كتب "بيتي وقف" صار وقفا، ولو كتب "عبدي حر" صار حرا، فالمهم أن الكتابة تلحق أحيانا بالقول، وأحيانا بالفعل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي أن يستحيا في أمور الدين لقول علي: "ما لم يكن جنبا"، هذه الكلمة قد يستحيا منها لاسيما بالنسبة للأكابر؛ يعني: تستحي أن تقول: "فلان جنب"، لكن إذا كان لذك في بيان الحق فإن الله لا يستحي من الحق، ولم يذكر في الحديث إلا أن يتوضأ، وعلى هذا فلا يقرئ القرآن، ولا يقرؤه ولم توضأ، بخلاف المكث في المسجد بالنسبة للجنب، فإنه يجوز إذا توضأ.
ومن الفوائد: أن الحائض لا تقرأ القرآن إلحاقا لها بالجنب، ولكن هذا الإلحاق فيه نظر، وجه ذلك: أن الجنب مانعه يمكنه رفعه إذا اغتسل، والحائض لا يمكنها ذلك؛ لأن الحيض ليس بيدها فافترقا، وعلى هذا لا يصح القياس.
ولكن هل حرم على الحائض أن تقرأ القرآن؛ فجمهور العلماء على أنها لا تقرأ وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله. ومن العلماء من قال: إنها تقرأ؛ لأنه ليس في منعها من قراءة القرآن حديث صحيح صريح، والأصل جواز قراءة القرآن، بل قراءة مأمور بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
109 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا". رواه مسلم. زاد الحاكم. "فإنه أنشط للعود".
قوله: "إذا أتى أحدكم أهله" أي: جامعها، فكنى بالإتيان عن الجماع من باب البعد عن التلفظ بما يستحيا منه، وقد عبر القرآن عن الجماع باللمس وبالدخول، فقال: {أو لمستم النساء} [المائدة: 6]. وقال: {التي دخلتهم بهن} [النساء: 23]. أي: جامعتموهن، وقال: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} [البقرة: 236]. وقوله: "أهله" زوجته أو زوجه، زوجته لغة الفرضيين، وهي ضعيفة من حيث الكلام العربي، أما الكلام الفصيح فهو بالتذكير سواء كان وصفا للذكر أو للأنثى.
وقوله: "ثم أراد أن يعود"؛ يعني: يجامع مرة أخرى، "فليتوضأ بينهما وضوءا". ووالوضوء معروف لكن الغسل أفضل، وظاهر الحديث أنه لا يغسل فرجه، ولكن غسل الفرج من باب أولى أيون مطلوبا من الوضوء، ورواية الحاكم: "فإنه أنشط للعود" يعني: أقوى للجماع مرة ثانية؛ لأن البدن يكتسب بهذا الوضوء نشاطا وحيوية يكون بذلك أنشط، ويأتي أهله المرة الثانية وهو نشيط؛ وهو إذا أتى أهله نشيطا صار تضرره بالجماع أقل، ولذلك قال العلماء: لا ينبغي للإنسان أن يكره نفسه على الجماع.
في هذا الحديث فوائد منها: الكناية عما لا ينبغي ذكره باسمه الخاص بما يدل عليه؛ لقوله: "إذا أتى أحدكم أهله".
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد صرح بلفظ الجماع في حديث ماعز لما أقر على نفسه بالزنا، قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: "أنكتها؟ " لا يكني؟
قلنا: بلى، لكن مقام الحدود يجب فيه التثبت حتى لا يظن المقر أن المباشرة والتقبيل زنا، فلذلك صرح النبي عليه الصلاة والسلام باسم الجماع الخاص زيادة في التثبت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الزوجة تسمى أهلا، وهاذ شيء مستفيض ولا يحتاج إلى إقامة برهان او استشهاد بشاهد، ويبنى على ذلك أن قول الله تبارك وتعالى لنساء النبي: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجهلية الأولى وأقمن الصلوة واءتين الزكوة وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33]. فمن يدخل في آل البيت أزواجه بلا شك مثل الشمس؛ لأن السياق في أزواجه، ولو أن أحدا قال: إنه لا يدخل أقاربه في هذا لكان له حجة؛ لأن السياق يعين المراد، لكن الرافضة عكسوا القضية وقالوا: المراد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
بأهل البيت: أقاربه دون أزواجه ليخرجوا عائشة رضي الله عنها التي هي أحب أزواجه إليه، بل إنه سئل: أي أزواجه أحب إليه قال: "عائشة".
فالمهم: أهل أهل البيت يدخل فيهم الأزواج بلا شك، بل إن الإنسان يأوي غلأى اهله - أي: زوجته- أكثر مما يأوي إلى أبيه وأمه كما هو مشاهد.
ومن فوائده: أن الشريعة الإسلامية شاملة فيما يتعلق بالأديان وما يتعلق بالأبدان؛ لأن الوضوء مرة ثانية بين الجماعين طاعة لله ورسوله لأمر النبي عليه الصلاة والسلام به، وهذا فيه مصلحة في الأديان، وهو أيضا منشط للإنسان، وهو مصلحة للأبدان.
ومن فوائد هذا الحديث: الأمر بالوضوء، وهل الأمر للوجوب؟ الجواب: لا، ليس للوجوب، ولكنه للاستحباب، والذي صرفه عن الوجوب أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يطوف على نسائه بغسل واحد. ولم ينقل أنه يتوضأ بين ذلك، لكن الذي يظهر لي - والله أعلم-: أنه كان يغسل فرجه لأجل التنظيف وعدم اختلاط مياه النساء بعضها ببعض، أما الوضوء فلم ينقل؛ فيكون الأمر هنا للاستحباب.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بأس بأن تعلل الأحكام الشرعية بما يعود على البدن بالمصلحة لقوله: "فإنه أنشط للعود"، وينبني على ذلك أن قصد الإنسان بهذا الغرض الدنيوي لا يبطل أجره، وهذا نافع للإنسان، لأن فيه أشياء كثيرة من الأحكام الشرعية تعلل بمصالح بدنية، لماذا تعلل؟ من أجل أن ينظر الإنسان إليها نظرة حد وإلا لكان التعليل بها عديم الفائدة، ومن ذلك- أي: كون الأمور الدنيوية تلاحظ في الاستقامة-: وجوب الحدود على من يسحقونها؛ فإن كثيرا من الناس قد لا يترك هذا الذنب إلا خوفا من العقوبة، ثم إن الرسل أيضا يأمرون أقوامهم بالطاعة، ثم يذكرون المصالح الدنيوية كقول نوح عليه الصلاة والسلام: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا}. هذه المصلحة الدينية {يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنت ويجعل لكم أنهرا} [نوح: 10 - 12]. هذه مصلحة دنيوية، ولولا أن الإنسان لا يضره إذا لاحظها ما ذكرها الرسل - عليهم الصلاة السلام؛ لأن ملاحظتها تكون ضررا على الإنسان، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
مع أن صلة الرحم من أجل الطاعات، ومع ذلك رغب فيها الرسول عليه الصلاة والسلام بشيء يعود إلى الأمور الدنيوية، ووجه ذلك من الحكمة: أن البدن مركب من شهوة وفطرة فلابد من أن يعطى ما يقيم الفطرة، وهو ما يتعلق بالدين، وما ينال به الشهوة وهو ما يتعلق بالدنيا، والله سبحانه وتعالى حكيم.
إذن نأخذ من هذا الحديث في قوله: "أنشط للعود": أنه لا بأس أن تعلل الأحكام الشرعية بعلل تعود إلى مصلحة البدن، وأن ملاحظتها بفعل الطاعة لا يؤثر؛ لأنها لا يمكن أن تذكر لنا بمجرد أن نطلع عليها فقط، لكن من أجل أن تدعم العزيمة والنشاط على الفعل.
حكم نوم الجنب بلا وضوء:
110 - وللأربعة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء" وهو معلول.
قولها رضي الله عنها: "كان ينام وهو جنب"، جملة "وهو جنب" حال، واعلم أن كلمة "جنب" تصلح للواحد وللجماعة، فمن استعمالها للواحد هذا الحديث: "ينام وهو جنب"، ومن استعمالها للجماعة: {إن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]. وإذا كانا اثنين هل تستعمل بالواحد أم بالجماعة؟ بالواحد والجمع، بمعنى أن يقال: كان جنبا، وذكر أنها تستنعمل بالتثنية، فيقال: كانا جنبين، لكن الأشهر أن "جنب" صالحة للواحد والمتعدد. "من غير أن يمس ماء"، وظاهره انه لا يمس ماء للغسل ولا للوضوء، لكن يقول المؤلف: "إنه معلول".
ولكن من فوائده: أنه لا يستحيا من الحق؛ لأن عائشة ذكرت ما يتعلق بالجماع والفرج، ومن عادة النساء أن تستحي أن تتكلم في هذا، لكن إذا كان لبيان الحق فلابد منه.
ومن فوائده: جواز نوم الجنب بلا وضوء، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
القول الأول: أنه يجوز بلا كراهة لهذا الحديث، ومنهم من قال: يجوز مع الكراهة، ومنهم من قال: لا يجوز أن ينام الإنسان وهو جنب إلا بوضوء.
أولا: القول بوجوب الوضوء: واستدل القائلون به بأن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم إذا توضأ فليرقد". فظاهر الحديث أن جواز النوم مشروط بالوضوء، والقول بالوجوب قوي، ولكنه ليس مما يغلب على الظن، أو مما يوجب القطع لحديث عائشة الذي ذكره المؤلف.
القول الثاني: أنه يجوز لكن على الكراهة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله أنه يجوز النوم على جنابة بلا وضوء، لكن مع الكراهة؛ وكأن قائل هذا القول يريد أن يجمع بين الأدلة، فيكون ظاهر حديث عمر الوجوب، لكن يضعف الوجوبحديث عائشة فيكون وسطا بين الوجوب وعدمه، يعني: وجوب الوضوء وبين عدم الوجوب.
القول الثالث: أنه سنة وليس بواجب؛ لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يتركه يدل على جواز النوم على جنابة بلا وضوء، لكن قد جاءت الأدلة بأنه ينبغي للإنسان ألا ينام إلا علة وضوء كما في حديث البراء بن عازب الطويل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة". وهذا من حيث الدليل السمعي، ومن حيث الدليل النظري أنه ينبغي للإنسان أن ينام على طهارة؛ لأن نفسه تفارق البدن لكن ليس فراقا تاما، فينبغي أن يكون على طهارة، والمؤلف رحمه الله كان ينبغي أن يذكر حديث عمر؛ لأنه مهم وهو صحيح ذكره صاحب العمدة، وكذلك ينبغي أيضا أن يذكر حديث أهل السنن في أنه ينبغي للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ، والله أعلم.
صفة الاغتسال من الجنابة:
111 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
112 - ولهما من حديث ميمونة رضي الله عنها: "ثم أفرغ على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض".
وفي رواية: : "فمسحها بالتراب". وفي آخره: "ثم أتيته بالمنديل فرده"، وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده".
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة" "من" هنا سببية؛ أي: إذا اغتسل غسلا سببه الجنابة، و "الجنابة" في الأصل مأخوذة من المباعدة، وهي شرعا: إنزال المني بشهوة، أو إيلاج الذكر في الفرج - يعني الجماع، أو ألإنزال بشهوة-.
قولها: "يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه"، يغسل يديه أولا؛ وذلك لأن اليدين هما آلة الغسل والتنظيف، فكان الاعتناء بهما أولا هو الأنسب.
قولها: "ثم يفرغ بيمينه على شماله" يعني: بعد أن يغسل يديه يأخذ الماء من الإناء بيمينه يفرغها على شماله، ويحتمل أن المعنى: يفرغ بيمينه على شماله أنه يصب الإناء باليمين حتى يفرغها على الشمال "فيغسل فرجه" تنظيفا له من أثر الجنابة إن لم يكن قد بال، فإن كان قد بال فهو تطهير له من أثر البول.
قولها: "ثم توضأ" يعني: يتوضأ وضوءه للصلاة، وهذا يقتضي انه يتوضأ وضوءا كاملا بتطهير الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين.
قولها: "ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر" يأخذ الماء؛ يعني: بيديه ويدخل أصابعه في أصول الشعر؛ لأن شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرا؛ إذ إنه لا يحلقه عليه الصلاة والسلام إلا في حج أو عمرة، "ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات" يعني: بعد أن أوصل الماء إلى أصول الشعر حفن على رأسه؛ يعني: بيديه ثلاث حفنات تكميلا لتطهير الرأس، وإنما شدد في تطهير الرأس من الجنابة؛ لأن الوضوء مبني على التخفيف؛ إذ إنه في أعضاء أربعة فقط بخلاف الغسل من الجنابة، ولما كان الغسل من الجنابة أوكد في التطهير صار الاعتناء بالرأس الذي فيه الشعر أولى؛ ولهذا كرر النبي صلى الله عليه وسلم غسله ثلاث مرات، بعد ان أدخل الماء في أصول الشعر.
قولها: "ثم أفاض على سائر جسده" "أفاض" يعني: أفاض الماء على سائر الجسد، "سائر" يعني: باقي، وتكون بمعنى: "كل"؛ فإذا قلت: "أكرمت سائر الطلبة" المعنى: كلهم، وإذا قلت: "أكرمت الطلبة وسائرهم"، يعني: من جاء من بعدهم، فهذا المراد البقية، فالمراد بها هنا "سائر جسده" أي: بقية جسده، أما على كونها يراد بها الكل فهي مأخوذة من السور، سور الدار؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
لأنه محيط بها، وأما على كونها يراد بها البعض فهي مأخوذة من السؤر وهو بقية الطعام أو الشراب، "ثم غسل رجليه" تنظيفا وتطهيرا؛ لأنه - كما تعلمون- كان الناس فيما سبق ليس عندهم هذه الحمامات النزيهة الصقيلة فتتلوث الرجل بالطين فتحتاج إلى غسلها مرة أخرى تنظيفا لها.
"ولهما" أي: البخاري، ومسلم من حديث ميمونة: "ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله".
الفائدة قوله: "وغسله بشماله"؛ حيث نصت على أن سل الفرج يكون بالشمال، "ثم ضرب بها الأرض" أي: ضرب بشماله الأرض بعد أن غسل فرجه، وفي لفظ: "أو الحائط مرتين أو ثلاثا"؛ لأن ذلك أبلغ في سرعة إزالة ما علق بها، وكان الماء قليلا يحتاج إلى أن يزاد في الغسل بالضرب على الأرض أو على الحائط ليكون أبلغ في التطهير، وفي رواية: "مسحها بالتراب"؛ وهي بمعنى ضرب بها الأرض، وفي آخره: "ثم أتيته بالمنديل فرده"، وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده" رد المنديل، يعني: لم يتمنندل به، "وجعل ينفض الماء بيده" يعني: يسلته عن جسده وينفضه.
هذا الحديث فيه بيان الغسل من الجنابة على الوجه الأكمل كما سمعتم، والواجب: هو أن يفيض الماء على سائر جسده على أي وجه كان سواء بدأ بالوضوء، أو بدأ بالرأس، أو بدأ بالجنب، أو بدأ بالأسفل، المهم أن يعم الماء جميع بدنه.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الواجب هو أن يعم الماء جميع البدن؟
قلنا: قوله تبارك وتعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]. ولم يذكر الله تعالى البداءة بشيء دون آخر.
فلو قال قائل: هذا لفظ مجمل بينه فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟
قلنا: نعم، هذا وجيه لولا أن السنة جاءت ببيان أنه ليس بواجب، أي: هذه الصفة التي ذكرتها عائشة وهي ما ثبت في البخاري في قصة الرجل الذي اعتزل القوم ولم يصل معهم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك"، ثم حضر الماء فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ماء، فقال: "خذ هذا فأفرغه على نفسك". ولم يذكر له الكيفية التي ذكرت في حديث عائشة، ولو كانت واجبة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المقام يحتاج إلى البيان.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز للمرأة أن تصرح بما قد يستحيا منه لبيان الحق، لقولها: "إذا اغتسل من الجنابة"، ومعلوم أن أم المؤمنين عائشة هي إحدى زوجاته، وأنه سيكون جنبا منها ومن غيرها، ومثل هذا قد يستحيا منه، لكن إذا كان لبيان الحق فإنه لابد منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يغتسل الإنسان على هذه الكيفية المذكورة.
ومن فوائده: أنه يبدأ بالوضوء قبل الغسل؛ لقوله: "ثم يتوضأ … إلخ"، وهل هذا الوضوء يكفي عن الوضوء مرة ثانية بعد الاغتسال؟ الجواب: نعم، بل لو أنه أفاض الماء على سائر جسده دون أن يتوضأ كفاه عن الوضوء؛ لأن الله لم يذكر في الجنب إلا أن يتطهر، ولم يذكر الوضوء، نعم لو مس ذكره في أثناء الغسل وقلنا بوجوب الوضوء من مس الذكر مطلقا؛ فهنا نقول: حصل حدث في أثناء الغسل فيجب أنيتوضأ له أما على القول بأنه لا ينتقض الوضوء بمس الذكر إلا إذا كان لشهوة كما هو القول الراجح فإنه لا يضره إذا مس ذكره في أثناء الاغتسال.
ومن فوائد هذا الحديث: العناية بغسل الرأس في الجنابة، وأنه يجب إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ومثل هذا لا يفعل إلا إذا كان واجبا لما في ذلك من المشقة على الإنسان في إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ ولأنه إذا كان في أيام الشتاء سيكون فيه مشقة أخرى بعد الاغتسال.
ومن فوائد هذا الحديث: تكرار غسل الرأس ثلاث مرات بعد إدخال الماء إلى أصول الشعر لقولها: "ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات".
ومن فوائده: أنه لا ينبغي تكرار الغسل في بقية البدن لقولها: "ثم أفاض على سائر جسده"، ولم تذكر التثليث، وهذا هو القول الراجح، وقال بعض أهل العلم: بل يسن التثليث قياسا على الوضوء، والصواب عدم ذلك؛ يعني: عدم صحة ذلك القياس، وأنه يكتفي بغسله مرة واحدو.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط الدلك وهو كذلك، لأنه لم يذكر في الحديث أن الرسول كان يدلك بدنه، لكن إذا خاف الإنسان ألا يعم الماء بدنه فينبغي أن يمر يده حتى يتيقن، لاسيما إذا كان قد ابطأ في غسل البدن فإنه يكون فيه شيء من الدهن ربما يزيل الماء عن بعض البدن فيحتاج أن يمسحه بيده حتى يتأكد من وصول الماء إلى سائر جسده.
ومن فوائده: مشروعية غسل الرجلين بعد انتهاء الغسل، ولكن هذا مقيد بما إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه لم يذكر في رواية البخاري أنه غسل رجليه بعد الغسل، فالظاهر - والله أعلم-: أن هذا فيما إذا احتيج إليه، وأن الرسول يغسلها أحيانا ولا يغسلها أحيانا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الفرج يغسل بالشمال، سواء كان ذلك عن استنجاء أو عن جنابة، أو غير ذلك، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا كان الماء قليلا فينبغي للإنسان أن يستعمل ما يساعد على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
التنظيف بسرعة كالضرب باليد على الحائط، أو على الأرض كما جاء ذلك في حديث ميمونة رضي الله عنها.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التمسح بالمنديل؛ وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه، وإنما ردها لاحتمال أن تكون المنديل فيه شيء من الوسخ، أو خاف ان يشق على الأمة، أو ما أشبه ذلك، ويدل لهذا أنه لولا أنه من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام انه يستعملها ما جاءت بها ميمونة فالظاهر أن هذا كان معتادا لكن ردها لسبب من الأسباب.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نفض الماء باليد، واما ما ورد من النهي عن ذلك فإنه ضعيف لا تقوم به حجة، فالصواب أنه يجوز للإنسان أن يتمندل، وإذا لم يفعل فلا حرج أن ينفض الماء بيده.
113 - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ -وفي رواية: والحيضة؟ -فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حيثات". رواه مسلم.
قولها: "إني امرأة أشد شعري" "أشد"؛ يعني: عند فتله ليكون ضفائر وقرونا، ومعلوم أن شد الشعر يقتضي ألا يتخلله ماء إلا بمعالجة، وقولها رضي الله عنها: "أفأنقضه لغسل الجنابة"، وفي رواية: "والحيضة" يعني: والحيض؟ فقال: "لا"، وقوله: "لا" يحتمل أنها للنهي أو أن هذه نفي الوجوب، فإن قلنا: للنهي صارت المرأة لا يسن لها أن تنقض، بل ولا ينبغي لها ذلك؛ لأنها سوف تفسد ما أصلحت بدون ضرورة، وغن قلنا إنها لنفي الوجوب صار يجوز للمرأة أن تنقض الشعر، ويأتي في الفوائد إن شاء الله، وقوله: "إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات" يعني: بدون أن تنقضيه.
ففي هذا الحديث من الفوائد: أولا: صراحة نساء الصحابة رضي الله عنهم في السؤال عما قد يستحيا منه؛ لأن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "أفأنقضه لغسل الجنابة".
ومنها: جواز شد شعر الراس، ولكن ينهى أن تجعل المرأة شعررأسها فوق؛ لأنه ربما يكون ذلك سببا للتدرج حتى تجعل الرءوس كأسنمة البخت المائلة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونستاء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب نقض شعر المرأة عند الغسل من الجنابة أو الحيض لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا"، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن تكون لنفي الوجوب ويحتمل أن تكون للنهي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)